1- ذات ليلة باردةٍ حزينةٍ، والمدينة تعيش الضجر والانتظار، انتخابات في ظل التعدديّة الفوضوية، كان الصراعُ أهوجًا والتحالفات مُريبة، الكل ينشدُ الكعكة كاملة ويقصي غيره، تسلل بائعُ الوقود في هذا الوقت المتأخر من الليل، بلونهِ الصّخريِّ المنْحوتِ؛ مُشمرًا على ساقيْهِ النَّحيفتين، كاشفًا عن أسنانهِ المُلولبَة وأنفه المعقوف الغاطس في الانفعال، ينخَرط في زمرة بشريَّة مُتخفيَّة، يُلازمها ضجيج الصَّمت وتلازمهُ، تنتظر لمن تكون الغلبة لتُبَايعَه، يَهمسُ إلى القهواجِي يسأله:هل توصلتم إلى نتيجة؟يجيبه: ولماذا نحن هنا؟ الترتيبات جاريّة والنشوة تنتفض في الأوصال، والولادةُ عَسيرةً، مانخشاه أنّ الصراع يشهد تطورًا، هل تبقون مُتدثرين بأحلام العصافير؟ أصحابُ الشهادات يتبجّحُون، الصفقات تتمُّ في الخفاء؟ عمليّة الطحن جاريّة؛السماسرة كُثر..الصناديق تريدنا أن نتوسّدها، طلب إليهم أن يصْبغُوا وجُوههم بما قبُحَ من الصفات والأفعال، وأن يكونوا مُراوغِين مَهرةَ؛ قال النَّادِل مهلا:ولماذا نكلف أنفاسنَا عَناء التلوُّن؟ نحن كائناتٌ اجتماعيَّة مُتلوِّنة بالطبْع، ماكرةٌ مُتنكرةٌ، هزّرأسه: لا أشكُّ فِي ذلك..فلنتحالفَ ونقطعَ الطريق على الدكتور وزمرته، ما المانع أن نُسكت أنفاسهم قبل أن يتَعنْتروا؟ الأمر بأيْدينا فلنفعل، ردّعليه في همس: كيف؟ قال بائع الوقود:أنا الرَّئيس وأنت النائبُ، غضب النادل وانخفض صوتُه كأنَّه يرتشفُ الدُّموعَ: لماذا لا أكُونُ أنا الرئيس وأنت النائب، اختلط هرجهما ومرجهما وكثر صخبهما ودخلا في جدال عقيم، تجاذبات وعِراك، كادت الريَّاح أن تعصف بهم جميعا.
2- فجأة جاء المُقاول مُتجرجرًا، يبتلع أنفاسه المتدافعة، هو رجلٌ أشعثٌ أغبرٌ يتجاهل الوجوه الخانقة، يتساءلُ والعُيون فيه مُبحلقة، يطلق زفرة داخل مِعطفه الأسود: أعرف أنكما تتعاركان في أمرٍ لاتقدرون عليه، هو محسوم مُسبقًا، تطهرا من المبادئ، اخلعا عَباءة الوطنيّة، دعكما من مواقف الدكتور السخيفة وأفكاره الكرتُونيَّة، يشيح بوجهه، يضغط على شاربه السفلي، يمرّر نظراتٍ مُقوّسة يستغفلهم..كأنّه يتحدّث إليهم باسم كبِير العشِيرة، هدفه أن يأخذ َالكعكة بالخديعة والبُهتان، قال: أنا الرئيس وأنتما النوَّاب، ولكل عُضو من أصحابكما مَبلغا يفوقُ المائة مليون، تشابهت على الذِئاب العِظام، وانتشت الغربان بجيَّف الكلاب، سَال اللُّعاب، العرض مُغريُّ والفرصة لاتتكرّر، لم يرفض أحدٌ منهما المساومة الرخيصة، اكتفى الصامتون في الظل بتحْريك الرؤوس الفارغة؛ أعْلنوا تمرُدهم على الدكتور؛ ارتفعت الأصوات منادية برحيله.. وكانوا من قبل قد تحالفُوا معه، احتدم صرير الجراح، اعتصر الدكتور رجفة ، قذف الزَّبد من فمه، كأنَّه يترجَّل النَّحيب، رماهم بوابل من الكلمات النابيّة.. خونة..مرتزقة..مجرمين..منافقين.. خاطب بعضَ الكَائِنات الحَشَريَّة المندسَّة في بعضها: ماكنت أحسب أن الرجال يعبثون بالعُقول، ويطفئون نور الحقيقة بقبْح أفعالهم، متاجرة إي والله بثقة المواطنين، وبصوت مرتجف مستغرق في الانفعال، يستأنف خطابه الغاطس في الانفعال: خيبتي فيكم كبيرة يا أشباه الإبل! تلك التي غاب رُعاتها، لم يلتفت إليه أحد، بل زادهم الأمر تجاهلا واستنكافًا؛ فصوتُ العقل هنا مقموعٌ، والتفكير معطل، والجشع منصَّة لإطلاق صوت المفاسد والفتن، انصرف عنهم بوجه مكدود كالح، أخذ يُفرك يديْه ببعضها وهو مفزوع ، كان مضطربا يبحث عن منقذ ولم يهتد، يمور في داخله دُخان أسودَ، يهزّه انفجار يُشبه البُركان، يرفع صوته عاليا: ماعُدت أعرف من أنا!؟ سأرحل وحْدي.. يستفزن مشاعره بألفاظ ساقطة، يصفونه بالانتهازيِّ المشاغب.. يلتفت إليهم مُتودِدًا، يترجاهم واللعابُ يتدفقُ بين شدقيْه، كأنَّه يشتري الوهْم، يا أنَا.. لستُ مُشاغبًا، إنَّما أنا فقط مُعاتب، هاأنذا أعلنُ عن هزيمتي، ليس لدي أذرُعٌ أذبُّ بها غَزْوَ ذبابِ المُستنقعَات، خيرٌ لِي أن أتصالحَ مع الحشرات المهاجمة، حتى وإن كان في الأمر إزعاجٌ وإذلالٌ، لابأس أن نمْشي في الرَّذيلة باسم الفضيلة، نرضى بوأدِ الحقيقة، هذا زمان سادت فيه الردَاءَةُ، وتطاولَ الرِّعَاعُ.
