ملحمة الحمير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نشأت النادي
    أديب وكاتب
    • 15-07-2011
    • 61

    ملحمة الحمير

    ملحمة الحمير
    زُج به في ردهة البيت المهجور، المتاخمة لأحد المنازل القديمة، الملاصق لأحد أقسام الشرطة، التابع لأحد الأحياء الشعبية العاجة بالعشوائية، المجاور لأحد الطرق السريعة، الفاصل بينه وبين الحي الراقي، التابع لإحدى المدن الجديدة ذات المخططات الهندسية المنغلقة على نفسها، المسماه في العصر الحديث"كومباوند".
    بعد أن هدء روعه تفحص المكان لعله يجد مخرجاً لكن ظل بحثه دون جدوى، أوى إلى أحد الأركان مفكرا في أيامه الخوالي التي هي ماضيه وكل ما يملك ومفكرا أيضا في مصيره المجهول الذي هو مستقبله الغامض، بعد أن خطفه أحد اللصوص وساقه إلى هذا المكان الموحش ففرق بينه وبين صاحبه.
    وفي خضم الصراع الدائر في نفسه بين ماضيه المجيد ومستقبله المجهول اللذان استحوذا على عقله وتفكيره وتسابقا للفت انتباهه لكليهما، سيطر عليه مؤثر جديد بعد أن قرقعت بطنه وأرسلت إشارات الجوع إلى عقله، يتذكر كيف كان ينعم بوجبتين من الفول في الصباح والمساء وكم كان صاحبه يغدق عليه بهما لكي يقضي له كل متطلباته يومياً، ثم ينقض عليه مصيره المجهول ومستقبله الموحش فيلح عليه بأنه لابد أن يجد مخرجاً من هذا المكان الذي يشعر فيه بقرب نهايته وبأن الوقت ليس في صالحه.
    وبينما هو كذلك إذ يقطع خلوته هرج ومرج ودبيب بالخارج، ينفتح الباب الكبير فيدخل الضيف الجديد ثم يغلق الباب بالمزلاج الغليظ.
    رآه يلتقط أنفاسه بصعوبة وتهزه ضربات قلبه فامتهل حتى هدأ ثم رحب به قائلا:
    - ما قصتك؟
    - لقد استغني عني صاحبي بعد أن عملت معه لعشرين سنة.
    - ماذا كنت تعمل معه.
    - كان لديه أرجوحه وكنت أجرها متجولين بها في البلاد.
    - ولما استغنى عنك؟
    - كان فقيرا مدقع الفقر بخيلاً كثير الشح لا يطعمني ولا يسقيني إلا ما يسد به رمقي، وكان مهملاً فلا يستعين بأدوات تريحني لجر الأرجوحه مما سبب لي جروح في بعض أجزاء جسدي ظلت غائرة ومزمنة معي حتى تقرحت والتهبت، وأصبح لا يرجى شفاؤها فتركني على قارعة أحد الطرق حتى عثر علي هذا اللص وحملني إلى حيث نحن الآن.
    - علينا ايجاد طريقة للخروج من هنا قبل أن يدركنا الليل.
    حاولا أن يبحثا عن مخرج وتعاضدا لعلهما يجدان ثغرة للخروج لكن دون جدوى.
    قطع سعيهما الدؤوب للفرار هرج ومرج ودبيب بالخارج ثم انزلق مزلاج الباب ففتح ليأتى بضيف جديد، يدخل عليهما فيتعارفوا ويحكي قصته:
    - لقد اشتراني أحدهم بثمن بخس بعدما سرقني آخر من صاحبي في أحد الأسواق ويبدو أنني سألقى حتفي في هذا المكان الموحش.
    حفزهم احساسه أكثر أن يجدو حلا لمشكلتهم فهجوم الليل عليهم يزيد الوضع سوءاً ويسرع بقبض أنفاسهم، ومع تسارع الدقائق تسارعت نوبات فتح الباب للزج بالمزيد من أقرانهم فعج المكان وازدحم بهم، ومع تكدسهم فتح لهم صاحب البيت الخرب الباب الفاصل بين الردهة وحوش البيت الكبير ليتوالى وصول الأقران حتى امتلأ الحوش، وظلوا يقصون القصص فكثر الهمس والهمهمات والأحاديث الجانبية حتى وصلت حد النهيق.
    من أحد ثقوب الباب رأى ما لم يكن في الحسبان، رأى اللص واتباعه يسنون السواطير وسكاكين الذبح فحدثته نفسه عن مجزرة دامية ستحدث الآن.
