لآلئ المعاني في أعالي الكلام

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نزار القريشي
    عضو الملتقى
    • 29-03-2013
    • 16

    لآلئ المعاني في أعالي الكلام

    1ليس لتألق الكتابة عمر معين. فقد يخطئ الطريق إلى هذا التألق كاتب طاعن في الأيام، وقد يقبض على جوهر التألق كاتب ضليع في الفتوة.
    لا أتوقف عن ترديد هذه العبارة، كلما أسعفني الحظ وقرأت ما يبدعه القلم الرشيق للكاتب البارع نزار القريشي.
    -2-
    يستمد نزار القريشي ألفباء الكتابة من أفقه الخاص، ويتعاطى لغة تقول نفسها في منأى عن المعمم، ويتغيا عمق الاشياء، فتجيء كتاباته، السياسية والأديبة، حاملة سيماء التفرد، ومنتجة لجوهر شخصيته وخياراته الفكرية.
    نزار القريشي، هذا الشاب الحيوي عمرا وتجربة، يملك موهبة أكبر من عمره، ويكتب أبلغ من تجربته، وحجم تطلعاته تجعله لا يصطاد لالئ المعاني إلا في أعالي الكلام.
    -3-
    حين وصفه صديقنا المشترك، المبدع المسرحي رضوان احدادو، بقوله: 'يسير بيننا بحثا عن عالم تسكنه الحقيقة'، كان في الواقع يعكس طبيعة هذا المبدع الذي يراهن، بمشيئة الحبر وحده، على الاستمساك المتين بطرح الحقائق على الرأي العام، عبر الانحياز الحقيقي لمبادئ الديمقراطية، واللجوء السياسي الى مقام التغيير.
    حين نقرأ كتابه 'الملكية- الأحزاب- الحكم' (2009)، ندرك جيدا الافق الذي يشتغل في ظله الرهان السياسي لنزار القريشي، كما نضع يدنا، ونرصد عيانيا، جرأة هذا الشاب في خلخلة السياقات التي تحكمت في الزمن السياسي المغربي وإعادة تأثيثها بمداخلات مغايرة.
    -4-
    في يفاعته التي ما يزال يواصلها- اصيب نزار القريشي بما يطلق عليه هو 'غواية الكتابة': أي أن تصبح الكتابة ّأوكسجينا' يتنفسه بإدمان
    ـ الكتابة رئة للحياة.
    ـ الحياة وجه اخر للكتابة.
    في رسالة بعث بها لي من تطوان (11-08-2011)، يكتب نزار القريشي بطريقته الفريدة:
    'داخل معبد الشعر كل يصلي بطريقته'
    في رسالة أبعث بها الآن إليه، أود أن أقول له:
    في شسوع حقول كتاباتك أنت لا تقطف إلا ما هو ناضج.
    -5-
    داخل أفق ما هو مكتوب، نعثر على ما هو مقروء: إنها علاقة سيامية ترفض الانفصال فالقارئ الجيد هو مشروع كاتب جيد.
    نزار القريشي ليس قارئا دؤوبا فحسب، بل هو قارئ كبير، بالمعنى الذي يفيد أن القراءة عنده تتعدى جانبها المعتوي، لترتقي إلى ما اسميه: قيمة القيم.
    في الرسالة إياها، يقول لي نزار القريشي، فاضحا تعدد قراءته و عمقها الجميل:
    'أعيش هذه الايام في قراءة دراسات لنعوم تشومسكي ورولان بارت حول توليد اللغة، تثير ني المواضيع والتيمات المرتبطة باللسانيات ولكم حيرني سؤال كان قد طرحه البروفيسور بارث على طلابه: هل يمكن التفكير بدون لغة؟
    وفي محاولة افتراضية مني للإجابة عن السؤال، أقول: يمكن أن يفهم من هذا السؤال للوهلة الاولى بحثا عن تعريف اللغة يحدد مهامها تحديدا مباشرا، فنعرف أين ومتى وكيف تبدأ وتستمر، إلا أن طرح سؤال ماهية اللغة، يقتضي ضرورة الدخول في مجالها، واستعمال أداة من أدواتها الأساسية وهي السؤال، فالتفكير نمط من لغات يحمل 'دلالة اللسان'
