قتل عمد
كانت ضربات قلبي تدوي في جسدي وتكاد تقطع أوصاله ,انتصب شعري واعترتني قشعريرة من أخمص قدمي حتى رأسي عندما اقتربت مني ,كانت تحمل وسادة مضرجة بالدم وكان شعرها مبعثراً ووجهها شاحب ومكسو بالدموع أما عيناها فكانتا محاطتين بدوائر سوداء قاتمة,اقتربت مني وهى تصرخ كنعاب الطيور الكاسرة وتقبل الوسادة:ولدي ولدي أنقذوه أرجوكم أنقذوا ولدي لا تخف يا حبيبي أمك بجانبك وسوف تكون بخير,قصرت المسافة بيني وبينها فتسمرت في مكاني و حبات العرق تتصبب من جذور شعري وتنساب بغزارة على كتفي الباردين,كاد الخوف يخنقني ويجرني إلى فوهة الموت,فجأة ربتت على كتفي يدان دافئتان وهما تدمدمان:لا تخافي منها فما هذه إلا بقايا حطام إنسان هشمته الحياة لا تقوى على إيذاء أحد,لقد جلدتها الحياة بسياطها و ذوقتها سمها بلا رحمة,تلاشت مخاوفي وأخذت أحدق فيها بلا وعي,كان هناك شيء يمنعني من تنظيم أفكاري ,شيء لم أعرف هيئته ولا أسمه ولا منشأه,مشت بعيداً عني وهى تنقل نظرها من جهة لأخرى دون اهتمام,بدت في عينيها نظرة باهتة لم أجد تفسيراً لها.ابتعدت اليدان عن كتفي ففقت من غيبوبتي وأخذت أتحسس مكان اليدين وأبحث عنهما,رأيت امرأة عجوز خلفي تهم بالرحيل,أوقفتها وسألتها عن قصة تلك المرأة,تخللت عينيها تيارات سوداء حزينة و أطلقت زفرة مبحوحة ثم قالت: كانت سيدة جميلة,كان قلبها دوامة مشتعلة وعيناها الجميلتان تضمخان بالسعادة وتطفحان بحب لا يمكن تكذيبه لعائلتها الصغيرة,كانت تبسط جناحيها وتطير نحو القمم حيث قوانين الزمن وقوانين الوزن والجاذبية تصبح مختلفة عن قوانيننا,لكن ذلك لم يدم طويلاً؛توفى زوجها بحادث سير فدفعتها تيارات الحزن إلى دوامة من الأسى وجرعتها الحياة جرعات العذاب واحدة تلو الأخرى وجعلت منها بقايا إنسان لكنها تماسكت وأخذت تلملم أجزائها المحطمة في كل مرة تقع فيها من أجل ولدها,وهبت نفسها لتربية ولدها حتى أصبح طالب متفوق في كلية الطب,وفى أحد الأيام هشمت ولدها سيارة وهو في طريق عودته إلى البيت فنقلوه الناس إلى المستشفى, تركوه الأطباء ينزف دون اهتمام لعدم امتلاكه المال المطلوب.تأخر الوقت ولم يعد ولدها إلى البيت,تصاعد في داخلها شعور بالمد والجزر,فأصبحت كأنها مطمورة داخل مغارة مظلمة,كان المد والجزر يتعاظم مهدداً بخطر جسيم لذا ذهبت إلى كليته لتبحث عنه, أخبرها زملاؤه بما حدث له,جحظت عيناها و لم تستطع التنفس كما لو أنها ابتلعت قطعة من الأسفنج امتصت هواء تلك الأمسية وتحولت إلى سدادة عندما وصلت إلى حلقها, لم تستطع تصديق ما حدث لذا اندفعت إلى المستشفى كأنها تندفع إلى محرقة هيئت خصيصاً لها, عندما رأت ولدها مرمياً على أرضية المستشفى مهشم وغارق بدمه زاغ عقلها وأخذت تصرخ باكية وتنادي الأطباء لينقذوا