الثورجي
--------
لم يلبث أن ارتدى الحذاء ووضع هاتفه الجوال في جيبه ، ثم أحضر باقة ورد ووضعها بجانب زوجته النائمة وترك لها تعليقاً فيه قائلا "عندما تشرق عيناكِ ستكون قد غربت شمسي " وقبَّل ابنته الصغيرة قبلةً حانية ترك بطبعتها كل الأماني بألا يكون حظها مثل حظه الأعسر؛ وأنه قد خرج اليوم لأجلها و من أجل مستقبلها ،توجه إلى مطبخه ليجهز من زجاجات المياه الغازية الفارغة (قنابل المولوتوف)التى كلفوه بها ،فقد نظموا في عقله تطهير البلاد بالطريقة نفسها التى استُخدمت لتخريبها ،
هكذا جلعوه يعتقد أنه مُقبلٌ على الشهادة ،
وكي ينالها اقتبسوا مشهداً ساخراً من أحد الأفلام العربية فقالوا له
" مكانك مش هنا انت مكانك فوووق مع الصديقين و الشهداء ) .
صاحبنا يفكر الآن - بينما يجهز القنابل - في كلمات قادتِهِ و يذكر جيداً أنه لم ينل منهم
ولو درهما ًواحداً ذلك لأنها مهمة وطنية و نداء نفسي يستشعره هو بجهله و سذاجته ،
ويأخذ منه شحذا لهمته .
أنهى تحضير أشياءه ، و معداته ، و عزم الإنطلاق حيث لا رجوع ولا انتظار ؛
فقد ملَّ الحياة وكرهها بما فيها من ثوراتٍ و قتلٍ ودمار كان يحسب أنه سينهيها بنفسه ، و أن الثورة المضادة ستُخمد بموت البعض و يعلم تماماً أنه كان واحدا منهم
يقطع تأملاته أصوات ضحكات و مداعبات الزوجة للطفلة الصغيرة تحاول أن توقظها فقد أخذت قسطها الكافي من القيلولة و الآن وقت صحيانهما ، هو يقف متسمراً مكانه لا يبعث حراكاً حتى لا تخرج إليه الزوجه فتقرأ ما يخفيه من نظرات الغضب الممزوجة بالقلق ،
ساعتها حاول الإختباء ودفن أشياءه بأي مكان لكن لم تمهله الزوجة التى باغتته قبل أن ينقل شيئاً ، فنظرت إليه في تعجب واستفهامٍ عما يضعه على الطاولة من زجاجاتٍ ممتلئة بالبنزين ، ووجه الشبه يأخذها ويراود عقلها .
اعتقد َأنها لا تعرف فحاول المراوغة فصدته قائله
(هو مش ده مولوتوف والا أنا باتخيل .؟!)
قالتها بصوتٍ مرتفع بدخول الصغيرة عليهما فسكتوا لبرهةٍ وعينيهما تكتمان دموعاً تجمدت بدخولها عليهم ، همهم و غمغم و قال كلاماً فارغاً كثيراً لم يُرضخ ثورتها,
أخذ يشعل سيجارته بينما تحاول الزوجة الإمساك بزجاجة منهم فيذهب نحوها ليبعد يدها مزمجراً ويقترب بالسيجارة من الزجاجة و هم ليسوا ببعيدين عن باقي الزجاجات ، فتنفجر لتشتعل فيهما النار ، يجري الأب و النارممسكةً بتلابيبه ليطفئ الزوجة
وهو بشغلٍ شاغل عن حياته ، فهو يعي تماما أنها أرخص من أن تُشاك زوجته أو ابنتيهما بشوكة ، وها هو يتابع دون أن تُسعفه الحياة فتهادى قتيلاً تاركاً زوجةً تطوح بها الآلام نحو الشرفة لتُلقى بنفسها هي الأخرى فتسقط قتيلة ؛ فتصل أسرع حيث ذهب زوجها ، والصغيرة تحبو مُغمضة العينين من أثر الدخان دون أن تعرف أين طريق نجاتها ...؟!
و أين تكون النهاية ..؟!
تعليق