الترجمة بين الأمانة و الخيانة/ حسام الدين مصطفى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسام الدين مصطفى
    رئيس الجمعية المصرية للترجمة
    • 04-07-2007
    • 408

    الترجمة بين الأمانة و الخيانة/ حسام الدين مصطفى

    stabbed-book.jpg
    خيانة النص
    ....

    لعل هذا التعبير من أشهر التعبيرات التي ارتبطت بصنعة الترجمة، وشاع في الآونة الأخيرة ليعبر عن انعدام النقل الأمين المتوازن لمحتوى النص الأصلي، وذلك بأن يشوبه قصور في الصياغات اللغوية، أو تحريف للمضمون الفكري، فإذا ما تم ذلك عن قصد فنحن أمام عملية خيانة متعمدة قد تختلف أهدافها وأسبابها، ولا يمكننا القول بأن النص الناتج هو ترجمة للنصل الأصل،ي بل هي عملية تأليف جديدة، حتى وإن تشابهت مع النص الأصلي، أما إذا كانت غير متعمدة فإن سببها في هذه الحالة مرجعه الأساسي عدم إلمام المترجم بثقافة اللغات التي يترجم منها أو إليها...
    إن الترجمة ليست مجرد عملية استبدال لفظي، بل هي عملية إعادة تعبير عن محتوى النص بكل مكوناته باستخدام لغة أخرى، وهناك من يرى في الترجمة على عمومها بأنها عملية (تأليف غير مباشر)، وهناك من يراها نقل للمضمون الأصلي بشكل لغوي مختلف، والترجمة الأمينة لا تتأتى إلا من خلال بذل المترجم كل ما يمكنه من جهد لإيجاد الألفاظ التي تحمل نفس الدلالات اللغوية والشعورية والفكرية...
    إننا إذا نظرنا إلى أسباب (خيانة النص) غير المتعمدة لوجدنا أن من أهمها عدم إلمام المترجم بثقافة النص الأصلي أو الهدف، فالجهل بالسياق الاجتماعي والثقافي والتاريخي للنص، يقود إلى أخطاء جسيمة تودي بالنتاج النهائي لعملية الترجمة، فتخرج مشوهة على المستوىين الثقافي واللغوي معاً. كما أن هناك من يعمد إلى تحوير وتحريف النص الأصلي، ليخرجه بصورة تتفق مع القيم والمعتقدات لدى أصحاب اللغة الهدف، وهذا الأمر مرفوض لأن الأمانة تقتضي نقل الرسالة كما هي باستخدام ألفاظ اللغة الهدف، وليس للمترجم أن يمد يد القص والحذف إلى مكونات النص الأصلي، وطبيعة الترجمة ذاتها لا تخول للمترجم أن يخفي أو يستبدل أو يحذف أي جزء من النص الأصلي، ولا يقدم على ذلك إلا من قصرت همتهم، أو غالوا في نرجسيتهم، فسعوا إلى تفادي المحتوى الأصلي أو تنصيب أنفسهم أوصياء عليه.
    هناك خلط واضح في استخدام مصطلح (الترجمة الحرفية)، فهناك من يفهمها على أنها استبدال لفظي للكلمات في لغة المصدر بما يقابلها في اللغة الهدف، وأن يتم ذلك بطريقة أشبه بالمقابلة بين الألفاظ، ويرى أن هذا معناه ضرورة أن يكون عدد الجمل بل والكلمات في النص الهدف مساوياً –أو يكاد- لما هو عليه في اللغة المصدر، وهذا محض خطأ، وسوء فهم لمعنى هذا التعبير، والذي يشار به في الأساس إلى عدم التصرف في محتوى النص الأصلي، سواء من حيث ما يتضمنه من معان وأفكار، أو من حيث محتواه الكمي فلا يتم حذف أو إضافة أي جزء للنص الأصلي. إن الترجمة الحرفية ( أي الترجمة الكاملة للنص شكلاً ومضموناً)، يقابلها ما يعرف بالترجمة الحرة، أو التي يقوم فيها المترجم بإجراء تغيير في المحتوى مع الحفاظ على المعنى. لذا فإن الأمانة التي نقصدها عندما نقول بأن المترجم إما أن يكون أميناً أو خائناً للنص الأصلي إنما تعني في جوهرها الدقة في نقل المعنى بما يضمن إحداث نفس الأثر الذي يتضمنه النص الأصلي.

