
- حانت لحظة الرحيل يا صديقي, سأمتطي ظهرك هذه المرة لأرحل عن هذه الضفة الى ضفة أخرى أتوسم أن يكون بها بشر مختلفون.
يعاود موح كما اعتاد كل يوم إتمام ما بدأه من أشغال إصلاح وتجهيز قاربه للرحلة, يعمل ويحدث نفسه بهيجان هذا البحر فجأة, وكأنه غاضب على ما أفلت من بوح, تتطاير عليه قطرات من أمواجه المرتطمة, يستحضر معها دموع الوالدة وملامحها الحزينة وهي تترجاه أن يعدل عن قرار الرحيل:
- آه يا صديقي, آه يا أماه, أين تريداني أن أبقى, في ضفة سفكت دم البراءة أمطارا, في ضفة بلغت أوزار جرمها الوديان والأنهار, في ضفة أغلقت في وجهي كل أبوابها, كلما بكيت لها وتوسلت استغشت ثيابها واستدبرت واستكبرت استكبارا, راحل يا صديقي, راحل يا أماه......يا رب لا تذر من المجرمين على هذه الضفة ديارا.
حل المساء, لملم زاده وأحلامه ومشاريعه على قاربه, استدرجه هدوء الليل الى رحلة العمر, بغضب وبعجل أدار المحرك ليشق ثلمه على أديم البحر, ثلم لا زرع فيه ولا ثمر, مضت به الساعات الى كبد الحيرة والوحدة, تلبدت السماء, احترقت وجنتاه من الخوف وخفق قلبه مع هزيم الرعد, وشد الرياح الممطرة, تعالت على جنبيه الأمواج, استحضر خاطره صورة الأم, ونطقت الأنفاس ببكائها ورجائها, أراد عناقها باكيا, لكن الموج حال بينهما فكانت الرحلة الى أعماق صديق العمر وقد علقت بأنامله الأحلام الوردية. طلعت على العالم شمس يوم جديد, أقلعت فيه السماء, وغيض الماء, وهدأت الرياح, أفلته البحر بأنامل حزينة, واستوت جثته من حيث أفلت سره.
--------------------------------------------------------
نص القصة على مدونتي دفاتر ثقافية
تعليق