حــب و أصدقاء و سعـــادة / الجــزء الأول

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صهيب خليل العوضات
    أديب وكاتب
    • 21-11-2012
    • 1424

    حــب و أصدقاء و سعـــادة / الجــزء الأول

    حب و أصدقاء و سعادة
    = = = = =
    قصة قصيرة من جزأين
    = = = = =
    الجزء الأول
    = = =

    سندس

    لم يكن ياسين مثل باقي أبناء جيله ، فمنذ لحظة تعرفي عليه شعرت بأن ملامحه تخفي الكثير من الأندهاش الذي حفزني لاحقاً على تعرفي عليه . . .
    عيناه الرمليتان العميقتان و شعره الأسود الذي يرفعه إلى الأعلى بطريقة توحي بشموخ و كبرياء وهندامه الأنيق الذي يسر النظر ، كل هذه الملامح جعلتني أراه غير كل الرجال .
    لقد تعب ياسين في حياته فقد كان من أسرة فقيرة ويسكن هو وأهله بيت من الصفيح في منطقة نائية تبعد عن العاصمة كثيراً ، ولم يكن أباه يصرف عليه ولا حتى يدفع مصاريف جامعته ، ياسين هو الرجل الوحيد من بين كل الرجال الذي جعلني أقتنع بأن الرجولة لا تكون محصورة في لقب ( ذكر ) ، بل تكون قول وفعل ولذا كنت أمني نفسي أن يكون من نصيبي وبالفعل تحقق هذا الأمر عندما بدأنا بالتواعد في الجامعة فقد كنت أدرس أنا و ياسين في جامعة واحدة وهناك تعرفت عليه .
    /
    \
    /
    \
    خالد

    رغم الحياة الهانئة و الرغيدة جداً التي وفرها أهلي لي ، إلا أنني لم أكن سعيد بـتلك الحياة ... !
    و رغم أني في مقتبل العمر وكل ما أطلبه يرتد إليّ قبل أن يرتد طرفي ، فوالداي يمتلك شركة عقارات كبيرة أوكلت لها عطاءات الدولة لحسن سمعتها وكفاءة العاملين فيها ، إنهالت الأموال على أبي وأخذ يجمع المال ويكدسه في البنوك ولا أدري لماذا أستمات أبي على المال بهذي الطريقة ، ظلت تساؤلات عديدة تدور في ذهني فأبي و امي لم يرزقا بأبناء غيري ، كنت وحيداً وليس لي أصدقاء غير رفقاء السوء الذين كنت ألتقي بهم في البارات وتلك الحفلات الصاخبة ، وهذا لو أعتبرت أن هؤلاء هم أصدقاء !
    كنت أسهر معهم كل ليلة حتى أنسى وحدتي و كآبتي من هذي الدنيا ، فمال أبي الوفير فشل بشكل يثير الشفقة في إسعادي ، عندها أدركت أن المال هو زينة الحياة كما قال الله تعالى عنه ، فالسعادة لا تقاس بالمال ، لقد كان عدم أهتمام أبي و أمي بي عقدة وحسرة ظلت تلازمني طيلة حياتي ، فمن مشاغل أبي الجنونية و هوايته في تكديس الأموال إلى أمي سيدة المجتمع البرجوازية التي كانت مهووسة بالتسوق وإقامة الحفلات هي وصديقاتها وتجعل ريعها للجمعيات الخيرية ، لتلميع صورهم في مرآة المجتمع المزيفة ، كانوا يهتمون بأنفسهم بطريقة بالغوا فيها و تناسوا أن لهم أبن وحيد أنجبوه ...
    لم أذكر يوماً أن أحتضني أحدهما إلا قليلاً وكأنهما مجبورين على ذلك ويريدان أن يتخلصان من هذا الحمل الثقيل عليهم .
    /
    \
    /
    \
    ياسين

