الدائرة .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الضيف حمراوي
    أديب وكاتب
    • 28-11-2008
    • 70

    الدائرة .

    الدائرة .

    جلست في الساحة العمومية؛ على كرسي من كراسيها الخشبية المهترئة؛ أحادث نفسي وتحادثني، ماذا حدث حتى تكاثرت هذه الوجوه المتعبة الحزينة، التي تعلو أجسادها المترهلة المتهاوية نحو الارض، تعلوها أدخنة داكنة تنبئ عن أكوام الشقاء المتراكم ؛والخوف المرعب من الآتي؟؟؟.
    وانسحب نظري نحو موطئ قدمي ،فوقع بصري على حبة سوداء ضائعة ككل ضعيف من خلق الله في هذه الساحة؛ يسحبه وهم في صورةأمل.
    كانت هناك نملة ضئيلة ؛ لا تختلف أحوالها أو مظهرها عن أحوال رواد الساحة المحاطة بالفضلات المتراكمة تغذي روادها الذين تبعثروا في زواياها أصنافأ : منهم العجزة ؛ والمعاقون ؛ والبطالون ؛ والفقراء اليائسون الذين كانوا لا ينفكون يتبادلون الأماكن دفعا للسأم ، كانت النملة تتحرك مثلهم في غير اتجاه ؛ وبدون هدف ؛ على خلاف ما عرف عن مجتمع النمل في أرض الله الواسعة، وكأنها أصيبت بعدوى أهل البلد ، كانت تبذل جهدها في الهروب، أو في طلب غاية نسيت مكانها ؛ أو نسيت الطريق المؤدية إليها، فأخذت تتحرك في شكل دائري متعرج ،جانحة نحو اليسار دائما ، لتعود بعد دورة كاملة مرهقة إلى نفس المكان تقريبا ، ثم تبدأ دورة جديدة في نفس الاتجاه ؛ مع انحراف بسيط باتجاه الجنوب الغربي لترسم دائرة جديدة لا تبعد عن سابقتها بسنتمترين في أحسن الحالات؛ وحاولت أن أتفحص الموقف : ما الدافع وراء هذا السلوك البائس المأساوي؟.هل فقد النمل حكمته؟ هل أصاب الفساد غريزته؟ وكيف يحدث ذلك والنمل لا يقرأ جرائدنا، ولا يسمع أو يشاهد قنواتنا، ولا يجتمع إلى مسؤولينا وأولي الأمر في بلادنا فتتضرر خلايا دماغه؟ وتفقد اللغات والاتجاهات لديه معانيها ومدلولاتها؟
    ومددت بصري ؛ محاولا - بكل ماعندي من فضول- استكشاف السر الكامن وراء هذا الجهد العبثي ، وبدا لي أخيرا أنني أدركت بغيتي ؛ إذ كانت هناك حبة حلوى زجاجية بلون العسل ؛ سقطت من فم عجوز كان يمتصها وعصته شفتاه فأفلتت، والتصق أسفلها بإسفلت الساحة ، والنمل مغرم بحلاوة السكر ، ومجلوب برائحته ، وحين حاولت الربط بين الدوائر التي ألزمت بها النملة نفسها وموقع حبة الحلوى ، اعتقدت أن الحبة في تقدير النملة ؛ ومسحها الرداري وحساباتها ،كانت داخل القسم الشمالي لمسارها الدائري ، وقدرت ألا تصلها ، بسيرها هذا ، قبل مرور وقت طويل بمقتضى واقع حالها وحركتها. ؛ فوطنت النفس على الصبر حتى أرى ما ستنتهي إليه هذه الرحلة الدائرية ، هذا إذا صدق ظني، و إذا كانت حبة الحلوى هي بغيتها فعلا ،وهو ما لم أكن متأكدا منه .
    مر وقت ، بدا لي فيه أن النملة قد وهنت وخارت قواها ؛ و أصبحت أكثر بطأ و أقل اتزانا ، وزاد تعرج خط سيرها الدائري وأصبح مسارها يشكل خطا منكسرا ، كأنه مسار إبرة تخيط طرف ثوب قماشه محكم النسج قاس ؛ وفي هذه الأثناء مر أحدهم وداس على حبة الحلوي ؛ فالتصقت بحذائه ، وذهب بها ، وكنت أتوقع أن تتوقف النملة أو تغير مسارها ، ولكنها واصلت سيرها كأن شيئا لم يحدث ، وكأنها كانت تسعى لهدف آخر غير ما توهمت أنا ، ولكنني أصررت في داخلي على ضرورة أن يكون هناك علاقة بين حركة النملة وحبة الحلوى ؛ وستصل غايتها ؛ وتلتقط ما بقي من أثر السكر المسحوق الملتصق بالإسفلت ، وانتظرت وخاب ظني إذ مر مسار النملة بعيدا عن المكان الذي كانت به حبة الحلوى، و دون أن تتوقف النملة عن الدوران قالت بصوت يعز سماعه إلا على من كان سميعا: أيها الفضولي لا تتعجب ، مصابي مصابك ، ومصابنا جميعا من هول القحط وطغيان الاسفلت الذي سد المسام ، وغلف البصائر؛ فالعقول ، والقلوب ، و التصورات ، والنمل والبشر وعلاقاتهم و كل ما أنقذ نوح ، حال فانقرض وانتهى ، والساحة وما فيها ، وما وراءها كلها شيء واحد ، كل أسفلتي متجانس .
    نبهني قولها إلى أنني أنا أيضا أدور معها دون أن أعي؛ فمرقت مني تنهيدة:
    دوري ما قدر لك أن تدوري، دوري فقد فقدت معظم الموجودات القدرة على إدراك معنى الوجود؛ والقدرة على تحديد الاتجاهات فتهنا في دوران لا متناه في ساحة الإسفلت؛ عبر حلقات مفرغات؛ بدون هدف؛ أجزاؤها سنوات أعمارنا، لنوهم أنفسنا والأخرين أننا نتحرك، لنكتشف في الأخير أن كلا منا مستقر في مكانه. أما سليمان وجنوده فقد تأكدوا قديما أن حكماء النمل وملوكها، لا تحسن التحريض على الثورة، أو الدفاع عن الأوطان والحقوق، وهي بطبيعة تكوينها لا تحسن إلا الحث على الفرار والاختباء طلبا لسلامة الأبدان.
    " ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون" والميت ومن دخل جحره سيان ؛ وبالتالي ؛ فسليمان وجنوده ؛ هم وحدهم الأحياء المتحركون منتشين مزدهين ؛ هناك في الأعالي ؛على بسط الريح الوثيرة، يستمتعون بما سخر لهم من تياراتها ؛ ومن إنس ؛ وجن وهوام ، وسوائل وثروات الضالين والمغضوب عليهم ؛ من الرقيق والعوام ، على ظهر الأرض وفي باطنها ، وقد سدوا أذانهم ؛ كي لا يسمعوا أنين المداسين إلى أن تدور الدائرة ولابد أن تدور.


