في ضرورة توظيف علم اللغة المقارن في تأليف المعجم التاريخي للغة العربية
أ.د. عبدالرحمن السليمان
أ.د. عبدالرحمن السليمان
ملخص البحث
تعالج هذه المقالة أهمية توظيف علم اللغة المقارن وعلم التأثيل في إنجاز معجم تاريخي للغة العربية، وعلى الأخص في الشق التأثيلي للمعجم التاريخي المنشود، حيث يتم التأصيل للجذور العربية بمقارنتها مع الجذور المجانسة لها في اللغات الجزيرية التي ترتبط العربية بها بقرابة لغوية على على مستوى الأصوات والصرف والنحو والمفردات، وهي المستويات الأربعة التي بناء عليها يحكم بالقرابة اللغوية بين اللغات من عدمها. وتبرهن على ضرورة علم اللغة المقارن وعلم التأثيل بأمثلة من المعجم العربي لا يمكن تفسيرها ـ فضلا عن التأريخ لها ـ إلا باللجوء إلى علم اللغة المقارن وعلم التأثيل. من تلك المفردات، على سبيل المثال لا الحصر: ترجمة وقانون وهراقَ وسَلْعَفَ وعَلْمانية وتنور ولغة وغيرها من المفردات التي حار في بعضها أوائلنا وذهب في بعضها الآخر أواخرنا كل مذهب لا لشيء إلا لإقصائهم علم اللغة المقارن وعلم التأثيل من الدراسات اللغوية العربية، وهي الدراسات التي لا تكتمل إلا بتوظيف العلمين المذكورين فيها.
1. تمهيد:
تنتمي اللغة العربية إلى أسرة للغات الحامية السامية (أو اللغات الأفرورآسيوية أو اللغات الجزيرية ونفضل هذا المصطلح الأخير). وتتكون هذه الأسرة اللغوية الكبيرة من لغات استعملتها مجموعات كثيرة من البشر منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد حتى اليوم، وفي منطقة امتدت وتمتد من الجزيرة العربية حتى المغرب، ومن جنوب تركيا حتى إثيوبيا. أشهر تلك اللغات العربية والأكادية والأوغاريتية والفينيقية والآرامية والعبرية والحبشية والمصرية القديمة والأمازيغية.[1] ولا تزال اللغة العربية تفتقر إلى معجم تأثيلي يعالج أصولها معالجة تأثيلية ويبين ما تشترك العربية فيه مع أخواتها من اللغات الجزيرية، وما تنفرد به وحدها من الألفاظ التي طورتها بمعزل عن التراث اللغوي الجزيري المشترك، وما اشتقته من جذورها خلال مراحل تطورها الكثيرة، وما استعارته من لغات أخرى وطوعته لينسجم مع أوزانها وأبنيتها مثل /أُسْقُف/ (= المعرب عن اليوناني episkopos)، أو لم تطوعه تاركة إياه على حاله مثل /تلفزيون/ (= الدخيل)[2]، وما دخلها من تعابير اصطلاحية تغلغلت في تراكيبها من خلال الترجمة العشوائية ولغة الصحافة الأجنبية وغيرهما من قنوات الاتصال الحديثة بالغرب.[3] إن خلو المكتبة العربية من معجم تأثيلي يؤرخ للألفاظها ويضبط التطور الدلالي للمدلولات والمفاهيم عبر الزمن، ثغرة كبيرة في الثقافة العربية خصوصا وأن علم صناعة المعجم علم عربي أصيل وضعه العرب منذ أيام الخليل بن أحمد الفراهيدي وطوروه فيما بعد تطويرا كبيرا، فسبقوا بوضعه وتطويره سائر الأمم التي أخذت عنهم هذا العلم الذي لم يتجاوزهم فيه أحد حتى القرن الثامن عشر الميلادي، عندما بدأ الأوربيون، متأثرين بعلم صناعة المعجم العربي، ينسجون على منوال المعاجم العربية ويضعون معاجم للغاتهم بلغت في جودتها الغاية.[4] إن توظيف علم اللغة المقارن وعلم التأثيل في الدراسات اللغوية العربية أمر لا بد منه إذا أردنا أن نؤرخ للمفردة العربية تأريخا تأثيليا دقيقا بتوظيف علم اللغة المقارن.
2. علم اللغة المقارن:
يقوم علم اللغة المقارن على أربعة أصول هي: الصوتيات والصرف والنحو والمعجم.[5] والقرابة اللغوية التي لا تثبت على أساس هذه الأصول الأربعة ولا تحكمها قوانين صوتية مطردة لا تكون قرابة لغوية بل محض صدفة. وأسرة اللغات الجزيرية أسرة لغوية قديمة تتكون من فرعين الفرع الشرقي (ومنه الأكادية والأوغاريتية والآرامية والعبرية والفينيقية والحبشية والعربية وغيرها) والفرع الغربية (ومنه المصرية القديمة والأمازيغية وغيرهما). وقد ذهب أكثر الباحثين إلى أن أصل هذه اللغات كان في الجزيرة العربية.[6] ترتبط لغات هذه الأسرة اللغوية الكبيرة بقرابة لغوية ثابتة صوتيا وصرفيا ونحويا ومعجميا، مما يفترض انحدارها من لغة أم كانت تستعمل في الجزيرة العربية قبل تفرق القبائل المتحدثة بها وهجرتها إلى العراق والشام ومصر والمغرب.[7] وقد اهتدى الباحثون إلى تصوّر هذه اللغة الأم المفترضة بمقارنة اللغات الجزيرية ببعضها على المستوى الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي، وأطلقوا عليها اسم "اللغة السامية الحامية الأم" (Proto-Hamito-Semitic)[8]. ونصطلح نحن على تسميتها بـ (اللغة الجزيرية الأم).[9]
ويعتقد، في بعض الأوساط العلمية، أن هنالك قرابة بعيدة بين أسرة اللغات الجزيرية من جهة، وأسرة اللغات الهندية الأوربية من جهة أخرى، إذ توجد نظرية لغوية مفادها أن اللغات الجزيرية من جهة، واللغات الهندية الأوربية من جهة أخرى، تعود كلها إلى أصل لغوي واحد، هو لغة افتراضية اصطلح على تسميتها بـ "اللغة النوصطراطية" أو (The Nostratic Language).[10] وقد جمع مولر في كتابه "قاموس مقارن للغات الهندية الأوربية والسامية"،[11] معظم الجذور المشتركة بين هذه اللغات، واهتدى إلى القوانين الصوتية التي تحدد القرابة اللغوية بينها. وقد طور هذه النظرية وهذبها برونر في كتابه القيم "الجذور المشتركة للمفردات الجزيرية والهندية الأوربية".[12] ويبدو من هذين الكتابين أن القرابة اللغوية (أي المعجمية) ثابتة بين اللغات الجزيرية واللغات الهندية. وقد اهتدى الباحثان أعلاه إلى بعض القوانين الصوتية التي تحكم التطور الحاصل في مفردات تلك اللغات. من تلك القوانين الصوتية: /التاء/ في اللغات الجزيرية تجانس تأثيليا /التاء/ و/الثاء/ في اللغات الهندية الأوربية. مثال:
الأكادية: /فيتُ (petu)/ [وأصلها: /بَتَحَ/ بالـ p، وقد حالت الكتابة المسمارية دون رسمها كما كانت تلفظ] "فتحَ"؛ العربية /فتَحَ/؛ العبرية: פתח = /باتَح (pātaÎ)/ "فتحَ" [السريانية وكل اللغات الجزيرية تقريباً: ܦܬܚ = /فِتَح/ "فتحَ"]؛ المصرية القديمة: /فْتِح (pteÎ)/؛ اليونانية πετάννυμι = petánnumi "فتَح، انفتحَ، توسَّع"؛ اللاتينية: patēre "انفتح؛ تفتّحَ؛ توسّعَ" وكذلك pandere "فتحَ؛ وسَّعَ" [بالإضافة إلى بعض اللغات الأوربية الأخرى].[13]
وعودة إلى اللغات الجزيرية، نستحضر أن القرابة اللغوية في علم اللغة المقارن تثبت بناء على أربعة أصول هي الصوتيات والصرف والنحو والمعجم كما تقدم. وسوف نتوقف عند كل من هذه الأصول الأربعة، ونمثل عليها في حدود هذه المقالة.
1.2. الصوتيات:
يراد بالصوتيات العلم الذي يدرس الأصوات اللغوية دراسة وصفية ويصنفها حسب مخارج حروفها. ويبدو من الدراسات الجزيرية المقارنة أن اللغة الجزيرية الأم تحتوي على تسعة وعشرين حرفا وردت جميعها في الحميرية، ثمانية وعشرون منها في عربيتنا (انظر 2.1.2.). تنظم القرابة بين اللغات الجزيرية قوانين صوتية كثيرة تعين الباحثين على استشفاف القرابة بجلاء من جهة، وتصور الأصوات الأصلية في اللغة الجزيرية الأم من جهة أخرى. إن القوانين الصوتية المنظمة للقرابة مطردة اطرادا ملفتا للنظر كما يبدو من هذا القانون الصوتي:
1.1.2. (حرفا الشين والسين):
كل حرف /شين/ في اللغة الجزيرية الأم: يبقى في العربية: /شين/، ويصبح في العبرية: /سين = שׂ/، وفي السريانية: سين = ܣ.
ونمثل على هذا القانون الصوتي بالجذر /ب ش ر/، فقد ورد في الأكادية هكذا: /بِشْرُم/[14] "لحم"؛ وفي الأوغاريتية: /بَشَر/ "لحم"؛ وفي السريانية: ܒܣܪܐ = /بِسْرا/ "لحم"؛ وفي الحميرية: /بَسَر/ "لحم"؛ وفي العبرية בשׂר = /باسار/ "لحم" وفي العربية /بَشَرٌ/ "البشر". والأصل في هذا الجذر هو /بشر/ كما هو واضح، أي بالشين التي انقلبت فيما بعد سيناً في بعض اللغات الجزيرية.
يلاحظ أن الأكادية التي دونت ابتداء من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكذلك الأوغايتية التي دونت ابتداء من القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وردت فيهما الكلمة بالشين الأصلية: /بِشْرُم/، باطراد /بَشَر/ بمعنى "لحم" في كلتيهما. ويلاحظ أيضا أن العربية الشمالية – وهي من آخر اللغات الجزيرية تدوينا، وردت فيها الكلمة بالشين الأصلية: /بَشَرٌ/ ولكن بمعنى "البشر". ويستنتج أيضا أن هذا الجذر في التراث اللغوي الجزيري المشترك يفيد في أصله معنى: "اللحم" وكذلك "الكائنات المخلوقة من لحم؛ البشر". فصار هذا الجذر يؤدي في العربية معنى "البشر". ولكن لا يخفى على أحد أن العربية لا تزال تحتفظ بمعنى "اللحم" في قولنا "بَشَرة الجلد"[15] وقولنا "نحن بشر: من لحم ودم" الخ. و"البَشَرَة" هي "جلد" الإنسان الذي يغطي لحمه. وهنا نستنتج أن العربية احتفظت بحرف الشين كما جاء في المفردات الموروثة عن اللغة الجزيرية الأم، وأن العبرية والسريانية والحميرية أحالته سينا. كما نستنتج أن العربية احتفظت أيضا بالمعنيين الأصليين للجذر /بشر/ وهما "اللحم" و"البشر"، وأن معنى "البشر" طغى فيها على معنى "اللحم" الذي تؤديه في العربية كلمة (اللحم) التي سنتوقف عندها أدناه (انظر 4.4.2.) لإكمال الرؤية. ونستنتج أيضا أن مثل هذا الطغيان المعنوي لمعنى على معنى موجود أيضا في عبرية التوراة التي تؤدي فيها كلمة בשׂר = /باسار/ معنى "اللحم"، لكنها جاءت في مواضع أخرى بمعنى "البشر" الأصلي الذي ثبت في العربية. [16]
2.1.2. (حرف الضاد):
من منا لم يسمع أن العربية "لسان الضاد"؟ الإشارات في كتب اللغة والأدب كثيرة[17]، فحرف /الضاد/ عنوان للعربية. ومع ذلك فإن حرف /الضاد/ ليس مخصوصا بالعربية وحدها كما يُظن. فلقد كان حرف /الضاد/ موجودا في كل اللغات الجزيرية، إلا أنها أهملته بل دمجته بـ /الدال/ تارة و/الظاء/ تارة أخرى، إلا العربية الشمالية والعربية الجنوبية (الحميرية والحضرمية والقتبانية والسبئية)، والعربية الوسطى (اللحيانية والثمودية) بالإضافة إلى الأوغاريتية والحبشية، فلقد احتفظت هذه اللغات بحرف الضاد.
إذن حرف /الضاد/ موجود في العربية بلهجاتها الكثيرة، وفي الحبشية وهي خليط من العربية واللهجات الإفريقية بعد هجرة قدامى اليمينيين إلى إفريقيا. أما الأوغاريتية فورود /الضاد/ فيها ملفت للنظر، ذلك أن الأوغاريتية لغة جزيرية كانت تستعمل في غربي سورية ابتداء من مطلع الألفية الثانية قبل الميلاد، واحتفاظها بحرف /الضاد/، بعكس كل اللغات الجزيرية الشمالية، قد يعتبر دليلا على أن الأوغاريتيين لم يكونوا من الكنعانيين، بل كانوا عربا هاجروا إلى الشمال وقهروا الكنعانيين وأسسوا الدولة الأغاريتية في رأس شمرا غربي سورية. ومما يعضد هذا الاحتمال القوي، أن للأوغاريتية أبجديتين: واحدة باثنين وعشرين صوتا لكتابات العامة، وأخرى بثمانية وعشرين صوتا لكتابات الخاصة، فضلا عن شدة شبه لغتهم بالعربية. وهذا وغيره ما يجعلنا نعتقد بأن ملوك الأوغاريتيين كانوا عربا غزوا غربي سورية وأنشؤوا فيها مملكتهم، فاستعملوا الأبجدية ذات الثمانية والعشرين حرفا لكتاباتهم هم، وتركوا عامة الكنعانيين الذين كان الأوغاريتيون يحكمونهم يكتبون بأبجدية تحتوي على اثنين وعشرين حرفا تماما مثل الأبجدية الفينيقية والآرامية والعبرية.[18] لذلك نرى حرف الضاد قد اختفى من الفينيقية والآرامية والعبرية وسائر اللغات الكنعانية، تماما مثلما اختفت حروف /الظاء/ و/الخاء/ و/الثاء/ و/الذال/ و/الغين/ من الفينيقية والآرامية والعبرية من جهة، ومن معظم اللهجات العربية المحكية اليوم من جهة أخرى ..
