كلب الشقة رقم 1
قبل أعوام من الآن وبعد تفكير عميق يصاحبه الإلحاح والضجيج من الزوجة انتقلت للسكن في شقة جميلة ذات إطلالة بهية في إحدى العمارات السكنية في منطقة راقية داخل عمان العاصمة تسمى ( جبل الحسين ). وبما أن صاحب العمارة توّاً أعاد ترميمها وتلميع الواجهة الحجرية لتبدو أكثر حداثة وجاذبية وبالتالي قيمة أجار أعلى, إلا أنني اكتشفت حالاً بأنها قديمة قدم المنطقة نفسها وذلك لعدم وجود ( المصعد ) رغم أدوارها الخمسة.
ذات مساء وبعد عودتي أنا وزوجتي من إحدى الزيارات العائلية , وقبل أن أطأ الباب الخارجي للعمارة وأذ بنا نفاجئ بكلب أسود صغير الحجم , كبير الفم ، ينبح نحونا بطريقة جنونية , مؤكداً لم يرق له ساعتها وجود سكان جدد دون المرور على حضرته وإعلامه بحضورنا، طبعاً امسكتْ الزوجة بذراعي بطريقة جنونية حتى خلت أني سأفقدها , حاولت بعزم وعنفوان أن أهدا من روعها , قبل الهروب سوية من أمام هذا الوحش الخطير.
لم أعر الكلب أي اهتمام لنباحه المتكرر واليومي, وعرفت أن أفضل وسيله هو تجاهله متماشياً مع مقولة ( الكلاب تنبح والقافلة تسير ) . خاصة انه يعود لملك صاحب الشقة رقم واحد, وهو رجل يعمل في إحدى المناصب المهمة. يعني بالعربي ( مدعوم ) . وبنمزحش معو .
في إحدى المساءات ليوم خريفيّ وحين عودتي , وإذ بمجموعة من أولاد الحي الذي أقطنه مجتمعين بطريقة ملفته ومريبة حول شيء ما , قادني حينها الفضول لمعرفة السبب وراء اجتماهم بهذا الشكل غير الاعتيادي.
فوجئت عندما استطعت اختراق هذا الحاجز البشري والوصول إلى نقطة التجمع بوجود الكلب الأسود صاحب الفم الكبير يتأوه ويتململ وقد أحكم على رقبته حبل مشدود يكاد ينتزع رأسه
لا اعرف حينها ما الذي دفعني لتخليصه من بين أيديهم القاسية على الرغم من تصرفاته الغليظة معي في السابق , ربما إن لم أجزم أنها تلك النظرة التي رمقني بها والتي تشبه نظرة الأم لطفلها , قررت بعد ان فككت أسره التوجه به الى أصحابه ظناً مني لحظتها أنه لربما عن طريق الخطأ غادر عرينه قبل أن يجده الأولاد ويعملون على إذلاله.
على بعد خطوات من المكان راح الكلب ينبح بطريقة هستيرية محاولاً الهرب والتخلص مني بطريقة مفزعة .. رغم الجروح التي غطت جسده وأدمت معها فؤادي.
لحظتها استطعت وأنا أمعن النظر ملياً لعينيه أن أقرا فيهما كلاما كثيرا لا يعلمه سوى قلة ممن قست عليهم الحياة وأوغل طينها في أقدامهم ،
وكان مما استطعت قراءته:
أتركني أيها الشاب الطيب, فأنا اليوم لا أصلح أن أكون خادما وقد عافني الناس, وأوهن عظامي الكبر, حين كنت فتيا وكان لي نباح يشبه زئير الأسود كنت أنعم بالدلال والحب والتكريم أما اليوم فأنا منبوذ وملقى في الطريق مثل جيفة حقيرة , وأنت تعلم كم كنت وفياً ومخلصاً منذ بدء الخليقة , لكنها النهاية التي لا بدّ منها , نهاية العبد والخادم بعد أن يصبح غير قادرٍ على أداء عمله والقيام بواجبه.
اعتراني حزن كبير في هذه اللحظة معها لم أنبت ببنت شفة , قبل أن أهمّ بتركه لمصيره المحتوم ونهايته الباسة.
وبينما الكلب يبتعد عن ناظري شيئاً فشيئا, لا تتبعه سوى هالته الحزينة, وبعض الحشرات القاسية تمتص ما بقي فيه من دماء .. وإذا بالصبية يلاحقونه مجدداً ويسارعون في القضاء على آخر رمق فيه ، وهو يبتسم.
خريف 2007
تعليق