الدائرة الخضراء / بقلم حسام خالد السعيد
ـ1ـ
مربع بشعر أزرق..دائرة بشعر أخضر..مربع بشعر أزرق.. دائرة بشعر أخضر..اصطفت مذهولة مغروسة في وجه السجادة المنهكة من شيخوخة لا ترحم،وأيام حبلى بمرارة كالعلقم ،مرت عليها ببطئ قاتل ،فبقيت يتيمة تتجرع آلام رحيل بعض الأحبة البشريين ،وكثيرٍمن الأحبة غير البشريين ،بعد أن التهمتها حمم نارية حاقدة لطائرات غريبة شاذة مرقطة ببقع زرقاء،فارتمت حزينة ومحاصرة وسط مستطيل كبير مغلق بأربعة أسوار اسمنتية وسقف هش متآكل ، يضم أيادٍ معدودة لأدوات مطبخ بائد ، ومستلزماتٍ أخرى للحياة ، قد انتشلت مدماة من بين ركام أشكال هندسية لبيت غيب معظمه ، فأضحت ضيفاً دائماً بجانبها في إحدى الزوايا البائسة ،وعلى مرمى حجر لبصر أسرة أبي هاشم بأطفالها النحيلين ، وهم يحاولون بذل أقصى ما يمكنهم لإعادة بعض المرح لمحيا الوجه المزركش بأنامل أرجلهم الناعمة المواسية وصدى ضحكاتهم الطفولية البهيج...
ـ2ـ
ورقة سوداء.. ورقة حمراء..ورقة سوداء..ورقة حمراء..أخذ هاشم ذو الأعوام التسع يفرغها بيديه الرقيقتين من فوهة علبة كرتونية مستطيلة صفراء ، تحتضن أوراق اللعب بإحكام.. خمسة.. اثنا عشر.. أربعون.. خمسون.. اثنان وخمسون ، نثرها بين مربعين..حمل العلبة المستطيلة الصفراء وركنها على رأس وسادة تداعب الجدار الشرقي وبداخلها ورقتان.. ورقة جوكر حمراء..ورقة جوكر سوداء ، عرف بالفطرة أنهما لا يصلحان للعبته القادمة ، ثم بدأ بحماسة يفصل الحمراء منها عن السوداء..
ـ3ـ
مربع أزرق.. دائرة خضراء.. مستطيل أصفر.. ورقة سوداء.. ورقة حمراء.. تراءت شاشة التلفاز بضيوفها الكثر في عيني أبي هاشم ، بعد أن اشتمت دخان الخبر العجيب الواخذ ، وهم يناقشونه بحدة ، بين مدافع وآخر مستاء ، بين رأي صاحب القميص الأخضر وآخر يلبس القميص الأسود.. الرأي الأسود استمات في أن يجعل اللا معقول معقولاً ، والمعقول لا معقولاً.. في أن يحول المربع الأزرق لدائرة حمراء ، والدائرة الخضراء لمستطيل أصفر...حاول جاهداً أن يلعب بالأوراق ، في أن يصبغ الأحمر منها بالسواد ، والأسود منها باللون الأحمر ، كعالم خيمياء من القرون الوسطى قد أوهموه باستطاعته أن يعالج الحديد ليحوله ذهباً ،فضاعت سنين عمره وراء مدن الكنوز الزائفة ، فلم يجد معدنه الثمين ، وفسد حديده بتجاربه الرعناء..!؟
_4_
لضرورات الأمن القومي..لضرورات الأمن القومي ، كرر جملته متبجحاً ، وعلى الرغم من تبجحه فكأنه حتى هو غير مقتنع بفكرته..تمالك أبو هاشم روحه التائهة في فضاءات ضبابية مبهمة ، واقترب من العين الكبيرة ، أصاخ السمع بأذنه اليسرى بترقب حذر،عسى أن تكون العاصفة الهوجاء التي كادت أن تقتلع قلبه مجرد سوء فهم منه..تحول الكابوس الرهيب بعد عدة كلمات صبت في مسمعه إلى حقيقة سوداء مزلزلة ،أنسته إحكام الدائرتين الملتهبتين على صدره واللتين جعلتاه عاطلاً عن العمل وللأبد، وتحت رحمة المحسنين اللذين تناقص عددهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع..دائرة أولى حشر بها يشاركه فيها معظم الرجال تسربت إليهم من ضآلة فرص العمل ، بعد أن تفنن المجرمون في قتل مرافق الحياة..ودائرة أخرى أصغر خاصة به وحده ،أحاطوه بها باقتطاع كفه الأيسر بقنابلهم الوحشية في عدوانهم الأخير، بينما كان ذاهباً إلى مكتبة ليشتري بعض القرطاسية لأولاده..
