في ميزانه زللٌ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جمال الحنصالي
    أديب وكاتب
    • 23-04-2013
    • 41

    في ميزانه زللٌ

    استخرط في البكاء وهو يعترف أخيرا للضابط بجريمته الشّنعاء، بعد أن رماهُ بسُكاته وصمته المستفزين أربع ساعات وما ينيف، يُجيب خلالها على الأسئلة التي تأتي مفرداتها من عوالم القهر والسخط متطايرة كأحجار الثوار في إدلب وحماة، كان فعلا يجيب، لكن بإماءة الرأس المغروسة بين كتفيه المبللة عرقا، أو بتكميش العينين الوارمتين، أو برفع الحاجبين المقوسين تارة ومصمصة الشفتين اليابستين المقببتين طورا.
    يعلم أن الضابط "حسن" لم يكن يُهرّج في الكلام أبدا، واتهامه زائل من كل شُبهة وبُهتان، مبني على اليقين والبرهان، حين فتح كيسا بلاستيكيا يتوسطه رمز الشرطة العلمية، واستلّ منه خاتما كان ذهبه مزيفا منقوش عليه اسم "إلياس" و "منى".
    استلقى الضابط على قفاه متّكئا على كرسي اهترأ جلدهُ وأطلق صرخة نجدة جامدة جراء وزن الضابط المفرط، ورفع رجلين واضعا الساق على الساق منشورة على صفحة منضدة هتكة مليئة ثقوبا وكدمات وكسرات.. أنجبتها نوبات عصبية على وقع ولادات قيصرية لاعترافات بئيسة.
    جحّم الضابط بعينيه التي تتلون بألوان ساخنة صوب "إلياس" الذي طلب الذهاب إلى دورة المياه للمرة السابعة، ووضع أمامه ورقة هشّة ممزقة من إحدى الجرائد التي تتصيد الحوادث الخارجة عن نطاق الحياة الطبيعية، كان مقالا مدويا عن جريمة قتل بشعة قد تكون الجريمة الكاملة التي حلُم بها صُنّاع السينما ورواد "الأكشن"...
    " ... قطع الجثة بوحشية غير آدمية وجزّأ تفاصيل جسدها إلى جزيئات صغيرة، كقطع لحم العيد التي يوزعها الأغنياء على من يُدعون جدلا فقراء ومساكين يوم الجمعة، ورمى بكل قطعة نتنة في ركن من أركان المدينة التي كانت دوما هادئة، واهتز كيان الرأي العام اهتزازا ... أمّا المجرم فمازال خارج التغطية! "
    ما أن وصل "الشاف حسن" قراءةً إلى هذا السطر حتى جنّ جنونه، وبضربة قوية بكفّه المكتنزة لحما على الطاولة ذات الأبعاد المبعثرة، أنهى يوم عمله، وأغلق الملف الساخن، وأسقط كوب شاي بارد برودة أعصاب "إلياس".
    جرجروه أصحاب البذل الزرقاء الداكنة كخنزير أصابته رصاصة صياد محترف لا يعرف قلبه الرحمة. رجلاه كُتل لحم خالية من البنان، هكذا تبدو وهي تلحس غبار رواق المخفر وأزباله وأوساخه في اتجاه المجهول..
    انضمّ جفن عينه اليمنى بصديقه في عناق حار كعناقات الوداع الأخير، أما العين اليسرى فبابها مقفل بالشمع الأزرق القاتم، جراء اللكمات وكثير من الصفعات الممزوجة بالبصق المثير للتقزز... جروحات وأيّ كدمات لن تزيلها الأدوية الكيميائية بل ستتكلف بها ممرضات الدّود الشريرة عاشقة أكل اللحوم البشرية التي تنتهي صلاحيتها في الدنيا.
    جثم ظلام ليلٍ معسعسٍ أمام "إلياس" مجبرا النور عن العودة مجددا دون ملامسة بؤبؤ العين ومغازلة العصيات، ظلام قد يدوم طويلا، بل فعلا سيدوم ويدوم!
    يفكر .... في لحظة نطق الحكم الأخير؟
    لا
    يعاتب نفسه؟
    نعم
    كيف لم ينزع الخاتم من أصبعها الجميل حين صفعته ذات مساء.
  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    يااااا أخي جمال هل أنت واعي بجمال وذكاء ما تكتب من قص قصير ممتع؟..ياالله..إنها القصة القصيرة في أبهى حلّة. من تكون يااخي المبدع المثقف؟ حيّرني أمرك وإبداعك. ذكّرتني قصصك الرائعة بالمبدع والقاص المقتدر، الراحل محمود البدوي، القاص وليس الفيلسوف الوجودي
    إبداعك الجميل دفعني إلى إعادة النظر في البعض من محاولاتي الخجولة
    محبتي الخالصة، أخي المبدع المثقف المحنّك جمال الحنصالي..أقسم بالنون والقلم أنه سيكون لك شأن في مجال القص القصير الممتع

    تعليق

    • جمال الحنصالي
      أديب وكاتب
      • 23-04-2013
      • 41

      #3
      هذا كلام راق وكبير أستاذي الفاضل حسن لختام، أمثالكم سيدي من يمنحني هذه الثقة، وإن كنت مازلت في بداية المشوار، وكما أسلفت الذكر، أكتب القصص القصيرة فقط حين أتعب من البحث التربوي والبيداغوجي وهو مكمن اهتماماتي في الحقيقة.
      أشكرا جزيل الشكر أخي الكريم على هذه الشهادة التي سيظل رنينها الالكتروني مدويا في عمق إحساساتي يتجول بحرية بين أزهار مشاعري وأفكاري..

      تعليق

      يعمل...
      X