    مرت ليالي طويلة شديدة السواد و أبي ما زال لا يستطيع الحراك ، فقد أصيب بمرض ( الديسك ) في ظهره بسبب عمله المتواصل ليلاً ونهاراً حتى يحصل على ضعف راتبه ليؤمن حياتنا ونعيش أنا و أخوتي حياة كريمة ، فهذي الحياة صعبة وتحتاج إلى التعب الكثير لتحيا بها كريم النفس ، أصبح أبي غير قادر على متابعة عمله وكنت حينها أتممت تسجيلي بالجامعة ذات التكاليف التي لا أقدر عليها ولا حتى أبي الفقير صاحب الخمسين عاماً ، رأيت لون الحياة يتشح بالسواد وكأنها أعلنت الحداد على حالتي ، فقررت أن أجد عملاً يساعدني على تكاليف الجامعة ومساعدة أهلي وبدت تلك الأيام تسير ببطء شديد ...
    ( أكون أو لا أكون ) كنت أظل أردد هذي الكلمات في خلجات صدري ، ومضت تلك الأيام ومرت سنتان على دراستي بالجامعة
    وفي أحد الأيام كنت في مكتبة الجامعة ، فقد كنت أحب قراءة القصص والروايات التي تنشد هدفاً في مضمونها ولا يهم إن كانت رومانسية أو علمية أو حتى نفسية وكنت أحزن كثيراً عندما أقرأ رواية أو قصة ولا أجد بها أي هدف .
    في لحظات شعرت بصكيك باب المكتبة الذي كان يحدث صوتاً مزعجاً وتبعثر ذهني لأجد ريح فرح قادمة بإتجاهي
    كانت سندس
    تلك الفتاة صاحبة الوجه البراق والعطر الباريسي الذي كان يملأ المكان ، والتي كان كل من بالجامعة يصفها بالغرور والعلياء عليهم لإنها جميلة ، والحق يقال لقد كانت سندس كبدر مكتمل الجمال ، جلست بجانبي و راحت ترمقني بنظراتها الفاتنة في محضر الصمت ، وأول ما تحدثت به عندما قالت أنها لاتحب قراءة الكتب وطلبت مني أن نذهب خارج الجامعة ونتحدث في مقهى البيكاديلي الراقي ، فوافقت بدون تفكير و وجدتني منقاد لها بشكل بعث القلق في نفسي لاحقاً ، جلسنا وبدأنا نرتشف قهوتنا وكنا نبادل بعضنا نظرات كلها حيرة و قلق وهناك دار بيننا حوار طويل !!
    /
    \
    /
    \
    سندس
    رغم أن أكثر من شاب في الجامعة حاولوا كسر غروري و تجريحي بكلام قبيح إلا إنني ظللت متماسكة ولم أجد فيهم من يجعلني أرى الرجال جميلين إلا ياسين الذي تعرفت عليه في مكتبة الجامعة ، كنت أشعر أنه رجل الأرض الذي أبحث عنه منذ سنين ، ولا أنسى ما حييت عندما تحدثنا في مقهى البيكاديلي الذي أصبح يحبه ياسين لاحقاً ، وقتها صارحته أني معجبة فيه فنظر إليّ وصمت لحظات فأردت حسم الموقف فسألته :
    ألست معجباً بي ؟
    ألا ترى كم هو جمالي ؟
    أستفزه هذا القول فنظر إليّ كمن كان يحضر جواباً وقال بكل ثقة
    ( لا تعنيني الأشكال الهندسية للجمال بقدر مايعنيني جمال الروح )
    رده كان مدهشاً وعميقاً فقد كان يخفي في طياته فلسفة عميقة وقناعة جميلة ، إذ أنه من النادر أن نجد رجلاً لايهمه شكل المرأة الخارجي ومظهرها خاصة عندما يكون شاباً في مقتبل العمر ، فكل الرجال يهمهم شكل المرأة و جسدها ومن النادر أن ينظروا إلى روحها أو حتى يدركوها !
    ياسين هو الرجل الوحيد الذي كسر هذي القاعدة بقناعاتي وبدا ليس كأشباه الرجال بل هو سيد الرجال.
    تعلقت به وأحببته كثيراً فقد أصبح هو أيضاً يحبني ، أخبرني أنه سيتزوجني عندما ننهي دراستنا ويجد عملاً ، بدأنا نرسم أحلامنا معاً ، كنا نلتقي كل يوم وعندما أراه يهل عليّ كمطلع شمس ، يظل قلبي يخفق له ويهتف بأسمه
    وعدت ياسين بأن أكون له وحده فكان وعداً صادقاً
    /
    \
    /
    \
    خالد
    مع كثرة غياب أهلي عني و أهتمامهم بأنفسهم كان لدي فراغ قاتل ولم أعرف أين أذهب به ، ورغم عدم ذهابي للجامعة كثيراً إلا أنني في يوم قررت الذهاب من شدة الفراغ ، وقدت سيارتي بسرعة جنونية في الجامعة حتى أصطدمت برجل كان يعبر من أمامي وفي هذه اللحظة شعرت أنني سأذهب للسجن ، نزلت من سيارتي وحاولت إسعاف هذا الرجل وكان شاباً فوجدته ملقياً على الأرض وكان يردد ( الحمدلله على كل شيء )
    عندها تنفست الصعداء و شعرت أن الضربة لم تكن قوية وذلك لإنني أستخدمت كوابح السيارة بكل قوتي قبل الأصطدام ، مددت له يدي وأخبرته أني سآخذه إلى المستشفى حتى أطمئن عليه فرفض بشدة وقال أنه بخير ، ورغم هذا لم أتركه يذهب وأخذته إلى بيتنا و رأى ما رأى من جمال و ترف أنبهر به ، وتلت هذه المرة مرات عديدة أتى فيها إلى بيتي ، ومنذ تلك الأيام أصبحت أنا و ياسين أصدقاء فكان أول صديق و آخر صديق !
    تعرفي عليه جعلني أذهب للجامعة بشكل دائم ، حتى أنه عرفني على حبيبته سندس الجميلة ، وذات يوم في الجامعة حدث شيء لم أكن أتوقعه فقد كان لزاماً على ياسين أن يذهب إلى عمله في فترة الظهيرة بعد الجامعة ، فتركنا ياسين وذهب لنبقى أنا وسندس وحدنا ، ولا أدري لماذا شعرت في هذه اللحظة أن سندس ستكون لي رغم أنها حبيبة ياسين صديقي !
    تماديت في الأمر و أخبرتها أني معجب فيها و لديّ مال وفير وأستطيع أن أسعدكِ بحياة فارهة تحققين فيها كل أمنياتك ورغباتك ، واصلت كلامي وأخبرتها أن ياسين فقير جداً ولا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته تجاه أهله ، فهو معيل أهله الوحيد وهم محتاجون إليه بسبب مرض أبيه الذي منعه من مواصلة العمل ، تفاجأت سندس من كلامي و رمقتني بنظرات فهمت مغزاها ، ولكني لم أتمالك نفسي أمام جمالها و سطوتها الأنثوية الصارخة وحسدت ياسين عليها ، تابعت كلامي و طلبت يدها للزواج وأخبرتها أنني جاد في هذا الأمر وليس مثل ياسين الذي فرصته بالزواج منكِ معدومة إن لم تكن مستحيلة ، وجدتها أستسلمت لكلماتي التي جاءت على وتر حساس ، فسندس هي أيضاً من عائلة فقيرة وكانت تدرس بالجامعة على نفقة الدولة لإنها حصلت على معدل عالي في دراستها الثانوية ، وكل ما قالته بعد وقت من الصمت المعبر :
    أعطني وقتاً أفكر !
    /
    \
    /
    \
    ياسين
    منذ أن عرفت خالد على سندس لم أعد أراها وحتى أنها أنقطعت عن الجامعة وعندما كنت أتصل بها كانت تتحجج بالمرض ومساعدة أمها في شؤون البيت ، وجدتها تغيرت كل طباعها فجأة فلم تعد تخبرني بشوقها الجامح وللمرة الأولى شعرت بأن سندس لن تكون لي ، غير أني لم أكن أعرف سبب هذا التغير الجفاء المفاجئ !
    جاءت سندس إلى الجامعة بعد مدة طويلة و كانت هذه المرة الأخيرة التي ألتقي بها ، أخبرتني بكل أستخفاف وضمير مزيف ونكث للعهود و الوعود بأنها ستتزوج من خالد الذي يمتلك أهله بنكاً من المال الوفير ..