    هكذا يقرأ نزار القريشي.
    هكذا يفكر قبل أن يواجه غواية الكتابة.
    -6-
    يرفض نزار القريشي الذهاب إلى الكتابة بدون أن يكون ممتلئا بنبضها، ومتدثرا بجوهرها، ومتعطرا لاستقبالها. لذلك هو يعتبر استسهال الكتابة رجسا من عمل البلادة.
    الكتابة كما يفهمها وكما يمارسها، سواء أكان موضوعا متأتيا من طرح سياسي، أو كان هاجسها الإبداع هي صلاة في محراب العشق، وجواز سفر صوب عالم الإجادة، وتحليق فوق السحاب.
    يقول نزار القريشي، مشركا إياي في مشاغله الادبية التي تستدعي الاعجاب إليه:
    أشتغل هذه الأيام بشكل متقطع، على كتابة سيرتي الذاتية، لا أحد يضمن حياته، لن أصبر حتى أبلغ السبعين كي أكتبها، ولكم حلمت أن أكون مثل شحرور لأحلم باستعادة عوالم لطالما أبهرتني.
    كتبت ثلاثة فصول، لست مستعجلا في إنهائها، وكما قال محمد شكري لك، في إحدى جلساتكما الريتزية، 'ما ينمو ببطء يستمر طويلا'....'
    -7-
    كتابات نزار القريشي في 'القدس العربي'، و'الجزيرة نت'، و 'لوموند' تتجاوز القيمة المضافة، لتستوي شهادة حية على قدرة الكتابة المغربية الشابة، الموسومة بجودة التحليل، وبلاغة الجدل السياسي، والرؤية التي تنفذ إلى قلب التحولات، متبنية قيم التغيير.
    نزار القريشي هذا النورس التطواني الذي يمشي منتصب القامة، ولا ينحني إلا أمام الورق والحبر والأقلام، استهوته القصة القصيرة، فأبدع فيها مجموعته 'الحياة في زمن الرصاص' (2009). وشكل تعاطيه مع الجنس الادبي المراوغ والملتبس (القصة)، يستوي على نفس الخصائص التي تنطبع بها كتاباته في أفقها العام: الحكي المنتبه للتفاصيل الدالة، الوصف الذي يجهر بمحتوياته في منأى عن السائد، التغيير الذي يتزيا بالبعد البصري، ثم التيمات المحتفية بطزاجتها.
    -8-
    سافرت نصوص نزار القريشي الى العالمية على متن أجنحة اللغة الروسية.
    إقدام مرٍكز'واتا الحضارية' على قطع تذكرة هذا السفر من تطوان إلى موسكو، هو إقدام على تجسير الهوة بين الابداعات المختلفة ومنحها شسوعا وامتدادا بحجم الابعاد الكونية.
    هو ـ أيضا- وبدون مركب نقص- اعتراف لا يرقى إليه الشك، بمدى ما تختزنه ابداعات نزار القريشي من مقدرة على تجسيد وانتاج قيم التثاقف.
    إن صعود كتابة نزار القريشي من أصلها المحلي إلى امتداها العالمي، يؤكد لنا- من جديد- أن الطريق إلى ما هو كوني يبدأ- يقينا- بما زرعناه في مشتل ماهو محلي.
    -9-
    'أسائل نفسي دائما: لماذا لا يكون الإخاء في العالم بين الناس كل الناس؟ لماذا لا يكون الإخاء في الدنيا طبيعيا مثل الغيم والمطر'.
    هكذا يجهر نزار القريشي بتساؤلاته الحارقة، الممضة، في سطرين من كلماته البهية التي أتحفني بها، فكانت نسائم عطرة في قيظنا الرمضاني.
    بماذا أجيب عن تساؤلاتك يا صديقي نزار؟
    شوف:
    ـ من العبث أن نبحث عن فضيلة الإخاء بين الناس.
    ـ من الأجدى أن نؤسس ما نطمح إليه من إخاء من خلال الكتابة، وعبر الكتابة وحدها.
    وكل قلم وأنت في كامل تألقك...
    حسن بيريش
    *ناقد أدبي مغربي
يعمل...
X