ثورة الحملان ..
يتكئ بساعديه على السلة التي أمامه.والتي تحوى متطلبات يومه ..
تقوده حمارته التي يمتطي ظهرها.. بل بالأحرى تقوده أغنامه التي لايعبأ حتى بوجودها أمامه .
ينظر إلى الحقول الخضراء على جانبي الطريق بعيني الحاسد تارة
والى السماء بعيني الآمل تارة أخرى...
سحب متفرقة يختلط الأبيض منها بالرمادي.ينظر جهة الشمال .
لعل السحب القادمة من هناك أكثر قتامة...يمنى نفسه بسقوط المطر
يرفع أنفه ساحبا الكثير من الهواء إلى قفصه الصدري.
يمعن الشم ربما ثقبت أنفه رائحة المطر
.يحكم لف عباءته حول جسده النحيل حتى لا يتسرب البرد الذي يتمناه إلى عظامه..
تداهمه أشعة الشمس من خلفه.. يتوارى أمله في سقوط المطر...
قارب الشتاء على نهايته ولم تبتل الأرض إلا من صقيع وثلوج تلتهم مرعى أغنامه .
حتى القناة التي تروى أرضه خويت من الماء إلا من بعض يسير يكفى بالكاد لشرب أغنامه..
من يسبقوه على ضفافها أقاموا السدود ليستأثروا بمائها...
عبسا حاول مداهنتهم .أو شكواهم. بعد أن عجز عن الدفاع عن حقه فى المياه.
فقد وهنت قوته وعصفت بها سنوات العمر.
حمارته الكسلى تبطئ من سيرها تميل إلى تلك القناة لتلتهم بعض الأعشاب النامية على حافتها.
أو تلتقط بعضا من أعواد الحطب المتناثرة على جانبي الطريق.
.يلكزها بضرب بطنها باهتزاز رجليه ,ليلحق بالقطيع الذى
يتقدمه أبناءه ..كل منهم يركب حمارا قويا.
يخلفهم عددا من الكباش يشغلون الصف الأول من قطيع الأغنام وحملانها .
الذي ينتهي بمجموعة صغيرة من الماعز..
على جانبي الطريق تسير مجموعة من الكلاب. موازية للقطيع
كل منها يسير في خطه المرسوم لا يحيد عنه .إلا إذا شرد أحد أفراد القطيع .
فنجد الكلب القريب منها يجرى مسرعا لإعادته إلى خط سيره المرسوم
طريق طويل يسيرونه يوميا يبدأ من مشرق الشمس. متجها إلى تلك الرقعة من الأرض
التي آلت إليه بوضع اليد...لم يرثها لكنه وجد أناس يستصلحون أرضا ويزرعونها فأتى بعدهم
واستصلح تلك القطعة لتكون مرعى لأغنامه.وتنتهي بصحراء قاحلة لا تصلها الماء
ها قد وصل إلى أرضه
.يسرع كل من في القطيع قافزا القناة إلى تلك الأرض
لييبحث عن قوت لن يجده فى أرض أصابها الجدب يسرع ابنه الأكبر ليقف بجواره. ليستند على كتفه نازلا من فوق حمارته التي تتجه سريعا إلى المرعى..
يجلس متكئا الى شجرة الصفصاف الوحيدة على هذه القناة ..
يمد يده داخل سلته..تتعثر في مغزله.. يخرجه .. يقلبه بين يديه ينظر إليه
ويتذكر كم كان يحبه ...ينتظر الصباح حتى يحتضنه بيده...
يقوم بلف أسفله في خفة وسرعة. ليغزل كمية من الصوف
قد أتى بها من قص إحدى أغنامه ..
ينظر إليه وقد تكسرت زوائده العليا وتهشمت مقدمته .
.يزم شفتيه امتعاضا ويعيده إلى السلة فى أسى..
يخرج نرجيلته وأدوات عمل الشاي ..
ابنه يصعد الشجرة يعلق السلة فى فرع جاف.
ويأتى ببعض الأخشاب . يقوم هو برصها جيدا على شكل هرم صغير تتوسطه بعض الأعشاب .
يشعل فيها عود ثقاب.يرتفع اللهب يمد ذراعيه باسطا كفيه حول اللهب
وكأنه سيحتضنه وتبدو على وجهه السكينة ...
تعلو وجهه ابتسامة بلهاء كلما زاد ارتفاع اللهب.
ملأ قنينة الشاي وضغط بها على قطع الأخشاب الملتهبة ليهدئ من روعها.
ويهدىء من سيل الذكريات التى تهاجمه .
