موح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أوهيبة يحيى
    أديب وكاتب
    • 30-07-2012
    • 122

    موح

    منذ الأزل وهذا البحر يرتطم بجبهة قريته الصغيرة من دون كلل أو ملل, بحر ليس كباقي البحار, تجاوز مفاهيم الجغرافيا, وتجاوز المعاني الشكلية للأشياء, أمواج مثلما تخفق في أعماقه, ومثلما تخفق فوق اليابس, تخفق في أزقة القرية, وفي غرف البيوت, وتخفق أمام عتبة القلوب التي تعلقت به, قلوب لا يحلو لها الصباح دون أن تسلم عليه وأجفان لا يحلو لها النوم قبل أن تودعه في المساء. موح, ومنذ نعومة أظافره اعتاد أن يداعب أنامل أمواجه لحظة لمسها لحبات الرمل, واعتاد أن يتحدث إليه ويغطس بين كفيه يتحسس إن كان فعلا يبادله مشاعر الحب, يقف هذه المرة وقفة مختلفة, يدخل عتبته ليبوح له بسر آن أن يفلته:
    - حانت لحظة الرحيل يا صديقي, سأمتطي ظهرك هذه المرة لأرحل عن هذه الضفة الى ضفة أخرى أتوسم أن يكون بها بشر مختلفون.
    يعاود موح كما اعتاد كل يوم إتمام ما بدأه من أشغال إصلاح وتجهيز قاربه للرحلة, يعمل ويحدث نفسه بهيجان هذا البحر فجأة, وكأنه غاضب على ما أفلت من بوح, تتطاير عليه قطرات من أمواجه المرتطمة, يستحضر معها دموع الوالدة وملامحها الحزينة وهي تترجاه أن يعدل عن قرار الرحيل:
    - آه يا صديقي, آه يا أماه, أين تريداني أن أبقى, في ضفة سفكت دم البراءة أمطارا, في ضفة بلغت أوزار جرمها الوديان والأنهار, في ضفة أغلقت في وجهي كل أبوابها, كلما بكيت لها وتوسلت استغشت ثيابها واستدبرت واستكبرت استكبارا, راحل يا صديقي, راحل يا أماه......يا رب لا تذر من المجرمين على هذه الضفة ديارا.
    حل المساء, لملم زاده وأحلامه ومشاريعه على قاربه, استدرجه هدوء الليل الى رحلة العمر, بغضب وبعجل أدار المحرك ليشق ثلمه على أديم البحر, ثلم لا زرع فيه ولا ثمر, مضت به الساعات الى كبد الحيرة والوحدة, تلبدت السماء, احترقت وجنتاه من الخوف وخفق قلبه مع هزيم الرعد, وشد الرياح الممطرة, تعالت على جنبيه الأمواج, استحضر خاطره صورة الأم, ونطقت الأنفاس ببكائها ورجائها, أراد عناقها باكيا, لكن الموج حال بينهما فكانت الرحلة الى أعماق صديق العمر وقد علقت بأنامله الأحلام الوردية. طلعت على العالم شمس يوم جديد, أقلعت فيه السماء, وغيض الماء, وهدأت الرياح, أفلته البحر بأنامل حزينة, واستوت جثته من حيث أفلت سره.
    --------------------------------------------------------
    نص القصة على مدونتي دفاتر ثقافية
    التعديل الأخير تم بواسطة أوهيبة يحيى; الساعة 04-04-2013, 12:52.

  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    #2
    أخي الفاضل
    قرأت واستمتعت
    اللغة بليغة ومتينة
    التماهي بين موح وبين البحر كان جميلا
    الهروب إلى البحر هو هروب إلى الضّفة الأخرى ...إلى العالم المثالي...وهل الهروب حلّ؟
    دمت مبدعا أخي

    تعليق

    • أوهيبة يحيى
      أديب وكاتب
      • 30-07-2012
      • 122

      #3
      المبدعة نادية مرحبا بك وبمرورك, طبعا ومتى كان الهروب حلا؟ ولم يجن منه زارعوه غير الشوك والأحزان.

      تعليق

      يعمل...
      X