تهذي " عائشه" حين تطن في أذنيها دقات أجراس الرحيل..فتتمايل على سريرها بجسدها الذي أكل عليه الزمان وشرب..واستوطنت الكهوله أطرافه..الصمت يسود ...نسائم الصباح العليل تداعب وجهها ..لكنها تضج بالألم ..شيء ما يشتعل كالجمر في جسدها ..لا تحسن أن تطفئه.. يصحي الذكريات من سباتها ..وتستلقي ذاكرتها الواهنة التي أضناها التعب على رصيف ذكرياتها..فتخرج لشرفات عمرها ..تغمض عينيها المكلله بالتجاعيد فيأخذها خيالها الى ريعان الشباب ..ها هي تحمل طفلها ..تداعبه..تطعمه بأناملها تضمه تذوب في ضحكاته ..وينفطرقلبها لبكاء أو ألم يلم به ..كانت تحتضنه بشدة تأخذه .. تلاحق الأطيار في باحة الدار..وترشي القطط بالطعام لاستقدامها ..ليفرح قلب طفلها .
ثم تأخذها ذاكرتها لتصحبها الى ليال ملاح ..نعم ..إنه يوم زفاف الغالي .. شاب يسد عين الشمس.. كانت تحوم راقصه حوله تكاد تطير فرحا وغبطة ..تشهق أنفاسها.. وهي تراه عريسا يانعا ... محطات يحط فيها قلبها.. فتنبلج عنها إبتسامة متردده تحتار ما بين الفرح الغامر والعتب القاهر .. غادرتها الذكريات بحلوها ومره..وها هو خياله يحملها لواقع مرير..وها هي اليوم تحمل وجه الغربه فوق أكتافها ..تكتنف الوحده ذاتها ..وتتركها بعد أن سطر إبنها صفحات الغياب الطويل عنها..وأشعل فيها نيران الانتظار ..وتركها في بيت للعجزه يحمل فوق يافطته خمسة نجوم كل نجمة فيها تخفف من الوطأة التي كانت من الأجدر أن تلسعه على مدار الساعه .
فنجمة تخفف من وخز ضميره..ونجمة تبرر قلة بره لوالدته ..ونجمة تقصر طريق وصلها ..ونجمة تسهم في تناسيه فضلها عليه..ونجمة تمنح حبة منوم طويل الأمد لبنوته التي لا تغادرها حدود الادعاء..
يآآآآآآه ما أكثر تأثيرهذه النجوم..!!
كانت عائشه تترنح ما بين الهذيان ..والمناجاة.. فتارة تناجي إبنها الغائب وتحدثه عن حكايا في جعبتها ..خبأتها وطال إنتظارها..في أوقات كانت بأمس الحاجة لأذنيه ..لتصغي لحكايات أم عجوز تعبت من حمل الأحاديث فراحت تحلم بسكبها على مسامعه..لكن هذا الانتظار ..وهذا الاحتراق أومأ بها لتكون كأغصان يابسه قاربت على الانكسار , وهي التي لطالما جلست أمامه ..ونذرت له نفسها بعد أن توفي زوجها وهي في ريعان الشباب فأبت إلا أن تدفن هذا العمر وتهب ما تبقى لإبنها..فكان غايتها أن تراه يكبر أمامها يوما تلو اليوم ..ولطالما سكنتها الطمأنينة إزاء هذا القرار بالتضحيه من أجله..فجلست أمامه تتلقف بحرقه وبشغف كل حرف يتساقط من شفتيه .
توجعها الذكريات ...فتستنشق الهواء بشده تحتبسه في صدرها تبقيه قليلا ..وتزفره مع صدأ العذابات التي استوطنت في داخلها ..تمد يدها المرتجفه تتحسس فراشها ..أنه بارد ..مفعم بالغربه مملوء بالسكون..يخلو من الدفء..تغرورق عيناها بالدموع ..دموعها ساخنة تعبر تجاعيد وجهها ..وتستقر على حدود شفتاها ..تتذوق ملوحتها تتذكر أنهم قالوا مرة "ان الدموع كلما زادت ملوحتها كلما دلت على وطأة الألم" ..
تسأل نفسها بحسره كم تحملين يا عائشه من الألم ؟؟
تمتد أناملها المرتجفه تمسح ما تبقى من الدموع..تشعر بأنها مجرد عجوز منسية ..تقبع في زاوية مظلمة تعد الليالي الصامتة ..في مكان يعج بالتكنولوجيا وآخر ما توصل إليه العلم من صناعه آلات متطوره تقدم لها كل شيء يخطر ببالها إلا الحنان..حتى هذه الكوادر من الأطباء والمستخدمين .. لا يمتون لها بصله ..لم تنجب أحدهم..لم تهدر شبابها على أعتاب عمرهم..لم تتغنى لهم بتراتيم الصباح..إنهم ليس من لحمها .ولا من دمها.. وتعيش عائشه لبك السؤال .!!
لماذا..هل أستحق من إبني..فلذة كبدي كل هذا؟
تستفيق مجددا أوجاعها .وتقرصها بلوعة ..تتألم ..تكتم أنفاسها ..تحاول أن تكسر عنفوان أمومتها..تحتقن كمزنة خريف..تنطفأ مشكاة عينيها ..تغمض جفنيها..تفيض روحها في أروقة السماء.
تموت عائشه في مكان حديث تكنولوجي في بيت للعجزة مجهز بأحدث الآلات التكنولوجية ..تموت ميت تكنولوجيه ..لكنها لطالما تمنت أن تموت على فراش دافئ بين الأبناء والأحفاد .
إهداء
الى كل إبن تخلى عن تاريخ والديه معه..وظن أنه بالمال يستطيع أن يشتري لهما بنوة تكنلوجية باهظة الثمن..ولقب هذه الصفقه "بالبر والتقوى"
تعليق