لم تُنسيها شوارع لندن الفسيحة الأخاذة ضيق مساحة ذكريات طفولتها البئيسة التي أتْرحتها سنوات طوال.. أضنتها أسئلةٌ موجعة ما برحت تطرحها على أمها التي يجْأش قلبها على وقع كل علامة استفهام تصنعها فلذة كبدها الوحيدة، فلم تعثر أبدا على إجابات مقنعة عنها، هي أسئلة معقدة تشلّ تفكيرها أكثر من إشكاليات البحث الجامعي الذي صنعت له عنوانا كالآتي: سوسيولوجيا الأسرة النووية.
هي بنت في ربيعها الواحد والعشرين مُنيفةٌ حسناء ذات قد ممشوق وفيْنانة، عزمت يوما على الهرب من قبضة ذكريات صارت أشلاء ممزقة على دروب أنفاسها الفتية المهترئة، مَلْملها مرض أشبه بالغثيان المستمر، كلما فتحت ألبوم الصور التي سئمت ألوانها المختلفة والمزركشة وشخصياتها الأنثوية الصرفة، باحثة دوما بين أغلفة وجيوب الألبوم عن أي صورة أخرى ملونة، لكن، بالأبيض والأسود. كما تفعل صديقتها أميمة ابنة الجارة، حين تتأبط ألبوم عائلتها الضخم وتتباهى بسرد حكاية كل صورة، بدأ بصورتها المؤرخة لحفل العقيقة الجميل...
جأفها صمتُ والدتها التي يتمغّصها ألمُ السؤال المستمر، وفي كل مرة تحضنها إلى صدرها الرؤوم، حتى صارت بنية جسد البنت، لا تسمح بذات العناق، وأمست مشاعرها أكثر تأثرا من ذي قبل.. كانت تزلّ إليها نعمة حين تمسح عبراتها بطرف وشاحها الأحمر، كانت تحصد شوك أحاسيسها البريئة السّامقة بمنجل الكلمة الطيبة: "بنيتي الحلوة"، كان المشوار من المنزل العتيق إلى حانوت "العم إبراهيم" كافيا لمحو ضجرها، وكانت حلاوة الشكلاطة بدرهم واحد كافية لإذابة جليد غضبها المر...
لكن شمس اليوم ارتفعت فزاغت الظلال التي مسحتها الوالدة مسحا، هي الشمس التي حجبتها حين كانت شابة يافعة قادرة على تحمل المسؤولية، اليوم تدلت أغصان شجرةٍ لطالما سقتها بدموع الأمومة الصادقة.
إلى لندن سافرت، وأسرارٌ كثيرة مختبئة في جيوب حقيبتها، هرّبتها ولم تصطدها الأشعة فوق البنفسجية ل "ساكنير". لم تودع صديقتها الوحيدة أميمة ولا أولاد الزقاق الطويل الممتد إلى حافات الطرقات المعبدة ولا العم إبراهيم ولا ولا.. لم تودع حتى والدتها إلا بقبلةٍ أبتْ إلا أن تترك حرارة شفتيها على جبينها المتجعد.
طال المقام بعاصمة الضباب، وفي كل مرة تعودُ من الجامعة تمر بمتجر لألعاب الأطفال، كان يستهويها ترتيب الدببة المكسوة فروات ناعمة وتسحرها ألوان اللُّعب المتلألئة، وتقف لدقائق كثيرة وهي تطيل النظر بعيون تعصرها شدة الإعجاب والانجذاب والسفر إلى الماضي ودقات ناقوس الأسئلة وصيحات الصبية وو ... تقف متسمرة تركز دوما على الركن الأيسر من المعرض، حيث لعبة الحصان الخشبي متواجدة باستمرار، نسجت معها الطالبة الجامعية خيوط علاقة مودة من نوع خاص، حتى أضحت كالمسكنات التي يوصي بها الأطباء النفسانيون، ووقفتها أمام هذه اللعبة أشبه بجلسات طبية. تقتربُ بخفة من زجاج المتجر الأمامي وتتشهق إليها كطفلةٍ عيد ميلادها ليلة الغد، تلمحها بإعجاب وحنين كبيرين حتى يغطي ثاني أكسيد الكربون المنبعث من حنجرتها المجروحة لوحة الزجاج، ثم تعود لتسمح البخار بكلتا يديها...