3- وبصوت خفيضٍ، مطمور في رماد الذَّات يَسأل: أين نصيبي من الكعْكة،أيُّ كعكة ياهذا؟ تلك المعْجونة باسْم التحَالفِ؟ يُجيبه المُقاول بفجَاجَة وسطحيّة:أنت بعضٌ من ذلك الصَّخب، أنت الذِي أوقدْت قناديل الحكاية، مُنذ متى كنتَ صاحبَ حقٍ؟ أراك تتغنى بالإنسانية والوطنيّة؟ أنت تبحثُ عن رفاتِ لمصابيحَ انطفأت، اختفى نورها في مزابل السيَّاسة؟ واهمٌ أنت يادُكتور..واهمٌ، والوهْمُ الحَقيقيُّ أن يعتقد المرءُ أنَّه يعلم وهو يجهل أنه يجهل، تدخل بائع المزامير وقال ساخرًا: أنت تطالب بقبَسٍ من نور أتلفته الأيّام، وذهب إلى النسْيان، خيرٌ لك يارجل أن تصمُتَ، السيَّاسة لعبة قذِرة، خليط ٌمن التناقضات والفوضى العارمة.. مُندفع أنت كالإخوان، مشتت الذهن كالثوّار، تتغنى بالرَّبيع المُعَوْلَمِ، وقد دُسَّت فيه كلُّ الأشواك، أنت تعيش الماضي، تتزحلق على الصخور تخالها جليداً، تُجار الليل أخذوا الغنائم، ابتلعُوا الكعكة المخلوطة بعُهود ابتدعُوها،تنهد بائع المزامير وقال: أحلامك يادكتور كدُودِ الثِّمار تُبتلعُ بعفويّة، يُلجِمُه الجواب، يتخاذل لسانه، يضطرب جسده، وكاد أن يسقط، أخذ يُحدِّج فيهم باستغراب: يسأل: ماذا تقولون؟قال المقاول: قُضي أمرٌ بليلٍ، فلتسعك عِيَّادتك..ارحْل يادكتور..! يمتقع لونُه، ينسلَّ لهَاثُه وببطءٍ.. انسابت دمعة على خديْه الوردِيتين، فمدَّ أصابعه يُجففها، ويبتلعَ شهْقة الضَّجر؛ قال:بصوت محمُول بالدَّهشة والانفعال: أرْحَل إلى أين ؟ ماعُدت أعرفُ شيئًا..ا إنَّه زمان الرذيلة بحق..حتى رُفات المصابيحَ اختفت، لم يعدْ لها معنى.."مَنْ أَهْمَلَ الزّرْعَ أَفْنَاهُ الْقَطِيعُ"قال بائع الوقود: لا تتعَجّب يادكتور ولا تستعْجل الرّحِيل! سار القطار في غفلة منك، وعليك أن تتعلم الصبرَ والانتظار، أنْ تعْرفَ أسماءَ الحَشرات المُفيدة والضارة خيرٌ لك، لتتفادى لساعتها المزعجة، {من عرف الأسماء عرف الأشيَاء}.فجأة تناوشتهم ريَّاح التغير، فكدَّرت صفو زُلالهم؛ وتلاشت غلالة أحلامهم، عضهم الدَّهر بمليونيّة القرن الواحدِ والعشرين، وبوجوهٍ حفر فيها الزمن حفر الحرمان والبؤس، أخذت تطوف الشوارع، تخرِّب العمران، تطالب المُقاول وحِلفه بالرَّحِيل..فلا تسمع إلا صخبا في الشوارع تطالبهم بالرحيل.. ارحَلْ ياهذا..ارحل يامقاول.. ارحل يابائع الوقود..ارحل يابائع المزامير..ارحل ياقهواجي.!ارحلوا جميعا..المصابيح لاتختفي..أنوارها متوهِّجة.. باقيَّة أبدَ الدَّهْر..ارحلوا جميعًا.. الشَّعب يريد.....!!
تعليق