صور عابرة (ابراهيم ابويه) أقصوصة.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم ابويه
    قاص وباحث لغوي
    مستشار أدبي
    • 14-11-2008
    • 200

    صور عابرة (ابراهيم ابويه) أقصوصة.

    كان أبي يختار غرفة نومه مقابٍلةً للباب الرئيس لِلبيت ، حتى يظل مراقبا لما يحدث على الدرج المؤدي إلى غرفنا في الطابق الأعلى . كنت أمر أمامه مثل نبي ، مثل ابن مستعد لوضع رقبته على حجرة الذبح إن طلب منه والده ذلك ، أحمل دائما كتابا في يدي وأنا أمر أمامه كملاك .
    يحدث أحيانا أن يناديني من داخل غرفته ليطمئن على أحوالي ، فأبتسم له مطأطئ الرأس بارا مستقيما . وقد يدس يده تحت وسادته ليغمرني بورقة نقدية أتباهى بها أمام أقراني وأصدقائي وخلاني ...

    كنت ابنا صالحا ، لكن فقط أمام عينيه عندما يكون داخل غرفته ، وما عدا ذلك ، فقد كنت شيطانا لا يقدر على مصائبي سوى من يشاركونني نفس الطريق غير القويم . كنا نخطط ونحن خارجون من الجامعة : أين سنشتري المنشطات الجيدة بثمن مناسب ، وأين سنقتني قنينة رخيصة نسهر على إيقاعها ، ومتي سنلتقي بالرفيقات ؟ وأخيرا كيف سندخلهن إلى البيت دون أن ينتبه لنا الوالد الذي يرقد فاتحا غرفته بضع سنتيمترات فقط .
    كان أخي الصغير يتكفل بترتيب الموضوع عندما يعرف أننا في الدرج الأسفل ، فيختلق حركة يقفل من خلالها الباب الرئيس لدقيقتين حتى نصعد نحن بلا أحذية وبلا أصوات وكأننا أشباح تتسلل في الظلام . وكنت أجازيه على أفعاله الصالحة تلك بأن أساعده في إنجاز تمارينه أو أكتب له موضوعا إنشائيا أو أمثل دور الأب عندما يتغيب عن المدرسة ، كانت أعمال الخير تمر بيننا على مدار الأيام .

    في الطابق الأعلى ، كنا نختار غرفة بعيدة عن غرفة الوالد التي تقع أسفلنا ، ونقفل الباب ونفتح الشباك وتبدأ السهرة بنوع من الاحتراز والابتعاد عن الضجيج المبالغ فيه . لن أخبركم ماذا كنا نفعل ، فتلك أمور لا ينبغي للقاص أن يذكرها حفاظا على كرامة السارد وأسراره الخفية .









  • حسن لختام
    أديب وكاتب
    • 26-08-2011
    • 2603

    #2
    جميلة هذه المفارقة، حتى فرويد وأدلر، وكل علماء النفس في التاريخ، بكل تقنياتهم العلمية والروحانية والربّانية، سيحتارون في هذا الوصف..أن تجعل الأنا الأعلى، بكل تعقيداته وتشابكاته وقهره وسلطانه القهّار، فوق الأنا..أما الهو فليذهب إلى الجحيم. هذه قراءتي المتواضعة والمجنونة لهذا النص الذي يبدو عاديا، أما مقصدية ورؤية القاص، فله كل الحق، والحقّ المشروع، أن تبقى في بطنه إلى أبد الآبدين
    أشكرك، أيها القاص المثقف، والناقذ الحذق والقارىء الفطن على هذا النص الذي طوّعني، ولوّح بي بعيدا..بعيدا
    محبتي وكل التحايا، أخي إبراهيم ابويه

    تعليق

    • مصطفى الصالح
      لمسة شفق
      • 08-12-2009
      • 6443

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ابراهيم ابويه مشاهدة المشاركة
      كان أبي يختار غرفة نومه مقابٍلةً للباب الرئيس لِلبيت ، حتى يظل مراقبا لما يحدث على الدرج المؤدي إلى غرفنا في الطابق الأعلى . كنت أمر أمامه مثل نبي ، مثل ابن مستعد لوضع رقبته على حجرة الذبح إن طلب منه والده ذلك ، أحمل دائما كتابا في يدي وأنا أمر أمامه كملاك .
      يحدث أحيانا أن يناديني من داخل غرفته ليطمئن على أحوالي ، فأبتسم له مطأطئ الرأس بارا مستقيما . وقد يدس يده تحت وسادته ليغمرني بورقة نقدية أتباهى بها أمام أقراني وأصدقائي وخلاني ...

