أكان لابد أن تتركني أنام وحيدا
=======
انحنت ملامحه الغائرة في جسدي تمثالا من صخرة الجرانيت وأقف قبالته، متأملا لساعات طوال.
يا لقسوة ذكري فراقه! تتدفق إلى عقلي؛ فتنساب إلى قلبي وشراييني جمرة نار.
وويلي للمنام وكوابيسه التي تذبحني كل ليلة، وأنا أضطجع وحيدا منذ أن فارقني.
أياما طوال اشتاق إليه؛ فأبحث عنه في كل ركن من أركان المنزل، ولا أجده.. أتسمر طويلا في صالة الضيوف محدقا في صورته المعلقة علي الحائط.. ففي هذه الصالة أمسكت بأنامله الصغيرة، وخطونا أول خطوة له وأنا أقول له محفزا:
- تا تا ..تا تا.
مازالت آثار أنامله في كفي !!
جبت الطابقين صعودا ونزولا عدة مرات فلم أعرف له أثرا.
هرعت مسرعا إلى شجرة النبق، فدوما ما كان يجلس تحتها منتظرا سقوط الثمرات.. تراه هل يتذكر؟! لقد زرعناها سويا، ورويناها، وتابعتها تكبر يوما بعد يوم معه، ورأيته يكبر فيها.. مازالت واقفة أمام المنزل تسقط الثمر منتظرة من يأكله!
لا.. لابد أنه يجلس أسفل كرم العنب يرنو بعينيه الصغيرتين إلي شعاع الشمس المتسلل من بين أوراقها، فيقفز إلي أعلي محاولا معانقة الشمس التي يعشقها، فترتد أقدامه الصغيرة دون أن يمسك بها، فيشعر بالحزن، وينظر إلىّ ويطلب مني بإلحاح شديد أن أحضر له سلما عاليا ليصعد إليها، فأضحك وأداعبه قائلا :
- الشمس بعيدة جدا، ولا يمكن الصعود إليها.
يقول ببراءة: - أنا أحبها، ونفسي أصعد إليها.
أخذني اليأس وتعبت من البحث عنه. جلست حبيس مقعدي، وتذكرت ألبوم صوره، فقمت وأحضرته، وجلست ثانية أتأمل كل صورة منه وذكرياتها تهفو حنينا إلي صدري لحظة بلحظة..
فتلك الصورة له حين كان يمتطي ظهري، فحملته ودرت به في كل جزء من الحديقة، ولكزني في جنبي لأسرع من خطاي؛ فأسقطته من فوق ظهري ثم تمرغنا متعانقين علي الحشائش، توسخت ملابسه، فأنّ باكيا:
- وسخت ملابسي..
- سأشتري لك أخري بدلا منها..
فرح،ولف يديه الصغيرتين حول عنقي، ودفعني علي ظهري، وهو يصيح:
- سأهزمك.. مثل بطل المصارعة.
تعاركنا وتقلبنا وضحكاتنا ترج المكان.
يا لوحدتي بعده!!
تركتنا أمه ومضت وهو ابن سبعة أيام، فكان ونيسي ورفيقي وصديقي.. كم من مرة سألني عنها:
- أين أمي؟!
داعبت خصلات شعره، وأجبته ودمعات تترقرق من عيني ّ:
- عند ربنا!!
- نفسي أذهب إليها .
أخذته في حضني، وألم فراقها يقهرني :
- كلنا سنذهب إليها!
وتلك الصورة له وهو يرتدي بذلته أول مرة متأهبا للذهاب إلي المدرسة، فشعرت بسعادة اختلطت بلحن عذب ترتله طيور فرحة حولي أسمعها لكني لا أراها، ومازحته قائلا:
- كبر الولد.
شدّ قامته ، وقال بفخر شديد:
- نعم.. فأنا المهندس أحمد إسماعيل!
شعرت بفرحة كبيرة وأنا أري نفسي مرة أخري متجسدا فيه، فقلت لنفسي:
- من أنجب لم يمت!
وتلك الصورة التقطتها وهو يتقلب في فراشه، وقد أطلتنا أشعة الشمس من النافذة، فأوقظته قائلا:
- صديقتك صحت قبلك.
قفز من علي سريره،وفرك عينيه،وقال:
- لا ..أنا استيقظت الأول.
وتجادلنا طويلا حتى شعر بالحزن، فسألته بعد أخذته بين ذراعي:
- أليست الشمس صديقتك؟!
أجابني :
- بلي.
- إذن لا يهم من أستيقظ أولا..
أقتنع بكلامي وذهب ليغسل وجهه، ثم جلس معي ليتناول إفطاره الذي أعددته كعادتي منذ أن فارقتنا أمه، فلفظه من فمه، وقال متأففا:
- طعمه مر!!
وبعدها ألبسته بذلته، وحملته فوق كتفي، وركضت به كجواد يحمل فارسه النبيل، وفوقنا العصافير تزفنا بزقزقتها العذبة كلحن قيثارة، وهمس في أذني ليستعجلني:
- سنتأخر علي المدرسة.
كانت المدرسة لا تبعد كثيرا عن منزلنا، فأسرعت به، وقصصت عليه قصة الأرنب الذكي، فقال:
- أنا أذكي من الأرنب .
رفعت يديه إلي أعلي ،وقلت له:
- الذكي من يحصل علي أعلي الدرجات.
ضحك، فترنمت ضحكاته في أذني كأعذب موسيقي، وقال مفتخرا:
- حصلت علي الدرجات الكاملة في الحساب.
كررت وعدي له:
- سأشتري لك دراجة مكافئة تفوقك.
وأطلتنا أبواب مدرسته، وأصحابه ينتظرونه أمامها ببذلهم البنية وابتساماتهم الواسعة تزين وجوههم، وأشاروا إليه، فتعجل النزول من علي كتفيّ.
لم يكن أمامي سوي أن أرضخ له وأنزله، فهو شديد العناد، وأنطلق عابرا الشارع محلقا بجناحيه كحمامة لينضم إلي زملائه، وضحكاتهم تتعالي وتتعالي.
وفجأة لاح في الأفق شبح دهس الأرض بإطاراته.. كان كالأعمي الذي ضلّ طريقه، مبتور الإحساس، نفض غبار الأرض وراءه بسرعته الجنونية.. أطلق زئيرا مرعبا، وأنقض عليه بشراسة كذئب جائع، ولم يبق له سوي حقيبة كتبه وكراسته التي ارتفعت إلي أعلى.. أعلى، ثم ارتدت إلى الأرض بقوة، وهويت معها إلى قاع سحيق مظلم..
وصمت بعدها كل شيء إلا من شمسه الصديقة سمعت أنينها خلف غيوم سوداء كثيفة.
وحين عادت الحياة إلى عيني تضاءل كل شيء فيها حتى صار أصغر من أن أراه.
مازالت كتبه وكراسته حبيسة حقيبته تفوح منها أنفاسه العطرة!! أمسكها وأضمها إلي صدري، وهاتف لا يفارقني :
- لماذا تركتني يا حبيبي!!
========================================
إهداء إلي صديقي الذي انبت ابنه زهرة في قبر خاو..
تعليق