ولدها وهى تحضنه وتقبله في كل مكان من جسده لكن دون جدوى,أعطت المستشفى ما ترتديه من حُلي لعلهم ينقذوا ولدها,أدخل الأطباء ولدها غرفة العمليات,مضت الساعات وهى تنتظر خروج ولدها من غرفة العمليات,وبين الفينة والفينة كانت اسارير وجهها تنقبض تارة وتنبسط تارة أخرى عندما تخبرها الممرضة بأن ولدها سوف يعيش ولا داعي للخوف,خرج الأطباء ووجههم شاحبة وعيونهم مثقلة بكثير من الانزعاج والعرق يغطي ووجههم,أخبروها بأن ولدها فارق الحياة ولم يستطيعوا إنقاذه,كان الخبر كصاعقة قسمتها نصفين,منذ ذلك اليوم أكتنفها الجنون,لقد رحلت مع تابوت ولدها ودفنت بمدفنه الأحزان الأبدية إنها الآن شبح عائد من الغيب وكل ما تذكره هي صورة ولدها المخلوعة الأوصال.
قتل عمد
تقليص
X
-
أستاذة سما
الألم .. والحزن الشديد .. يتواريان خلف دفاعات النفس الذاتية
التي تحاول تقليل الصدمة
فالمرأة ماعادت تحتمل تصور أن وحيدها قد فارقها
وهذا يجعلها تتمسك بشيءبديل يعوضها عما فقدت
البداية كانت موفقة ... حيث رسمت الرعب الذي سيطر على السارد
وهو يصف تلك المرأة ..
ولكن مالبثت الكاتبة أن كشفت أوراق تلك المرأة ..
عن طريق الراوي الذي أخبرنا عن
كل التفاصيل التي جعلت المرأة تصل للجنون ..
لينتهي النص بعد ذلك على وتيرة واحدة حيث أن الكاتبة لم تترك للنهاية شيئا
يكون بمثابة قفلة .
ونجاح أي نص يعتمد بالأساس وبنسبة معينة على قوة تلك القفلة
لذا أرى أن القاصة ... قد نجحت فيما يلي
1. قادرة على صنع شخوصها بتقنية جيدة ..
2.تستطيع أن تنتقل من الحدث إلى المنلوج الداخلي دون تكلف
3.تصور سيكولوجية الفرد ، الخوف ،الفرح ، الأسى ، الحزن
وتوزعه بدقة على مجمل النص بشكل دقيق
4. لايوجد ترهل في هذا النص ... المضمون جيد جدا
:يبقى شيئا واحدا .... هو ضرورة الانتباه
إلى تقنية التقديم والتأخير في النص
في السابق واللاحق بالنسبة للأحداث ...
لتجعل النص من النصوص المتميزة
النص أعجبني ...
بارك الله بقلم إبداعكعلى الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
جون كنيدي
الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة سالم وريوش الحميد مشاهدة المشاركةأستاذة سما
الألم .. والحزن الشديد .. يتواريان خلف دفاعات النفس الذاتية
التي تحاول تقليل الصدمة
فالمرأة ماعادت تحتمل تصور أن وحيدها قد فارقها
وهذا يجعلها تتمسك بشيءبديل يعوضها عما فقدت
البداية كانت موفقة ... حيث رسمت الرعب الذي سيطر على السارد
وهو يصف تلك المرأة ..
ولكن مالبثت الكاتبة أن كشفت أوراق تلك المرأة ..
عن طريق الراوي الذي أخبرنا عن
كل التفاصيل التي جعلت المرأة تصل للجنون ..
لينتهي النص بعد ذلك على وتيرة واحدة حيث أن الكاتبة لم تترك للنهاية شيئا
يكون بمثابة قفلة .