    حاول أن يتدارك الموقف وبصفته أقدم عضو فيهم ولأنه يرى في نفسه القيادة أراد أن يستفزهم، فقام فيهم مشجعا ومحفزا وتفحص المكان باحثا عن مكان مرتفع ليخطب فيهم فوجد طلل في أحد الأركان وبمساعدتهم ارتقى مرتفعاً.
    صعد معتلياً أطلال السور الموشكة على اخراجه من هذا المكان الموحش وبعد أن رأى الشارع الذي حلم برؤيته، حدثته نفسه عن الهروب من تلك المحنة فقرر أن يطبق المثل القائل "الجبن سيد الأخلاق".
    قام فيهم يحمسهم ويدفعهم للنهوض وعدم التسليم للأمر الواقع وبعد أن انتهى تركهم أسرى نشوة الشعور التحفيزي هائمين في زخم الكلمات البراقة وفي غفلة منهم استدار ملقيا بنفسه إلى الخارج قائلا في نفسه "الجري نصف المجدعة بل هو اليوم كل المجدعة" فنعم هذه الفرصة التي لطالما يبحث عنها.
    ترك أقرانه لمصيرهم المحتوم وركض مسرعا ليتوارى بعيدا عن الأنظار، وكان أفضل الحلول أن يعبر الطريق السريع الفاصل بين الحيين الشعبي والراقي، ورغم أنها المرة الأولى التي يعبر فيها مثل هذه العوائق الحديثة دفعه خوفه من الموت ورغبته في الحياة للمغامرة بل للمجازفة لقطع هذا المانع، تحسس خطواته نظر على الطريق أغمض عينه ولحسن حظه لم تمر السيارات لحظة عبوره فعبر.
    انتقل إلى الحي الراقي الذي غافل حارسه ليدخل من أحد البوابات، استكان في أحد البنايات التي تحت الإنشاء، سلم نفسه للنوم الذي هجم بغته بعد انهاك وتعب.
    في الصباح أقلقته حركة العمال فتسحب بعيدا درءا للدهشة، تجول في المدينة، وجد ضالته في أحد أماكن تجميع القمامة انهال عليها فأكل من مخلفات ما لذ وطاب، ساقته حوافره إلى أحد الأسواق التجارية وكانت الصدمة، لقد رأي اللص وأتباعه الجزارين أمام أحد الملاحم "محلات الجزارة" صعق من هول المنظر فزملاء السجن الذين عايشهم بالأمس يعلقون داخل "فتارين" العرض المبردة وفي المبردات الزجاجية الشفافة.
    لم يتمالك نفسه فظل يركض بين السيارات الفارهة والمحال التجارية الضخمة وسط دهشة السكان من وجوده، طارده أفراد الأمن بعد أن أحدث الفوضى في الحي الهادئ، أخرجوه فسار طوال اليوم حتى وصل إلى شاطئ النهر فوجد الرؤوس والسوق والأعناق التي كان يحادثها بالأمس ملقاة على حافة النهر بعد أن ذبحت وقطعت أشلاء، حينئذ أمعن التفكير حتى انتهى إلى حلين لا ثالث لهما: فإما أن يذهب لأحد الصباغين فيخططه بخطوط الوحشية فيكون حماراً وحشياً، وإما ألا يصبح بعد اليوم حمارا.



  • د.نجلاء نصير
    رئيس تحرير صحيفة مواجهات
    • 16-07-2010
    • 4931

    #2
    الأستاذ الفاضل : نشأت النادي
    يسعدني أن أكون اول من يصافح هذا الابداع
    قرأتها مرارا وتكرارا ولم يتسرب إلى نفسي الشعور بالملل
    النص أكثر من رائع من العنوان الذي يرسله الكاتب لفك شفرة النص
    فهي ملحمة لكنها من المضحكات المبكيات أخي الكريم وما أصعب القفلة
    فبطل العمل في كلتا الحالتين لا يملك الخيار أو القرار
    أضف إلى هذا أن القصة حينما تقرأ قراءة ثانية تحمل بين السطور اسقاطات كثيرة
    لواقع قاسي ومرير حلق بغيومه في سماء حياتنا .
    أنتظر جديدك
    تحياتي
    sigpic

    تعليق

    • نشأت النادي
      أديب وكاتب
      • 15-07-2011
      • 61

      #3
      شكرا عزيزتي نجلاء على هذا العرض والتحليل الرائع وتقبلي تحياتي

      تعليق

      يعمل...
      X