ثورة الحملان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالحميد ناصف
    أديب وكاتب
    • 05-02-2013
    • 146

    ثورة الحملان

    ثورة الحملان ..
    يتكئ بساعديه على السلة التي أمامه.والتي تحوى متطلبات يومه ..
    تقوده حمارته التي يمتطي ظهرها.. بل بالأحرى تقوده أغنامه التي لايعبأ حتى بوجودها أمامه .
    ينظر إلى الحقول الخضراء على جانبي الطريق بعيني الحاسد تارة
    والى السماء بعيني الآمل تارة أخرى...

    سحب متفرقة يختلط الأبيض منها بالرمادي.ينظر جهة الشمال .
    لعل السحب القادمة من هناك أكثر قتامة...يمنى نفسه بسقوط المطر
    يرفع أنفه ساحبا الكثير من الهواء إلى قفصه الصدري.
    يمعن الشم ربما ثقبت أنفه رائحة المطر
    .يحكم لف عباءته حول جسده النحيل حتى لا يتسرب البرد الذي يتمناه إلى عظامه..
    تداهمه أشعة الشمس من خلفه.. يتوارى أمله في سقوط المطر...
    قارب الشتاء على نهايته ولم تبتل الأرض إلا من صقيع وثلوج تلتهم مرعى أغنامه .
    حتى القناة التي تروى أرضه خويت من الماء إلا من بعض يسير يكفى بالكاد لشرب أغنامه..
    من يسبقوه على ضفافها أقاموا السدود ليستأثروا بمائها...
    عبسا حاول مداهنتهم .أو شكواهم. بعد أن عجز عن الدفاع عن حقه فى المياه.
    فقد وهنت قوته وعصفت بها سنوات العمر.
    حمارته الكسلى تبطئ من سيرها تميل إلى تلك القناة لتلتهم بعض الأعشاب النامية على حافتها.
    أو تلتقط بعضا من أعواد الحطب المتناثرة على جانبي الطريق.
    .يلكزها بضرب بطنها باهتزاز رجليه ,ليلحق بالقطيع الذى
    يتقدمه أبناءه ..كل منهم يركب حمارا قويا.
    يخلفهم عددا من الكباش يشغلون الصف الأول من قطيع الأغنام وحملانها .
    الذي ينتهي بمجموعة صغيرة من الماعز..
    على جانبي الطريق تسير مجموعة من الكلاب. موازية للقطيع
    كل منها يسير في خطه المرسوم لا يحيد عنه .إلا إذا شرد أحد أفراد القطيع .
    فنجد الكلب القريب منها يجرى مسرعا لإعادته إلى خط سيره المرسوم

    طريق طويل يسيرونه يوميا يبدأ من مشرق الشمس. متجها إلى تلك الرقعة من الأرض
    التي آلت إليه بوضع اليد...لم يرثها لكنه وجد أناس يستصلحون أرضا ويزرعونها فأتى بعدهم
    واستصلح تلك القطعة لتكون مرعى لأغنامه.وتنتهي بصحراء قاحلة لا تصلها الماء