-5-
تبددت محاولته اليائسة ، ليظهر له وسط الضباب جدار فاصل ،اخترق جسده كسيف جمع في حده كل سكاكين الدنيا شطره إلى جزأين..لاحقت الجزأين سيوف أخرى..توالدت الأجزاء وتكاثرت الجدران..تفتت لذرّات صغيرة..ملايين الذرات..كل ذرة حملت شيئاً من قلبه..نبض الشيء، أصبح قلباً.. تذكر المأساة ، فشع بالمرارة ، ليزداد جسد أبو هاشم بالاحتراق..أحس بدوار يعصف ويزمجر داخله ، يسقيه ألواناً وأشكالاً سيريالية ، يسحبه إلى أعماق سحيقة بطول الجدار الذي سيبنوه مضروباً بألف..16 ألف كم تحت الأرض..يلفظه إلى الأعلى 16 ألف أيضاً ، ثم يجذبه مجدداً بعنف ليهوي به إلى بئر مظلم ليس له قرار..
-6-
- جدار فاصل... جدار فاصل ولماذا؟... جدار فاصل ومن سيبنبه؟.. ليس هولاكو هذه المرة ، بل الأحبة..!؟ ..انطلقت إليه من ألسن التلفاز كرصاصات طائشة ، أصابت دموعه بمقتل ، فخرجت رقراقة غمرته وهو في أسفل البئر المظلم..
- تنتشله رفيقة دربه متسائلة : حاجز فولاذي إسمنتي ، لم يفعلون ذلك وقضيتنا واحدة..؟! فيجيبها زوجها شارداً : بحجة منع الأنفاق..
- الأنفاق؟! ، وما الذي يأتينا منها سوى حفنات قليلة من متطلبات المعيشة..حتى هذه سنحرم..الجوع لا يرحم ، ربما نستطيع نحن الكبار ان نداريه ، لكن الأولاد؟!..أسيمنعون عنا حتى حليب الاطفال..لماذا؟ لماذا؟..تقول مجروحة بأنوثتها الشفافة المضطربة..
- إنها لضرورات اللعبة العاهرة..علل زوجها مهتاجاً.
-7-
الأطفال..اللعبة..اقتنصها رادار أذني هاشم من حديث أبويه ، فانتشى فخراً لاهتمام أبويه بلعبته، فأشار لهما بعينيه البراقتين ، وبنبرة صوته التي أصبحت أعلى ، مشجعاً لهما للاستماع لحكايته..راقب الأبوان حركاته الملامسة للأوراق،تناوشها على البقعة فتتحرك كيفما يشاء..يتناول ورقة سوداء في أعلى الهرم لورقات قاتمة ، نشرها على طول المربع الأزرق..يرفعها قليلاً ليجعل العجوز المرسوم داخلها يأمر جنده ليبدؤوا الاجتياح ، فيردد الطفل كلماته التي أرادها أن تكون بلهجة شريرة ، فاخشوشن صوته..أيها الجنود..سنهاجم العرب .. سنقتلهم ، سنذبح أبا هاشم وأم هاشم وهاشم وأخوة هاشم..هيا هيا تقدموا ، سنأخذ بيوتهم وأرضهم..وينهي ملك الأعداء خطابه ، ويبدأ جيشه بالاستدارة لتطل رؤوس جنده باتجاه الدائرة الخضراء في الغرب ،وبالمقابل يحول اتجاه عدة ورقات حمراء داخل دائرته الخضراء نحو العدو، ليدافعوا عن البلاد والعباد، ويعطيها أسماء أسرته وأبناء جيرانه..يتوقف عن سرد حكايته لبرهة.. ويحدق بوجه أبيه المذهول ليقتبس ردة فعله ، فيراه حزيناً فيظن أن مصدر حزنه جاءه من لعبته ، فيواسيه قائلاً : لا تخف يا أبي هم لن يستطيعوا أن يذبحونا فجيشنا ستأتيه الإمدادات قريباً...
