جريمة قــتــل معلنة ...!!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلقاسم إدير
    أديب وكاتب
    • 29-04-2008
    • 127

    جريمة قــتــل معلنة ...!!


    في صغري وحتّى عندما اشتدّ عودي، كانت أمّي تلومني دائما برهافة حسّي وليونة عظمي : تقول أحياناً : إنّ عزيمتك أوهن من خيط عنكبوت .. وكنت أردّ عليها عندما يكلّ صبري : من يشبه أمّه فما ظلم .. وكانت تردّ علي في حزم : كلاّ لا تشبهني أبدا .. إسأل أباك كم مرّة أغلقت عليه الباب ، وبات اللّيل كلّه هائما على وجهه حتّى الصباح ..وفي ليلة ماطرة عندما أساء معاملتي بكلمة ولم يلق لها بالا ، أغلقت باب المنزل دونه ، وظلّ طوال اللّيل يرتجف من البرد والمطر وينتحب كطفلٍ صغير، وأنا أطلّ عليه من النّافذة ضاحكة مستبشرة ، حتّى بزوغ الفجر. ولولا خوفي عليك من موته ما فتحت له الباب أبدا ... !
    كان أحمقا سكيرا عربيدا ، يقطع الشّارع الكبير جيئة وذهابا ،يشتم ، يسبّ ويلعن الجميع ، ولا أحد يستطيع أن يوقفه عند حدّه . طاردته سلطات الأمن وشرطة المدينة فسُجن ، وأطلق سراحه ، ثمّ سجن وأطلق سراحه مرارا وتكرارا ثمّ في الأخير أودعوه مستشفى المجانين . لم يدم ذلك طويلا ... هرب من المستشفى . ولمّا كلّ ساعد الجميع ، تركوه يتربّص بالمارّة ، النّساء والفتيات والعجزة الّذين لا حول لهم ولا قوّة . وكان ذكيا حين يختار ضحاياه من الجبناء والضّعفاء أمثالي ..ينتزع من الفتيات والنّساء زينتهنّ من الذّهب والفضّة ومن الرّجال النّقود بالقوّة.. وتلقت سلطات الأمن شكايات تلو شكايات.. وكانت الإجابة واضحةً وصريحة : الدّين رفع عنه القلم ، والقانون بدوره يرفع السّوط عنه ..وكنت ذكيّا إلى درجة أنّني أنتهز الفرصة حين ألتقي به في مكان ما ، أفتعل إنبساطا متكلّفا ، أخرج له من جيبي دراهم ، ربّما كانت هي كلّ ما أملك ، قبل أن يأمرني بذلك ، ثمّ اربت على كتفه في حنان مبالغ فيه ، وأمضي.. ربّما سمعت منه أدعية مطلوقة على عواهنها ، وربّما كنت أسمع أحيانا سبّا ولعنا أحسبه شماتة .. ؟
    وتوالت الأيّام ... وكانت هذه العلاقة الشّاذّة تتطوّر من سوء لأسوء ، حتّى أحسست أنّه كان يترصّدني . وكنت أجد حرجا بالغا حين أرافق زوجتي وأبنائي خارج البيت . وأجدني أشدّ حرجا حين أكون بين إخواني الأساتذة في المقهى أوأمام مبنى الثّانويّة . كان هذا الأحمق يطاردني .. كنت في بعض الأحيان أطارد وساوس تقضّ مضجعي ، وتجعلني أسير مخاوف لا أجد لها مخرجا . حتّى أصبح هذا الأحمق يسيطر على هواجسي ليل نهار ..لم يدم ذلك عاماً كاملا .. وعزمت أن أدفن الماضي بقوّة وإصرار ، وكنت أشك في أنّني أستطيع ذلك ..وكيف..؟
    كنت في المقهى أناقش مع بعض أصدقائي الأساتذة ، مشروع إنشاء جمعيّة تهتم بالفنّ القصصي في إطار بلورة البعد الثّقافي لمجلة شهرية تصدرها نخبة من الأساتذة ، كلّفوني رئيسا عليها .. لم يدم ذلك أكثر من وضع اللّمسات الأولى ،حتّى دخل عبد السّلام .. وقف بباب المقهى يحملق حتّى رمقني بسرعة ، وكنت تحاشيت أن أنتبه إليه ، وقف أمام طاولتي ، حاول النّاذل أن يحول بيني وبينه ، لكن دون جدوى . لم يطلب منّي مالا . لكنّه وفي ومضة خاطفة رفع كوب القهوة السّاخن وصبّه دفعة واحدة فوق رأسي وأضاف إليه كوب ماء بارد يوجد على الطّاولة .. وفي نشوة هيستيرية أطلق ضحكة عالية ، ثم غادر المقهى ... وقف الزبناء مشدوهين ، شاخصة أبصارهم ، لا يألون على شيء ... لم أفعل شيئا ، لم أصرخ ، بينما بطاقات العزاء تنهمر عليّ وتشجّعني على الصّبر واَخرون رفعوا حناجرهم : اللّهم إنّ هذا منكر ..