صدقة لبغداد
وأتذكر قبل أن ننطلق قالت لي خليلتي علينا أن ندفع صدقة فأنها تطفأ غضب الرب!
فوافقتها الرأي .. وهل بوسعي إغضاب الإله الأوحد
وانطلقنا على بركة الله ..
وإذا بها تلح علي لأتوقف وادفع الصدقة لمستحقيها .. وكنت أقابلها بقولي أين هم الفقراء والمساكين أيتها الحنينة؟ أتبصرين احداً منهم على قارعة الطريق؟
فتصمت لدقائق لتعود قولها من جديد .. وبالفعل لم أر فقيرا قد اعترضني هذه المرة كما في الأيام الماضي إذ كانوا يتجمهرون على الأرصفة والتقاطعات
وحرت بأمري!!
هل تحسنت حالة الناس بليلة وضحاها أم ماذا؟
وواصلنا المسير .. إلى أن دخلنا قلب بغداد .. وانخرطنا بزوبعة الزحام، فأبصرت حبيبتي رجلا مُقعد على كرسي مدولب من بين السيارات فهتفت بصوت عال انه مسكين يا سلام!
فقلت لها تبا لك أيتها المتحذلقة لقد أخفتني!!
وسددت أصبعي نحوها وقلت لها اسمعي وعي،، عليك أن تنتبهي لأفعالك وأقوالك نحن في العاصمة يا امرأة؟
وأخذت أتفحص الرجل وأحدق بمظهره فوجدته مثالا للاحسان فهو يستحق صدقتنا السرية! إذ كانت على ثيابه آثار الفقر وعلى وجهه براثن العوز
فقاطعت أفكاري قائلة:
هيا ادعه قبل أن يذهب بعيدا عنا وحينها سآكل رأسك واقصف عمرك وانتف شعر رأسك! فقلت لها على رسلك أيتها المخبولة ،، أأنت زوجة أم قائدة "مليشيات"؟
انتظري لحظة لأتصرف؟
فرحت اضغط على بوق السيارة لاسترعي انتباه الرجل
فاسترعيت انتباه كل ركاب السيارات المتجمعة حولنا عدا صاحبنا المسكين
فقلت لها انظري ماذا فعلت ِ بنا؟
فقالت لي أنا الذي فعلت أم أنت؟ دائما تفتعل الأمور وترميها برأسي، وأخذت تتوعدني بالويل والثبور وفظائع الأمور إن عدنا للدار
ثم صرخت :
هيا انزل وقدم له الصدقة على عجل هيا
فكاد يتقد زيت فتيلي!!
وصرخت بها .. كيف أتخلى عن السيارة وسط الزحام أمجنونة أنت أم ماذا؟
واخذ كرسي المسكين يبتعد قليلا ً عنا .. ففكرت بشيء أكثر جدوىً ونفعا فطلبت من أولادي وأمهم أن ينادوا الرجل وبادرت أنا قبلهم مناديا
فالتفت الرجل بسرعة !
كم أنت كريم ومجيب يا رب ..
فلوحنا له بأيدينا وطلبنا منه القدوم، فزمَّ بين حاجبيه وقال اتقصدنونني أنا؟
فهززت رأسي له بالإيجاب
فتقدم صوبنا .. وإذا برفيقة دربي تدس يدها بحقيبتها السوداء لتخرج منديلا ورقيا يحوي على الصدقة
فجاء الرجل وأوقف كرسيه قبالتي وقال نعم يا سيدي هل ثمة خطب ما؟
فدفعت له الصدقة، وقلت له
: ليباركك الرب
فحدق بي باستغراب وقال :
لست كما تظن يا سيد .. فأنا لست مسكينا، فقط كنت أروم عبور الشارع!
تعليق