    webregina-noakes-two-faces.jpg
    قبيحة وفية أم حسناء خائنة..
    يشير هذا التعبير إلى تفضيل الالتزام بترجمة كل مكونات النص الأصلي، ونقلها بحذافيرها إلى اللغة الهدف، حتى وإن شابها بعض عيب، أو لم يستسغها المتلقي باللغة الهدف، فأصحاب هذا المبدأ يدافعون عنه بوصفه تجسيد لأمانة النقل في عملية الترجمة، وهم يرون أن الترجمة الحرة التي ينجزها المترجم متصرفاً في النص الأصلي ليخرج بصورة جميلة في اللغة الهدف هو محض خيانة!!!.. بينما نجد من يدافعون عن الترجمة الحرة يعزون دفاعهم إلى إعطاء الأولوية للمعنى والمضمون، دون الاهتمام بالشكل أو البنية، ويلتزم أنصار (القبيحة الوفية) بهذا النهج خاصة عند ترجمة النصوص المقدسة والدينية، إذ أنهم يرون أن أي زيادة أو نقص في المحتوى الأصلي هو نوع من التحريف، حتى وإن نجح المترجم في توصيل نفس المعنى، ويذهبون في قناعاتهم إلى أن اللفظ أو الكلمة هي (مخلوق)، وأن إضافة أي كلمة إنما تعني الزج بمخلوق جديد إلى محتوى النص، وأن حذف أي كلمة من النص الأصلي هو بمثابة قتل لأحد المخلوقات التي تضمنها، وقد تجسد ذلك في إيمانهم بأن حذف أو إضافة أي لفظ قد يتسبب في غضب الإله لكون ذلك تحريفاً لكلماته،ولعل هذا هو السبب في أن معظم النصوص الدينية لا تتم ترجمتها حرفياً، وإنما يتم اللجوء إلى ترجمة تفاسيرها كما هو الحال في ترجمة تفسير القرآن الكريم..
    أما من يرون ضرورة الاهتمام بالقيمة الجمالية للنص المترجم، ويركزون على ضرورة أن تكون ترجمتهم (حسناء جميلة)، حتى وإن تصرفوا في النص الأصلي ليخرج بصورة تلائم ثقافة النص الهدف تتركز معظم أعمالهم في مجال الترجمة الأدبية، وهم لا يرون غضاضة في التصرف في النص الأصلي ما داموا قد استطاعوا الحفاظ على المعنى .. انطلاقا من قول فولتير: "الأمور بمقاصدها لا بألفاظها"، وقد ساد التيار الداعم للترجمة (الحسناء الخائنة) خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، وكان هذا المنهج مقبولاً إذ يحافظ على المعنى مع التصرف بما يجعل الترجمة متماشية مع ثقافة اللغة الهدف، إلا أن الأمر تفاقم وخرج عن هذا الإطار فذهبت طائفة منهم إلى التمادي في التصرف ليصبغوا النص الأصلي بصبغة ثقافة اللغة الهدف، فأضحت هذه الترجمات وكأنها مؤلفات تم تأليفها في بيئة اللغة الهدف، وباتت هذه الترجمات وكأنها نصوصاً أصلية.
    لابد لنا أن نقر بأنه يصعب على المترجم –إلا من أوتي حظاً وفيراً- أن ينسلخ عن كل المؤثرات التي كونت معارفه وسماته، وأن يتقمص روح النص الذي يترجمه، خاصة إذا ما كان النص الذي يعمد إلى ترجمته نصاً تراثياً أو قديماً أو اشتمل على مكونات ثقافية لم يألفها المترجم، فالمترجم إنسان في البداية والنهاية يتأثر ببيئته ومجتمعه وبالحقبة الزمنية التي يعيش فيها، لذا فإننا لا نلوم على المترجم إن قام بما يمكن تسميته (عصرنة لغة النص الأصلي) بحيث يجد لها ما يقابلها من ألفاظ دلالية حديثة في اللغة الهدف، فلا شك أن المستوى اللغوي والأسلوبي لكتب التراث، يختلف عن مستوى اللغة والأسلوب المعاصرين، وهنا يجب أن ننتبه إلى قيام المترجم بعمليتي ترجمة، أولهما ترجمة تفسيرية داخل اللغة الواحدة –أي أنه يفسر اللغة القديمة للنص الأصلي بلغة حديثة مفهومة وهذا كله يتم في نطاق اللغة المصدر –، ثم يقوم بعد ذلك بترجمة ما فسره باللغة المصدر إلى ما يقابله باللغة الهدف.