-8-
يتابع قصته بعد أن طمأن والده، مشيراً إلى الملك الأحمر المزروع أعلى هرم مصطف داخل مربع أزرق آخر بالقرب من الدائرة الخضراء المحاصرة، يقع غربها مباشرة ، قائلاً : أبي هذا هو الملك سيعطي أوامره لهذا الشاب جانبه ، ليقود الجيش ليتجه به إلى الشرق ليخلصنا..هيا هيا أيها الملك أعط أوامرك لبي.. لبي.. أبي أبي، ما اسم القائد الذي قصصت علي حكايته الليلة الماضية؟..يتنهد أبو هاشم والأسى يصبغه..إنه بيبرس يا بني..إنه بيبرس يا بني..أجل أجل..إنه بيبرس إنه بيبرس.. تقترب كفاه الصغيرتان من الملك ومن بيبرس ، يريد أن يرفعهما قليلاً على مرأى الجميع ، ليعطي الملك أوامره لقائده..كفاه تلامس الورقتين وقبل أن تلتقطهما ، يد أخرى تفاجئه من خلفه ، تختطفهما وتهرول بعيداً..ما أصعب الضربة إن جاءت من الخلف..إن جاءت من الأخ..إن جاءت في لحظة حرجة..هاشم يبدأ بالصراخ... أخي أخي أعد لي الملك وبيبرس..أعد لي الورقتين..لكن أخاه الصغير يفر هارباً من الغرفة ، فيسرع هاشم وراءه..يفتش ويفتش فلا يلق له أثر، فيضيع من ألم البكاء..
-9-
يدخل هاشم من جديد إلى الغرفة حائراً،ثم يعود للجلوس ثانية أمام أوراقه..يفكر كيف سينهي المعركة..الدائرة الخضراء محاصرة، والملك وبيبرس غائبان..يتذكر العلبة الصفراء اللتي ركنها على الوسادة..يتناولها من جديد ..يخرج منها الجوكرين ..يضع الأسود منها مكان الملك ، والأحمر بدلاً من بيبرس..الأب يراقب هاشماً بترقب..هاشم يتأمل أوراقه بإمعان..الدائرة الخضراء تترقب فك الحصار بحرقة..يطول الانتظار وعينا هاشم مذعورتان..تختلط عليه الأشكال والألوان..يزعجه الملك الأسود بلونه المغاير عن لون جنوده..تصدمه غرابة قبعتي الجوكرين..ينهض مجدداً ويعاود الصراخ..هذا لا يصح..هذا لا يجوز..هذا لا يصح..أخي أعد لي الملك وبيبرس..أخي أعد لي الورقتين ،وتغيب خطواته بعد أن ترك الغرفة مهتاجاً ..
-10-
أذناه الكبيرتان مشتتان ،أذنه اليسرى على التلفاز واليمنى على طفله.. لا تصطد في الماء العكر.. لا تصطد في الماء العكر، تتشظى من كتلة التلفاز،وتنهمر على عقله ، تقتلعه بإبرة حادة وتعلقه وسط الفراغ..يتأرجح بعنف ملتصقاً بالسنارة.. زعانفه تهتز ،تحاول أن تخلصه..يتخبط ويتخبط ، زعنفته اليسرى المقطوعة لا تساعده..يواصل انقباضاته المتتالية..يتخلص من إبرة السنارة أخيراً، يقع أرضاً على علو 16 ألف كم ..تسيل منه الدماء، يحاول الوقوف..يترنح ويترنح ثم يقف..يركض ويركض ،يتخطى باب الغرفة..يتسرب داخل شوارع رفح..السنارة تلاحقه..الأشكال والألوان والأصوات من العين الكبيرة تؤرقه..يصل لمبتغاه..يقف على معبر رفح ، نظره مشرئب نحو الغرب بلهفة...
-11-
يتراءى له قطز وبيبرس يبكيان ، قد طردا من القاهرة ، منفيين بعيداً إلى أسفل هرم إفريقيا المقلوب..يلملم تماسكه المفقود وسط مشاعره الدامعة .. يطلق صرخاته المدوية..عد إلينا أيها الملك..عد إلينا أيها الملك..يزداد بكاءً..يجهش مرارة وحرقة..عد إلينا أيها الملك..عد إلينا..عد إلينا.. تتباطأ كلماته تصبح أهدأ مبحوحة ، لكن أعمق... أعمق...يواصل صرخاته همساً..عد إلينا أيها الملك..عد..عد.. أتوسل إليك..خذ روحي..خذ أولادي.. خذ كل ما أملك ،لكن أرجوك عد إلينا أيها الملك..عد إلينا ولا تشمت الأعداء فينا..