يلتقط قطع مشتعلة من النار ليضمها فوق نرجيلته
ويتراجع إلى الوراء مستندا إلى جذع تلك الشجرة الهزيلة ساحبا نفسا عميقا من الدخان
يرفع رأسه نافثا دخان كثيف في اتجاه مرعاه وأغنامه..
بين غلائل الدخان يتابع القطيع....
الحمير كل يستأثر بجزء من الحشائش النامية على القناة وكأنهم قسموها على بعضهم .
كلما اقتربت نعجة أو حمل صغير من مرعاه أخرج زفيرا مرعبا فى وجهها .
وان اقتربت اكثر استدار ورفسها بأرجل قويه..
تتراجع النعاج لتجوب أرض جرداء.بحثا عن غذاء لا تجده....
هزلت النعاج.أصابها الجرب .سقط بعض صوفها.أنهكها الجوع..
.تهرول مبتعدة عن حملانها الصغيره..
ترفسها لو اقتربت من ضروعها الجافة اليابسة
هاله المنظر..رغم تكراره يوميا.. قلة حيلته..دعته الى النظر الى بعيد ..الى الأبناء..
يتسابقون بأقوى الحمير فى الصحراء
يحاول القيام مستندا الى جذع الشجره.
يناديهم بصوت واهن....لا يسمعون .... تخنقه العبرات ..تتحجر فى عينيه الدموع .
.أيصل به الحال الى هذا الحد الذى لا يقوى على القيام..
قديما كانت ارضه يانعة خضراء .كانت أغنامه شبعى
لم يكن يجرؤ أحدا على قطع المياه عن أرضه.
.كانت زراعاته وأغنامه مضرب المثل ..
حتى شجرته هذه كانت وارفة .وافرة الظل.
يلوم نفسه .على تدليله لابنائه.وعدم تحميلهم المسؤلية .وتركهم للعبهم ولهوهم
استسلم لضعفه.وركن الى جذع الشجرة.
ينفث مع دخان نرجيلته اّلامه وهوانه
ناظرا الى السماء علها تأتى بسحابة ممطرة
تغسل همومه وتروى الأرض العطشى..
تناقص ظل الشجرة حتى صار يغطى جذعها فقط..
جاء كلبه الكبير ليرقد على مقربة منه باسطا ذراعاه ...
فقد حان وقت الغذاء....يمد عصاه لينزل سلته ..
يضعها امامه....يجمع بعصاه جمرات النار...
وينتظر وصول الأبناء .
حمل صغير يقفز القناه يقترب منه..
يدور حوله يقترب من جزع الشجرة
يحاول نحت لحائها.
.يبحث عن أوراق يابسة تكون قد سقطت من الشجرة ولم يسبقه اليها احد من اقرانه....
باءت محاولاته بالفشل....يقترب من السلة....
يدس رأسه داخلها......
يحاول الراعى ابعداه بعصاه...
يكشر الكلب عن انيابه..
لا يأبه الحمل لا بالراعى ولا بالكلب..
لكزالعصا أخف وطء من لكز معدة خاوية....
زمجرة الكلب أهدأ من زمجرة أمعاء تكاد تعوى من أثر الجوع
يأتى حمل أخر يشاركه.....تتوافد الحملان على السلة
.يعقبهم باقى القطيع مسرعين.. ..
.يحيطون بالراعى وسلته ....
لم تفلح محولات الكلب ولا باقى الكلاب الذين أتوا مسرعين للنجدة فى ابعادهم...
لم يعد نباحهم يخيف النعاج الجوعى.....
تعلو أصوات الحملان.. تتحول الى زئير ....
تتراجع الكلاب ...تنسحب....
.يحتضن الراعى سلته يقاوم السيل المنهمر من الحملان...بلا جدوى ..
تدوسه الأرجل....
تنغرس الحوافر فى وجهه ....فى جسده ..يسيل دمه ..
تخونه قواه يترك سلته للقطيع.....
تبدو ذراعه مرفوعة مرتعدة بين النعاج....
يهبط الأبناء من فوق الحميرالتى لا تأبه بما يحدث وتنطلق الى مرعاها ....
الأبناء فى ذهول من هول المفاجأة ..
.يحاولون ابعاد القطيع ....
.يمدون أياد مرتعدة الى اليد المروفعة.....
تحول بينها الحملان...
وتسقط اليد..
يتحول القطيع الى قطعان صغيرة يتقاتلون على سلة فارغة
يتجاذبونها فيما بينهم....
كل قطيع يحاول الاستئثار بها لنفسه.....
يجلس الابناء حول الراعى..
يحاولون تضميد الجراح الغائرة.......