    الضيف حمراوي 30/3/2013
    التعديل الأخير تم بواسطة الضيف حمراوي; الساعة 03-04-2013, 18:00.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    أستاذ حمراوي،
    تمّ نقل النصّ من ركن القصّة العربيّة إلى القسم العام للقصّة القصيرة.
    و ذلك للسّبب التالي :


    مودّتي و شكرا لتفهّمك.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • ميساء عباس
      رئيس ملتقى القصة
      • 21-09-2009
      • 4186

      #3
      كانت المقدمة جميلة جدا
      القصة ممتعة وراقية الفكرة
      الأسلوب جميل ..وفيه فطرة أدبية رائعة
      كما تخلله بعض فلسفة بالحياة
      غير أن القصة دخلت بالمباشرة مابعد منتصفها
      وبدت كخطاب مباشر موجه
      مما أثر على تألقها
      سعدت بك بيننا
      أهلا ومرحبا بك ضيفنا الحمرواي
      ننتظر جديدك ورأيك بكتابات الزملاء
      كل التقدير والشكر
      ميساء العباس
      مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
      https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        في نهاية القصة وصلت الفكرة ...
        كلنا نمل ..ميّتون إذا دخلنا الجحور
        تائهون في دوائر وهمية
        إذا كنا فوق الأرض .
        الأرض لسليمان و جنده .
        أعجبني النص .
        تحياتي لك .
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • نبيلة غنيم
          • 21-04-2013
          • 5

          #5
          بالقصة مرارة الحقيقة.. فالخلق في كَبَدٍ إلي يوم معلوم
          تحياتى لقلمك الراقي
          [B]لا تحسبوا النصرَ المُظفـَّـرَ لِلْكسالي يُمْنـَحُ[/B]
          [B]فالنصرُ يهديهِ الإلــهُ لمـنْ يـكـدُّ و[/B] [B]يـكْـدَحُ[/B]

          تعليق

          • حسن لختام
            أديب وكاتب
            • 26-08-2011
            • 2603

            #6
            سرد ممتع ومشوّق ..قصة رائعة تحمل رؤية فلسفية عميقة..أشكرك على الإمتاع
            محبتي وتقديري، أخي المبدع حمراوي

            تعليق

            يعمل...
            X