لم أسأل أحدا عن مكانه ، لأنّه موجود في كلّ مكان ! ، ولم أبحث عنه لأنّه يطاردني كظلّي ..! قصدت مرتع قمامة خارج المدينة وكان الوقت على مشارف الثّالثة صباحا .. زوجتي اندهشت عندما أجبتها على سؤل : إلى أين خارج في مثل هذا الوقت .. قلت لها : سأبحث عن سجائر والنوم لا يطاوعني .. وجدت عبد السّلام هنا يبحث ربّما عن أعقاب سجائر ، طلبت منه واحدة .. أعطاني إيّاها إشعلتها في لهفة ، تقرّب منّي ضاحكا وأسرّ إليّ : أنت إذن ستكون من أعزّ أصدقائي ، هذا هو عالمي ووطني ! من يشاركني فيه أعتبره صديقا ، ومادون ذلك فهو عدوّي . كا ن عقب السّيجارة يحترق بين أصابعي عندما تلقّفت قنينة زجاجيّة فارغة ، وفي لمح البصر ، هويت على رأس عبد السّلا م بضربة كأنّها إعصار مزلزل سقط أرضا ترنّح قليلا كعصفور مدبوح ثمّ تلاشى ...!!!
    كانت تباشير الفجر تلوح في الأفق عندما دخلت المنزل ، سقطت منهكا على الفراش ، وتلاشيت ...ثلاث ساعات من النّوم ، استيقظت ، وتناولت فطوري في عجالة ، واستقلت الباص ، لكن ليس إلى الثّانوية ، ولكن إلى مقر الشّرطة . قدمت نفسي : أنا قاتل عبد السّلام الأحمق ، أرجوكم أقيموا عليّ الحدّ وطبّقوا القانون ، مفتّش الشّرطة والاَخرون ، وقفوا كأنّ على رؤوسهم الطّير ، لم ينبس المفتّش بكلمة دفع تقريره للمحكمة الّتي بتّت في القضيّة ، ثمّ أصدرت حكمها بالسّجن المؤقّت إلى حين إنتهاء إجراءات الطّبيب الشّرعي ..؟بعد يومين من السّجن ، سقطت زوجتي مغشيا عليها حيث ذكّرتني أمّي بأنّها تعالج الاَن في المستشفى : وأبناؤك يا بنيّ في عهدتي حيّا أو ميّتا : واسرّت لي في أذني أنت إبني حقّا ..؟بعد مضيّ أسبوع كامل في زنزانة منفردة ، أخرجني حرّاس السّجن مكبّلا بالأصفاد ، سحبوني وأنا أتلوا الشّهادتين ، قال لي شرطيّ : ليس الاَن .. حتّى يصدر عليك الحكم أوّلا ، فاحتفظ برباطة جأشك حتّى تتلوها صحيحة وحبل المشنقة حول عنقك ! كتمت الشّهادة إلى حين موعدها الحقيقي ، دخلت المحكمة الغاصّة بالحاضرين .أمّي وزوجتي وأبنائي الأربعة في الصّف الأمامي .. زوجتي غارقة في البكاء ,بينما أمّي هادئة حتّى أنّها تبتسم أحيانا ..وراء القضبان لم أنكر التّهمة الموجّهة ضدّى من طرف طالب الحقّ العام ،أسئلة كثيرة إنهالت عليّ من طرف المدّعي أجبت بما يؤدّي بي فورا إلى حبل المشنقة ...سأل القاضي المدّعي العام إن كان يريد إضافة سؤال اَخر، أجاب بالنفي ، ورفعت الجلسة للمداولة .. أمّي تحييني من جهة وزوجتي تستغيث أن يخفّف الحكم عليّ إلى أدنى عقوبة ، وهي السّجن المؤبّد...بعد نصف ساعة من التّرقّب والإنتظار خرج القاضي وهيئة المحكمة ، وتلا القاضي تقرير الطّب الشرعي ..وأضاف : لا يمكن للمحكمة أن تصدر حكما بناء على دعوى ليس لها إسناد شهود .. الجريمة وقعت ليلا ، ولا شاهد واحد يتبّث ياأحمد أنّك المتّهم ، وتقرير الطّب الشّرعي يؤكّد أنّ الهالك مات ميتة طبيعيّة ، ولم يُقتل ! لفرط شربه الكحول وهو معروف بذلك . تحريات الشّرطة تؤكّد وجودك في المنزل أثناء وفاة الهالك ! ونحن قاضي المحكمة نأخذ بعين الإعتبار إتّهامك لنفسك على أنّه تأكيد لمبدإ جعلته عنوانا لقصصك الكثيرة : ..... أطلب إطلاق سراح الكاتب أحمد فورا وتبرئته من كلّ ما نسب إليه ؟
    في الخارج ، لدى باب المحكمة ، أسرّ إليّ القاضي : يا أحمد لا تلعب بالنّار الواقع واقع والخيال خيال ...؟؟ جمعية الفن القصصي رفضت نشر هذه القصّة في المجلّة الشّهرية للثّانويّة معلّلة ذلك بتحريضها على القتل واستهانة بالقانون .. وحتّى لا أسقط في فخّ الضّعف والهوان مرّة أخرى ، ولغاية في نفس أمّي ، دفعت إستقالتي لنائبي في الجمعية وغادرت الثّانوية..لم ألتقي عبد السّلام أبدا على طول الشّارع إلى المنزل ....لدى الباب كانت أمي تنتظرني : إنّك إبني حقّا ...!!