وأما في العبرية، فقد اندمج حرف /الضاد/ هو و/الظاء/ مع حرف /الصاد/ كما يبدو من هذا المثال (قارن: צבי = /صبي/ ويجانسه في العربية /ظبي/ وצחק = /صحق/ ويجانسه في العربية /ضحك/). وهنالك إجماع بشأن ذلك بين المشتغلين باللغات الجزيرية، عمره أكثر من قرن، مفاده أن الأصوات الجزيرية الأصلية هي تسعة وعشرون صوتاً، ورد جميعها في الحميرية فقط. أما عربيتنا الشمالية فتحتوي على ثمانية وعشرين حرفاً منها. والحرف التاسع والعشرون الموجود في الحميرية وغير الموجود في العربية، هو حرف بمنزلة بين منزلة /السين/ ومنزلة /الشين/ في النطق، ولا يعرف أحد كيف كان يلفظ في الماضي، ذلك لأن الحميرية لغة مندثرة (ويقابله في العبرية حرف الـ: ס /ساميك/، الذي كان يلفظ مثل الـ: שׂ /سين/، إلا أنهما أصبحا صوتاً واحداً في العبرية لعلة اندثار العبرية قرونا طويلة قبل إحياء اليهود لها).
إذن الأصوات الجزيرية تسعة وعشرون صوتا صامتا احتفظت الحميرية بها كلها والعربية الشمالية بثمانية وعشرين منها. أما العبرية والسريانية والآرامية والبابلية وغيرها من اللغات الجزيرية فلقد دمجت بعض الحروف ذات المخارج المتقاربة ببعضها لتصبح صوتا واحدا في النطق وحرفين اثنين في الكتابة (مثل الـ: ס /ساميك/ والـ: שׂ /سين/ في العبرية على سبيل المثال). ومن أمثلة ذلك في العبرية، بالإضافة إلى اندماج الضاد بالصاد والظاء الذي تقدم ذكره: اندماج الحاء بالخاء. مثلا: חתם = /حتم/ ويجانسه في العربية /ختم/؛ חתף = /حتف/ ويجانسه في العربية /خطف/. وكذلك اندماج العين بالغين. مثلاً: עצם = /عصم/ ويجانسه تأثيليا /غمض/. وأصل هذه /العين/ العبرية هو /الغين/ كما سنرى أدناه. ومما زاد في الطين بلة عجز اليهود الغربيين (الأشكناز) عن نطق /العين/ الجزيرية فجعلوا منها /همزة/ قطع فصار حرف /العين/ في العبرية يدل على ثلاثة أصوات جزيرية أصلية هي /العين/ و/الغين/ و/الألف/ (همزة القطع). ومثله في البلبلة المحدثة: خلط حرف /الحاء/ بحرف /الخاء/ بحرف /الكاف/ المخففة اللفظ التي تكون آخر الكلمة (مثل מלך = /مِلِخ/ بدلا من /مِلِك/ "مَلِك")، فصاروا يلفظون חמור هكذا: /خَمُور/ (بحرف /الخاء/ مثلما لفظوا /كاف/ מלך = /مِلِخ/ خاء وذلك بدلا من /حَمور/ (= حِمار)، وناهيك بذلك خلطا وفقرا في الأصوات.
الخلاصة: إن حرف الضاد حرف أصيل في الجزيرية الأم، احتفظت العربية الشمالية والحميرية والأوغاريتية والحبشية به، بينما اندمج في سائر اللغات الجزيرية مع /الصاد/.
2.2. الصرف:
يراد بالصرف علم أبنية الكلمات وتركيبها وبيان الأحرف الأصلية والزائدة منها. وقد استعار اليهود والسريان وغيرهم نظام النحو العربي كما وضعه الخليل وسيبويه لمعالجة لغاتهم، واستعملوا – فيما استعملوا – الجذر /فعل/ لضبط أوزان الكلام وتوصيفها. كما اعتمد المستشرقون من بعد على النظام اللغوي العربي لتوصيف اللغات الجزيرية، ووظفوه في الدراسات الجزيرية المقارنة وكذلك في توصيف نحو كل لغة من تلك اللغات على حدة.
لنأخذ على سبيل المثال الأوزان الجزيرية التالية الموجودة في كل اللغات الجزيرية بصيغ مختلفة نسبيا: فَعْل/فِعْل/فُعْل، ولنتأمل في الجدول التالي:
الوزن/ الجزيرية الأم | الجزيرية الأم | الأكادية | العبرية | السريانية | العربية |
فَعْلُم | كَلْبُم | كَلْبُم | כלב = كِلِب keleb | ܟܠܒܐ = كَلْبا | كَلْبٌ |
فِعْلُم | سِفْرُم | سِفْرُم | סֵפֶר = سِيفِر sēfer | ܣܦܪܐ = سِفْرا | سِفْرٌ |
فُعْلُم | أُذْنم | أُذْنم | אזֶן = أُوزِن ōzen | ܐܙܢܐ = أُزْنا/أُدْنا | أُذْنٌ |
ومن الجدير بالذكر أن هذه الأوزان الثلاثة تسمى في النحو العبري: "بنات السيغولات" (أو:nomina segolata)، والسيغول هو الحركة الممالة إمالة سريعة نحو الكسر (وهي الـ e في ōzen). تجمع هذه الكلمات في اللغتين جمع تكسير على /فِعال/. إلا أن العبرية نَظَّمت جمع التكسير وجعلته مطرداً فيها بإضافة لاحقة جمع المذكر السالم: "ـِيم = ים" كما يبدو من כְלָבִים = /كِلابِيم/ التي تطورت كما يلي:
כלב = /كِلِب/ < כְלָב = /كِلاب/ < כְלָבִים = /كِلابِيم/. فكلمة /كِلابِيم/ مجموعة مرتين، مرة جمع تكسير ومرة بإضافة لاحقة جمع المذكر السالم: "ـِيم = ים" إلى جمع التكسير.
لننظر أيضا في صيغ التعدية (أَفْعَلَ/هَفْعَلَ/سَفْعَلَ)، فنلاحظ معها أن العربية احتفظت بطائفة من الألفاظ التي يقول فيها اللغويون الأوائل[19] إن /الهاء/ فيها تبدل من /الهمزة/. من تلك الألفاظ: إِيّاك/هِيّاك؛ إِنّ/هِنَّ (قارن العبرية: הנה = /هِنِّيه/)؛ هَيْر/أَيْر (= الصَّبا)؛ أَيا/هَيا (للنداء) الخ. ونجد هذا الإبدال في الأفعال المزيدة مثل: أَرَاق/هَراق؛ أنارَ/هَنار؛ أراحَ/هَراح؛ أرادَ/هَراد الخ. كما نجد أفعالاً مزيدة وقع فيها إبدال السين من الهمزة أيضاً مثل سَلْعَفَ، سَقْلَبَ وسَلْقَيَ.
بالمقارنة مع اللغات الجزيرية نجد أن /الهمزة/ و/الهاء/ و/السين/ وردت فيها لتعدية الفعل اللازم، وعليه فإن /السين/ و/الهاء/ في اللغات الجزيرية تجانسان /ألف/ تعدية الفعل الناقص في العربية مثل ماتَ/أماتَ. فحرف /السين/ هو حرف التعدية في الأكادية ولهجتيها البابلية والآشورية (مثلاً: أُشَشْكِن، من الجذر: /شكن، سكن/)، وفي الحميرية (القتبانية: سَعْذَب من الجذر /عذب/)، وفي الآرامية القديمة (שהלב = /شَلْهِب/، من الجذر /لهب/)[20]، وفي الأوغاريتية (لَحَمَ "طَعمَ"، شَلْحَمَ "أطعمَ" ). وورد في العبرية (שבלול = /شَبْلُول/ من الجذر /بلل/)، وفي السريانية: (ܣܩܒܠ = /سَقْبِل/ من الجذر /قبل/) وهو نادر في الأخيرتين ندرته في عربيتنا (بعكس الحميرية وغيرها من لهجات العربية الجنوبية). وحرف /الهاء/ هو حرف التعدية في العبرية (הקדיש = /هِقْدِيش/ وأصله: /هَقْدَشَ/ على وزن /أَفْعَلَ/ ويعني "قَدَّسَ")، وفي الآرامية القديمة (הנפק = /هَنْفِق/ من الجذر /نفق/ وتعني فيها "أخرج"، والإنفاق إخراج الدراهم)، وفي الحميرية (السبئية: /هَعْذَب/ من الجذر /عذب/)، وفي اللحيانية (/هَوْدَقَ/ من الجذر /ودق/ "قَرَّبَ قُرْباناً). أما /الألف/ فيرد في العربية (أراقَ/هَراقَ)؛ وفي الحبشية (/أسْتَيَ/ "سَقى"، من الجذر /ستي/؛ وفي السريانية (ܐܠܒܫ = /أَلْبِشْ/ من الجذر /لبش/ "أَلْبَسَ").
ويلاحظ في هذا السياق أن وزن أَفْعَلَ/هَفْعَلَ/سَفْعَلَ يأتي في اللغات الجزيرية للتعدية وللصيرورة أيضاً مثل "أصبحَ، وأحصدَ الزرعُ" الخ. ومثله في العبرية: השמין = /هِشْمِين/ "أَسْمَنَ" أي صار سميناً، وفي الحبشية: /أَمْسَلَ/ "أَمْثلَ"، صار مثله في الحديث، الخ.
3.2. النحو:
يراد بالنحو العلم الذي به يعرف تركيب الجمل وطريقة تركيبها ومواقع المفردات وأقسام الكلم فيها. ونحو اللغات الجزيرية متطابق تقريباً إلا أن النحو العربي أشمل من نحو جميع اللغات الجزيرية مجتمعة. والقوانين النحوية والمعجمية مطردة وتنطبق على كل اللغات الجزيرية تقريبا (للأكادية وضع متميز في مجال الصرف مثل العربية).
إن لغة "أكلوني البراغيث" هي القاعدة المطردة في إسناد الفعل إلى الفاعل في اللغات الجزيرية. ولكن العربية عطلتها فيما بعد لالتقاء الفاعِلَيْن، وهو تطور لغوي مخصوص بالعربية دون سائر اللغات الجزيرية. مثال عن ذلك في عبرية التوراة، ما جاء في سفر التكوين، الإصحاح العشرين، الآية الثالثة عشرة (والكلام في الآية منسوب إلى إبراهيم الخليل عليه السلام في حديثه مع أبي مالك بشأن زوجته سارة):
וַיְהִי כַּאֲשֶׁר הִתְעוּ אתִי[21] אֱלהִים מִבֵּית אָבִי, וָאמַר לָהּ, זֶה חַסְדֵּךְ אֲשֶׁר תַּעֲשִׂי עִמָּדִי: אֶל כָּל-הַמָּקוֹם אֲשֶׁר נָבוֹא שָׁמָּה, אִמְרִי-לִי אָחִי הוּא. النقحرة: وَيْهِي كَأَشِر هِتْعوا أوتي إلُوهِيم مِبَيْت أبي، وَأُومِر لَهْ زِه حَسْدِيك أَشِر تَعَسِي عِمَّدي: إِلْ كُلْ هَمَّقُوم أَشِر نَبُوء شَمَّه، إِمْري لي: أَخِي هُو. الترجمة الحرفية: "وكان عندما أتاهوني الآلهة من بيت أبي أن قلت لها: هذا معروفك الذي تصنعين إلي في كل مكان ندخله: قولي عني هو أخي". فورد الفعل هِتْعوا (= أتاهوا) بصيغة جمع المذكر الغائب لأن الفاعل هو إلوهيم جمع /إِلُوَه/ "إله".
إذن ليست لغة "أكلوني البراغيث" حالة شاذة بحاجة إلى كثير تأويل وتبرير كما فعل النحويون الذين برروا ورود هذه اللغة في القرآن الكريم وجعلوا الفاعل الثاني بدلا، بل هي القاعدة المطردة في إسناد الفعل إلى الفاعل في اللغات الجزيرية كما تقدم.
4.2. المعجم:
تشترك اللغات الجزيرية مع بعضها في النسبة العظمى من الجذور الأولية في اللغة وتبلغ عدة آلاف جذر وكلمة.[22] وتتوزع المادة المشتركة على جميع نواحي الحياة البدائية. طبعا ثمة كلمات دخلت من لغات غير جزيرية خصوصا السومرية[23] والفارسية[24] اللتين اتصلت اللغات الجزيرية بهما، وانتشرت في معظم اللغات الجزيرية، إلا أن تلك المفردات سهلة التقصي والضبط. والقرابة بين اللغات الجزيرية في مجال المفردات ثابته تنظمها قوانين صوتية كثيرة يُرجع إليها في كتب الدراسات المقارنة للغات الجزيرية خصوصا كتاب بروكلمان وكتاب موسكاتي.[25]
ويبدو من مقارنة الجذور الجزيرية عموما ببعضها بعضا أن الجذور الجزيرية الشرقية من جهة (الأكادية والعربية والعبرية الخ)، والجذور الجزيرية الغربية (المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية) من جهة أخرى، كانت ثنائية الأصل. ولقد حافظت اللغات الجزيرية الغربية على ثنائية البناء، بينما تطورت الجذور الجزيرية الشرقية لتصبح ثلاثية البناء. وعليه فلا بد من رد الأصول الجزيرية الثلاثية البناء إلى الأصل الثنائي البناء لرؤية التجانس التأثيلي بين الجذور الجزيرية الشرقية والجذور الجزيرية الغربية وكذلك القرابة بالعين المجردة. ولا تخفى علينا أمثلة في العربية (وسائر اللغات الجزيرية الشرقية) مثل الجذر /ج م/ الذي يفيد "الجمع" والذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه مثل /جمع/ و/جمل/ و/جمم/ الخ، ومثل /ق ص/ الذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه أيضا مثل /قصص/ و/قصم/ و/قصر/ الخ، ومثل قريبه في اللفظ والمعنى /ق ط/ الذي يتحدد معناه بالحرف الثالث المضاف إليه أيضا مثل /قطع/ و/قطش/ و/قطر/ والأمثلة كثيرة، مع الإشارة إلى أن هذه الأفعال وبهذه الصيغ موجودة في أكثر اللغات الجزيرية، فلا داعي إلى الاسترسال في التمثيل والبرهنة.
وبتطبيق هذا المنهج، أي رد الجذر الجذر الثلاثي إلى جذر ثنائي، على كلمة /أيور/ التي تعني بالأمازيغية "هلال"[26]، نلاحظ أن هذه الكلمة الثنائية الأصل مشتقة من الجذر الجزيري الغربي الثنائي /ور/ الذي يجانسه في اللغات الجزيرية الشرقية تأثيليا الجذر الأصلي /ور/ الذي ثُلِّثَ بإضافة الخاء إليه ليصبح /وَرْ(خٌ)/. وهذا الأخير هو اسم "القمر" و"الشهر" في اللغة الجزيرية الأم كما هو معروف. والهلال منزلة من منازل القمر. إذن ولّد الجذر الجزيري الأصلي /ور/ في اللغات الجزيرية الغربية كلمات عديدة تدل كلها على معاني "القمر" و"الشهر" و"التاريخ"، وهذه كلها معان متقاربة متصلة ببعضها بعضا اتصالا منطقيا لأن القوم كانوا يؤرخون على منازل القمر، فالتأريخ كان ولا يزال عند خلفهم على منازل القمر والقمر هو "الشهر" لأن دورته تكون في شهر واحد و"التأريخ" محسوب عليهما. (قارن الأكادية /وَرْخُ/ وكذلك /أَرْخُ/ "قمر، شهر"؛ الحبشية /وَرْخ/ "قمر، شهر"؛ الأوغاريتية /يَرْخ/ "قمر، شهر"؛ العبرية: ירח = /يَرَح/ "قمر، شهر"؛ الفينيقية: /يَرَح/ "شهر" وأخيرا السريانية: ܝܪܚܐ = /يَرحا/ "شهر").
وبالنظر إلى هذه الأمثلة نرى أن الواو الجزيرية الأصلية بقيت في الأكادية والعربية والحبشية /واو/ بينما أصبحت في العبرية والأوغاريتية والفينيقية والسريانية /ياء/ وهذه قاعدة مضطردة لأنها قانون صوتي مضطرد أيضا، إلا أن عجيب الاتفاق وقع بين العربية والأكادية (2900 قبل الميلاد) حيث انقلبت الواو فيهما أيضا ألفا: /وَرَّخَ/ و/أرَّخَ/ في العربية، و/وَرْخُ/ و/أَرْخُ/ في الأكادية. وهذا كثير في اللغتين ومثله في العربية: /وَلَّف/ وهو الأصل و/أَلَّف/. وإذا أمعنا النظر في الجذر /ور/ وتأملنا فيه أكثر واسترسلنا في التأمل آخذين بعين الاعتبار القاعدة التأثيلية المطردة وهي أن الجذور الجزيرية كانت ثنائية البناء ثم أضيف إليها حرف ثالث لتحديد المعنى وتدقيقه، فإن النظر والتأمل يفضيان بنا إلى اكتشاف وجود جذور أخرى مشتقة منه تدل كلها على ألفاظ ومعان متقاربة مثل:
1. /ور/ + /أ/ = /أور/ وهو "النور/النار" وكذلك "ضوء النهار" في اللغات الجزيرية، ومنه في العربية "أُوار" في قولنا "أذكى أوار النقاش" أي قدح زنده وألهبه حدة، و/أَوَّرَ/ "أشعل" الخ؛ ومنه في اللغات الجزيرية:
(الأكادية: /أُورُ/ "نور، نهار"؛ الأوغاريتية: /أُور/ "نور، نهار"؛ الآرامية: ܐܘܪܐ = /أُورا/ وكذلك العبرية: אור = /أُور/ "نور، نهار").
2. /ور/ + /ن/ = /نُور/ .. والقائمة طويلة فنكتفي بهذا القدر.
وقد يفضي بنا الحفر إلى استشفاف القرابة بين الأصل الثنائي الجزيري الغربي /ور/ وبين الفعل /رأى/ .. إلا أن ذلك يتطلب حفرا أكثر في الجذر لأن تغييرا في منازل الأحرف من الجذر وقع إلا أن المعنى بقي فـ /الرؤية/ لا تكون إلا بـ /النور/، "نور القمر" (= أوار وَرْخُ) أو نور الشمس أو نور العين أو النور الاصطناعي ..
واستطرادا في موضوع ثنائية الجذور نذكر مثالا آخر عن اختزال الجذر الثلاثي بجذر ثنائي كي تستشف القرابة اللغوية بين اللغات الجزيرية الغربية والشرقية، كلمة: /الإيمان/ المشتقة في العربية والعبرية والسريانية وغيرها من الجذر /أمن/ وهو جذر ثلاثي. أما في المصرية القديمة فهو مشتق من الجذر الثنائي /م ن/. إذن الألف مضافة لتحديد المعنى لأن المعنى العام للجذر الثنائي /من/ هو "التصديق"، أما "الإيمان" فهو حالة خاصة من التصديق ينبغي تمييزها فميزوها بإضافة الألف إلى الجذر الثنائي /من/ ليصبح ثلاثيا: /أمن/. ومن /أمن/ اشتقت كلمة /إيمان/ وكلمة /آمين/، وهي كلمة تختم بها الصلوات معناها "إني أصدق وأثبت على الإيمان"، ويستعملها المسلمون والنصارى واليهود باللفظ ذاته والمعنى ذاته. (قارن في الحبشية: /أَمَنَ/ "ثبتَ" (بضم الباء)؛ الحميرية: /أمنت/ "أمانة"؛ السريانية: ܐܡܝܢ = /أمين/ "ثابت، قوي، سرمدي"؛ العبرية: אמן = /آمِن/ "آمين" وكذلك אמנם = /أمنَم/ "حقا"). ومن المصرية القديمة /من/ "ثبت، صدق" اشتق أيضا اسم الإله المصري القديم "آمون"، الذي كان يعبد في "نو"، والذي ورد في اسم الفرعون "توت عنخ آمون".
هذا فيما يتعلق بالجذور الجزيرية الشرقية والغربية (المصرية القديمة والأمازيغية والكوشية). أما فيما يتعلق بالجذور الجزيرية الشرقية الثلاثية البناء، فإن نسبة القرابة والتجانس قد تكون (أ) مطلقة أي باللفظ والمعنى مثل فعل /كتب/، فهو في كل اللغات الجزيرية من الجذر /ك ت ب/ ويعني فيها "الكتابة"؛ أو (ب) بالتضاد مثل /وثب/ الذي يعني "جلس" في معظم اللغات الجزيرية، ومثل /أبى/ ومعناه في اللغات الجزيرية "وافق، قَبِلَ"، أو (ج) بتغيير طفيف يطرأ على ترتيب الحروف مثل /حَنَش/ في العربية الذي يجانسه /نحش/ في العبرية؛ أو في الحروف ذاتها مثل /قتل/ في العربية الذي يماثله في العبرية /قطل/ – بالطاء. وثمة، وهذا مهم، (د) ألفاظ تطورت بتطور الشعوب الجزيرية الاجتماعي مثل /لحم/ الذي تعني في العربية "لحم" وفي الآرامية والعبرية "خبز". وسنمثل أدناه على هذه الدرجات من التجانس بين اللغات الجزيرية.
1.4.2. التجانس المطلق:
ونقصد به تجانس الجذور وتماثلها وتطابقها في المبنى والمعنى. ونمثل على ذلك بالجذرين (ألل) و(أله) اللذين اشتقت منهما الألفاظ الدالة على الإله المعبود بحق عند الشعوب الجزيرية.
الجذر الأول: /إل+ل/. الأكادية: /إِلُّم/؛ العبرية אל = /إِيل/؛ الفينيقية والأوغاريتية: /إلّّ/؛ السريانية: ܐܠܐ = /إيلا/؛ العربية: /إلٌّ/ وهو الله سبحانه وتعالى (انظر معنى /إلٍّ/ في الآية الكريمة: لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذِمة. سورة التوبة الآية 10. وكذلك معنى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما تُلي عليه بعض من "وحي" مسيلمة الكذاب: "إن هذا لشيء ما جاء به من إلٍّ). ويؤنث هذا اللفظ في العربية وفي اللغات الجزيرية على /إِلَّةٌ/ التي منها جاء اسم الصنم "اللات".
واسم مدينة "بابل" بالأكادية: /باب إِلِّيم/ أي "باب الآلهة". ولا علاقة لاسم "بابل" بحكاية بلبلة الألسن الواردة في التوراة لا من بعيد ولا من قريب. ويرد الاسم في العبرية كثيراً في أواخر الأسماء مثل اسماعيل وميكائيل وإسرائيل، وورد في العربية في أسماء مثل ياليل وشرحبيل.
الجذر الثاني: /إل+ه/. العبرية: אלוה = /إِلُوَه/ (elōah)، وانحراف اللفظ في العبرية مصدره انقلاب ألف المد قبل حروف الحلق إلىōa . (وهذا اللفظ نادر الورود في التوراة بالمفرد وكثير الورود فيها بصيغة الجمع هكذا: אלהים = /إِلُوهِيم/. ويرى علماء التوراة في جمع اسم الإله فيها مشكلة لاهوتية عويصة ويرى بعضهم أن ذلك "جمع جلالة")؛ الآرامية والسريانية ܐܠܗܐ = /إلاها/ "الإله"، والألف نهاية الكلمة الآرامية/السريانية للتعريف؛ العربية: /إله/، /إلاه/. وأصل لفظ الجلالة "الله": الإله. وحذفت الهمزة وفخمت اللام في اللفظ للتوكيد الشديد على تفرد اللفظ للدلالة على الإله المعبود بحق تمييزاً للاسم من غيره من الأسماء التي تطلق على الأوثان. ومن ثم استعمل للعلمية والله أعلم.
إذن نحن إزاء جذرين اثنين واحد ثنائي والآخر ثلاثي. وربما يكون الجذر الثنائي هو الأصل فأضيفت إليه الهاء كما أضافوها إلى الأم (/أم/ – /أمه/) وذلك في سائر اللغات الجزيرية أيضا مع فارق أن هاء /أم/ في العربية واللغات الجزيرية لا تظهر فيها إلا في حالة الجمع: "أمهات" (אמהות = /إمهُوت/ في العبرية).
أما العلاقة بين /ألل/ و/أله/ من جهة، و/ألي/ بمعنى "القسم"، فهي غير واضحة.
2.4.2. الأضداد:
لا نقصد هنا التضاد داخل اللغة الواحدة ـ فهذا موجود في أكثر اللغات الجزيرية على حدة ـ إنما نقصد التجانس بالتضاد بين اللغات الجزيرية كأن يعني الجذر المقابل لجذر ما في لغة ما ضد معناه في تلك اللغة، مثل الجذر /وثب/ الذي يعني في العربية "قفز"، بينما يعني في اللغات الجزيرية الأخرى "جلس" وبالتالي "سكن" (قارن الأكدية /وشابُ/ "جلس، سكن"؛ الأوغاريتية /يثب/ "جلس، سكن"؛ العبرية ישב = /يَشاب/ "جلس، سكن"؛ الحميرية /وشب/ "جلس، سكن"؛ الحبشية /أوسَبَ/ على وزن أفعل: "تزوج" بمعنى أن الزواج يتسبب في الجلوس والإقامة والسكن. ومنه: (رأس المثيبة) لرئيس اليهود في الدول الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما. و(المثيبة): الجالية المقيمة. وهذه الكلمة بهذا المعنى تعريب للكلمة العبرية ישיבה = /يِشِيبا/ بلفظ الباء v، عربها اليهود لاستعهمالهم الخاص للدلالة على الجالية المقيمة كما تقدم.
إذن يعني /وثب/ ـ في كل اللغات الجزيرية: "جلس" وبالتالي "سكن"، بينما يعني في العربية "قفز، نطَّ". وهذا يفسر النكتة المشهورة في كتب اللغة من أن أحد ملوك اليمن قال لعربي من عرب الشمال: (ثِب) ـ وهو يقصد (اجلس) ـ فقفز ذلك العربي وسقط على رأسه ومات .. فقال الملك: (من دخلَ ظفار حَمَّرَ) أي تكلم بالحميرية لا بالمضرية، عربية عرب الشمال ـ عربيتنا.
3.4.2. إبدال بعض الحروف:
يجانس الفعل العربي /قتل/ بناءً ومعنى الفعل الآرامي/السرياني ܩܛܠ = /قِطَل – بالطاء – وكذلك العبري קטל = /قاطَل/ كله "قَتَلَ". ومثله /حنش/ الذي يقابله في العبرية נחש = /ناحاش/ (من الجذر: نحش). وهنا نلاحظ أن إبدال بعض الحروف من بعضها لايؤثر في المعنى. صحيح أن /ناحاش/ العبرية تعمي "أفعى" وليس "حنش"، ولكن هذا لا يؤثر على القرابة البادية بين اللفظتين.
4.4.2. تطور المفاهيم حسب البئية الاجتماعية:
تتطور بعض المفاهيم الأساسية ذات المعاني المشتركة في اللغة الجزيرية الأم وتكتسب معاني مختلفة نتيجة للتطور البيئي والاجتماعي لهذا الشعب الجزيري أو ذاك. من ذلك الجذر الجزيري المشترك /لحم/. فكلمتنا (لَحْم) من التراث اللغوي الجزيري المشترك، وأصلها /لَحْمُم/.
قارن الأكادية: /لِيمم/ (وأصلها: لحمم لأن الكتابة المسمارية لا تظهر الحاء) ومعناها: "ذوق"؛ والأوغاريتية: / لَحْم/ "خبز، طعام"؛ والسريانية: ܠܚܡܐ = /لَحْما/ "خبز، طعام"؛ والعبرية: לחם = /لِحِم/ "خبز، طعام" وלחום = /لِحُوم/ "لحم" (هكذا جاءت في سفر أيوب الإصحاح 20 الآية 23)؛ وأخيرا العربية: /لَحم:/ "اللحم".
يتضح جليا من الاستقراء الأولي لهذا الجذر أنه يعني "الطعام" بمعنى: "مادة الغذاء الرئيسية"، وكان هذا "الطعام" عند أوائل الجزيريين "اللحم" لأنهم كانوا بدوا، والبدوي يصطاد ويشوي ويأكل كما هو معلوم، ولا يزرع القمح أو يعالجه خبزا .. وتحول مفهوم هذه الكلمة الدلالي نتيجة لتطور حياة الجزيريين الاجتماعية، فدل عند قوم على "اللحم"، وعند قوم على "الخبز".[27] فالآراميون والعبران تمدنوا قبل عموم عرب الشمال (تحضر عرب الجنوب قبل عرب الشمال بقرون كثيرة)، وانتقلوا من حياة البداوة والصيد إلى حياة الاستقرار والفلاحة، فتطور مفهوم /لحم/ ـ الذي كان يدل عندهم على المادة الغذائية الرئيسية ـ من /لحم/ إلى /خبز/ كما يبدو جليا. ويؤدي الإمعان في الاستقراء والتحليل إلى الجزم بأن معنى هذا الجذر الجزيري الأصلي هو "اللحم" وليس "الخبز". وهذا يُستشف بجلاء من معاني "التحمَ" و"لُحمة" و"ملحمة" في العربية. وفي التوراة (سفر القضاة، 8:5) לחם = /لحم/ "معركة"، ومنها أيضاً في العبرية: מלחםה = /مَلْحَماة/ "ملحمة" بمعنى "معركة"، ومنها أيضاً في العبرية לחם = /لاحَم/ "عاركَ، حاربَ، التحمَ"! والمعركة، عند الأقدمين، كانت بطعن "لحم" المقاتلين "الملتحمين" بالسيف والرمح وما إليهما من آلة الحرب القديمة.[28]
3. ضرورة توظيف علم اللغة المقارن في تأليف المعجم التاريخي للغة العربية
1.3. من أجل التأثيل للمفردات:
ونقصد به التأريخ التأثيلي للفظة وهو غير التأريخ الزمني لها. فالتأثيل يؤصل اللفظة بردها إلى جذرها بالمقارنة مع ما يجانسه من جذور ومفردات في اللغات الجزيرية (مثلا: /لغة/)، ويفتح آفاقا للاجتهاد (مثلا: /عرب/)، بينما يختص التأريخ الزمني للمفردة بتتبع تاريخها منذ ضبط وجودها في الكتب والمدونات. فالتأريخ التأثيلي للكلمة ينظر في أصلها الذي سبق ظهورها في الكتب، والتأريخ الزمني لها ينظر في تاريخها منذ ظهورها في الكتب. والغاية من الأول معرفة اشتقاق اللفظة في اللغة والنظر فيما يجانسها مبنى ومعنى في اللغات التي تكون معها أسرة لغوية واحدة، والغاية من الثاني هو التأريخ لظهور تلك اللفظة في الأدب بمفهومه الأوسع، والحمولات الدلالية التي اكتسبتها تلك اللفظة عبر القرون وكذلك ما اشتق منها من مفردات وضبط ذلك كله. وللتمثيل على التأريخ التأثيلي للكلمة ننظر في كلمتي (ترجمة) و(عرب).
يقول ابن منظور في "ترجمان"[29]: "الترجمان، بالضم والفتح،: هو الذي يترجم الكلام أي ينقله من إلى لغة أخرى، والجمع التَّراجم، والتاء والنون زائدتان". ويقول ابن منظور أيضاً في مادة /رجم/: "الرَّجْم: اللعن، ومنه الشيطان الرجيم ... والرَّجْم: القول بالظن والحدس ... وراجَمَ عن قومه: ناضلَ عنهم". ويقول ابن دريد[30]: "ورَجَمَ الرجلُ بالغيب، إذا تكلم بما لا يعلم. وأَرْجَمَ الرجل عن قومه، إذا ناضل عنهم ... والمراجم: قبيح الكلام؛ تراجمَ القومُ بينهم بمراجمَ قبيحة، أي بكلام قبيح". وباستقراء الجذر /رجم/ في اللغات الجزيرية يتبين أن معناه الأصلي "الكلام، المناداة، الصياح، القول الغريب، التواصل". فكلمة "تُرْجمُانُ" في الأكادية ـ وهي أقدم اللغات الجزيرية تدوينا ـ مشتقة فيها من الجذر /رجم/، والتاء والنون فيها زائدتان. أما في الأوغاريتية فيعني الجذر /رجم/ فيها "الكلام". والمعنى الغالب للجذر /رجم/ في العربية هو الرجم بالحجارة إلا أن أهل التفسير يقولون إن "الرجم" في هذا المقام هو السباب. فالرجيم هو "المشتوم المسبوب". ويفسرون قوله تعالى "لَئِن لم تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّك" أي "لأَسُبَّنَّك". وهذا يعني أن "الرجم" فعل لساني (أي كلام) وليس فعلاً يدوياً (أي رجم بالحجارة أو بغيرها).
إذن: المعنى الاشتقاقي الأصلي للاسم /ترجمان/ وللفعل /ترجم/ هو "الكلام غير المحدد". فهو "الصياح" في الأكادية و"الكلام والقول" في الأوغاريتية "والظن" في العربية (الرجم بالغيب) وكذلك "السب والشتم والتَّراجُم أي التراشق بالكلام القبيح". وعندي أن "الكلام غير المحدد" بقي "كلاماً غير محدد" حتى اليوم لأن معنى "التُّرْجُمان" الأول هو المترجم الشفهي الذي يترجم كلاما غير محدد سلفا أي غير مفهوم بين اثنين يتكلمان لغتين مختلفتين، وهو كذلك في الأكادية والعبرية والسريانية والعربية.[31] وعن الشعوب الجزيرية أخذ اليونان كلمة "ترجمان"، وعنهم أخذها الإيطاليون ثم الفرنسيون والإنكليز كما يبدو من الجدول التالي:
اللغة | الأصل | النطق |
الأكادية | "تَرْجُمانُ" | مثله. الواو فوق النون علامة الرفع في الأكادية ـ مثل العربية |
الأوغاريتية | رجم | غير معروف. ومعنى الجذر فيها: "الكلام" |
العبرية | תרגמן | تُرْجُمانْ |
الآرامية القديمة | תרגמנא | تُرْجِمانا (والألف في نهاية الكلمة للتعريف) |
السريانية | ܬܪܓܡܢܐ | تَرْجْمونُا (والألف في نهاية الكلمة للتعريف) |
العربية | تَرجمُان / تُرْجُمان | مثله |
اليونانية | Δραγουμανος | Dragoymanos |
الإيطالية | Dragomano | مثله |
الفرنسية | Dragoman / Drogman | مثله |
الإنكليزية | Dragoman | مثله |
وأول من مارس مهنة الترجمة في التاريخ هم الأكاديون الذين اضطروا إلى ترجمة بعض المصطلحات السومرية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالكتابة المسمارية التي اخترعها السومريون، فترجموها إلى لغتهم الأكادية. ومما حفظ الدهر لنا من أوابد الأكاديين ألواحاً تحتوي على مسارد لغوية باللغتين السومرية والآكادية. وهكذا نرى أن علم صناعة المعجم ولد مع علم الترجمة وظلَّ يلازمه حتى اليوم.
اللفظة الثانية التي نريد النظر فيها للتدليل على أهمية التأريخ التأثيلي، كلمة (عرب). لقد ورد اسم العرب في الأكادية هكذا: /عَريبُ/ و/عَرُوبُ/ و/عَرابي/. وأقدم ذكر لعرب الشمال كان في ألواح الملك الآشوري سلمنصر الثالث سنة 853 قبل الميلاد، التي ذكرت فيما ذكرت الأمير العربي"جُندب" الذي تحالف مع ملك دمشق الآرامي، المتحالف بدوره مع "أحاب" ملك إسرائيل ضد الآشوريين. وقام الملك الآشوري سلمنصر الثالث بحملة عسكرية لتأديبهم وانتصر عليهم بالفعل وأسر منهم الكثيرين، وخلد انتصاره عليهم بلوحة فنية رائعة محفوظة حتى اليوم ظهر فيها جُندبُنا هذا راكباً جملَه.[32] وورد اسم العرب لاحقاً في كتاب العهد القديم (سفر أشعياء،13:20) وفي كتب المؤرخين اليونان والرومان مثل هيرودوت وغيره. ووردت أسماء الكثير من الشخصيات العربية في كتب العهد القديم مثل سُلاميت وشُعَيب وغيرهما. ولعل أشهر العرب في العهد القديم النبي أيّوب – عليه السلام - الذي يجمع شراح العهد القديم بشأنه بأنه ليس يهودياً. أما سِفر أيوب في العهد القديم فيكتفي بالقول إنه، أي أيوب، من أهل "عُوص" في الشرق. ولكن لنتأمل في الجذر المشتق منه اسم العرب في اللغات الجزيرية: (غ/ع ر ب):
الأكادية: /عِريبو/ "غَرَبَ (الشمس)" العبرية: ערב: /عَرَب/ "غَرَبَ"، الإثيوبية: /عَرْبَ/ "غَرَبَ"، الأوغاريتية: /عرب/ "غَرَبَ"، الآرامية: מערבא = /مَعربا/ "المغرب" بمعنى المساء والعبرية: ערב = /عِرِب/ "المساء". ويقابل هذا الفعل بالعربية الفعل "غرب". ويلاحظ أيضاً أن الأكاديين سموا جهة الغرب /عِريب شمشِ/ أي "مغربُ الشمسِ". وترجم الكاتب اليوناني Hesychius هذه التسمية حرفياً إلى لغته بـ Χώρά τής Δύσεως (= Chorā tès Dusèos) "مغرب الشمس". لكن ترجمته الحرفية لم تحيَ كثيرا لأن القوم فضلوا استعمال الاسم المضاف في الجملة الأكادية أي /عِريب/ على ترجمته الحرفية، وحولوه ليتجانس مع أوزان لغتهم ويصبح في آخر المطاف Εύρώπη الذي حور قليلاً في اللاتينية ليصبح هكذا Europa. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الفعل الأكادي /آصُو/ "أشرق (الشمس)" (قارن في العبرية: יצא = /ياصا/ "أشرق") اشتق اسم القارة التي تشرق منها الشمس أي /آسيا/. ويقابل هذان الفعلان الأكادي والعبرية تأثيليا الفعل "وضأ" في العربية.
يلاحظ من هذه المقارنة السريعة أن فاء الفعل في اللغات الجزيرية حرف العين وفي العربية حرف الغين. والثابت أن حرف الغين كان موجوداً في اللغة الجزيرية الأم إلا أنه اختفى من البابلية والعبرية والآرامية وغيرها من لغات الشمال، مثله في ذلك مثل اختفاء الثاء والخاء والضاد والظاء والذال منها، والتي لم تحتفظ بكلها أو ببعضها إلا العربية والحميرية والإثيوبية. ويستدل من الترجمة السبعينية لكتاب العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد، وهي أقدم ترجمة لكتاب العهد القديم إلى لغة أخرى، أن الغين كانت تلفظ في العبرية غيناً قبل اختفائها منها وانقلابها عينا، فقد نُقِل لفظ مدينة עמרה = /عُمورا/ إلى اليونانية هكذاGommorra "غُُمورا ـ مدينة قوم لوط (عم)" بالغين، وكذلك نُقحرت עזה = /عزة/ إلى اليونانية هكذاGaza . ولو كانت الغين وقتها تلفظ عيناً لكان اليونان كتبوها بحرف الـ O قياساً باستعمالهم حرف الـ O باضطراد للدلالة على حرف العين في اللغات الجزيرية، والأمثلة كثيرة.
ويعرف شراح العهد القديم العرب على أنهم البدو الرحل. والثابت أن هذا التعريف غير صحيح لأن العرب ليسوا كلهم بدوا يرحلون من مكان لآخر بحثا عن مواطن الكلأ. والثابت أيضا أنه لا يوجد تعريف واضح لكلمة /عرب/ غير "سكان (الجزيرة) العربية". أما "العربية" فلا يعلم معناها الأصلي إلا الله. وكل حد لها إنما يكون من باب الاجتهاد. ولتحديد معنى /عرب/ المجهول، يمكن أن نجتهد ونعتبر الجذر (غرب/عرب) من الأضداد في اللغات الجزيرية بحيث يفيد معنى شروق الشمس (العرب/"معرب" الشمس أي مشرقها، ومن ثمة قولهم جزيرة العرب) وغروبها (الغرب/مغرب الشمس)"؟
2.3. من أجل إثبات أصالة الكلمة في اللغة:
إن ظاهرة الشعوبية المحدثة والشطط الحاصل في نسبة ألفاظ عربية بعينها إلى هذه اللغة الجزيرية أو تلك لأسباب تتعلق بأسبقية التدوين، ظاهرة أصبحت ملحوظة في المجلات والمواقع العنكبية .. وأسبقية التدوين لا يقول بها عالم. وأكثر من يقول بها الشعوبيون وبعض الكتاب الذين يكتبون "على البركة" مثل الأب رافائيل نخلة اليسوعي في كتابه (غرائب اللغة العربية. المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959)، حيث يرد كل كلمة عربية ذات أصل جزيري مشترك إلى السريانية لأنها أقدم تدوينا من العربية .. وهذا مذهب فاسد لأنه يقتضي بالمنطق رد جميع الكلمات السريانية ذات الأصول الجزيرية إلى العبرية لأن العبرية أقدم تدوينا من السريانية. كما يجوز وفقا لذلك المذهب رد العبرية إلى الأوغاريتية لأنها أسبق تدوينا من العبرية، والأوغاريتية إلى الأكادية وهلم جرا. والباحث العربي الذي تفطن إلى هذا الأمر هو الأب أنستاس ماري الكرملي الذي يقول في هذا الصدد: "ولا تكون الكلمة العربية من العبرية أو الآرامية إلا إذا كانت تلك الكلمة خاصة بشؤون بني إرم أو بني إسرائيل. أما الألفاظ العامة المشتركة بين الساميين جميعا، فليس ثم فضل لغة على لغة".[33]
ثم إن البحث العلمي أثبت أن العربية الشمالية – على الرغم من أنها أحدث تدوينا من سائر اللغات الجزيرية – أقدم من سائر اللغات الجزيرية، بما في ذلك الأكادية التي دونت ابتداء من مطلع الألفية الثالية قبل الميلاد. ونستأنس في هذا السياق بقول النحوي السرياني أقليميس يوسف داود مطران دمشق على السريان في كتابه اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية: "وأشهر اللغات السامية هي العربية والعبرانية والسريانية والحبشية بفروعهن الكثيرة [..] وإنما ذكرنا العربية أولا بين اللغات الجزيرية لأن العربية باعتراف جميع المحققين هي أشرف اللغات السامية من حيث هي لغة وأقدمهن وأغناهن. ومعرفتها لازمة لمن يريد أن يتقن حسنا معرفة سائر اللغات السامية ولا سيما السريانية".[34] ويضيف: "ثم إننا لا نعتقد أن الآرامية هي أقدم اللغات السامية كما زعم قوم، وأقل من ذلك أنها أقدم لغات العالم كما زعم غيرهم بلا بينة ولا أساس. بل نثبت مع العلماء المحققين أن اللغة العربية هي التي تقرب إلى أم اللغات السامية أكثر من أخواتها".[35] ويقصد أقليميس يوسف داود بالعلماء المحققين المستشرقين الذين قالوا بهذا الرأي الذي ينقله، ونذكر منهم شخولتنز ونولدكة وبرغشتراسر وبروكلمان ورايت ودي لاسي الذين أثبتوا هذه الحقيقة بالدرس المقارن للغات الجزيرية.
وللتمثيل على أهمية هذا الباب نتوقف قليلا عند الكلمات التالية: (لغة) و(أمة) و(هوية) و(قانون) التي قد يزعم زاعمون أنها من هذه اللغة الأجنبية أو الجزيرية أو تلك.
يشير الاستقراء في الجذور الجزيرية إلى أن الجذور كانت الأصل ثنائية كما ذكرنا، يضاف إليها حرف ثالث لتحديد المعنى. مثلاً: الجذر الثنائي /ج م/ يفيد ـ في أكثر اللغات الجزيرية ـ معنى "الجمع"، ثم أضيفت إليه حروف أخرى لتحديد المعنى فكانت الجذور الثلاثية /جمع/ و/جمم/ و/جمل/ الخ التي تفيد معاني فرعية دقيقة تدور كلها في المعنى العام ألا وهو "الجمع" كما أسلفت.
وإذا نظرنا في الجذر الجزيري الثنائي /لغ/، وجدنا أن المعنى العام له هو: "الكلام غير المفيد؛ الثرثرة؛ الكلام السري". وإذا أمعنا في الاستقراء وجدنا أن الشعوب الجزيرية أضافت إليه حروفا ثالثة للحصول على جذور ثلاثية مثل /لغط/ و/لغو/ و/لغز/ و/لغم/ و/لغي/ الخ. وتفيد هذه الجذور كلها في اللغات الجزيرية معاني تدور حول المعنى العام للجذر الثنائي /لغ/ ألا وهو "الكلام غير المفيد؛ الثرثرة؛ الكلام السري". لنتأمل هذه الجذور في اللغات الجزيرية:
1. /لغز/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغز" المعروف، وهو الشيء المبهم والغامض. ويجانسه في العبرية: לעז = /لَعَز/ [وأصله: لَغَز بالغين] "تحدث بلغة مبهمة ومن ثمة أجنبية". والكلام الأجنبي غير المفهوم هو بمثابة "اللغز" على الجاهل به كما هو معلوم. ومنه في العبرية: לעז = /لُغِز/ "اللغة الأجنبية". ويجانسه في الآرامية القديمة: לעוזא = /لَعُوزا/ [وأصله: لغوزا] "التحدث بلغة أجنبية". ويجانسه في السريانية: ܠܥܙ = /لِعَز/ [وأصله: لِغَز] "تحدثَ بلغة أجنبية أيضاً"، وكذلك ܠܥܙܐ = /لَعْزا/ [وأصله: لَغزا] "اللغة الأجنبية". ومنه في العبرية أيضاًَ לעז = /لَعَز/ [وأصله: لغز] بمعنى "غمزَ، لمزَ". ولا يحتج بتفسير بعض الاشتقاقيين الشعبيين من اليهود لـ לעז = لعز على أنه منقحر من לשון עם זר = /لَشون عَم زَر/ أي "لسان شعب أحنبي"، فهذا اشتقاق شعبي لا أساس له.
2. /لغط/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغط" المعروف، وهو الشيء السري. ويجانسه في العبرية: לעט = /لَعَط/ [وأصله: لغط بالغين أيضا] "بلعَ الكلام بَلعاً (أي تحدث بصوت غير واضح)". الأكادية /لَعاطُ/ مثله؛ والسريانية: ܠܘܥܛܐ = /لُوعاطا/ "ثرثرة".[36]
3. /لغو/: يفيد هذا الجذر في العربية معنى "اللغو" المعروف، ومنه اشتقت /لغة/ وأصلها /لغوة/ وهو اسم المرة من "اللغو". ويجانسه في العبرية قطعا لا تخمينا[37]: לעע = /لَعَع/ [وأصله: لَغَغ] "لغا يَلغُو"!
أما "لوغوس" (λόγος) فتذكر المعاجم اليونانية أن المعنى الحسي لها هو "اختار". أما معنى "تحدث" فهو مجازي فيها لأنه جاء فيها بمعنى "اختار الكلمات" ومن ثم "الكلام المختار" أي "الكلام المنطقي" (logic/logique). وعليه: فلا علاقة بين "لوغوس" اليونانية و"لغة" العربية، لا من قريب ولا من بعيد، لأن "لغة" عربية قحة تشترك العربية في أصولها مع أكثر أخواتها اللغات الجزيرية.
جاء في اللغات الجزيرية: (أُمُّم) "الأُمُّ"، وهي كذلك في كل اللغات الجزيرية، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر كلا من الأكادية /أُمُّم/؛ الأوغاريتية /أُم/؛ الفينيقية /أم/ والعبرية אם = /إِم/؛ الصفوية واللحيانية /أُمّ/ والسريانية ܐܡܐ = /إِمّا/ وكله "الأم". واشتق من هذا الجذر أيضا (أمَّت) وهي "القبيلة، الشعب، الأمة"، وهي كذلك في الأكادية /أُمّانُم/ ومعناها في الأكادية "شعب، جيش"؛ وفي الأوغاريتية /أُمْت/ "عائلة"؛ وفي العبرية والآرامية القديمة אםא = /أُمّا/ "أُمَّة؛ جنس؛ شعب"؛ وفي السريانية ܐܡܐ = /أُمّا/؛ وفي الحبشية /أمَّة/ "أُمَّة؛ قبيلة؛ شعب". ومن هذا الجذر كلمتنا (إِمَّةٌ) بمعنى "القاعدة؛ الآيين/القانون" وهي كذلك في الحميرية /إمّ/ "قانون؛ قاعدة" وكذلك في الحبشية /أمَّة/ "طبيعة؛ نية؛ قاعدة" وكذلك في السريانية ܐܡܘܡܐ = /أَمُوما/ "شكل؛ هيئة" وهي في العربية "أََمَّة" وهي كذلك من هذا الجذر. وجاء أيضا (أَمَّ) بمعنى "تصدر؛ تقدّمَ" ومنه (إمام) وهو أيضا معنى مشترك في اللغات الجزيرية. فهذه جذور مشتركة ذات معان مشتركة ولا تفسير للزعم بأن (أُمَّة) من هذه اللغة أو تلك، إلا الشطط.
أما كلمة (الهوية) فهي كذلك عربية الأصل وليس مستعارة السريانية كما قد يزعم، لا جدال في ذلك بين أحد من اللغويين حسب علمنا بالكلمة وتاريخها .. فهي مشتقة من (هُوَ) مكررة هكذا: (هُوَهُوَ) للدلالة على التطابق والتماثل والتجانس. وهي بهذا المعنى ترجمة مستعارة (loan translation) من كلمة يونانية تدل على التطابق والتماثل والتجانس. والترجمة المستعارة ليست استعارة. ثم إن الكلمة الدالة على (الهوية) في السريانية هي ܗܳܝܟܰܕܗܝܽܬܳܐ = /هيكديوتا/، وشتان ما بين الكلمتين.
وقد أضاف الفلاسفة العرب إلى (هُوَهُوَ) أداة التعريف وضموا /الهاء/ فيها لتصبح الكلمة كما يلي: (الهُوهُو)! ويطلقونها على ما يطابق الشيء من كل وجه أي على الشيء المماثل والمطابق والمجانس لشيء آخر. وقد ترجم هذا (الهُوهُو) العربي كما ورد في كتب ابن سينا وابن رشد التي ترجمت إلى اللاتينية بـ (identicus) يعني identical بالإنكليزية و identiqueبالفرنسية. ثم اشتقوا من هذا (الهُوهُو) مصدرا صناعيا هكذا: (الهُوهُوية) ثم جعلوه (الهُوية) لخفة انذلاق هذه الأخيرة على اللسان. ومما يؤيد هذا القول ويعضده، قول الفيلسوف ابن رشد في تفسيره الكبير: "وإنما اضطر إليه بعض المترجمين، فاشتق هذا الاسم من حرف الرباط، أعني الذي يدل عند العرب على ارتباط المحمول بالوضع في جوهره، وهو حرف /هو/ في قولهم: زيد هو حيوان أم انسان [...] واضطر إلى ذلك بعض المترجمين لأنه رأى دلالته في الترجمة على ما كان يدل عليه اللفظ الذي كان يستعمل في لسان اليونانيين بدل الموجود في لسان العرب بل هو أدل عليه من اسم الموجود وذلك أن اسم الموجود في كلام العرب لما كان من الأسماء المشتقة وكانت الأسماء المشتقة إنما تدل على أعراض خيل إذا دل به في العلوم على ذات الشيء إنما يدل على عرض فيه كما عرض لابن سينا فتجنب بعض المترجمين هذا اللفظ إلى لفظ الهوية إذ كان لا يعرض فيه هذا العرض".[38]
وللهوية معان اصطلاحية كثيرة لكن معناها هنا (الهوية/identity) تطابق الذوات أو – كما يقول ابن رشد في الصفحة 560 من المصدر ذاته: (الهوية التي تدل على ذات الشيء). ومن ثمة أصبحت تدل على أناس يلتقون على مبادئ معينة ويتحدون بها وهي إما الجنس (مثلا الجنس الآري في القومية الألمانية/النازية) أو (الدين مثلا الديانة الكاثوليكية في القومية الإيرلندية) أو اللغة والثقافة (مثلا اللغة الفرنسية في القومية الفرنسية واللغة العربية في القومية العربية) أو الجنس والدين معا (الجنس اليهودي واليهودية في الصهيونية). ومن الجدير بالذكر أن تفسير ابن رشد الكبير هذا ترجم إلى العبرية فترجمت /الهوية/ إلى العبرية ترجمة مستعارة هكذا: הואהות = /هُوهُوت/.
من جهة أخرى، ثمة كلمات عالمية مشتقة من اللغات الجزيرية أو من جذور جزيرية مشتركة قد لا ننجح دائما في تحديد لغتها الجزيرية الأصلية لعدم وجود قنوات واضحة دخلت عبرها الكلمة الجزيرية إلى هذه اللغة الأجنبية أو تلك. من ذلك كلمة (قانون). فكثيرا ما نسمع أن كلمة (قانون) معربة عن اليونانية (κανόν = kanόn) التي تعني فيها "قاعدة"، وفي الأصل: "خط للقياس". وبالنظر في أصل الكلمة يتضح أنها مشتقة من اليونانية (κανόν = kanόn) التي تعني فيها "قصب". وقد انتقلت هذه الكلمة اليونانية إلى اللاتينية (canon) ومن اللاتينية إلى أكثر لغات الغرب. وعند التدقيق في الكلمة اليونانية يتضح أنها مستعارة من اللغات الجزيرية، إذ جاء في الأكادية (مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد): /قَنُو/ "قصب"، وكذلك في العبرية קנה = /قانِه/ "قصب" أيضا. أما في الحبشية فتعني /قنوت/ =qanōt "عصا وخز" (لوخز الماشية في مؤخراتها). وأما في الفينيقية (= قنا) وفي الآرامية والسريانية (ܩܢܝܐ = /قَنْيا/) وأخيرا في العربية (= قناة، قنا) "الرمح". وأصل القناة: "العصا" المستوية. قال في اللسان (مادة /قنا/): "وكل عصا مستوية فهي قناة". والعصا المستوية هي العصا التي يقاس بها ويرسم بها الخط المستقيم، وهذا معنى "قانون" الأصلي في اليونانية، أي "خط للقياس"، ثم استعمل مجازا ليدل على "القاعدة"؛ فثبت أخذ اليونان لها عن اللغات الجزيرية، ذلك أن اليونان جاؤوا ألفي سنة بعد الأكاديين الذين جاء في لغتهم: /قَنُو/ وهي القصبة المستقيمة.
3.3. إثبات عجمتها وشرح معناها الأصلي:
مثلما نضطر إلى نفي إثبات العجمة عن كلمة عربية بالبحث في أصلها وتأثيلها، كذلك ينبغي أن نثبت عجمة الكلمة الدخلية في العربية ونقتفي أثر دخولها في العربية وشرح معناها الأصلي إن أمكن ذلك. من ذلك كلمة (هيكل) التي دخلت العربية عبر الآرامية فيما نرجح، ذلك أن هذه اللفظة سومرية الأصل، مركبة فيها من E وهو "البيت" وGAL "كبير". فالـ E-GAL هو "البيت الكبير"، "المعبد". ونرجح دخول اللفظة العربية عبر القنوات التالية: السومرية E-GAL < الأكادية /إِيكَلُم/ "معبد؛ هيكل" < العبرية היכל = /هِيكَال/ بلفظ الكاف خاء "معبد؛ هيكل" < الآرامية/السريانية ܗܝܟܠܐ =/هَيكْلا/ "معبد؛ هيكل" < العربية /هيكل/. وأما ما اشتق منها في العربية من ألفاظ مثل الهيكل العظمي وغيره، فهو عربي قح؛ فكل ما عدا /هيكل/ بمعنى "معبد؛ هيكل" في العربية هو اشتقاق عربي صرف.
ولا يقتصر ضبط أصل الكلمة على المفردات اللغوية فحسب، بل يشمل الأسماء والمفاهيم وسائر الكلام. ونمثل على الأسماء باسم عيسى ابن مريم عليه السلام. إن اسم "عيسى" في العبرية: ישוע = /يِشُوَع/. وقد اشتق هذا الاسم بدوره من الجذر العبري ישע = /يَشَع/ "خَلَّصَ، أنقذ"، الذي يجانسه ـ اشتقاقيا ـ في العربية الجذر /وسع/، ذلك لأن الأفعال التي فاءاتها ياءات في العبرية، تجانس تأثيليا الأفعال التي فاءاتها واوات في العربية، ولأن الشين العبرية تجانس السين في العربية. وهذا قانون صوتي مطرد. وأصل ישע = /يَشَع/ هو ושע = /وَشَع/ لأن أصل هذه الجذور بالواو وليس بالياء كما أثبت علم اللغة المقارن. و(الخلاص) و(الإنقاذ) إنما يكونان من الضيق والأزمة، وهذا هو المعني التأثيلي الأصلي للجذر /وسع/ في اللغة الجزيرية الأم وكذلك في العربية والعبرية. ولقد ترجم اليونان معنى اسمه إلى Σωτήρ (= Sotér) ومعناها "المخلص، المنقذ". فقولنا "المخلص" هو ترجمة عن اليونانية Soter التي هي بدورها ترجمة عن العبرية ישוע = /يِشُوَع/.
أما صفة (المسيح)، التي أطلقت على عيسى، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فهي أيضا من العبرية: משיח = /مَشِيَح/. والكلمة فيها مشتقة من الجذر السامي الأصلي (مَسَحَ)، ذلك لأن العادة لدى أوائل الشعوب الجزيرية كانت تقتضي مسح رأس الملك المتوج بزيت الزيتون المبارك. من ثمة تسمية عيسى بن مريم، عليه السلام، مسيحاً. ثم ترجم اليونان صفة "المسيح" إلى لغتهم ترجمة حرفية مستعارة فكانتΧριστóς "خْرِيسْتُوس"، ومنها Christianity "الديانة المسيحية". إذن Christos في اللاتينية كلمة مستعارة من اليونانية فكانتΧριστóς "خْرِيسْتُوس"، التي هي بدورها ترجمة مستعارة لكلمة משיח: /مَشِيَح/ في العبرية. من ثمة تسمية عيسى بن مريم، عليه السلام، مسيحاً. فكلمة مسيح (משיח = /مَشِيَح/) هي أصل، وكلمة Χριστóς "خْرِيسْتُوس" وما اشتق منها هي ترجمة مستعارة. ومن الجدير بالذكر أن اليهود، فيما بعد، استبدلوا الامس الأصلي لعيسي عليه السلام (ישוע = /يِشُوَع/) بـ ישו = /يِشُو/، المنحوت من ימח שמו = /يِمَّحْ شْمُو/ "لِيُمْحَ اسمه"، وذلك للسخرية من اسمه عليه السلام.
4.3. تصويب مفاهيم خاطئة:
يدل مصطلح (عَلْمانية) في العربية اليوم على ثلاثة مفاهيم أصلية: (أ) مفهوم "العَلْمانية" (laicism) القديم أي جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي؛ و(ب) مفهوم "الدنيوية؛ الدهرية" (secularism) الذي نشأ في إنكلترا سنة 1851 و(ج) مفهوم الإيديولوجة العلمانية "اللائيكية" (laïcité) الذي أدخل في الاستعمال في فرنسا سنة 1882 للدلالة على هذه الإيديولوجية فيها. وقد سبَّب تداخل هذه المعاني الثلاثة ثم وهمهم في نطق (العَلْمانية) بكسر العين نسبة إلى العِلْم خلطا كبيرا في أذهان الناس، عامَّة وخاصّة.[39] ولا شك في أن أحد أسباب الخطأ في نطق (العلمانية) بكسر العين هو غرابة الكلمة من الناحية الصرفية أولا. فالكلمة ترجمة مستعارة لكلمة ܥܠܡܝܐ = /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ = /عَلْما/ "العالَم" كما أبنا ذلك في مقالة مطولة لم تنشر بعد. فترجموها ترجمة مستعارة في العربية بإضافة النون وياء النسبة بعد ألف المد الأولى في /عَلمايا/ لتبدو كأنها مشتقة على وزن (روحاني) و(نفساني) وحتى (سرياني) .. ولما لم يكن في العربية (عَلْم) بمعنى العالم فإنهم قالوا أولا (عالَماني) .. ثم أسقطوا ألف المد الأولى من لفظ (عالَماني) وسكَّنوا لامه ليصبح (عَلْماني). ولا شك في أن اللفظة السريانية ܥܠܡܐ = /عَلْما/ "العالَم" كانت في مخيلتهم اللغوية عندما اختزلوا (عالَماني) إلى (عَلْماني). إذن كان الاختزال من (عالَماني) إلى (عَلْماني) "تكوينا رجعيا" (back formation) بسبب اللفظة السريانية ܥܠܡܐ = /عَلْما/ "العالَم".
ولمعرفة كيف دخلت هذه الكلمة السريانية اللغة العربية وتتبع ذلك نود أن نشير أولا إلى إن السريان نصارى يميزون، شأنهم في ذلك شأن سائر النصارى، بين خاصة الكهنة وعامَّة المؤمنين، بين الرعاة والقطيع .. وكانوا نقلة المعارف اليونانية في العصور الوسطى، وهم أقدم سابقة من العرب في الترجمة عن اليونانية بقرون. وبما أنهم نصارى لهم رهبان وكهنة ووثيقي الصلة باليونان، فقد انتقل مفهوم (العلمانية) بمعنى جعل الشيء عاميا بعكس الكهنوتي إليهم من اللاهوت النصراني المدون أكثره وقتئذ باللغة اليونانية،[40] مثلما انتقل إلى غيرهم من الأمم النصرانية[41]، ومنهم الفرنسيون (سنة 1330) والإنكليز (سنة 1432) كما يذكر المعجم الإنكليزي التأثيلي.[42] فعبروا عن المفهوم اليوناني laïkos (λαϊκός) نسبة إلى λαός "شعب" الذي نشأ مع تمايز الكهنوت المسيحي ابتداء من القرن الرابع الميلادي عن عامة الشعب، بـ ܥܠܡܝܐ = /عَلْمايا/ "عالَماني/عَلْماني" نسبة إلى ܥܠܡܐ = /عَلْما/ "عالَم"، وجعلوا يستعملون ܥܠܡܝܐ = /عَلمايا/ للدلالة على العالم والحياة الدنيا والعوام، وعرَّبوه ـ عند استعرابهم ـ إلى "عَالَماني" أولا ـ على أساس أن المكافئ الوظيفي والمعجمي والدلالي العربي للفظة السريانية ܥܠܡܐ = /عَلْما/ هو "العالَم" ـ ثم أدخلوا السرياني (ܥܠܡܐ = /عَلْما/) في العربية وعرَّبوه على "عَلْم" ثانيا، لينحتوا منه "عَلْماني" بدلا من "عَالَماني" لخفة انذلاق هذه الأخيرة على لسان الجماعة.[43] ومن السريان انتقل هذا المعنى إلى العرب عن طريق الكتاب العرب النصارى الذين يتقنون السريانية مثل بطرس البستاني وغيره.[44] والدليل القاطع على ذلك استعارة العرب كلمة (عَلْم) بمعنى (العالَم) من السريانية كما تقدم أعلاه هو أن هذه الكلمة لم ترد في مصادر عربية مكتوبة قبل سنة 1800 ولا تستعمل في العربية – حتى يومنا هذا - خارج سياق كونها أصلا اشتق منه مصطلح (العَلْمانية) كما تقدم .. ثم اشتقوا منها كلمة (علمانية) على السماع لا على القياس لأن القياس اللغوي يقتضي نحت (عَلْمِية) ـ بفتح العين – وليس (عَلْمانية) بإضافة الألف والنون. ويبدو من لفظة (عالَمِيِّ) التي أوردها دوزي في معجمه (انظر أدناه) ثم وترجمها بـ laïque, séculier أن اللفظتين (عَالَماني) و(عَلْماني) لم تستقرا وقتها في العربية وأن (عالَمِيِّ) و(عَالَماني) اختفيا فيما بعد (بداية القرن العشرين؟) لصالح لفظة (عَلْماني).
وقد أفضى بنا البحث والاستقصاء إلى أن أول معجم ثنائي اللغة قدم ترجمة عربية لكلمةlaïque الفرنسية هو "القاموس الفرنسي العربي" الذي وضعه القبطي إليوس بقطر عام 1828.[45] ولترجمة كلمةlaïque إلى العربية، استعمل بقطر الذي كان مطلعا على التراث العربي النصراني في معجمه هذا مصطلحا من هذا التراث العربي النصراني هو مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) الذي أتى ترجمة مستعارة لـ (عَلْمايا) السرياني كما تقدم. وعندنا أن إليوس بقطر أولُ من أخرج مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من التراث العربي النصراني المخصوص بالنصارى العرب، وأدخله ـ باستعماله إياه ترجمة للمصطلح الفرنسيlaïque ـ في الاستعمال اللغوي العام للفصحى، ذلك لأن معجمه هذا أصبح مصدرا لجميع من استعمل مصطلح (عَالَماني/عَلْماني) من بعده، ومن أقدمهم بطرس البستاني في معجمه (محيط المحيط) الذي يعتبر أول معجم عربي (صدر سنة 1870) يقدم تعريفا للكلمة حيث ورد فيه ما نصه: "العَلْماني: العامِّي الذي ليس بإكليريكي".[46] وهذا تعريف مهم جدا لأنه أقدم تعريف ورد في مصدر عربي أصيل ولأن البستاني لا يقصد بحده هذا الإيديولوجية العلمانية الفرنسية (laïcité) التي تبلورت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أي بعد إصدار معجم البستاني بأكثر من عقدين تقريبا ـ فضلا عن العِلم! ـ بل المفهوم الأقدم للمصطلح كما تقدم وصفه، أي (laïcisme) أو جعل الشيء عاميا، وهو مصطلح نصراني بحت يدل على مفهوم نصراني بحت كما تقدم. وعلى معجم إليوس بقطر المصري اعتمد كل أصحاب المعاجم الثنائية التي أوردت مادة (عَالَماني/عَلْماني) بالعربية، وأقدمها معجم بارثلمي[47] الصادر سنة 1935. وهذا معجم عربي (للهجات بلاد الشام) فرنسي، جاء فيه (عَلْماني) وترجمه بـ laïque, séculier. وكذلك رينهارت دوزي صاحب المعجم الشهير (تكملة المعاجم العربية) الذي صدر سنة 1981 والذي جمع فيه أكثر الألفاظ التي أهملها أصحاب المعاجم العربية ومنها (عَلْماني)، حيث جاء فيه: (عالَمِيّ) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد وبدون نون – وترجمه بـ laïque, séculier، و(عَالَماني) ـ نسبة إلى العالَم بمد العين بألف المد ولكن بنون – وترجمه بـ laïque, séculier ثم (عَلْماني) ـ نسبة إلى العَلْم بفتح العين – وترجمه بـ laïque, séculier أيضا.[48] وقد أشار دوزي بعد معالجته هذه المادة إلى معجم إليوس بقطر مصدرا لكلمة (عَلْمانية). فالمصدر الذي اعتمد عليه دوزي ليس نصا عربيا بل معجم فرنسي عربي هو معجم إليوس بقطر، وهذا أمر مثير للغرابة بحد ذاته. وعلى نهج دوزي سار كل المعجميين اللاحقين مثل غزلان إدوارد في معجمه الفرنسي العربي[49]، وغيره، إلا أن هذا الأخير ـ وهو فرنسي مولود في الجزائر ـ كان أدق من الآخرين بترجمته laïque إلى العربية بـ "عامِّي"[50] وليس بـ "عَلْماني" ربما لأن التراث العربي النصراني الحاضر بقوة في الشرق، كان مجهولا في الجزائر آنذاك.
خاتمة
يتضح مما سبق أن توظيف علم اللغة المقارن لا بد منه في معجم تأريخي للغة العربية يستحق هذا الاسم .. وللتأريخ للفظة ما لا بد من النظر فيها تأثيليا بمعالجتها معالجة تأثيلية تبين مكانها من التراث الجزيري المشترك ثم تصف مدلولاتها الأصلية من جهة، ثم تتبع مراحل ظهورها في الأدب العربي للتأريخ للتطور الدلالي لها وضبط المدلولات الأخرى التي اكتسبتها اللفظة عبر القرون، من جهة أخرى. كما أن من شأن العودة إلى اللغات الجزيرية وكذلك اللغات غير الجزيرية التي اتصلت العربية بها اتصالا غير مباشر (كالسومرية مثلا) أو مباشر (مثلا الفارسية) أن يمكننا من ضبط المعرب والدخيل في العربية ضبطا من شأنه أن يجعلنا نوثق للمعرب والدخيل في العربية توثيقا علميا يُطمأن إليه، وأن يضع حدا لشطط الشعوبيين المحدثين في نسبة الكثير من الألفاظ العربية التي تشترك العربية فيها مع سائر اللغات الجزيرية إلى لغات جزيرية أخرى (خصوصا السريانية) من جهة أخرى.
المراجع
أ. مراجع بالعربية:
أ. مراجع بالعربية:
ابن بارون، أبو إبراهيم إسحاق بن برون (1890). "كتاب الموازنة بين اللغة العبرانية واللغة العربية". بطرسبرغ.
ابن بارون، أبو إبراهيم إسحاق بن برون (1964). Ibn Barun’s Arabic Works on Hebrew Grammar and Lexicography. By Pinchas Wechter. Philadelphia.
ابن جني (1985). سر صناعة الإعراب. تحقيق الدكتور حسن هنداوي. مجلدان. دمشق، دار القلم.
ابن حزم الأندلسي (1980). الإحكام في أصول الأحكام. تحقيق أحمد شاكر. مجلدان.القاهرة.
ابن رشد (1983). تفسير ما بعد الطبيعة. تحقيق موريس بويجس. 4 مجلدات. دار المشرق، بيروت.
داود، أقليميس يوسف (1896). اللمعة الشهية في نحو اللغة السريانية. الموصل، مطبعة دير الآباء الدومنيكيين.
ابن دريد (1987). الجمهرة في اللغة. تحقيق رمزي البعلبكي. بيروت، دار العلم للملايين.
ابن منظور (بدون تاريخ). لسان العرب. 15 مجلدا. بيروت، دار صادر.
البستاني، بطرس (1987). محيط المحيط. مكتبة لبنان، بيروت.
ترزي، فؤاد حنا (1969). أصول اللغة والنحو. بيروت، ، دار الكتب.
الجواليقي (1990). المعرب من الكلام الأعجمي. تحقيق ف. عبدالرحيم، دمشق، دار القلم.
درويش، عبدالله (1956). المعاجم العربية. القاهرة.
حتي، فيليب (1958). تاريخ العرب. الطبعة السادسة. نيويورك.
القاهرة. السامرائي، إبراهيم (1987). فقه اللغة المقارن. بيروت، دار العلم للملايين، الطبعة الرابعة.
شفيق، محمد (1990). أربعة وأربعون درسا في اللغة الأمازيغية: نحو وصرف واشتقاق. الكتاب على الرابط التالي: http://www.tawalt.com/monthly/44_les..._lessons_1.pdf.
الفراهيدي، الخليل بين أحمد (1980). كتاب العين. تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي. 8 أجزاء في 4 مجلدات. بغداد، دار الرشيد للنشر.
فيشر، أوغسط (1967). المعجم اللغوي التاريخي. القسم الأول. أ – أبد. القاهرة، مجمع اللغة اللغة العربية.
القرقساني، أبو يعقوب إسحاق (1939). كتاب الأنوار والمراقب. مجلدان. نيويورك.
الكرملي، الأب أنستاس ماري (1938). نشوء اللغة العربية ونموها واكتمالها.
لويس، برنارد (2009). أين الخطأ: التأثر الغربي واستجابة المسلمين. ترجمة د. محمد عناني، الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة.
مروان بن جناح (1866). كتاب اللمع. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي: Le Livre des Parterres Fleuris d’Aboul’l-Walid Merwan Ibn Djanah de Cordoue. Publiée par: Joseph Derenbourg. Paris, 1886.
مروان بن جناح (1875). كتاب الأصول. الكتاب مطبوع بالعنوان التالي: The Book of Hebrew Roots by Abu’L-Walid Marwan Ibn Janah, Called Rabbi Jonah. Published by Adolf Neubauer. Oxford, 1875. Amsterdam, 1968.
المسيري عبدالوهاب (1423/2002). العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. مجلدان. دار الشروق.
المعجم الوسيط . إصدار مجمع اللغة العربية في القاهرة سنة 1965. مجلدان.
ب. مراجع باللغات الأجنبية:
Barr J. (1968). Comparative Philology and the Text of the Old Testament. Oxford.
Barthélemy A. (1935). Dictionnaire arabe–français. Paris. 2 tom.
Bennett R. P. (1998). Comparative Semitic Linguistics: A Manual. Eisenbrauns.
Bergsträsser G. (1995). Introduction to the Semitic Languages: Text Specimens and Grammatical Sketches. Translated by Daniels P.T. Eisenbrauns.
Beyer K. (1986). The Aramaic Language. Its Distribution and subdivisions. Translated from the German by John F. Healey. Vandenhoeck & Ruprecht, Göttingen.
Blau J. (1981). The Renaissance of Modern Hebrew and Modern Standard Arabic ... University of Californa Press.
Bocthor E. (1828-1829). Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864).
Brockelmann C. (1913). Grundriss der vergleichenden Grammatik der semitischen Sprachen. 2 vols. Berlin, Reuther and Reichard.
Brockelmann C. (1925). Syrische Grammatik met Paradigmen, Literatur, Chrestomathie und Glossar. Berlin. Reuther & Reichard.
Brockelmann C. (1928). Lexicon Syriacum. Hale. Sumptibus M. Niemeyer.
Cohen, D. (1970). Dictionnaire des racines sémitiques ou attestées dans les langue dans les langues sémitiques .. Paris. Mouton. La Haye.
De Lacy O. (1923). Comparative Grammar Of The Semitic Languages. London, Trubner's Oriental Series.
Delitzsch F. (1969). Sumerisches Glossar. Leipzig.
Dozy R. (1881). Supplement aux Dictionnaires Arabes. II tom. Leyde.
Endress G. & Gutas D. (1992), A Greek and Arabic Lexicon etc. Brill, Leiden.
Fränkel S. (1962). Die Aramäischen Fremdworter im Arabischen. Hildesheim.
Freytag G. W. (1830-1837). Lexicon Arabico-Latinum praesertim ex Djeuharii Firuzabadiique et aliorum Arabum operibus adhibitis Golii quoque et aliorum libris confectum. Halis Saxonum: C.A. Schwetschke et filium.
Gasselin E. (1886). Dictionnaire Français-Arabe (Arabe vulgaire - Arabe grammatical). Paris, Ernest Leroux Editeur. 2 tom.
Gesenius W. (1929). Hebrew and English Lexicon of the Old Testament ... Translated by E. Robinson. Ed. by F. Brown ... Oxford.
Gordon C.H. (1955). Ugaritic Manual. Rome, Pontificium Institutum Biblicum.
Goshen-Gottstein M.H. (1970). A Syriac-English Glossary etc. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.
Halkin A. S. (5726/1966). In: L. Frankelstein, The Jews, their History, Culture and Religion.
Haywood J.A. (1960). Arabic Lexicography ... Leiden.
Klein E. (1987). A Comprehensive Etymological Dictionary of the Hebrew Language for the Readers of English. New York.
Koehler L. & Baumgartner W. (1953). Lexicon in Veteris Testamenti Libros. Leiden.
Lane E. W. (1863-93). Arabic-English Lexicon ... VIII vols. London.
Lewis B. (1988). The political Language of Islam. Chicago.
Macuch R. (1965). Handbook of Classical and Modern Mandaic. Berlin.
Merx A. (1889). Historia artis grammaticae apud Syros. Leipzig.
Moscati S. (1964). An Introduction to the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Phonology and Morphology. Wiesbaden, Otto Harrassowitz.
Munk S. (1850). Notice sur Abou’l-Walid Merwan ibn Djanah. Journal Asiatique, tom. I.
Nöldeke Th. (1964). Mandäische Grammatik. 2nd ed. with appendix by A. Schall, Darmstadt.
Nöldeke Th. (1982). Beiträge und neue Beiträge zur semitischen Sprachwissenschaft. Neudruck. Amsterdam, APA – Philo Press.
Prijs L. (1950). Die grammatikalische Terminologie des Abraham Ibn Ezra. Basel.
Wright W. & Smith W. (2002). Lectures on the Comparative Grammar of the Semitic Languages. Cambridge University Press 1890. Reprint.
[1] انظر Brockelmann C. (1913) و Bergsträsser G. (1995)و De Lacy O. (1923)و Wright W. & Smith W. (2002)و Nöldeke Th. (1964) وMoscati S. (1964) وBennett R. P. (1998)، وهي من أهم الكتب المرجعية في الدراسات الجزيرية.
[2] يتقاطع موضوع المعرب والدخيل كثيرا مع موضوع الدراسات اللغوية التأثيلية المقارنة. فبينما تعالج الدراسات اللغوية التأثيلية المقارنة جذور المفردات معالجة مقارنة بهدف تحديد الاشتراك اللغوي بين اللغات التي تنتمي إلى أسرة لغوية واحدة وملاحظة التطور الدلالي الذي طرأ على تلك المفردات المشتركة في كل لغة من لغات الأسرة اللغوية الواحدة على حدة، فإن النظر في المعرب والدخيل يقتضي المقارنة بين كل اللغات التي يعتقد أن اللغة المقترضة قد اتصلت بها، سواء أكانت تلك اللغات تنتمي إلى الأسرة اللغوية التي تنتمي إليها اللغة المقترضة، أم لا، وذلك بهدف تحديد أصل المفردة المعربة أو الدخيلة. لقد عالج كثيرون موضوع المعرب والدخيل معالجة تقليدية، وصدرت منذ الجواليقي حتى اليوم عشرات الكتب والدراسات التي عالجت موضوع المعرب والدخيل، آخرها (المعجم المفصل في المعرب والدخيل) لسعدي الضناوي (صدر سنة 2004 عن دار الكتب العلمية للنشر في بيروت). ومع أن المآخذ على تلك الكتب والدراسات التي كتبها كتاب غير ملمين باللغات التي اتصلت العربية بها اتصالا مباشرا (كالفارسية مثلا) أو عبر لغة وسيطة (كالسومرية مثلا) كثيرة، فإن المأخذ الرئيس على معظم الكتب والدراسات التي عالجت موضوع المعرب والدخيل يبقى إهمال الكتاب تتبع قنوات الترجمة وضبط تأثيرها في إثراء المعجم العربي (مثلا: كلمة /أثير/) وفي تكوين المصطلح العربي (مثلا: /حاسوب/). فكلمة /أثير/ على سبيل المثال، دخلت العربية من اليونانية (αίθήρ = آيْثِير) عند ترجمة "كتاب السماء والعالم" لأرسطو، وبالتحديد عند ترجمة العبارة التالية منه (ونعتذر عن عدم تشكيل الكلمات اليونانية):Αιθερα προσωνομασαν τον ανωτατω τοπον απο του θειν αει τον αιδιον χρονον θεμενοι την επωνυμιαν αυτω التي ترجمها – مع ترجمة "كتاب السماء والعالم" إلى العربية – يحيى بن البطريق، بما يلي: "فسموا ذلك الموضع الشاهق العالي "أثيرا" من قبل استفاق فعله، وذلك أنه دائم الحركة سريعها، دائم الثبات لا انتقاض له ولا زوال. انظر Endress G. & Gutas D. (1992) ، مادة /أثير/. فالترجمة ضرورية لتحديد تاريخ اللفظة الدخيلة بالتحديد. ومثله يقال في تقصي حالات تكوين المصطلح العربي إزاء مصطلحات غربية محدثة مثل (/حاسوب/ > computer).
[3] دخلت العربية تعابير وتراكيب أعجمية كثيرة توطنت فيها واستعملها الأدباء والشعراء والصحفيون، فأصبحت جزءا لا يتجزأ من اللغة بحيث بات أصلها يختلط حتى على جهابذة اللغة وحذاق المعجميين. إن التأريخ لهذه التعابير الاصطلاحية في المعجم التاريخي أمر في غاية الأهمية، ولا بد من معالجة تلك التعابير والتراكيب الأعجمية التي توطنت في العربية بتأثيلها على غرار معالجتهم أصول الكلمات الدخيلة فيها ولا فرق. فنحن حينما نعالج كلمة دخيلة مثل /هيكل/ ونقول إنها من السومرية وإنها مركبة فيها من /إي/ "بيت" و/جَل/ "كبير"، ثم نقتفي الأثر الذي سلكته هذه الكلمة حتى دخولها العربية، فإننا بذلك نؤرخ للكلمة بردها إلى أصلها أولا ثم باقتفاء الأثر الذي سلكته حتى توطنت في العربية ثانيا. الأمر نفسه ينطبق على التراكيب والتعابير الأجنبية التي دخلت اللغة العربية من اللغات الأوربية الحديثة، مع فارق أن اللغات التي اقترضت منها العربية ألفاظا هي أكثر من اللغات التي استعارت منها تراكيب وتعابير، وأقدم منها بكثير أيضا. فبينما استعارت العربية من لغات كثيرة مثل السومرية والبابلية والفارسية واليونانية والآرامية، اقتصرت استعارة التعابير والتراكيب الأجنبية – عموما – على الإنكليزية والفرنسية. وبينما شملت استعارة الألفاظ الأجنبية جميع العصور التي عرفتها العربية، اقتصرت استعارة التعابير والتراكيب على العصر الحديث فقط، علما أن بعض العبارات والتراكيب الإنكليزية والفرنسية التي توطنت في العربية هي بدورها عبارات وتراكيب مستعارة من لغات أوروبية حديثة كالألمانية والإيطالية والإسبانية وغيرها، أو من لغات قديمة كاليونانية واللاتينية. من ذلك قولنا (حجر الزاوية): من الإنكليزية Cornerstone أو الفرنسيةpierre angulaire . ومثله في الألمانية Grundstein/Ecksteinوكذلك في الهولنديةhoeksteen . وكذلك قولنا: (أنقذ الموقف): من الإنكليزية to save the situation أو الفرنسيةsauver la situation . ومثله في الألمانيةdie Situation retten وكذلك في الهولندية de situatie redden. وكذلك قولنا (قتلَ الوقت): من الإنكليزيةto kill time أو الفرنسيةtuer le temps . ومثله في الألمانيةdie Zeit totschlagen وكذلك في الهولنديية de tijd doden، ومثله كثير. وقد جمعت الدكتورة وفاء كامل فايد – أستاذة الآداب في جامعة القاهرة - أكثر من أربعة آلاف تعبير اصطلاحي في معجمها الرائع (معجم التعابير الاصطلاحية في العربية المعاصرة) الذي صدر سنة 2007، وهو معجم مبني على مدونة نصوص ضخمة من كل الأقطار العربية تقريبا. والمعجم مادة خصبة لاقتفاء الأثر الأجنبي في التعابير الاصطلاحية العربية واستبدال ما دخل العربية منها بطريقة عشوائية مثل (/لعب دورا/ > to play a role) الذي استبدل فيما بعد على ألسنة الكثيرين من الكتاب – وليس كلهم – بـ /يُؤدي دورا/، فهذا الأخير يمثل توطينا في العربية أجود من /لعب دورا/، ومثله كثير.
[4] انظر Haywood J.A. (1960) صفحة 1. ويعزو مؤرخ المعاجم العربية، المستعرب هايود، نشأة صناعة المعجم الأوربي الحديث إلى تأثر اللغويين الأوربيين بالمستشرقين الذين اشتغلوا بالمعاجم العربية. (المصدر ذاته، الصفحة 115 وما يليها).
[5] انظر Barr J. (1968)، الصفحة 76.
[6] انظر De Lacy O. (1923) ، الصفحة 6.
[7] انظر المصادر التي وردت في الحواشي رقم 1 و6 و8. قارن أيضا ابن حزم (ابن حزم 1980، جزء 1 صفحة 30): "إلا أن الذي وقفنا عليه وعلمناه يقيناً أن السريانية والعبرانية والعربية هي لغة مضر وربيعة لا لغة حِمْيَر، لغة واحدة تبدلت بتبدل مساكن أهلها فحدث فيها جرش كالذي يحدث من الأندلسي، وإذا رام نغمة أهل القيروان، ومن القيرواني إذا رام نغمة الأندلسي، ومن الخراساني إذا رام نغمتها. ونحن نجد من سمع لغة أهل فحص البلوط وهي على ليلة واحدة من قرطبة كاد أن يقول إنها لغة أخرى غير لغة أهل قرطبة. وهكذا في كثير من البلاد فإنه بمجاورة أهل البلدة بأمة أخرى تتبدل لغتها تبديلا لا يخفى على من تأمله. ونحن نجد العامة قد بدلت الألفاظ في اللغة العربية تبديلا وهو في البعد عن أصل تلك الكلمة كلغة أخرى ولا فرق. فنجدهم يقولون في العنب: العينب وفي السوط أسطوط. وفي ثلاثة دنانير ثلثدا .وإذا تعرب البربري فأراد أن يقول الشجرة قال السجرة .وإذا تعرب الجليقي أبدل من العين والحاء هاء فيقول مهمداً إذا أراد أن يقول محمداً. ومثل هذا كثير .فممن تدبر العربية والعبرانية السريانية أيقن أن اختلافهما إنما هو من نحو ما ذكرنا من تبديل ألفاظ الناس على طول الأزمان واختلاف البلدان ومجاورة الأمم، وأنها لغة واحدة في الأصل". وابن حزم من أوائل العلماء الذين انتبهوا إلى عامل القرابة اللغوية بين العربية والعبرانية السريانية وحاولوا تعليلها علميا.
[8] انظر Moscati S. (1964)، اصفحة 15-16.
[9] يوجد إجماع تام بين دارسي اللغات الجزيرية مفاده أن معرفة العربية شرط رئيس لمعرفة اللغات الجزيرية، بما في ذلك العبرية والسريانية. واللغة الجزيرية الأم، وهي لغة افتراضية توصل إليها بمقارنة اللغات الجزيرية على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي كما تقدم، تبدو للباحث وكأنها العربية، بل إنها في حقيقة الأمر ليست إلا العربية تقريبا .. فلقد أثبت البحث العلمي في علم اللغة المقارن أن العربية ـ وحدها، وبعكس كل اللغات الجزيرية ـ احتفظت: 1. على المستوى الصوتي: بكل الأصوات الجزيرية الأصلية إلا حرفا واحدا احتفظت به الحميرية؛ 2. على المستوى الصرفي: بكل الأبنية الجزيرية الأصلية بناء ولفظا وكذلك صيغ الأفعال (أضافت العربية إليها صيغ المجهول باطراد وهذا تطور مخصوص بها)؛ 3. على المستوى النحوي: بالإعراب (بالتنوين وأصله بالتمِّيم ما عدا في المثنى فأصله بالتنوين)؛ 4. على المستوى المعجمي: بكل الجذور الجزيرية الأصلية تقريبا. والناظر في اللغات الجزيرية وفي اللغة الجزيرية الأم كما تم تصورها وإعادة بنائها في كتب بروكلمان ونولدكة ورايت وموسكاتي وغيرهم (وهي الكتب المرجعية في هذا المجال)، يجد أنها لا شيء إلا العربية تقريبا. والمتمعن في ذلك يرى بوضوح أن العلاقة التاريخية بين العربية الفصيحة من جهة، وبين اللغات الجزيرية مجتمعة (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) من جهة أخرى، ليست أكثر أو أقل من العلاقة الحالية بين العربية الفصيحة من جهة، واللهجات العربية الحالية من جهة أخرى .. وهذه المقارنة مثيرة للاهتمام حقا، ولقد انتهينا إلى ذلك بعد إجراء مقارنات دقيقة جدا بين العربية الفصيحة من جهة، وبين العبرية والسريانية واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى. وما ينطبق على المقارنة بين العربية الفصيحة والعبرية والسريانية من جهة، وبين العربية الفصيحة واللهجتين الشامية والمصرية من جهة أخرى، ينطبق على كل اللغات الجزيرية (ما عدا الأكادية في عهودها الأولى أي من حوالي 2800 إلى 2000 قبل الميلاد) وكل اللهجات العربية. مثال: الوزن السامي الأصلي (فَعْلٌ):
اللغة الجزيرية الأم | الأكادية: | العربية | العبرية | اللهجة الشامية/المصرية |
‘abd-um | ‘abd-um | ‘abd-un | ‘ebed | ‘abed |
[10] انظر Moscati S. (1964)، الصفحة 17.
[11] انظر: Hermann Möller (1911).
[12] انظر:Linus Brunner (1969).
[13] إلى جانب القرابة المعجمية هنالك تجانس واضح وقرابة بنوية ملحوظة بين اللغات الجزيرية من جهة، واللغات الهندية الأوربية، وأهمها اشتراك الأسرتين اللغويتين في الظواهر النحوية العامة مثل تصريف الأفعال وإعراب الأسماء والجنس والعدد وظواهر كثيرة لا يتسع المقام لذكرها هنا.
[14] الميم الصغيرة في نهاية الكلمات الأكادية والكلمات المنسوبة إلى اللغة الجزيرية الأم، هي علامة الإعراب الذي هو بالميم (تمّيم) وليس بالنون (تنوين) كما هو الحال عليه في العربية. والتميم هو الأصل وقد انقلبت الميم نونا في العربية.
[15] قارن "بَشَرَة" بـ" أديم" وهو الجلد، يقال: أديم الأرض وجهها، وكذلك بـ "الأَدَمَة" وهي باطن الجلد الذي يلي اللحم، والبشرةُ ظاهرها الخ. ومنه اشتق اسم "آدم" في اللغات الجزيرية. و"بنو آدم": "البشر". وفي العبرية: בן־אדם = /بِن آدام/ "ابن آدم"، والقائمة تطول. فللجذرين /بشر/ و/أدم/ علاقة عضوية، وليست اشتقاقية، في الدلالة على الشيء ذاته: الانسان).
[16] انظر على سبيل المثال لا الحصر سفر تثنية الاشتراع الإصحاح 5 الآية 23 أو 26 حسب ترتيب آخر: כָל-בָּשָׂר אֲשֶׁר שָׁמַע קוֹל אֱלהִים חַיִּים. النقحرة: كُلْ بَسَر أَشِر شَمَع قُولْ إِلُوهِيم حَيِّيم. الترجمة الحرفية: "كل البشر الذين سمعوا قول الآلهة الأحياء [الحية]". ومن الملاحظ هنا أيضا أن أن هذه الآية نعتت /إِلُوهِيم/ وهو "الإله المعبود بحق عند اليهود" بـ /حَيِّيم/ وهذا الثاني جمع مذكر سالم وهذا محال في "جمع الجلالة" لأن جمع الجلالة لا يشمل الصفات، مما يجعلنا نعتبر هذه الآية من آثار الوثنية عند قدامى اليهود. وقارن ترجمة الكلمة بـ "البشر" بقول مروان بن جناح القرطبي في كتاب الأصول (1875: 116)، حيث يفسر الآية التوراتية: ויברך כל בשר = /ويبرك كل بِسِرْ/ (= ويبارك جميع البشر/الخلق) بما يلي: (كتاب الأصول، ص 116): "ויברך כל בשר: جميع البشر أي جميع الخلق، أعني الناس منها. זכר ונקבה מכל בשר: من جميع الخلق [غير الناس]. אני בשר [أني بِسِر أي "أنا بشر"!]. כי יהיה בעור בשרו أيضاً يريد إنساناً كما يقال له أيضاً אדם [آدام "آدم"!]، لأن البشر يقع في لغة العرب أيضاً على الواحد وعلى الجميع وعلى الذكر وعلى الأنثى ...". إذن اكتشف ابن جناح، في القرن العاشر للميلاد، أن בשר في בשרו تعني "انسان". ولأن ابن جناح اكتشف أن בשר تجانس "بشر" العربية اشتقاقياً، ولأنه اعتمد هذه المجانسة الاشتقاقية في شرحه آيات التوراة، فإنه أردف ترجمته لـ בשר في בשרו "بانسان" بشرح كلمة "بشر" في اللغة العربية بقوله "لأن البشر يقع في لغة العرب أيضاً على الواحد وعلى الجميع وعلى الذكر وعلى الأنثى".
[17] يقول المتنبي: (ما بقومي شُرفت بل شُرفوا بي = بنفسي فخرت لا بجدودي. وبهم فخر كل من نطق الضاد = وعوذ الجاني وغوث الطريد). ويقول البارودي: (فلا حَـدٌّ يباعدُنـا = ولا دين يفرقُنا. لسانُ الضادِ يجمعنا = بغسان وعدنان).
[18] انظر كتاب غوردون المرجعي في دراسة اللغة الأوغاريتية: Gordon C.H. (1955).
[19] انظر، على سبيل المثال: ابن جني (1985: 551 وما يليها).
[20] من الألفاظ التي لا تزال مستعملة في لهجات الشام ـ وهي البلاد التي كانت الآرامية فيها تحكى قبل تعريبها ـ كلمة "شَلْهُوبِة" وتعني "الحريق". يقال: "عَلَّق/شَهْلَبْ شَلْهُوبةِ" أي أنشأ حريقاً. ومعنى "شَلْهِبْ" الدقيق هو "أَلْهَبَ" أي "أثار اللهبَ"؟
[21] أوتي = إياي. إن الحرف את أداة نصب في العبرية ترد قبل المفعول به، وتجانس في العربية أداة النصب (أو ضمير النصب) "إي" في "إيّاك نعبد وإياك نستعين الآية"، مع فارق أنها لا تأتي في العربية إلا مع ضمائر النصب التي تكون بدلاً من الاسم المنصوب لتوكيده، بينما تستعمل في العبرية مع الضمائر: (א(ו)תנו = إيانا)، ومع الاسم المفعول به كما نقرأ في الآية الأولى من سفر التكوين: (בראשית ברא אלהים את־השמים ואת־הארץ: بِرِشِيت بَرَأ إِلُوهِيم إِتْ هاشَّمايْم وِإِتْ هاإِرِصْ "في البدء /خلقَ اللهُ السماوات والأرض"). فالمفعولان بهما (هاشمايم "السماوات" وهاأرص "الأرض") مسبوقان بأداة النصب את.
[22] جمع المادة المشتركة في اللغات الجزيرية المستشرق الفرنسي دافيد كوهين في كتابه: David Cohen (1970). Dictionnaire des racines sémitiques ou attestées dans les langue dans les langues sémitiques. Paris. Mouton. La Haye "معجم الجذور السامية كما هي في اللغات السامية". وهذا عمل تراكمي شارك في وضعه جيل من المتخصصين في المادة، وهو أهم معجم شامل يعالج المادة اللغوية المشتركة في اللغات الجزيرية.
[23] ومن الكلمات السومرية الدخيلة في العربية وكثير من اللغات الجزيرية: هيكل (وهي كلمة مركبة من /إي/ "بيت" و/جال/ "كبير") ـ ملاح ـ أَجَمَة (= الشجر الكثير الملتف) ـ أَكَّار (= الحرّاث) ـ آنُك (= الرصاص)، تموز (= شهر، من دومزي، إله الزراعة في الأساطير السومرية)، إران (= تابوت، ومنه ארון: /أَرُون/ "تابوت العهد عند اليهود") ـ تنُّور ـ سَدين (= الصوف) ـ صِير (= شق الباب عند ملتقى الرَّتاج والعِضادة) ـ فخار ـ فَرْزَل ـ قَرطالة، قَرطَلَّة (= عدل الحمار، ومنه في العامية الشامية "قَرْطَل" وهو سلة توضع فيها الفواكه خصوصاً العنب والتين) ـ كِتّان ـ كُرسي ـ كَمُّون ـ كُور (= مجمرة الحداد) ـ مَنا (= معيار قديم للكيل) ـ نَقّاد (= الراعي). انظر: Delitzsch F. (1969).
[24] الكلمات الفارسية الدخيلة مثلا فردوس وغيرها. نظر الجواليقي (1990).
[25] انظر (Brockelmann 1913) و(Moscati 1964).
[26] انظر محمد شفيق (1990) الصفحة 12.
[27] يختلف "الطعام الأساسي" في العربية اليوم باختلاف التقاليد المحلية، فهو عند المصريين "الخبز أو العِيش"، وهو عند المغاربة "الطعام أو الكُسكُس" المصنوع من دقيق القمح الخ.
[28] قارن الفرق في المعنى بين /بشر/ و/لحم/ في اللات الجزيرية من جهة، بين الفرق في المعنى بين الكلمتين الإنكليزيتين: flesh و meat من جهة أخرى، حيث تؤدي الأولى معنى "اللحم البشري" والآخر "اللحم الحيواني" الذي يؤكل. وهذا من عجيب الاتفاق في التطور السيميائي وليس الاشتقاقي.
[29] ابن منظور (بدون تاريخ: مادة /ترجم/).
[30] ابن دريد (1987: 466 وما يليها).
[31] إذن معنى الترجمة الشفهية سابق لمعنى الترجمة التحريرية كما نرى وهذا ثابت في آثار الأكاديين والسريان والعبران والعرب كما يستشف من قول أبي الطيب المتنبي: (مَغاني الشَّعبِ طِيباً في المغاني = بمنزلةِ الربيع مِـنَ الزّمـانِ. ولكنَّ الفتى العربيَّ فيــها = غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ. ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيـها = سليمانُ لَسارَ بِتُرجمُـــان). قار أيضا قول الراجز: (ومَنْهَل وَردتُهُ التِقاطا؛ لم ألقَ، إذ وَرَدْتُه، فُرّاطا؛ إلا الحمامَ الوُرْقَ والغطاطا؛ فَهُنَّ يُلغِطنَ به إلغاطا؛ كالتُّرجمُان لَقِيَ أنباطا). انظر ابن منظور (بدون تاريخ: مادة رجم وترجم).
[32] انظر فيليب حتي (65:1958).
[33] انظر الكرملي (67:1938).
[34] انظر (داود (10:1896).
[35] انظر (داود (13:1896).
[36] ومن ܠܘܥܛܐ = /لوعاطا/ "ثرثرة" في اللهجات الشامية ـ التي هي من بقايا الآرامية التي كانت تحكى في الشام قبل تعريبها: لَعَّ أي "ثَرثَرَ" وكذلك قول الشاميين: حاجِه تْلِعّْ أي "كفاك ثرثرة" وكذلك لَعْلُوع أي "ثرثار")!
[37] وذلك بعد رد هذا الجذر إلى أصله الثنائي وذلك بإسقاط لام /لغو/ العربي ولام /لَعَع/ العبري ليصبح لدينا: /لغ/ وهو الجذر الثنائي لكل من /لغط/ و/لغو/ و/لغز/ و/لغم/ و/لغي/ الخ!
[38] ابن رشد (1983:557). وانظر أيضا باب (القول في الهوية) الصفحة 552 وما يليها.
[39] انظر عبدالوهاب المسيري (1423/2002). المجلد الأول، الصفحة 61.
[40] لن نشغل أنفسنا ههنا بالبحث في السؤال عما إذا كانت لغة الأناجيل – وبالتالي النصرانية – الأولى هي اليونانية أم السريانية، لأنه سؤال غير مهم في هذا السياق فضلا عن أن الإجابة عليه ستزيد من تعقيد الحديث في هذه المصطلحات فوق ما هو معقد.
[41] هذه الحقيقة اللغوية التاريخية نبّه عليها أيضاً المستشرق المعروف برنارد لويس في كتابه "أين الخطأ" (في الفصل الخامس "العلمانية والمجتمع المدني"، إذ قال، بعد استعراض جذور هذا المفهوم في الثقافة المسيحية ووجه الاختلاف بينها وبين الثقافة الإسلامية، ما يلي: "ولكن انتشار التأثير الغربي اعتباراً من القرن التاسع عشر جعل المسيحيين الناطقين بالعربية - والذين كانوا كثيراً ما يتلقون تعليمهم في المدارس الغربية، والذين كانوا أكثر انفتاحاً على الأفكار الغربية - يضطلعون بدور رئيسي في نقل هذه الأفكار. فكان أن قدَّم المعجمُ العربيُ المسيحيُ جانباً مهماً من المفردات الجديدة التي أسهمت في تشكيل العربية المعاصرة. وكان من المصطلحات المسيحية التي شاع استعمالها مصطلح "عالماني" التي تحوّلت فيما بعد إلى "عَلَماني"، وتعني حرفياً: ما له علاقة بالعالم، أي دنيوي. وأصبحت الكلمة مرادفة لمصطلح: الزمني، وغير الديني، وغير الكنسي جميعاً. وابتدعت في وقت لاحق كلمة دخيلة مترجمة هي "روحاني" المشتقة من "روح" للدلالة على المعنى المضاد. ومن عهد جدّ قريب، نسي الناس أصل كلمة "عالماني" واشتقاقها المسيحيَّيْن، وحرّفوها في النطق إلى "عِلماني" المشتقة من "العِلم". وأسيء فهمها إذ أصبحت تشير إلى مذهب مَن يزعمون وجود تعارض بين العلم البشري والتنزيل الإلهي". (برنارد لويس 159:2009). مع الشكر الجزيل للباحث المصري الزميل أحمد الأقطش الذي أضاف هذه الحاشية المهمة إلى هذه المقالة ومدني بكتاب برنارد لويس.
[42] انظر: http://www.etymonline.com/index.php?term=lay.
[43] انظر بشأن مادة (ܥܠܡܐ: عَلْما) كلا من: Goshen-Gottstein M.H. (1970) صفحة 58؛ وBrockelmann C. (1928) مادة ܥܠܡܐ وكذلك Brockelmann C. (1925) المختارات الأدبية (Chrestomathie) وكذا مادة ܥܠܡܐ في المسرد.
[44] جاء أيضا في الصفحة 3 من كتاب "لغة الإسلام السياسية" للمستشرق برنارد لويس (Lewis B., 1988) بخصوص دخول مصطلح "علمانية" في الاستعمال ما نصه: "في القرن التاسع والقرن العشرين، وتحت تأثير الأفكار والمؤسسات الغربية، نشأت مصلحات جديدة في الإسلام للدلالة على مفهوم تيار الدنيوية، في اللغة التركية أولا، ثم في العربية ثانيا. ففي التركية استعمل المصطلح "لاديني" [ladini] أولا، ثم غيّر فيما بعد إلى "لايك"[layk] المستعار من اللغة الفرنسية. أما في العربية فقد أخذ القوم الكلمة عن الاستعمال اللغوي للنصارى العرب. فلقد اشتق النصارى العرب، في استعمالهم اللغوي المخصوص بهم [والتوكيد لي] كلمة "عالماني"" [‘alamani] من "عالم"، ثم أعيد تشكيل الكلمة لتصبح "عِلماني" [‘ilmani] من "عِلم".
[45] عنوان المعجم بالفرنسية: Ellious Bocthor (1828-1829), Dictionnaire français-arabe. Revu et augmenté par Caussin de Caussin de Perceval. Paris (3° édition, 1864).
[46] انظر بطرس البستاني (1987)، ص 62. مادة (علم). وقد يكون البستاني اعتمد أيضا على كتاب رفاعة الطهطاوي (انظر الحاشية رقم 50).
[47] انظر (Barthélemy A., 1935).
[48] انظر Dozy R., 1881))، المجلد الثاني صفحة 165. مادة (علم).
[49] انظر غزلان إدوارد (Gasselin Edouard, 1886) مادة Laïque.
[50] أضاف الباحث المصري الأستاذ أحمد الأقطش إلى هذا البحث هذه المعلومة المهمة: "ويظهر مِمَّا كتبه رفاعة الطهطاوي (رفاعة الطهطاوي، تخليص الإبريز في تلخيص باريز. القاهرة، 1993. ج. 2 ص. 256) في الفصل الثاني عشر تحت عنوان "دين أهل باريس" أنه ترجم الفرنسيةlaïque إلى "العامة" في مقابل القساوسة. يقول: "ومن الخصال الذميمة: أن القسيسين يعتقدون أنه يجب على العامة أن يعترفوا لهم بسائر ذنوبهم ليغفروها لهم، فيمكث القسيس في الكنيسة على كرسي يُسمّى كرسي الاعتراف". وهذا هو المعنى الأصليّ للكلمة الفرنسية. والطهطاوي ذو ثقافة إسلامية، لذلك استخدم كلمة "العامة" - ومفردها "عامّي" - لتدلّ على عموم المنتسبين إلى الديانة الكاثوليكية مِمَّن ليسوا في السلك الكهنوتي. ومثل هذه الدلالة ليس لها وجود في الدين الإسلامي كما هو معلوم لعدم وجود كهنوت أصلا). وقد يكون غزلان إدوارد اطلع على كتاب الطهطاوي واستساغ مصطلحه أكثر من "علماني".