    ها قد وصل إلى أرضه
    .يسرع كل من في القطيع قافزا القناة إلى تلك الأرض
    لييبحث عن قوت لن يجده فى أرض أصابها الجدب يسرع ابنه الأكبر ليقف بجواره. ليستند على كتفه نازلا من فوق حمارته التي تتجه سريعا إلى المرعى..
    يجلس متكئا الى شجرة الصفصاف الوحيدة على هذه القناة ..
    يمد يده داخل سلته..تتعثر في مغزله.. يخرجه .. يقلبه بين يديه ينظر إليه
    ويتذكر كم كان يحبه ...ينتظر الصباح حتى يحتضنه بيده...
    يقوم بلف أسفله في خفة وسرعة. ليغزل كمية من الصوف
    قد أتى بها من قص إحدى أغنامه ..
    ينظر إليه وقد تكسرت زوائده العليا وتهشمت مقدمته .
    .يزم شفتيه امتعاضا ويعيده إلى السلة فى أسى..
    يخرج نرجيلته وأدوات عمل الشاي ..
    ابنه يصعد الشجرة يعلق السلة فى فرع جاف.
    ويأتى ببعض الأخشاب . يقوم هو برصها جيدا على شكل هرم صغير تتوسطه بعض الأعشاب .
    يشعل فيها عود ثقاب.يرتفع اللهب يمد ذراعيه باسطا كفيه حول اللهب
    وكأنه سيحتضنه وتبدو على وجهه السكينة ...
    تعلو وجهه ابتسامة بلهاء كلما زاد ارتفاع اللهب.
    ملأ قنينة الشاي وضغط بها على قطع الأخشاب الملتهبة ليهدئ من روعها.
    ويهدىء من سيل الذكريات التى تهاجمه .
    يلتقط قطع مشتعلة من النار ليضمها فوق نرجيلته
    ويتراجع إلى الوراء مستندا إلى جذع تلك الشجرة الهزيلة ساحبا نفسا عميقا من الدخان
    يرفع رأسه نافثا دخان كثيف في اتجاه مرعاه وأغنامه..

    بين غلائل الدخان يتابع القطيع....
    الحمير كل يستأثر بجزء من الحشائش النامية على القناة وكأنهم قسموها على بعضهم .
    كلما اقتربت نعجة أو حمل صغير من مرعاه أخرج زفيرا مرعبا فى وجهها .
    وان اقتربت اكثر استدار ورفسها بأرجل قويه..
    تتراجع النعاج لتجوب أرض جرداء.بحثا عن غذاء لا تجده....

    هزلت النعاج.أصابها الجرب .سقط بعض صوفها.أنهكها الجوع..
    .تهرول مبتعدة عن حملانها الصغيره..
    ترفسها لو اقتربت من ضروعها الجافة اليابسة
    هاله المنظر..رغم تكراره يوميا.. قلة حيلته..دعته الى النظر الى بعيد ..الى الأبناء..
    يتسابقون بأقوى الحمير فى الصحراء

    يحاول القيام مستندا الى جذع الشجره.
    يناديهم بصوت واهن....لا يسمعون .... تخنقه العبرات ..تتحجر فى عينيه الدموع .
    .أيصل به الحال الى هذا الحد الذى لا يقوى على القيام..
    قديما كانت ارضه يانعة خضراء .كانت أغنامه شبعى
    لم يكن يجرؤ أحدا على قطع المياه عن أرضه.
    .كانت زراعاته وأغنامه مضرب المثل ..
    حتى شجرته هذه كانت وارفة .وافرة الظل.
    يلوم نفسه .على تدليله لابنائه.وعدم تحميلهم المسؤلية .وتركهم للعبهم ولهوهم
    استسلم لضعفه.وركن الى جذع الشجرة.
    ينفث مع دخان نرجيلته اّلامه وهوانه
    ناظرا الى السماء علها تأتى بسحابة ممطرة
    تغسل همومه وتروى الأرض العطشى..