عبدالحميد ناصف
18ـ8ـ2011
تقوده حمارته التي يمتطي ظهرها.. بل بالأحرى تقوده أغنامه التي لايعبأ حتى بوجودها أمامه .
ينظر إلى الحقول الخضراء على جانبي الطريق بعيني الحاسد تارة
والى السماء بعيني الآمل تارة أخرى...
سحب متفرقة يختلط الأبيض منها بالرمادي.ينظر جهة الشمال .
لعل السحب القادمة من هناك أكثر قتامة...يمنى نفسه بسقوط المطر
يرفع أنفه ساحبا الكثير من الهواء إلى قفصه الصدري.
يمعن الشم ربما ثقبت أنفه رائحة المطر
.يحكم لف عباءته حول جسده النحيل حتى لا يتسرب البرد الذي يتمناه إلى عظامه..
تداهمه أشعة الشمس من خلفه.. يتوارى أمله في سقوط المطر...
قارب الشتاء على نهايته ولم تبتل الأرض إلا من صقيع وثلوج تلتهم مرعى أغنامه .
حتى القناة التي تروى أرضه خويت من الماء إلا من بعض يسير يكفى بالكاد لشرب أغنامه..
من يسبقوه على ضفافها أقاموا السدود ليستأثروا بمائها...
عبسا حاول مداهنتهم .أو شكواهم. بعد أن عجز عن الدفاع عن حقه فى المياه.
فقد وهنت قوته وعصفت بها سنوات العمر.
حمارته الكسلى تبطئ من سيرها تميل إلى تلك القناة لتلتهم بعض الأعشاب النامية على حافتها.
أو تلتقط بعضا من أعواد الحطب المتناثرة على جانبي الطريق.
.يلكزها بضرب بطنها باهتزاز رجليه ,ليلحق بالقطيع الذى
يتقدمه أبناءه ..كل منهم يركب حمارا قويا.
يخلفهم عددا من الكباش يشغلون الصف الأول من قطيع الأغنام وحملانها .
الذي ينتهي بمجموعة صغيرة من الماعز..
على جانبي الطريق تسير مجموعة من الكلاب. موازية للقطيع
كل منها يسير في خطه المرسوم لا يحيد عنه .إلا إذا شرد أحد أفراد القطيع .
فنجد الكلب القريب منها يجرى مسرعا لإعادته إلى خط سيره المرسوم
طريق طويل يسيرونه يوميا يبدأ من مشرق الشمس. متجها إلى تلك الرقعة من الأرض
التي آلت إليه بوضع اليد...لم يرثها لكنه وجد أناس يستصلحون أرضا ويزرعونها فأتى بعدهم
واستصلح تلك القطعة لتكون مرعى لأغنامه.وتنتهي بصحراء قاحلة لا تصلها الماء
ها قد وصل إلى أرضه
.يسرع كل من في القطيع قافزا القناة إلى تلك الأرض
لييبحث عن قوت لن يجده فى أرض أصابها الجدب يسرع ابنه الأكبر ليقف بجواره. ليستند على كتفه نازلا من فوق حمارته التي تتجه سريعا إلى المرعى..
يجلس متكئا الى شجرة الصفصاف الوحيدة على هذه القناة ..
يمد يده داخل سلته..تتعثر في مغزله.. يخرجه .. يقلبه بين يديه ينظر إليه
ويتذكر كم كان يحبه ...ينتظر الصباح حتى يحتضنه بيده...
يقوم بلف أسفله في خفة وسرعة. ليغزل كمية من الصوف
قد أتى بها من قص إحدى أغنامه ..
ينظر إليه وقد تكسرت زوائده العليا وتهشمت مقدمته .
.يزم شفتيه امتعاضا ويعيده إلى السلة فى أسى..
يخرج نرجيلته وأدوات عمل الشاي ..
ابنه يصعد الشجرة يعلق السلة فى فرع جاف.
ويأتى ببعض الأخشاب . يقوم هو برصها جيدا على شكل هرم صغير تتوسطه بعض الأعشاب .
يشعل فيها عود ثقاب.يرتفع اللهب يمد ذراعيه باسطا كفيه حول اللهب
وكأنه سيحتضنه وتبدو على وجهه السكينة ...
تعلو وجهه ابتسامة بلهاء كلما زاد ارتفاع اللهب.
ملأ قنينة الشاي وضغط بها على قطع الأخشاب الملتهبة ليهدئ من روعها.
ويهدىء من سيل الذكريات التى تهاجمه .