انتهت
ـ1ـ
مربع بشعر أزرق..دائرة بشعر أخضر..مربع بشعر أزرق.. دائرة بشعر أخضر..اصطفت مذهولة مغروسة في وجه السجادة المنهكة من شيخوخة لا ترحم،وأيام حبلى بمرارة كالعلقم ،مرت عليها ببطئ قاتل ،فبقيت يتيمة تتجرع آلام رحيل بعض الأحبة البشريين ،وكثيرٍمن الأحبة غير البشريين ،بعد أن التهمتها حمم نارية حاقدة لطائرات غريبة شاذة مرقطة ببقع زرقاء،فارتمت حزينة ومحاصرة وسط مستطيل كبير مغلق بأربعة أسوار اسمنتية وسقف هش متآكل ، يضم أيادٍ معدودة لأدوات مطبخ بائد ، ومستلزماتٍ أخرى للحياة ، قد انتشلت مدماة من بين ركام أشكال هندسية لبيت غيب معظمه ، فأضحت ضيفاً دائماً بجانبها في إحدى الزوايا البائسة ،وعلى مرمى حجر لبصر أسرة أبي هاشم بأطفالها النحيلين ، وهم يحاولون بذل أقصى ما يمكنهم لإعادة بعض المرح لمحيا الوجه المزركش بأنامل أرجلهم الناعمة المواسية وصدى ضحكاتهم الطفولية البهيج...
ـ2ـ
ورقة سوداء.. ورقة حمراء..ورقة سوداء..ورقة حمراء..أخذ هاشم ذو الأعوام التسع يفرغها بيديه الرقيقتين من فوهة علبة كرتونية مستطيلة صفراء ، تحتضن أوراق اللعب بإحكام.. خمسة.. اثنا عشر.. أربعون.. خمسون.. اثنان وخمسون ، نثرها بين مربعين..حمل العلبة المستطيلة الصفراء وركنها على رأس وسادة تداعب الجدار الشرقي وبداخلها ورقتان.. ورقة جوكر حمراء..ورقة جوكر سوداء ، عرف بالفطرة أنهما لا يصلحان للعبته القادمة ، ثم بدأ بحماسة يفصل الحمراء منها عن السوداء..
ـ3ـ
مربع أزرق.. دائرة خضراء.. مستطيل أصفر.. ورقة سوداء.. ورقة حمراء.. تراءت شاشة التلفاز بضيوفها الكثر في عيني أبي هاشم ، بعد أن اشتمت دخان الخبر العجيب الواخذ ، وهم يناقشونه بحدة ، بين مدافع وآخر مستاء ، بين رأي صاحب القميص الأخضر وآخر يلبس القميص الأسود.. الرأي الأسود استمات في أن يجعل اللا معقول معقولاً ، والمعقول لا معقولاً.. في أن يحول المربع الأزرق لدائرة حمراء ، والدائرة الخضراء لمستطيل أصفر...حاول جاهداً أن يلعب بالأوراق ، في أن يصبغ الأحمر منها بالسواد ، والأسود منها باللون الأحمر ، كعالم خيمياء من القرون الوسطى قد أوهموه باستطاعته أن يعالج الحديد ليحوله ذهباً ،فضاعت سنين عمره وراء مدن الكنوز الزائفة ، فلم يجد معدنه الثمين ، وفسد حديده بتجاربه الرعناء..!؟
_4_
لضرورات الأمن القومي..لضرورات الأمن القومي ، كرر جملته متبجحاً ، وعلى الرغم من تبجحه فكأنه حتى هو غير مقتنع بفكرته..تمالك أبو هاشم روحه التائهة في فضاءات ضبابية مبهمة ، واقترب من العين الكبيرة ، أصاخ السمع بأذنه اليسرى بترقب حذر،عسى أن تكون العاصفة الهوجاء التي كادت أن تقتلع قلبه مجرد سوء فهم منه..تحول الكابوس الرهيب بعد عدة كلمات صبت في مسمعه إلى حقيقة سوداء مزلزلة ،أنسته إحكام الدائرتين الملتهبتين على صدره واللتين جعلتاه عاطلاً عن العمل وللأبد، وتحت رحمة المحسنين اللذين تناقص عددهم بسبب الظروف الصعبة التي يعيشها القطاع..دائرة أولى حشر بها يشاركه فيها معظم الرجال تسربت إليهم من ضآلة فرص العمل ، بعد أن تفنن المجرمون في قتل مرافق الحياة..ودائرة أخرى أصغر خاصة به وحده ،أحاطوه بها باقتطاع كفه الأيسر بقنابلهم الوحشية في عدوانهم الأخير، بينما كان ذاهباً إلى مكتبة ليشتري بعض القرطاسية لأولاده..