ونجاح أي نص يعتمد بالأساس وبنسبة معينة على قوة تلك القفلة
لذا أرى أن القاصة ... قد نجحت فيما يلي
1. قادرة على صنع شخوصها بتقنية جيدة ..
2.تستطيع أن تنتقل من الحدث إلى المنلوج الداخلي دون تكلف
3.تصور سيكولوجية الفرد ، الخوف ،الفرح ، الأسى ، الحزن
وتوزعه بدقة على مجمل النص بشكل دقيق
4. لايوجد ترهل في هذا النص ... المضمون جيد جدا
:يبقى شيئا واحدا .... هو ضرورة الانتباه
إلى تقنية التقديم والتأخير في النص
في السابق واللاحق بالنسبة للأحداث ...
لتجعل النص من النصوص المتميزة
النص أعجبني ...
بارك الله بقلم إبداعك
أستاذي القدير شكراً على تعليقك الهادف الذى أضاف لنصي رووعه وجمال
تعليق
-
-
الوصف الدقيق لملامح الشخصية الرئيسية في القصة، عمّق الشعور والإحساس بصدق المعاناة والضربات المتتالية، التي تلقتها تلك الأم المكلومة..طريقتك في القص بأسلوب بسيط وصادق، جعلني أتألم مع شخصية الأم، وأعيش معها مأساتها ومعاناتها. قصة رائعة ومؤلمة،تحكي عن مأساة هذا الإنسان المغلوب عن أمره..في أحايين كثيرة يكون القدر ضدنا..يأخد كل شىء، ولايترك لنا سوى الألم والمعاناة..أشكرك على هذا الإبداع الصادق..وعندما يكون الإبداع صادقا، فإنه يُكتب له الخلود..قال ميخائيل شولوخوف وهو أحد الروائيين العباقرة:" يجب أن يغلي دم الكاتب عندما يكتب، ويشحب وجهه بالحقد الدفين على العدو حينما يكتب عليه، وأن يضحك ويبكي مع البطل..بطل قصته"..أحسست ببكائك وألمك هنا..في هذه القصة، وهذا الإبداع الإنساني الرائع
محبتي وتقديري، أختي المبدعة سما الأماني
تعليق
-
-
المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركةالوصف الدقيق لملامح الشخصية الرئيسية في القصة، عمّق الشعور والإحساس بصدق المعاناة والضربات المتتالية، التي تلقتها تلك الأم المكلومة..طريقتك في القص بأسلوب بسيط وصادق، جعلني أتألم مع شخصية الأم، وأعيش معها مأساتها ومعاناتها. قصة رائعة ومؤلمة،تحكي عن مأساة هذا الإنسان المغلوب عن أمره..في أحايين كثيرة يكون القدر ضدنا..يأخد كل شىء، ولايترك لنا سوى الألم والمعاناة..أشكرك على هذا الإبداع الصادق..وعندما يكون الإبداع صادقا، فإنه يُكتب له الخلود..قال ميخائيل شولوخوف وهو أحد الروائيين العباقرة:" يجب أن يغلي دم الكاتب عندما يكتب، ويشحب وجهه بالحقد الدفين على العدو حينما يكتب عليه، وأن يضحك ويبكي مع البطل..بطل قصته"..أحسست ببكائك وألمك هنا..في هذه القصة، وهذا الإبداع الإنساني الرائع
محبتي وتقديري، أختي المبدعة سما الأماني
تعليق
-
-
جميلة جميلة يالسما
أتقنت حزننا وتأثرنا
وتوحدنا بحالة تلك المرأة ..المأساوية
قلمك رائع وواثق التحليق
وجدت أن العنوان كان بإمكانك أن تجعليه أكثر جمالا
وأن يكون زبدة الحالة لتلك المرأة
محبتي وننتظر جديدك دائما
ميساء العباس
مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be
تعليق
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 225355. الأعضاء 6 والزوار 225349.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق