قرءة نقدية ل " حلول واتحاد " للأديب معاذ العمري ..!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فجر عبد الله
    ناقدة وإعلامية
    • 02-11-2008
    • 661

    قرءة نقدية ل " حلول واتحاد " للأديب معاذ العمري ..!

    قراءة نقدية ل قصة " حلول واتحاد " للسارد المبدع معاذ العمري
    فجر عبد الله
    أحيانا يستوقفنا سرد ما وتحيط كلماته بفكرنا إحاطة السوار بالمعصم .. فتجعلنا ندور في فلكها في محاولة لتفكيكها والغوص في بحرها المتلاطمة أمواج رمزيته وروعته

    ماذا أقول وقد استوقفني هذا النزيف ذي السمات والآثار التسونامية ؟
    ما ذا أقول في عالم من الروح وهي تصّاعد للسماء ولا تصعد بل تصّاعد بكل ما في معنى هذه الكلمة من ثقل وجهد واحتضار
    معاذ العمري ماذا أقول في قصتك هذه التي مررت بها وحاصرتني كلماتها لتبقيني في مسافاتها الضوئية هنيهة
    وأنا أقرأ قصتك هذه لمحت نفحات روحية وعالم البرزخ وعوالم الروح وعالم الملائكة حيث امتزجت هذه العوالم لتعطينا هذه الروعة في الحبكة السردية .. ولمحت فيها أنين وطن .. ثمة ارتباط بين قصصك أخي يربطها خيط رفيع لا يكاد يرى .. كلها - أغلبها - تحمل بصمة وراثية سردية .. بصمة الوطن في قصصك بصمة وراثية يا معاذ
    من غير المعقول أن يتحدث سارد في حجم معاذ العمري في هذه ق ق ج عن حبيبين ارتبطا برباط الحب حتى لم يكد أحدهما ينفصل عن الآخر حتى عند الموت .. هذا ظاهريا لكن الحبيبة هنا هي الوطن
    سأحاول تفسير رأيي هذا على عجالة
    سأنطلق من العنوان وهو البوابة الرئيسية لإيوان هذه القصة المترامية الأطراف والمسافات التأويلية السردية ومن ثم أعرج على زواياها وعمقها
    العنوان : حلول واتحاد
    يتكون من كلمتين : ( حلول / اتحاد ) والحلول لغويا هو النزول .. حلّ بمكان نزل فيه والاتحاد هو امتزاج شيئين أو أكثر .. وهو كذلك مصطلح نعني به التعاون من أجل اكتساب أو خلق قوة ما .. " الاتحاد قوة " .. لكن ما يهمنا هنا هو معاني أعمق من المعنى اللغوي .. حيث يشير كلا المصطلحين إلى فلسفة في الرأي أو لنقل منهج ظهر في القرن الثالث الهجري عند المسلمين اتخذه ثلة من مريديه طريقا للوصول إلى الله تعالى .. وهو التصوف .. ورمز التصوف بل رمز الحلول والاتحاد هو أبو الحسين الحلاج .. وقد كان هذا المنهج – التصوف – ظاهرة اهتم بها الدارسون سواء العرب منهم أو المستشرقون .. و من بين ما يروى من أبيات عن الحلاج أشهرها
    أنا من أهوى ومن أهوى أنا /// نحن روحان حللنا جسدا

    لو فرضنا أن السارد معاذ العمري أراد الإشارة إلى التصوف ومبدأ الحلول والاتحاد من أجل الإشارة فقط سنكون أجحفنا حق هذا السارد المبدع فالمتتبع لسير قصص معاذ العمري يجد أن ثمة استراتيجية سردية عنده يسير عليها قطار سرده لا يحيد عنها وهناك بصيرة في الحبكة والنسج لهدف ما .. رسالة ما يريد معاذ العمري إيصالها للقارئ
    الرمزية عند هذا السارد تتخذ شكلا مكثفا وديناميكيا وسوسيولوجيا وسيكلوجيا وسميائيا .. والسميائية عند معاذ العمري لها عمق تاريخي وزمني – اللحظة ، الموقف اللحظي – والمكاني .. فهو يعالج قضايا مهمة اجتماعية وفلسفية وسياسية فيها نكهة دينية أحيانا في بعض القصص ..
    ورمزية الحلول والاتحاد هنا لا تقف عند بوتقة وخانة التصوف بقدر ما تنطلق هذه الرمزية في الزمكان لتبسط جناحيها وتظلّل العالم العربي انطلاقا من تيك الحقبة إلى هذه الحقبة التي يعيشها .. ومن هذا المنطلق أقول أن قصص معاذ المعري لها رسالة ما ولا يكتب من أجل الكتابة بل يكتب ليوصل فكره ورأيه حول قضايا ساخنة يشهدها العالم العربي ..
    بكلمات جد مختصرة وإيجاز بلاغي وفلسفي ورمزي جاءت هذه القصة لتكشف لنا عن الموت واللاموت والصعود
    وإمكانية الهبوط لتكون الأحداث في أرجوحة زمكانية تتأرجح بين الصعود والنزول وبين الاتحاد والحلول فلا هي استطاعت الصعود للأعلى ولا هي نزلت للأسفل .. ميزان القوة يتأرجح
    والنهاية غامضة .. ضباب يحيط بالنهاية كما أحاط بفلسفة الحلول والاتحاد وإشكالية سؤال تتلعثم حروفه هل هو حقيقة أم مجرد محض خيال؟ .. فكما تشتّت الآراء وتعدّدت الرؤى حول الحلول عند الحلاج تعدّدت الآراء والرؤيا والرؤى لصعود روحين إلى السماء أو عدم إمكانية ذلك لثقل يعيق عملية إيصالهما لعالم آخر غير العالم الذي كانتا فيه .. انتقال صعب ومرهق ومجهد وربما مستحيل

    ويُطرح سؤال حول أول كلمات هذه القصة .. لماذا فصل السارد كلمة " الملاك " عن بقية الجملة المتصلة بها حيث جعلها في سطر بجانبها فاصلة ثم انتقل لبداية السطرالتالي ليكتب الجملة المتصلة بكلمة " الملاك "

    الملاك،
    الموكل بقبض روحي

    هنا نجد كلمة " الملاك " تحيلنا لعالم الملائكة .. ملائكة خلقوا من نور.. عالم النور والخير .. عالم غيبي .. لكن نعرف بعض معلومات عن هذا العالم .. القرآن الكريم والسنة النبوية يحملان لنا معلومات عنهم .. فهم يفعلون ما يأمرون ويحيطون بالإنسان في كل حركاته وسكناته ويدعون معه ويسجلون أعماله ويقبضون روحه .. وهناك ملك واحد مكلف بقبض الأرواح .. هو " ملك الموت " وعزرائيل رغم انتشارها للدلالة على ملك الموت لكنها كلمة عبرية ولم يرد اسم " ملك الموت " في القرآن والسنة النبوية إلا بهذا الاسم " ملك الموت " .. ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون .. الآية ) وهذا الملك – عليه السلام - له قوة عظمى لا يتصورها بشر فهو آخر من يموت حين يفنى الكون وأهل السماوات ولا يبقى إلا ( إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ) ورب العزة سبحانه وتعالى .. وحين يأمر الله " ملك الموت بقبض أرواح هؤلاء الملائكة - عليهم السلام - يفعل ما أمر به وحين يصل دوره يقول له رب العزة جلّ جلاله ( مت يا ملك الموت ) .. ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) .. وحين يسقط " ملك الموت " ميتا لو سمع أهل الأرض والسماء سقطته لماتوا.. وهذا يشير إلى أنه ملك عظيم لا يعلم عظمته إلا خالقه .. إذن كيف يشير السارد هنا إلى أن ثمة ضعف عند قابض روح بطل القصة حين حمل روحه للسماء وتعلقت به روح أخرى " أحسّ بثقل حين صعد بها " الملاك أحس بثقل حين تعلقت روح أخرى بروح بطل القصة التي كان الملك يصعد بها للسماء ..
    ملك وكّل بقبض أرواح العباد من يوم خلق الله آدم وأنزله إلى الأرض إلى قيام الساعة بل ويقبض أرواح الملائكة ومنهم جبريل عليه السلام .. وكما نعلم أن جبريل ملك عظيم له ستة مئة جناح يسدّ الأفق .. هل روح بطل القصة والروح التي تعلقت به أثقل
    و عليه لم يستطع " ملك الموت " حملهما معا للسماء ؟.. إذا نظرنا للقصة من زوايا مختلفة نجد " الملاك " هنا رمزا لا غير .. والسارد لا يعني به " ملك الموت " بل يعني به قابضا آخر لكن قابض روح من نوع آخر .. والدليل أنه شعر بالعجز ولم يستطع إكمال المهمة لثقل إنضاف لحمله الذي حمله ..
    ترى من هو قابض روح بطل القصة .. ؟

    هل يمكن أن نشير إلى أنه الممرضة باعتبار أنه يطلق مجازا عليها ملك الرحمة ؟ .. لكن لو كان هذا لم يكن ثمة قبض للروح بل إعادة الروح أي إسعافها ومعالجتها والسعي لشفائها وليس القبض وهو إشارة للموت .. وعليه ف " الملاك " هنا
    " ملاك " آخر .. قاتل يستسيغ إطلاق جنود الموت لحصد أرواح يعجز بعدها عن حملها لعالمها العلوي .. بل هو لا يستطيع حملها ولا يمكنه حملها فقد حمل أوزاره .. قتل أرواحا بريئة فكان الثقل كبيرا وعظيما على كاهله .. ( ومن قتلها فأنما قتل الناس جميعا ) قتل الروح بلا سبب لمجرد القتل هو كما قتل البشرية جمعاء .. قتل بشر كثر يتحدون في روح واحدة .. روح وطن
    ولهذا نجد السارد معاذ العمري فصل بين كلمة " الملاك " والجملة التي تليها " الموكل بقبض روحي "
    فهذا " الملاك " هو الذي أضفى صفة الملائكية على نفسه .. لأنه يرفض أن ينعت بالقاتل ..
    والقاتل الذي قبض روح بطل القصة اعتقد أن له أحقية قبض الأرواح وأن له قوة ملك الموت .. وأرواح العباد من حقه أن يقبضها حسب فلسفته وحسب قانونه .. فكان سيف البطش هو سبيله ووسيلته .. لكن رغم هذا فهو عاجز عن تنفيذ مهمة قبض الأرواح و كلمة " ثقل " دليل على عجزه واستحالة إتمام مهمته وهي – كلمة الثقل - رمز لشيء لم ولن يستطيعه فهناك استحالة .. هناك روح تعلقت بروح بطل القصة وهذا اتحاد وقوة لا يستطيع مواجهته..
    روح .. العالم الغيبي الذي لا يعرفه كنهنه أحد (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الآية ).. هي ميزان الثقل ومغيرة الحدث بل والأحداث فهي لم تترك – القاتل – يحمل روح بطل القصة لعالم لا يعرفه والسارد معاذ العمري ذكر فقط كلمة " صعود " ولم يشر للوجهة فلم يقل مثلا : حين صعد بها للسماء .. وانعدام وعدم وجود كلمة " السماء " بعد كلمة " صعود " يدل على أن ثمة صعود غير الصعود للسماء ..
    هذا الملاك أو هذا القاتل قبض روح البطل ليصعد بها إلى المشنقة فكان أن ثمة روح أخرى تعلقت بروحه .. أراد أن يعلق روح البطل على المشنقة فتعلقت به روح أخرى .. روح الوطن .. فكان أن اتحدت روح البطل مع الروح التي تشبثت به لتشكلا حلول واتحاد .. حب صوفي بينهما وامتزاج حد الحلول بينهما .. كلّ منهما حلّ في الآخر وصبحا روحا واحدة لم يستطع القاتل قتلها .. وعليه فحلولهما واتحادهما كان ثقلا على قابض الأرواح البريئة أن يصعد بهما إلى حتفهما وموتهما .. لقد انتصر الحلول والاتحاد وظهر عجز القاتل ..
    وحب الوطن من الإيمان والحب الصوفي حبا فيه ما فيه من الدهشة والغرابة كالدهشة التي رسمها لنا معاذ العمري في قصته الرائعة
  • سالم وريوش الحميد
    مستشار أدبي
    • 01-07-2011
    • 1173