    تناقص ظل الشجرة حتى صار يغطى جذعها فقط..
    جاء كلبه الكبير ليرقد على مقربة منه باسطا ذراعاه ...
    فقد حان وقت الغذاء....يمد عصاه لينزل سلته ..
    يضعها امامه....يجمع بعصاه جمرات النار...
    وينتظر وصول الأبناء .
    حمل صغير يقفز القناه يقترب منه..
    يدور حوله يقترب من جزع الشجرة
    يحاول نحت لحائها.
    .يبحث عن أوراق يابسة تكون قد سقطت من الشجرة ولم يسبقه اليها احد من اقرانه....
    باءت محاولاته بالفشل....يقترب من السلة....
    يدس رأسه داخلها......
    يحاول الراعى ابعداه بعصاه...
    يكشر الكلب عن انيابه..
    لا يأبه الحمل لا بالراعى ولا بالكلب..
    لكزالعصا أخف وطء من لكز معدة خاوية....
    زمجرة الكلب أهدأ من زمجرة أمعاء تكاد تعوى من أثر الجوع
    يأتى حمل أخر يشاركه.....تتوافد الحملان على السلة
    .يعقبهم باقى القطيع مسرعين.. ..
    .يحيطون بالراعى وسلته ....
    لم تفلح محولات الكلب ولا باقى الكلاب الذين أتوا مسرعين للنجدة فى ابعادهم...
    لم يعد نباحهم يخيف النعاج الجوعى.....
    تعلو أصوات الحملان.. تتحول الى زئير ....
    تتراجع الكلاب ...تنسحب....
    .يحتضن الراعى سلته يقاوم السيل المنهمر من الحملان...بلا جدوى ..
    تدوسه الأرجل....
    تنغرس الحوافر فى وجهه ....فى جسده ..يسيل دمه ..
    تخونه قواه يترك سلته للقطيع.....
    تبدو ذراعه مرفوعة مرتعدة بين النعاج....

    يهبط الأبناء من فوق الحميرالتى لا تأبه بما يحدث وتنطلق الى مرعاها ....
    الأبناء فى ذهول من هول المفاجأة ..
    .يحاولون ابعاد القطيع ....
    .يمدون أياد مرتعدة الى اليد المروفعة.....
    تحول بينها الحملان...
    وتسقط اليد..
    يتحول القطيع الى قطعان صغيرة يتقاتلون على سلة فارغة
    يتجاذبونها فيما بينهم....
    كل قطيع يحاول الاستئثار بها لنفسه.....
    يجلس الابناء حول الراعى..
    يحاولون تضميد الجراح الغائرة.......



    عبدالحميد ناصف
    18ـ8ـ2011
    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالحميد ناصف; الساعة 09-03-2013, 20:31.
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    عبد الحميد ناصف
    رؤية قوية ومعنى وجدته وبالرغم من أنه أرعبني فعلا إلا أنه فعلا يستحق أن يكون أكثر من معبر عما يحدث
    نص بالرغم من الهنات الكثيرة فيه من ( حزع.. جذع ) إلى آخر خطأ لكني كنت فيه وكأني أعيش اللحظة
    ومضة النهاية أنقذت النص من التهدل لبعض الإطالة
    لكني أحببته وأدهشني
    جاءت البساطة منسابة مع حياة الفلاحين ومشاكلهم لكني أسقطتها ( برأسي المجنون ) على واقعنا كله
    أرجوك زميل عبد الحميد راجع نصوصك لأني أجدها تستحق أن تراجع فهي جميلة ومؤثرة
    تحياتي ومحبتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • ميساء عباس
      رئيس ملتقى القصة
      • 21-09-2009
      • 4186

      #3
      هذه بقعة من الحياة
      التي لانعرف عنها سوى القليل
      وقد ألقيت كل الضوء عليها
      فعشنا الصحراء والقطيع الذي دار النص حوله
      وهو من يعيش عليه تلك الفئة العاملة من الناس
      آلمتنا جدا تلك التفاصيل وأبعادها
      قصة جميلة وفكرة مختلفة جديدة ورائعة
      كان هناك بعض استطالة
      والنهاية كانت رائعة جدا
      تحمل خيال واسع وجميل
      نعم لو تراجع وتصحح الأخطاء
      لتبدو القصة بأجمل حلة
      ننتظر جديدك دائما
      ونأمل مساندتك لنا بمشاركة الأصدقاء
      وفقك الله ودمت بخير
      ميساء العباس
      مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
      https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

      تعليق

      • ريما ريماوي
        عضو الملتقى
        • 07-05-2011
        • 8501

        #4
        نص جميل قابل للإسقاط والتأويل..
        على وضع الوطن العربي الكبير..

        شكرا لك .. تحيتي وتقديري.

        التعديل الأخير تم بواسطة ريما ريماوي; الساعة 11-03-2013, 22:31.


        أنين ناي
        يبث الحنين لأصله
        غصن مورّق صغير.

        تعليق

        • عبدالحميد ناصف
          أديب وكاتب
          • 05-02-2013
          • 146

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          عبد الحميد ناصف
          رؤية قوية ومعنى وجدته وبالرغم من أنه أرعبني فعلا إلا أنه فعلا يستحق أن يكون أكثر من معبر عما يحدث
          نص بالرغم من الهنات الكثيرة فيه من ( حزع.. جذع ) إلى آخر خطأ لكني كنت فيه وكأني أعيش اللحظة
          ومضة النهاية أنقذت النص من التهدل لبعض الإطالة
          لكني أحببته وأدهشني
          جاءت البساطة منسابة مع حياة الفلاحين ومشاكلهم لكني أسقطتها ( برأسي المجنون ) على واقعنا كله
          أرجوك زميل عبد الحميد راجع نصوصك لأني أجدها تستحق أن تراجع فهي جميلة ومؤثرة
          تحياتي ومحبتي
          الأستاذه عائدة
          مرورك العطر يزين صفحاتى دائما
          أسعدنى تشريفك للموضوع وقراءتك لما بين السطور
          أما الأخطاء ..قلت لك مرارا أن تدخلى وتصححيها لحداثة عهدى بالكتابة على الكى بورد
          وأتعامل مع اللوحه أعلا ما أكتب وكأنى أتفاعل مع أذرار مفاعل نووى

          تحياتى وتقديرى
          عبد الحميد

          تعليق

          • حارس الصغير
            أديب وكاتب
            • 13-01-2013
            • 681

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة عبدالحميد ناصف مشاهدة المشاركة
            ثورة الحملان ..
            يتكئ بساعديه على السلة التي أمامه.والتي تحوى متطلبات يومه ..
            تقوده حمارته التي يمتطي ظهرها.. بل بالأحرى تقوده أغنامه التي لا يعبأ حتى بوجودها أمامه .
            ينظر إلى الحقول الخضراء على جانبي الطريق بعيني الحاسد تارة
            والى السماء بعيني الآمل تارة أخرى...
            سحب متفرقة يختلط الأبيض منها بالرمادي.ينظر جهة الشمال .
            لعل السحب القادمة من هناك أكثر قتامة...يمنى نفسه بسقوط المطر
            يرفع أنفه ساحبا الكثير من الهواء إلى قفصه الصدري.
            يمعن الشم ربما ثقبت أنفه رائحة المطر
            .يحكم لف عباءته حول جسده النحيل حتى لا يتسرب البرد الذي يتمناه إلى عظامه..
            تداهمه أشعة الشمس من خلفه.. يتوارى أمله في سقوط المطر...
            قارب الشتاء على نهايته ولم تبتل الأرض إلا من صقيع وثلوج تلتهم مرعى أغنامه .
            حتى القناة التي تروى أرضه خويت من الماء إلا من بعض يسير يكفى بالكاد لشر بأغنامه..
            من يسبقوه على ضفافها أقاموا السدود ليستأثروا بمائها...
            عبثا حاول مداهنتهم .أو شكواهم. بعد أن عجز عن الدفاع عن حقه فى المياه.
            فقد وهنت قوته وعصفت بها سنوات العمر.
            حمارته الكسلى تبطئ من سيرها تميل إلى تلك القناة لتلتهم بعض الأعشاب النامية على حافتها.
            أو تلتقط بعضا من أعواد الحطب المتناثرة على جانبي الطريق.
            .يلكزها بضرب بطنها باهتزاز رجليه ,ليلحق بالقطيع الذى
            يتقدمه أبناؤه ..كل منهم يركب حمارا قويا.
            يخلفهم عددا من الكباش يشغلون الصف الأول من قطيع الأغنام وحملانها .
            الذي ينتهي بمجموعة صغيرة من الماعز..
            على جانبي الطريق تسير مجموعة من الكلاب. موازية للقطيع
            كل منها يسير في خطه المرسوم لا يحيد عنه .إلا إذا شرد أحد أفراد القطيع .
            فنجد الكلب القريب منها يجرى مسرعا لإعادته إلى خط سيره المرسوم

            طريق طويل يسيرونه يوميا يبدأ من مشرق الشمس. متجها إلى تلك الرقعة من الأرض
            التي آلت إليه بوضع اليد...لم يرثها لكنه وجد أناسا يستصلحون أرضا ويزرعونها فأتى بعدهم
            واستصلح تلك القطعة لتكون مرعى لأغنامه.وتنتهي بصحراء قاحلة لا تصلها الماء

            ها قد وصل إلى أرضه
            .يسرع كل من في القطيع قافزا القناة إلى تلك الأرض
            ليبحث عن قوت لن يجده فى أرض أصابها الجدب يسرع ابنه الأكبر ليقف بجواره. ليستند على كتفه نازلا من فوق حمارته التي تتجه سريعا إلى المرعى..
            يجلس متكئا إلى شجرة الصفصاف الوحيدة على هذه القناة ..
            يمد يده داخل سلته..تتعثر في مغزله.. يخرجه .. يقلبه بين يديه ينظر إليه
            ويتذكر كم كان يحبه ...ينتظر الصباح حتى يحتضنه بيده...
            يقوم بلف أسفله في خفة وسرعة. ليغزل كمية من الصوف
            قد أتى بها من قص إحدى أغنامه ..
            ينظر إليه وقد تكسرت زوائده العليا وتهشمت مقدمته .
            .يزم شفتيه امتعاضا ويعيده إلى السلة فى أسى..
            يخرج نرجيلته وأدوات عمل الشاي ..
            ابنه يصعد الشجرة يعلق السلة فى فرع جاف.
            ويأتى ببعض الأخشاب . يقوم هو برصها جيدا على شكل هرم صغير تتوسطه بعض الأعشاب .
            يشعل فيها عود ثقاب.يرتفع اللهب يمد ذراعيه باسطا كفيه حول اللهب
            وكأنه سيحتضنه وتبدو على وجهه السكينة ...
            تعلو وجهه ابتسامة بلهاء كلما زاد ارتفاع اللهب.
            ملأ قنينة الشاي وضغط بها على قطع الأخشاب الملتهبة ليهدئ من روعها.
            ويهدئ من سيل الذكريات التى تهاجمه .
            يلتقط قطع مشتعلة من النار ليضمها فوق نرجيلته
            ويتراجع إلى الوراء مستندا إلى جذع تلك الشجرة الهزيلة ساحبا نفسا عميقا من الدخان
            يرفع رأسه نافثا دخانا كثيفا في اتجاه مرعاه وأغنامه..

            بين غلائل الدخان يتابع القطيع....
            الحمير كل يستأثر بجزء من الحشائش النامية على القناة وكأنهم قسموها على بعضهم .
            كلما اقتربت نعجة أو حمل صغير من مرعاه أخرج زفيرا مرعبا فى وجهها .
            وإن اقتربت أكثر استدار ورفسها بأرجل قويه..
            تتراجع النعاج لتجوب أرضا جرداء.بحثا عن غذاء لا تجده....

            هزلت النعاج.أصابها الجرب .سقط بعض صوفها.أنهكها الجوع..
            .تهرول مبتعدة عن حملانها الصغيره..
            ترفسها لو اقتربت من ضروعها الجافة اليابسة
            هاله المنظر..رغم تكراره يوميا.. قلة حيلته..دعته إلى النظر إلى بعيد ..إلى الأبناء..
            يتسابقون بأقوى الحمير فى الصحراء
            يحاول القيام مستندا إلى جذع الشجرة.
            يناديهم بصوت واهن....لا يسمعون .... تخنقه العبرات ..تتحجر في عينيه الدموع .
            .أيصل به الحال الى هذا الحد الذى لا يقوى على القيام..
            قديما كانت أرضه يانعة خضراء .كانت أغنامه شبعى
            لم يكن يجرؤ أحدا على قطع المياه عن أرضه.
            .كانت زراعاته وأغنامه مضرب المثل ..
            حتى شجرته هذه كانت وارفة .وافرة الظل.
            يلوم نفسه .على تدليله لأبنائه.وعدم تحميلهم المسؤولية .وتركهم للعبهم ولهوهم
            استسلم لضعفه.وركن إلى جذع الشجرة.
            ينفث مع دخان نرجيلته آلامه وهوانه
            ناظرا إلى السماء علها تأتى بسحابة ممطرة
            تغسل همومه وتروى الأرض العطشى..

            تناقص ظل الشجرة حتى صار يغطى جذعها فقط..
            جاء كلبه الكبير ليرقد على مقربة منه باسطا ذراعيه ...
            فقد حان وقت الغذاء....يمد عصاه لينزل سلته ..
            يضعها أمامه....يجمع بعصاه جمرات النار...
            وينتظر وصول الأبناء .
            حمل صغير يقفز القناة يقترب منه..
            يدور حوله يقترب من جزع الشجرة
            يحاول نحت لحائها.
            .يبحث عن أوراق يابسة تكون قد سقطت من الشجرة ولم يسبقه إليها أحد من أقرانه....
            باءت محاولاته بالفشل....يقترب من السلة....
            يدس رأسه داخلها......
            يحاول الراعي ابعاده بعصاه...
            يكشر الكلب عن أنيابه..
            لا يأبه الحمل لا بالراعي ولا بالكلب..
            لكز العصا أخف وطء من لكز معدة خاوية....
            زمجرة الكلب أهدأ من زمجرة أمعاء تكاد تعوى من أثر الجوع
            يأتي حمل أخر يشاركه.....تتوافد الحملان على السلة
            .يعقبهم باقى القطيع مسرعين.. ..
            .يحيطون بالراعي وسلته ....
            لم تفلح محولات الكلب ولا باقى الكلاب الذين أتوا مسرعين للنجدة في إبعادهم...
            لم يعد نباحهم يخيف النعاج الجوعى.....
            تعلو أصوات الحملان.. تتحول الى زئير ....
            تتراجع الكلاب ...تنسحب....
            .يحتضن الراعى سلته يقاوم السيل المنهمر من الحملان...بلا جدوى ..
            تدوسه الأرجل....
            تنغرس الحوافر فى وجهه ....فى جسده ..يسيل دمه ..
            تخونه قواه يترك سلته للقطيع.....
            تبدو ذراعه مرفوعة مرتعدة بين النعاج....

            يهبط الأبناء من فوق الحمير التى لا تأبه بما يحدث وتنطلق إلى مرعاها ....
            الأبناء فى ذهول من هول المفاجأة ..
            .يحاولون إبعاد القطيع ....
            .يمدون أياد مرتعدة إلى اليد المرفوعة.....
            تحول بينها الحملان...
            وتسقط اليد..
            يتحول القطيع إلى قطعان صغيرة يتقاتلون على سلة فارغة
            يتجاذبونها فيما بينهم....
            كل قطيع يحاول الاستئثار بها لنفسه.....
            يجلس الأبناء حول الراعى..
            يحاولون تضميد الجراح الغائرة.......