قررتْ أخيرا، أن تسأل البائع الأصلع الواقف بجانب "الكنطوار"* عن ثمن اللعبة، تقدمت صوبه وأحاسيسها الدفينة ترقص على نغمات موسيقى مضطربة بلا إيقاع، وقلبها استسلم فجأة لخيوط النوستالجيا تربط عضلاته المتعبة من شدة الخفقان. نظر إليها بائع اللعب وأطال النظر من تحت نظارتيه الكلاسيكيتين ودخان الغليون يحجب الرؤية...
Sir, please could you help me-
- مرحبا، يمكنكِ التحدث بالعربية..
- كيف عرفت؟
- رائحتكِ، مشيتكِ، نظراتكِ، نبرات صوتكِ ....
- كل هذا يبدو لك واضحا؟
- دعيني أقول؛ أحسست به!
- حسنا، كم ثمن تلك اللعبة الخشبية؟
- ههه، لا تقدر بثمن.
- غريب، لماذا؟ لكل لعبة ثمن.
- إلا هذه يا شابة .
- لماذا أطلقت اسم "سوزانا" على المتجر وأنت عربي؟ أعتذر عن هذا الفضول..
- ببساطة "سوزان" زوجتي الثانية التي انتشلتني من الضياع، ألا تستحق ذلك؟
- أوووه، بالتأكيد.
خرجت ودموع البنت انهمرت كشلال متعجرف، تكاد تبيح صيحةً كالأطفال المشاكسين، حتى اللعبة التي أُعجبت بها حد الجنون صارت في خبر كان.
مساء، كان عليها أن تتصل بوالدتها طريحة الفراش، ليس للتخفيف عن آلامها التي سببها لها السرطان، لكن للتأكد من معلومات كانت تسمع شذرات منها في كل ليلة تستعد فيها للنوم وحيدة في الغرفة المجاورة للمطبخ.
- ألو
- ألو بنيتي
- ما هي اللعبة التي كنتُ أفضل اللعب بها عندما كان عمري ثلاث سنوات؟
- حصان خشبي، أهداها لك والدك قبل أن يختفي..
- وأين اللعبة الآن؟
- أبعد سنوات تسألينني عنها؟
- أريد إجابة يا ماما.
- أخذها معه..
- هل كانت سبحة معلقة بعنق الحصان الخشبي؟
- نعم، كيف عرفت؟؟؟ هي هدية من جدتك حين زارت الديار المقدسة .... ألو ألو، أسماء، أسماء...
انقطع الخط
بقلم القاص المغربي: جمال الحنصالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
*مكان مخصص لعرض السلع أو واجهة المحل التجاري Comptoir بالفرنسية
هي بنت في ربيعها الواحد والعشرين مُنيفةٌ حسناء ذات قد ممشوق وفيْنانة، عزمت يوما على الهرب من قبضة ذكريات صارت أشلاء ممزقة على دروب أنفاسها الفتية المهترئة، مَلْملها مرض أشبه بالغثيان المستمر، كلما فتحت ألبوم الصور التي سئمت ألوانها المختلفة والمزركشة وشخصياتها الأنثوية الصرفة، باحثة دوما بين أغلفة وجيوب الألبوم عن أي صورة أخرى ملونة، لكن، بالأبيض والأسود. كما تفعل صديقتها أميمة ابنة الجارة، حين تتأبط ألبوم عائلتها الضخم وتتباهى بسرد حكاية كل صورة، بدأ بصورتها المؤرخة لحفل العقيقة الجميل...
جأفها صمتُ والدتها التي يتمغّصها ألمُ السؤال المستمر، وفي كل مرة تحضنها إلى صدرها الرؤوم، حتى صارت بنية جسد البنت، لا تسمح بذات العناق، وأمست مشاعرها أكثر تأثرا من ذي قبل.. كانت تزلّ إليها نعمة حين تمسح عبراتها بطرف وشاحها الأحمر، كانت تحصد شوك أحاسيسها البريئة السّامقة بمنجل الكلمة الطيبة: "بنيتي الحلوة"، كان المشوار من المنزل العتيق إلى حانوت "العم إبراهيم" كافيا لمحو ضجرها، وكانت حلاوة الشكلاطة بدرهم واحد كافية لإذابة جليد غضبها المر...
لكن شمس اليوم ارتفعت فزاغت الظلال التي مسحتها الوالدة مسحا، هي الشمس التي حجبتها حين كانت شابة يافعة قادرة على تحمل المسؤولية، اليوم تدلت أغصان شجرةٍ لطالما سقتها بدموع الأمومة الصادقة.