يلتقط قطع مشتعلة من النار ليضمها فوق نرجيلته
ويتراجع إلى الوراء مستندا إلى جذع تلك الشجرة الهزيلة ساحبا نفسا عميقا من الدخان
يرفع رأسه نافثا دخان كثيف في اتجاه مرعاه وأغنامه..
بين غلائل الدخان يتابع القطيع....
الحمير كل يستأثر بجزء من الحشائش النامية على القناة وكأنهم قسموها على بعضهم .
كلما اقتربت نعجة أو حمل صغير من مرعاه أخرج زفيرا مرعبا فى وجهها .
وان اقتربت اكثر استدار ورفسها بأرجل قويه..
تتراجع النعاج لتجوب أرض جرداء.بحثا عن غذاء لا تجده....
هزلت النعاج.أصابها الجرب .سقط بعض صوفها.أنهكها الجوع..
.تهرول مبتعدة عن حملانها الصغيره..
ترفسها لو اقتربت من ضروعها الجافة اليابسة
هاله المنظر..رغم تكراره يوميا.. قلة حيلته..دعته الى النظر الى بعيد ..الى الأبناء..
يتسابقون بأقوى الحمير فى الصحراء
يحاول القيام مستندا الى جذع الشجره.
يناديهم بصوت واهن....لا يسمعون .... تخنقه العبرات ..تتحجر فى عينيه الدموع .
.أيصل به الحال الى هذا الحد الذى لا يقوى على القيام..
قديما كانت ارضه يانعة خضراء .كانت أغنامه شبعى
لم يكن يجرؤ أحدا على قطع المياه عن أرضه.
.كانت زراعاته وأغنامه مضرب المثل ..
حتى شجرته هذه كانت وارفة .وافرة الظل.
يلوم نفسه .على تدليله لابنائه.وعدم تحميلهم المسؤلية .وتركهم للعبهم ولهوهم
استسلم لضعفه.وركن الى جذع الشجرة.
ينفث مع دخان نرجيلته اّلامه وهوانه
ناظرا الى السماء علها تأتى بسحابة ممطرة
تغسل همومه وتروى الأرض العطشى..
تناقص ظل الشجرة حتى صار يغطى جذعها فقط..
جاء كلبه الكبير ليرقد على مقربة منه باسطا ذراعاه ...
فقد حان وقت الغذاء....يمد عصاه لينزل سلته ..
يضعها امامه....يجمع بعصاه جمرات النار...
وينتظر وصول الأبناء .
حمل صغير يقفز القناه يقترب منه..
يدور حوله يقترب من جزع الشجرة
يحاول نحت لحائها.
.يبحث عن أوراق يابسة تكون قد سقطت من الشجرة ولم يسبقه اليها احد من اقرانه....
باءت محاولاته بالفشل....يقترب من السلة....
يدس رأسه داخلها......
يحاول الراعى ابعداه بعصاه...
يكشر الكلب عن انيابه..
لا يأبه الحمل لا بالراعى ولا بالكلب..
لكزالعصا أخف وطء من لكز معدة خاوية....
زمجرة الكلب أهدأ من زمجرة أمعاء تكاد تعوى من أثر الجوع
يأتى حمل أخر يشاركه.....تتوافد الحملان على السلة
.يعقبهم باقى القطيع مسرعين.. ..
.يحيطون بالراعى وسلته ....
لم تفلح محولات الكلب ولا باقى الكلاب الذين أتوا مسرعين للنجدة فى ابعادهم...
لم يعد نباحهم يخيف النعاج الجوعى.....
تعلو أصوات الحملان.. تتحول الى زئير ....
تتراجع الكلاب ...تنسحب....
.يحتضن الراعى سلته يقاوم السيل المنهمر من الحملان...بلا جدوى ..
تدوسه الأرجل....
تنغرس الحوافر فى وجهه ....فى جسده ..يسيل دمه ..
تخونه قواه يترك سلته للقطيع.....
تبدو ذراعه مرفوعة مرتعدة بين النعاج....
يهبط الأبناء من فوق الحميرالتى لا تأبه بما يحدث وتنطلق الى مرعاها ....
الأبناء فى ذهول من هول المفاجأة ..
.يحاولون ابعاد القطيع ....
.يمدون أياد مرتعدة الى اليد المروفعة.....
تحول بينها الحملان...
وتسقط اليد..
يتحول القطيع الى قطعان صغيرة يتقاتلون على سلة فارغة
يتجاذبونها فيما بينهم....
كل قطيع يحاول الاستئثار بها لنفسه.....
يجلس الابناء حول الراعى..
يحاولون تضميد الجراح الغائرة.......
عبدالحميد ناصف
18ـ8ـ2011
تعليق