    حقاً كانت صدمة قوية جعلتني أتخرج من الحياة بشهادة غير التي حصلت عليها من جامعتي !!
    بدأت أذكرها بكل وعودها لي و تلك الأحلام الجميلة و الأماني المعلقة التي حلمنا بها و حبي لها ، عندها ردت قائلة بأن حبي وكل الأماني و الأحلام التي كنا نحلم بها لن تحقق رغباتها وأنني فقير جداً ولا أقدر على إسعادها ، تركتها و رجعت للبيت وشعرت كأنني أختنق و بقيت في بيتنا أيام عديدة و أنا حبيس غرفتي أبكي و أنحب كـ الأرامل ولم تجف دموعي مدة طويلة من تلك الخديعة ، فقد شعرت بتفاهة الحب الذي يبيعنا لإننا فقراء !
    /
    \
    /
    \
    سندس
    صُدم ياسين من كلامي ولم أراه بعد آخر مرة تحدثنا فيها بالجامعة ، وفي هذه الأثناء تقدم خالد لطلب يدي برفقة أباه وأمه
    فرحوا أهلي بهذا العريس لإنه من عائلة ثرية ، ولا أدري لماذا ظل هناك إحساس بداخلي بأن خالد سيغدر بي مثلما فعل مع ياسين حبيبي الأسبق ورغم هذا الإحساس لم أمانع زواجي منه ، تزوجنا و مرت سنة واحدة على زواجنا كانت كفيلة بتأكيد ذلك الإحساس الذي روادني قبل الزواج ، فقد عيشني خالد بكل أنواع العذاب و تبين لي لاحقاً خلال عشرتي به أنه لا يحب أحداً من بني البشر حتى أباه و أمه بسبب عقدته من أهله لإنهما لم يكونا يهتمان به في طفولته و حتى عندما كبر ...
    سألته ذات يوم لماذا تزوجتني طالما أنك تعذبني في حياتي معك فأجاب :
    لم أستطع رؤية ياسين ذلك الفقير المعدم أن يظفر بكِ
    تأكدت حينها أنه الحسد الذي يعتمل في النفس البشرية فيحولها إلى كتلة بلا مشاعر و أحاسيس ، لم أستطع إكمال حياتي مع خالد فقد كان يضربني ولا يتركني أذهب إلى بيت أهلي و يبقيني حبيسة المنزل و دائماً ما كان يناديني بأقبح الكلام ، عندها شعرت أني أستحق كل هذا ولا ريب أنه كان عقاباً من الله لخيانتي لياسين و نكث كل عهودي و وعودي بسبب البحث عن سعادة زائفة ، طلبت الطلاق من خالد فوافق فوراً ولكنه كان يحضر رداً قوياً صعقني به ولا أنسى ما قاله طيلة حياتي بأن من يغدر بحبيبه يكون هذا نصيبه من الخزي و العار !!
    /
    \
    /
    \
    ياسين
    عندما نحب نوهب قلوبنا لمن نحب ولا يهمنا إن كنا سنشقى في حبهم أم لا ..... !
    وهذا ما حصل معي بسبب خيانة سندس و غدر خالد ، أصبحت أكره الحياة و مضى وقت طويل شعرت فيه أنني أنهك نفسي ويكفيني نواحاً و حزناً فلن تقف الحياة عند من يبيع ضميره ، أصبحت أجتهد في دراستي وإعالة أهلي حتى مضت سنين و تخرجت من الجامعة ،تعينت في جريدة مشهورة فقد درست الصحافة والإعلام و بدأت أتدرب ليلاً ونهاراً ومرت سنوات من الجهد والتعب ، أرتقيت في فكري وأصبحت أكتب مقالات في الجريدة وكنت بحاجة لأجعل من حياتي شكل أجمل ، فتذكرت أمنيتي القديمة في كتابة رواية ونشرها ، وبالفعل بدأت وتحمست و تعجبت من تلك الطاقة التي دبت في عروقي فتناسيت ما حدث
    و قلت في نفسي أننا بني البشر لولا النسيان لأصبنا بالجنون !
    وها أنا أسير على كتابة أول فصول الرواية .
    صهيب العوضات
    كأخر جندي في ساحة المعركة أحارب هذا الحزن وحدي،
يعمل...
X