    #2
    استاذه فجر
    تقديري لجهدك الكبير الذي ابدع مثل هذا التحليل الراقي والمتعمق والذي أعطى قصة قصيرة جدا هذا الحجم من
    الدراسة يقينا ان الكاتب عند استخدامه لمصطلح الحلول والأتحاد فأنه لم يشر لذلك اعتباطا ، فلذا جاء العنوان ليشير إلى تلك
    الفرق الصوفية والباطنية او الأديان البوذية والبرهمية التي امنت بفكرتي الحلول والأتحاد وهو موضوع متشعب
    وشائك ، ولكن كنت تسبرين اغوار النص بتأني وإبداع
    أستاذتي الغالية أرجو أن يتسع صدرك لملاحظاتي
    كان عليك ان تنشري نص الأستاذ معاذ قبل ان تكتبي قراءتك لأن القصة قصيرة جدا ومن الصعب البحث عنها
    كما أن إثقال القراءة بمصطلحات تفخيمية تاتي غير متساوقة مع تفكيك للنص
    وتاتي وكانها دخيلة على القراءة الرائعة التي كتبتيها ورغم انهما لايقللان من اهمية الدراسة لكني
    ارى يمكن استخدام كلمات اقل تفخيما حتى يتقبلها المتلقي
    الرمزية عند هذا السارد تتخذ شكلا مكثفا وديناميكيا وسوسيولوجيا وسيكلوجيا وسميائيا .. والسميائية عند معاذ العمري لها عمق تاريخي وزمني – اللحظة ، الموقف اللحظي – والمكاني .. فهو يعالج قضايا مهمة اجتماعية وفلسفية وسياسية فيها نكهة دينية أحيانا في بعض القصص .

    ماذا أقول وقد استوقفني هذا النزيف ذي السمات والآثار التسونامية ؟


    استاذتي الغالية لك تقديري واحترامي الكبيرين
    وليدم ابداعك
    التعديل الأخير تم بواسطة سالم وريوش الحميد; الساعة 01-03-2013, 21:19.
    على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
    جون كنيدي

    الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

    تعليق

    • عبدالرحيم التدلاوي
      أديب وكاتب
      • 18-09-2010
      • 8473

      #3
      حين اقرا مقاربة بهذا العمق، و بهذا الاتساع، لا اجد الا الانحناء تقديرا للمجود المبذول، و الامتاع الحاصل..
      هنا اجد نفسي في محراب الحصافة..و ازداد فهما للنص الذي حيرني قبل قراءة نقدك السديد.
      دمت ناقدة حصيفة تعرف كيف تتناول النصوص بعمق و تحيط بها من كل جانب.
      مودتي

      تعليق

      • مُعاذ العُمري
        أديب وكاتب
        • 24-04-2008
        • 4593

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة فجر عبد الله مشاهدة المشاركة
        قراءة نقدية ل قصة " حلول واتحاد " للسارد المبدع معاذ العمري
        فجر عبد الله
        أحيانا يستوقفنا سرد ما وتحيط كلماته بفكرنا إحاطة السوار بالمعصم .. فتجعلنا ندور في فلكها في محاولة لتفكيكها والغوص في بحرها المتلاطمة أمواج رمزيته وروعته

        ماذا أقول وقد استوقفني هذا النزيف ذي السمات والآثار التسونامية ؟
        ما ذا أقول في عالم من الروح وهي تصّاعد للسماء ولا تصعد بل تصّاعد بكل ما في معنى هذه الكلمة من ثقل وجهد واحتضار
        معاذ العمري ماذا أقول في قصتك هذه التي مررت بها وحاصرتني كلماتها لتبقيني في مسافاتها الضوئية هنيهة
        وأنا أقرأ قصتك هذه لمحت نفحات روحية وعالم البرزخ وعوالم الروح وعالم الملائكة حيث امتزجت هذه العوالم لتعطينا هذه الروعة في الحبكة السردية .. ولمحت فيها أنين وطن .. ثمة ارتباط بين قصصك أخي يربطها خيط رفيع لا يكاد يرى .. كلها - أغلبها - تحمل بصمة وراثية سردية .. بصمة الوطن في قصصك بصمة وراثية يا معاذ
        من غير المعقول أن يتحدث سارد في حجم معاذ العمري في هذه ق ق ج عن حبيبين ارتبطا برباط الحب حتى لم يكد أحدهما ينفصل عن الآخر حتى عند الموت .. هذا ظاهريا لكن الحبيبة هنا هي الوطن
        سأحاول تفسير رأيي هذا على عجالة
        سأنطلق من العنوان وهو البوابة الرئيسية لإيوان هذه القصة المترامية الأطراف والمسافات التأويلية السردية ومن ثم أعرج على زواياها وعمقها
        العنوان : حلول واتحاد
        يتكون من كلمتين : ( حلول / اتحاد ) والحلول لغويا هو النزول .. حلّ بمكان نزل فيه والاتحاد هو امتزاج شيئين أو أكثر .. وهو كذلك مصطلح نعني به التعاون من أجل اكتساب أو خلق قوة ما .. " الاتحاد قوة " .. لكن ما يهمنا هنا هو معاني أعمق من المعنى اللغوي .. حيث يشير كلا المصطلحين إلى فلسفة في الرأي أو لنقل منهج ظهر في القرن الثالث الهجري عند المسلمين اتخذه ثلة من مريديه طريقا للوصول إلى الله تعالى .. وهو التصوف .. ورمز التصوف بل رمز الحلول والاتحاد هو أبو الحسين الحلاج .. وقد كان هذا المنهج – التصوف – ظاهرة اهتم بها الدارسون سواء العرب منهم أو المستشرقون .. و من بين ما يروى من أبيات عن الحلاج أشهرها
        أنا من أهوى ومن أهوى أنا /// نحن روحان حللنا جسدا

        لو فرضنا أن السارد معاذ العمري أراد الإشارة إلى التصوف ومبدأ الحلول والاتحاد من أجل الإشارة فقط سنكون أجحفنا حق هذا السارد المبدع فالمتتبع لسير قصص معاذ العمري يجد أن ثمة استراتيجية سردية عنده يسير عليها قطار سرده لا يحيد عنها وهناك بصيرة في الحبكة والنسج لهدف ما .. رسالة ما يريد معاذ العمري إيصالها للقارئ
        الرمزية عند هذا السارد تتخذ شكلا مكثفا وديناميكيا وسوسيولوجيا وسيكلوجيا وسميائيا .. والسميائية عند معاذ العمري لها عمق تاريخي وزمني – اللحظة ، الموقف اللحظي – والمكاني .. فهو يعالج قضايا مهمة اجتماعية وفلسفية وسياسية فيها نكهة دينية أحيانا في بعض القصص ..
        ورمزية الحلول والاتحاد هنا لا تقف عند بوتقة وخانة التصوف بقدر ما تنطلق هذه الرمزية في الزمكان لتبسط جناحيها وتظلّل العالم العربي انطلاقا من تيك الحقبة إلى هذه الحقبة التي يعيشها .. ومن هذا المنطلق أقول أن قصص معاذ المعري لها رسالة ما ولا يكتب من أجل الكتابة بل يكتب ليوصل فكره ورأيه حول قضايا ساخنة يشهدها العالم العربي ..
        بكلمات جد مختصرة وإيجاز بلاغي وفلسفي ورمزي جاءت هذه القصة لتكشف لنا عن الموت واللاموت والصعود
        وإمكانية الهبوط لتكون الأحداث في أرجوحة زمكانية تتأرجح بين الصعود والنزول وبين الاتحاد والحلول فلا هي استطاعت الصعود للأعلى ولا هي نزلت للأسفل .. ميزان القوة يتأرجح
        والنهاية غامضة .. ضباب يحيط بالنهاية كما أحاط بفلسفة الحلول والاتحاد وإشكالية سؤال تتلعثم حروفه هل هو حقيقة أم مجرد محض خيال؟ .. فكما تشتّت الآراء وتعدّدت الرؤى حول الحلول عند الحلاج تعدّدت الآراء والرؤيا والرؤى لصعود روحين إلى السماء أو عدم إمكانية ذلك لثقل يعيق عملية إيصالهما لعالم آخر غير العالم الذي كانتا فيه .. انتقال صعب ومرهق ومجهد وربما مستحيل

        ويُطرح سؤال حول أول كلمات هذه القصة .. لماذا فصل السارد كلمة " الملاك " عن بقية الجملة المتصلة بها حيث جعلها في سطر بجانبها فاصلة ثم انتقل لبداية السطرالتالي ليكتب الجملة المتصلة بكلمة " الملاك "

        الملاك،
        الموكل بقبض روحي

        هنا نجد كلمة " الملاك " تحيلنا لعالم الملائكة .. ملائكة خلقوا من نور.. عالم النور والخير .. عالم غيبي .. لكن نعرف بعض معلومات عن هذا العالم .. القرآن الكريم والسنة النبوية يحملان لنا معلومات عنهم .. فهم يفعلون ما يأمرون ويحيطون بالإنسان في كل حركاته وسكناته ويدعون معه ويسجلون أعماله ويقبضون روحه .. وهناك ملك واحد مكلف بقبض الأرواح .. هو " ملك الموت " وعزرائيل رغم انتشارها للدلالة على ملك الموت لكنها كلمة عبرية ولم يرد اسم " ملك الموت " في القرآن والسنة النبوية إلا بهذا الاسم " ملك الموت " .. ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون .. الآية ) وهذا الملك – عليه السلام - له قوة عظمى لا يتصورها بشر فهو آخر من يموت حين يفنى الكون وأهل السماوات ولا يبقى إلا ( إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ) ورب العزة سبحانه وتعالى .. وحين يأمر الله " ملك الموت بقبض أرواح هؤلاء الملائكة - عليهم السلام - يفعل ما أمر به وحين يصل دوره يقول له رب العزة جلّ جلاله ( مت يا ملك الموت ) .. ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) .. وحين يسقط " ملك الموت " ميتا لو سمع أهل الأرض والسماء سقطته لماتوا.. وهذا يشير إلى أنه ملك عظيم لا يعلم عظمته إلا خالقه .. إذن كيف يشير السارد هنا إلى أن ثمة ضعف عند قابض روح بطل القصة حين حمل روحه للسماء وتعلقت به روح أخرى " أحسّ بثقل حين صعد بها " الملاك أحس بثقل حين تعلقت روح أخرى بروح بطل القصة التي كان الملك يصعد بها للسماء ..
        ملك وكّل بقبض أرواح العباد من يوم خلق الله آدم وأنزله إلى الأرض إلى قيام الساعة بل ويقبض أرواح الملائكة ومنهم جبريل عليه السلام .. وكما نعلم أن جبريل ملك عظيم له ستة مئة جناح يسدّ الأفق .. هل روح بطل القصة والروح التي تعلقت به أثقل
        و عليه لم يستطع " ملك الموت " حملهما معا للسماء ؟.. إذا نظرنا للقصة من زوايا مختلفة نجد " الملاك " هنا رمزا لا غير .. والسارد لا يعني به " ملك الموت " بل يعني به قابضا آخر لكن قابض روح من نوع آخر .. والدليل أنه شعر بالعجز ولم يستطع إكمال المهمة لثقل إنضاف لحمله الذي حمله ..
        ترى من هو قابض روح بطل القصة .. ؟