    بلقاسم إدير أزيلال 2008
    [frame="7 80"] حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !![/frame]
    http://addab-cawn.blogspot.com
    http://idiri.maktoobblog.com/
  • محمود عادل بادنجكي.
    أديب وكاتب
    • 22-02-2008
    • 1021

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة بلقاسم إدير مشاهدة المشاركة

    إسأل أباك كم مرّة أغلقت عليه الباب ، وبات اللّيل كلّه هائما على وجهه حتّى الصباح ..وفي ليلة ماطرة عندما أساء معاملتي بكلمة ولم يلق لها بالا ، أغلقت باب المنزل دونه ، وظلّ طوال اللّيل يرتجف من البرد والمطر وينتحب كطفلٍ صغير، وأنا أطلّ عليه من النّافذة ضاحكة مستبشرة ، حتّى بزوغ الفجر. ولولا خوفي عليك من موته ما فتحت له الباب أبدا ... !

    كان أحمقا سكيرا عربيدا ، يقطع الشّارع الكبير جيئة وذهابا ،يشتم ، يسبّ ويلعن الجميع ، ولا أحد يستطيع أن يوقفه عند حدّه . طاردته سلطات الأمن وشرطة المدينة فسُجن ، وأطلق سراحه ، ثمّ سجن وأطلق سراحه مرارا وتكرارا ثمّ في الأخير أودعوه مستشفى المجانين .

    بلقاسم إدير أزيلال 2008
    أخي بلقاسم
    خلطك في البداية.. جعلني أصل إلى النهاية، التي كنت أتوقّّع شبيهاً لها.. وأرتاح أخيراً!
    لعبة ذكيّة، بشدّها، ومفارقتها البديعة.
    لولا (أحمقاً) تلك الممنوعة من الصرف، على رأي أخينا محمّد الزرّوق!!
    تحيّاتي الطيّبات
    ستبقـى حروفنــــا.. ونذهـــــبُ
    مدوّنتي
    http://mahmoudadelbadinjki.ektob.com/
    تفضـّلوا بزيارة صفحتي على فيسس بوك
    www.facebook.com/badenjki1
    sigpic
    إهداء من الفنّان العالميّ "سامي برهان"

    تعليق

    • بلقاسم إدير
      أديب وكاتب
      • 29-04-2008
      • 127

      #3
      الأخ الكبير محمود عادل بادنجكي

      جاء ردك المحترم واليتيم على هذه القصة متزامنا مع انقطاعي عن الإتصال بالنت بشكل نهائي ولمدة لا تقل عن العام وزهاء نصف العام وذلك لظروف حالت دون استمراري في التواصل مع أحبتي في هذا الملتقى الأغر ... ولكن والحمد لله عادت الأمور إلى مجاريها وقد شاركت خلال الفترة التي انقطعت فيها عن الكتابة ببعض النصوص الشعرية منها والقصصية وتلقيت ردودا والآن أحاول قدر الإمكان تدارك مايمكن تداركه حتى لا يظن أحبتي ظنونا ...
      أشكرك سيدي الفاضل وأعتذرلك
      وإلى لقاء آخر
      [frame="7 80"] حتّى لا أكون عدوّاً لأحد ٍ، قرّرت ُألاّ أتّخذ أحداً صديقاً !![/frame]
      http://addab-cawn.blogspot.com
      http://idiri.maktoobblog.com/

      تعليق

      يعمل...
      X