    لقد أثبت الواقع أن المستوى الثقافي لا يقتصر على المستوى العلمي أو الاجتماعي، بل هو حصيلة لمستوى إلمام الفرد بكل المكونات التي تتألف منها الثقافة، وفي إطار الحديث عن الترجمة فإن المستوى الثقافي للمترجم يعبر عن حصيلة معرفته وإلمامه بثقافة لغتي المصدر والهدف، وهناك ارتباط وثيق بين اللغة والثقافة، فاللغة هي لسان حال الثقافة الناطق بها والمعبر عنها، والنص الأصلي إنما هو تعبير عن الثقافة التي نبع منها، وهذا يستوجب ضرورة معرفة هذه الثقافة وأسسها قبل التعرض إلى النص ووضعه على طاولة المعالجة اللغوية.
    كذلك فمن بين الأسباب التي تؤدي إلى الوقوع في (خيانة النص)، أن تتم عملية الترجمة من خلال الاستبدال اللفظي أو ما يعرف باسم ( ترجمة الكلمة بكلمة)، فيقوم الناقل –ولا أقول المترجم- باستبدال كلمات النص الأصل –كلمة كلمة- بكلمات أخرى باللغة الهدف، وهذه ليست (خيانة للنص) الأصلي بل هي (إهانة للنص) الأصلي، فمثل هذا النوع من أنواع النقل اللغوي لا يصح تسميته ترجمة، وذلك أنه يقوم على الاكتفاء بالاستبدال اللفظي دون الربط بينه وبين المعنى، وهذا يظهر بصورة واضحة عند التعامل مع التعبيرات الاصطلاحية والأقوال المأثورة وما شابهها..

    التعديل الأخير تم بواسطة حسام الدين مصطفى; الساعة 30-03-2013, 19:13.
    حسام الدين مصطفى
    مترجم - باحث- كاتب
    رئيس جمعية المترجمين واللغويين المصريين
    رئيس المجلس التأسيسي للرابطة المصرية للمترجمين- المركز القومي للترجمة
    أمين عام المجلس التأسيسي لنقابة المترجمين المصريين
    www.hosameldin.org
    www.egytrans.org

  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    الدكتور المترجم
    حسام الدين مصطفى
    نستفيد منك دائما
    و لكن قد تكون الترجمة أيضا إحساسا عميقا بالنص فيعبر المترجم عما يختلج فيه
    دون النظر إلى ما كُتب
    و هنا تكون الخيانة الجميلة
    تقديري سيدي و كل الاحترام


    تعليق

    • منيره الفهري
      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
      • 21-12-2010
      • 9870

      #3

      تعليق

      • منيره الفهري
        مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
        • 21-12-2010
        • 9870

        #4
        الدكتور العزيز حسام الدين مصطفى
        كل عام و كل عيد و أنتم بألف خير أينما كنتم.
        تحياتي الصادقة و ودي الذي لا ينضب

        تعليق

        يعمل...
        X