      كنت ابنا صالحا ، لكن فقط أمام عينيه عندما يكون داخل غرفته ، وما عدا ذلك ، فقد كنت شيطانا لا يقدر على مصائبي سوى من يشاركونني نفس الطريق غير القويم . كنا نخطط ونحن خارجون من الجامعة : أين سنشتري المنشطات الجيدة بثمن مناسب ، وأين سنقتني قنينة رخيصة نسهر على إيقاعها ، ومتي سنلتقي بالرفيقات ؟ وأخيرا كيف سندخلهن إلى البيت دون أن ينتبه لنا الوالد الذي يرقد فاتحا غرفته بضع سنتيمترات فقط .
      كان أخي الصغير يتكفل بترتيب الموضوع عندما يعرف أننا في الدرج الأسفل ، فيختلق حركة يقفل من خلالها الباب الرئيس لدقيقتين حتى نصعد نحن بلا أحذية وبلا أصوات وكأننا أشباح تتسلل في الظلام . وكنت أجازيه على أفعاله الصالحة تلك بأن أساعده في إنجاز تمارينه أو أكتب له موضوعا إنشائيا أو أمثل دور الأب عندما يتغيب عن المدرسة ، كانت أعمال الخير تمر بيننا على مدار الأيام .

      في الطابق الأعلى ، كنا نختار غرفة بعيدة عن غرفة الوالد التي تقع أسفلنا ، ونقفل الباب ونفتح الشباك وتبدأ السهرة بنوع من الاحتراز والابتعاد عن الضجيج المبالغ فيه . لن أخبركم ماذا كنا نفعل ، فتلك أمور لا ينبغي للقاص أن يذكرها حفاظا على كرامة السارد وأسراره الخفية .

      فتلك أمور لا ينبغي للقاص أن يذكرها حفاظا على كرامة السارد وأسراره الخفية .

      أنت هنا فصلت بوضوح بين القاص والسارد

      فماذا عن الراوي؟

      اللغة سليمة والأسلوب شهي سلس ، والسرد جميل

      أقصوصة من عنوانها مقروءة ، جاءت بعدسة خارجية أقرب إلى الق ق ج ، وربما تدخل في نمط اليوميات

      استمتعت

      تحية وتقدير


      [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

      ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
      لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

      رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

      حديث الشمس
      مصطفى الصالح[/align]

      تعليق

      • نمر الفاروق
        عضو الملتقى
        • 17-04-2013
        • 32

        #4
        لن أخبركم ماذا كنا نفعل ، فتلك أمور لا ينبغي للقاص أن يذكرها حفاظا على كرامة السارد وأسراره الخفية
        اتصور أنه خطأ !!
        مع هذا لغتك جميلة وثقافتك عالية
        تحيتي

        تعليق

        • وفاء الدوسري
          عضو الملتقى
          • 04-09-2008
          • 6136

          #5
          يعجبني قلمك البارع والممتع..
          يفتح شهيتي لقراءة النص أكثر من مرة
          حقا من الأقلام الكبيرة والجميله
          دمت كما أنت
          تحية وتقدير
          التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 05-05-2013, 22:00.

          تعليق

          • آسيا رحاحليه
            أديب وكاتب
            • 08-09-2009
            • 7182

            #6
            رائع هذا النص
            أعجبني كثيرا
            و لم أر خطأ في الجملة الأخيرة ..أبدا .
            على ذكر الوالد فقد قرأت في احدى كتب علم النفس بأنّ الرجل عادة / الأب ، الجد ، الزوج ../
            يحبّذ أن تكون غرفته هي أولى الغرف و بابه دائما مفتوحا لكي يراقب البيت و من فيه
            و أنّ هذا الأمر كان منذ العصر الحجري حيث كانت مهمة رب الأسرة هي الوقوف في مدخل الكهب
            من أجل الحراسة و الحماية بينما باقي العائلة تكون بالداخل ..
            جميل ما قرأت لك .
            تحياتي .
            يظن الناس بي خيرا و إنّي
            لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

            تعليق

            يعمل...
            X