        هل يمكن أن نشير إلى أنه الممرضة باعتبار أنه يطلق مجازا عليها ملك الرحمة ؟ .. لكن لو كان هذا لم يكن ثمة قبض للروح بل إعادة الروح أي إسعافها ومعالجتها والسعي لشفائها وليس القبض وهو إشارة للموت .. وعليه ف " الملاك " هنا
        " ملاك " آخر .. قاتل يستسيغ إطلاق جنود الموت لحصد أرواح يعجز بعدها عن حملها لعالمها العلوي .. بل هو لا يستطيع حملها ولا يمكنه حملها فقد حمل أوزاره .. قتل أرواحا بريئة فكان الثقل كبيرا وعظيما على كاهله .. ( ومن قتلها فأنما قتل الناس جميعا ) قتل الروح بلا سبب لمجرد القتل هو كما قتل البشرية جمعاء .. قتل بشر كثر يتحدون في روح واحدة .. روح وطن
        ولهذا نجد السارد معاذ العمري فصل بين كلمة " الملاك " والجملة التي تليها " الموكل بقبض روحي "
        فهذا " الملاك " هو الذي أضفى صفة الملائكية على نفسه .. لأنه يرفض أن ينعت بالقاتل ..
        والقاتل الذي قبض روح بطل القصة اعتقد أن له أحقية قبض الأرواح وأن له قوة ملك الموت .. وأرواح العباد من حقه أن يقبضها حسب فلسفته وحسب قانونه .. فكان سيف البطش هو سبيله ووسيلته .. لكن رغم هذا فهو عاجز عن تنفيذ مهمة قبض الأرواح و كلمة " ثقل " دليل على عجزه واستحالة إتمام مهمته وهي – كلمة الثقل - رمز لشيء لم ولن يستطيعه فهناك استحالة .. هناك روح تعلقت بروح بطل القصة وهذا اتحاد وقوة لا يستطيع مواجهته..
        روح .. العالم الغيبي الذي لا يعرفه كنهنه أحد (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا الآية ).. هي ميزان الثقل ومغيرة الحدث بل والأحداث فهي لم تترك – القاتل – يحمل روح بطل القصة لعالم لا يعرفه والسارد معاذ العمري ذكر فقط كلمة " صعود " ولم يشر للوجهة فلم يقل مثلا : حين صعد بها للسماء .. وانعدام وعدم وجود كلمة " السماء " بعد كلمة " صعود " يدل على أن ثمة صعود غير الصعود للسماء ..
        هذا الملاك أو هذا القاتل قبض روح البطل ليصعد بها إلى المشنقة فكان أن ثمة روح أخرى تعلقت بروحه .. أراد أن يعلق روح البطل على المشنقة فتعلقت به روح أخرى .. روح الوطن .. فكان أن اتحدت روح البطل مع الروح التي تشبثت به لتشكلا حلول واتحاد .. حب صوفي بينهما وامتزاج حد الحلول بينهما .. كلّ منهما حلّ في الآخر وصبحا روحا واحدة لم يستطع القاتل قتلها .. وعليه فحلولهما واتحادهما كان ثقلا على قابض الأرواح البريئة أن يصعد بهما إلى حتفهما وموتهما .. لقد انتصر الحلول والاتحاد وظهر عجز القاتل ..
        وحب الوطن من الإيمان والحب الصوفي حبا فيه ما فيه من الدهشة والغرابة كالدهشة التي رسمها لنا معاذ العمري في قصته الرائعة
        الأديبة القديرة والناقدة الفذة فجــر عبد الله

        ما زلت قامة نقدية متفردة لا تنفك ترتقي وتتجدد

        شكرا على هذا الحضور الزاخر وعلى هذه القراءة الفجرية الجامعة المانعة

        كم سرني أنك هنا

        تحية خالصة
        صفحتي على الفيسبوك

        https://www.facebook.com/muadalomari

        {ولا تقف، ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك، كان عنه مسئولا}

        تعليق

        يعمل...
        X