-5-
تبددت محاولته اليائسة ، ليظهر له وسط الضباب جدار فاصل ،اخترق جسده كسيف جمع في حده كل سكاكين الدنيا شطره إلى جزأين..لاحقت الجزأين سيوف أخرى..توالدت الأجزاء وتكاثرت الجدران..تفتت لذرّات صغيرة..ملايين الذرات..كل ذرة حملت شيئاً من قلبه..نبض الشيء، أصبح قلباً.. تذكر المأساة ، فشع بالمرارة ، ليزداد جسد أبو هاشم بالاحتراق..أحس بدوار يعصف ويزمجر داخله ، يسقيه ألواناً وأشكالاً سيريالية ، يسحبه إلى أعماق سحيقة بطول الجدار الذي سيبنوه مضروباً بألف..16 ألف كم تحت الأرض..يلفظه إلى الأعلى 16 ألف أيضاً ، ثم يجذبه مجدداً بعنف ليهوي به إلى بئر مظلم ليس له قرار..
-6-
- جدار فاصل... جدار فاصل ولماذا؟... جدار فاصل ومن سيبنبه؟.. ليس هولاكو هذه المرة ، بل الأحبة..!؟ ..انطلقت إليه من ألسن التلفاز كرصاصات طائشة ، أصابت دموعه بمقتل ، فخرجت رقراقة غمرته وهو في أسفل البئر المظلم..
- تنتشله رفيقة دربه متسائلة : حاجز فولاذي إسمنتي ، لم يفعلون ذلك وقضيتنا واحدة..؟! فيجيبها زوجها شارداً : بحجة منع الأنفاق..
- الأنفاق؟! ، وما الذي يأتينا منها سوى حفنات قليلة من متطلبات المعيشة..حتى هذه سنحرم..الجوع لا يرحم ، ربما نستطيع نحن الكبار ان نداريه ، لكن الأولاد؟!..أسيمنعون عنا حتى حليب الاطفال..لماذا؟ لماذا؟..تقول مجروحة بأنوثتها الشفافة المضطربة..
- إنها لضرورات اللعبة العاهرة..علل زوجها مهتاجاً.
-7-
الأطفال..اللعبة..اقتنصها رادار أذني هاشم من حديث أبويه ، فانتشى فخراً لاهتمام أبويه بلعبته، فأشار لهما بعينيه البراقتين ، وبنبرة صوته التي أصبحت أعلى ، مشجعاً لهما للاستماع لحكايته..راقب الأبوان حركاته الملامسة للأوراق،تناوشها على البقعة فتتحرك كيفما يشاء..يتناول ورقة سوداء في أعلى الهرم لورقات قاتمة ، نشرها على طول المربع الأزرق..يرفعها قليلاً ليجعل العجوز المرسوم داخلها يأمر جنده ليبدؤوا الاجتياح ، فيردد الطفل كلماته التي أرادها أن تكون بلهجة شريرة ، فاخشوشن صوته..أيها الجنود..سنهاجم العرب .. سنقتلهم ، سنذبح أبا هاشم وأم هاشم وهاشم وأخوة هاشم..هيا هيا تقدموا ، سنأخذ بيوتهم وأرضهم..وينهي ملك الأعداء خطابه ، ويبدأ جيشه بالاستدارة لتطل رؤوس جنده باتجاه الدائرة الخضراء في الغرب ،وبالمقابل يحول اتجاه عدة ورقات حمراء داخل دائرته الخضراء نحو العدو، ليدافعوا عن البلاد والعباد، ويعطيها أسماء أسرته وأبناء جيرانه..يتوقف عن سرد حكايته لبرهة.. ويحدق بوجه أبيه المذهول ليقتبس ردة فعله ، فيراه حزيناً فيظن أن مصدر حزنه جاءه من لعبته ، فيواسيه قائلاً : لا تخف يا أبي هم لن يستطيعوا أن يذبحونا فجيشنا ستأتيه الإمدادات قريباً...