إلى لندن سافرت، وأسرارٌ كثيرة مختبئة في جيوب حقيبتها، هرّبتها ولم تصطدها الأشعة فوق البنفسجية ل "ساكنير". لم تودع صديقتها الوحيدة أميمة ولا أولاد الزقاق الطويل الممتد إلى حافات الطرقات المعبدة ولا العم إبراهيم ولا ولا.. لم تودع حتى والدتها إلا بقبلةٍ أبتْ إلا أن تترك حرارة شفتيها على جبينها المتجعد.
طال المقام بعاصمة الضباب، وفي كل مرة تعودُ من الجامعة تمر بمتجر لألعاب الأطفال، كان يستهويها ترتيب الدببة المكسوة فروات ناعمة وتسحرها ألوان اللُّعب المتلألئة، وتقف لدقائق كثيرة وهي تطيل النظر بعيون تعصرها شدة الإعجاب والانجذاب والسفر إلى الماضي ودقات ناقوس الأسئلة وصيحات الصبية وو ... تقف متسمرة تركز دوما على الركن الأيسر من المعرض، حيث لعبة الحصان الخشبي متواجدة باستمرار، نسجت معها الطالبة الجامعية خيوط علاقة مودة من نوع خاص، حتى أضحت كالمسكنات التي يوصي بها الأطباء النفسانيون، ووقفتها أمام هذه اللعبة أشبه بجلسات طبية. تقتربُ بخفة من زجاج المتجر الأمامي وتتشهق إليها كطفلةٍ عيد ميلادها ليلة الغد، تلمحها بإعجاب وحنين كبيرين حتى يغطي ثاني أكسيد الكربون المنبعث من حنجرتها المجروحة لوحة الزجاج، ثم تعود لتسمح البخار بكلتا يديها...
قررتْ أخيرا، أن تسأل البائع الأصلع الواقف بجانب "الكنطوار"* عن ثمن اللعبة، تقدمت صوبه وأحاسيسها الدفينة ترقص على نغمات موسيقى مضطربة بلا إيقاع، وقلبها استسلم فجأة لخيوط النوستالجيا تربط عضلاته المتعبة من شدة الخفقان. نظر إليها بائع اللعب وأطال النظر من تحت نظارتيه الكلاسيكيتين ودخان الغليون يحجب الرؤية...
Sir, please could you help me-
- مرحبا، يمكنكِ التحدث بالعربية..
- كيف عرفت؟
- رائحتكِ، مشيتكِ، نظراتكِ، نبرات صوتكِ ....
- كل هذا يبدو لك واضحا؟
- دعيني أقول؛ أحسست به!
- حسنا، كم ثمن تلك اللعبة الخشبية؟
- ههه، لا تقدر بثمن.
- غريب، لماذا؟ لكل لعبة ثمن.
- إلا هذه يا شابة .
- لماذا أطلقت اسم "سوزانا" على المتجر وأنت عربي؟ أعتذر عن هذا الفضول..
- ببساطة "سوزان" زوجتي الثانية التي انتشلتني من الضياع، ألا تستحق ذلك؟
- أوووه، بالتأكيد.
خرجت ودموع البنت انهمرت كشلال متعجرف، تكاد تبيح صيحةً كالأطفال المشاكسين، حتى اللعبة التي أُعجبت بها حد الجنون صارت في خبر كان.
مساء، كان عليها أن تتصل بوالدتها طريحة الفراش، ليس للتخفيف عن آلامها التي سببها لها السرطان، لكن للتأكد من معلومات كانت تسمع شذرات منها في كل ليلة تستعد فيها للنوم وحيدة في الغرفة المجاورة للمطبخ.
- ألو
- ألو بنيتي
- ما هي اللعبة التي كنتُ أفضل اللعب بها عندما كان عمري ثلاث سنوات؟
- حصان خشبي، أهداها لك والدك قبل أن يختفي..
- وأين اللعبة الآن؟
- أبعد سنوات تسألينني عنها؟
- أريد إجابة يا ماما.
- أخذها معه..
- هل كانت سبحة معلقة بعنق الحصان الخشبي؟
- نعم، كيف عرفت؟؟؟ هي هدية من جدتك حين زارت الديار المقدسة .... ألو ألو، أسماء، أسماء...
انقطع الخط
بقلم القاص المغربي: جمال الحنصالي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
*مكان مخصص لعرض السلع أو واجهة المحل التجاري Comptoir بالفرنسية
تعليق