            عبدالحميد ناصف
            18ـ8ـ2011
            ارجو ان تتقبل
            هي قريتي التي أعيش فيها
            ذكرتني بأحداث طفولتي
            نص جميل رائع
            تحيتي
            التعديل الأخير تم بواسطة حارس الصغير; الساعة 09-03-2013, 21:23.

            تعليق

            • ليندة كامل
              مشرفة ملتقى صيد الخاطر
              • 31-12-2011
              • 1638

              #7
              السلام عليكم
              نص يدفعك للإستمرار في قرأته لمعرفة النهاية جدب القارئ من أول فقرة الى نهايتها
              له فكرة عميقة جدا
              تقديري لحرفك وتعليق في قصة الذهب
              http://lindakamel.maktoobblog.com
              من قلب الجزائر ينطلق نبض الوجود راسلا كلمات تتدفق ألقا الى من يقرأها

              تعليق

              • عبدالحميد ناصف
                أديب وكاتب
                • 05-02-2013
                • 146

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
                هذه بقعة من الحياة
                التي لانعرف عنها سوى القليل
                وقد ألقيت كل الضوء عليها
                فعشنا الصحراء والقطيع الذي دار النص حوله
                وهو من يعيش عليه تلك الفئة العاملة من الناس
                آلمتنا جدا تلك التفاصيل وأبعادها
                قصة جميلة وفكرة مختلفة جديدة ورائعة
                كان هناك بعض استطالة
                والنهاية كانت رائعة جدا
                تحمل خيال واسع وجميل
                نعم لو تراجع وتصحح الأخطاء
                لتبدو القصة بأجمل حلة
                ننتظر جديدك دائما
                ونأمل مساندتك لنا بمشاركة الأصدقاء
                وفقك الله ودمت بخير
                ميساء العباس
                أ .ميساء
                جزيل امتنانى وشكرى لمرورك .وكلماتك الرقيقة
                أما عن الأطالة ..فهناك من يقول أنه يحتمل أن يكون أطول من ذلك وأن أسهب فى تفاصيل ودقائق أكثر
                الا أننى اّثرت أن يتوصل القارىء لهذه التفاصيل من بين سطور القصة.ويسقطها على أى واقع يريده هو .بل ويقرأها كما يريد...
                .....
                وأمنيات بأن تصححى ما بها من أخطاء املائية

                تحياتى وتقديرى
                عبد الحميد

                تعليق

                • عبدالحميد ناصف
                  أديب وكاتب
                  • 05-02-2013
                  • 146

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
                  نص جميل قابل للإسقاط والتأويل..
                  على وضع الوطن العربي الكبير.

                  شكرا لك .. تحيتي وتقديري.

                  شكرا أستاذة ريما على مرورك
                  لا حرمنا الله من بديع مشاركاتك
                  تحياتى وتقديرى

                  عبدالحميد

                  تعليق

                  • عبدالحميد ناصف
                    أديب وكاتب
                    • 05-02-2013
                    • 146

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة حارس الصغير مشاهدة المشاركة
                    ارجو ان تتقبل
                    هي قريتي التي أعيش فيها
                    ذكرتني بأحداث طفولتي
                    نص جميل رائع
                    تحيتي
                    شكرا حارس لمرورك العطر
                    وثناءك الذى أغبطنى
                    تحياتى وشكرى
                    عبدالحميد

                    تعليق

                    • عبدالحميد ناصف
                      أديب وكاتب
                      • 05-02-2013
                      • 146

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة ليندة كامل مشاهدة المشاركة
                      السلام عليكم
                      نص يدفعك للإستمرار في قرأته لمعرفة النهاية جدب القارئ من أول فقرة الى نهايتها
                      له فكرة عميقة جدا
                      تقديري لحرفك وتعليق في قصة الذهب
                      أساتذة ليندة
                      سعيد بمرورك العطر وكلماتك الرقيقة
                      وأسف لتأخرى بالرد
                      تحياتى وتقديرى

                      تعليق

                      يعمل...
                      X