-8-
يتابع قصته بعد أن طمأن والده، مشيراً إلى الملك الأحمر المزروع أعلى هرم مصطف داخل مربع أزرق آخر بالقرب من الدائرة الخضراء المحاصرة، يقع غربها مباشرة ، قائلاً : أبي هذا هو الملك سيعطي أوامره لهذا الشاب جانبه ، ليقود الجيش ليتجه به إلى الشرق ليخلصنا..هيا هيا أيها الملك أعط أوامرك لبي.. لبي.. أبي أبي، ما اسم القائد الذي قصصت علي حكايته الليلة الماضية؟..يتنهد أبو هاشم والأسى يصبغه..إنه بيبرس يا بني..إنه بيبرس يا بني..أجل أجل..إنه بيبرس إنه بيبرس.. تقترب كفاه الصغيرتان من الملك ومن بيبرس ، يريد أن يرفعهما قليلاً على مرأى الجميع ، ليعطي الملك أوامره لقائده..كفاه تلامس الورقتين وقبل أن تلتقطهما ، يد أخرى تفاجئه من خلفه ، تختطفهما وتهرول بعيداً..ما أصعب الضربة إن جاءت من الخلف..إن جاءت من الأخ..إن جاءت في لحظة حرجة..هاشم يبدأ بالصراخ... أخي أخي أعد لي الملك وبيبرس..أعد لي الورقتين..لكن أخاه الصغير يفر هارباً من الغرفة ، فيسرع هاشم وراءه..يفتش ويفتش فلا يلق له أثر، فيضيع من ألم البكاء..
-9-
يدخل هاشم من جديد إلى الغرفة حائراً،ثم يعود للجلوس ثانية أمام أوراقه..يفكر كيف سينهي المعركة..الدائرة الخضراء محاصرة، والملك وبيبرس غائبان..يتذكر العلبة الصفراء اللتي ركنها على الوسادة..يتناولها من جديد ..يخرج منها الجوكرين ..يضع الأسود منها مكان الملك ، والأحمر بدلاً من بيبرس..الأب يراقب هاشماً بترقب..هاشم يتأمل أوراقه بإمعان..الدائرة الخضراء تترقب فك الحصار بحرقة..يطول الانتظار وعينا هاشم مذعورتان..تختلط عليه الأشكال والألوان..يزعجه الملك الأسود بلونه المغاير عن لون جنوده..تصدمه غرابة قبعتي الجوكرين..ينهض مجدداً ويعاود الصراخ..هذا لا يصح..هذا لا يجوز..هذا لا يصح..أخي أعد لي الملك وبيبرس..أخي أعد لي الورقتين ،وتغيب خطواته بعد أن ترك الغرفة مهتاجاً ..
-10-
أذناه الكبيرتان مشتتان ،أذنه اليسرى على التلفاز واليمنى على طفله.. لا تصطد في الماء العكر.. لا تصطد في الماء العكر، تتشظى من كتلة التلفاز،وتنهمر على عقله ، تقتلعه بإبرة حادة وتعلقه وسط الفراغ..يتأرجح بعنف ملتصقاً بالسنارة.. زعانفه تهتز ،تحاول أن تخلصه..يتخبط ويتخبط ، زعنفته اليسرى المقطوعة لا تساعده..يواصل انقباضاته المتتالية..يتخلص من إبرة السنارة أخيراً، يقع أرضاً على علو 16 ألف كم ..تسيل منه الدماء، يحاول الوقوف..يترنح ويترنح ثم يقف..يركض ويركض ،يتخطى باب الغرفة..يتسرب داخل شوارع رفح..السنارة تلاحقه..الأشكال والألوان والأصوات من العين الكبيرة تؤرقه..يصل لمبتغاه..يقف على معبر رفح ، نظره مشرئب نحو الغرب بلهفة...
-11-
يتراءى له قطز وبيبرس يبكيان ، قد طردا من القاهرة ، منفيين بعيداً إلى أسفل هرم إفريقيا المقلوب..يلملم تماسكه المفقود وسط مشاعره الدامعة .. يطلق صرخاته المدوية..عد إلينا أيها الملك..عد إلينا أيها الملك..يزداد بكاءً..يجهش مرارة وحرقة..عد إلينا أيها الملك..عد إلينا..عد إلينا.. تتباطأ كلماته تصبح أهدأ مبحوحة ، لكن أعمق... أعمق...يواصل صرخاته همساً..عد إلينا أيها الملك..عد..عد.. أتوسل إليك..خذ روحي..خذ أولادي.. خذ كل ما أملك ،لكن أرجوك عد إلينا أيها الملك..عد إلينا ولا تشمت الأعداء فينا..
انتهت
تعليق