الحلم الضائع
بعد أن غطى الشيب رأسي وبعد غياب طويل عن القرية وأهلها.قمت بجولة في كل جوانبها ثم اتجهت نحو الوادي لعلي أجد فيه صورة ولو مصغرة لبعض ذكريات الماضي فجلست على الضفة أتأمل المياه الجارية وأخاطب الأسماك في عمق النهر وفجأة مر بي راع صغير يحمل بيده قصبة ملونة ومتقنة التزيين انه الناي فحملتني الرؤيا الى أبعد مما قد أتصوره وغاصت بي في أعماق الذاكرة الموشومة بأحداث خالدة .كانت ليلة لم تخطر ببال احد ,ليلة الخميس وبعد منتصف الليل لم يستطع النوم أن يمر إلى عيني بعدما أفقت منزعجا بسبب الكابوس المزعج الذي أضاع علي منامي وأيقظني من أحلى سبات .نزعت من فوقي الفراش وقمت من علي سريري شربت كوبا من الماء ثم فتحت النافدة المطلة على الحديقة الصغيرة المجاورة لبيتنا والتي تعود ملكيتها لأحد الفلاحين القاطنين بقريتنا استطاع أن يجعل منها جنة للناظرين بعد مجهود كلفه الكثير خطوت نحو الشرفة لأمتع ناظري ببهاء وجمال الطبيعة ولأتنفس هواء نقيا يرد إلي الروح وينعش جسمي بعد أن هز كياني ذالك الحلم الغريب رفعت رأسي إلى الأعلى لأتفحص بصمات الخالق المصور السماء زرقاء تستقبل عشاقها بابتسامة حلوة وعرائس الفضاء في رقص وحبور وكأنها تزف عروسين في ليلة الزفاف والألوان الساطعة من شعلة القمر تزهر الطبيعة وتنير الألوان في الكون حكمة الخالق في خلقه.مضى علي حين من الدهر ورأسي مرفوع لأعلى وكأني عدت لأحلم من جديد لكنه كان جميلا ليعيد الفرحة للقلب.وفجأة اخترقت مسمعي نغمات رائعة حركت شعوري وأيقظت أحاسيس حسبتها تاهت عني في دفاتر الزمن المنسي لكن سرعان ما راحت تتسلل ببطء من دواليب الأرشيف منتفضة ,وثائرة تصرخ في عمقي تريد أن تحاسبني عن حكم قاس أصدرته من غير استشارة في حقها.ترى من صديق الناي هذا الذي يسكنه الليل وصار من عشاق السهر؟ كسر الصبر في قلبه وغلبه الانتظار.فراحت تحركه اللهفة والشوق .فزاد فضولي فكان أقوى منه لمعرفة مصدر هاته النفحات من عمق التراث الأصيل والأكثر من هذا عزفه الجريح الحالم ببصيص من الحظ يشكو من سخط الدنيا التي أورثته الحزن.
لاشك انه يعاني والمعاناة زادت حدتها لترشقه بسهام من الألم الموجع. حينها لم أجد بدا من الوصول إلى حيث تركن تلك النغمات التي تسأل الفرج لمعرفة صاحب الناي,فلم أشعر حتى وجدتني أخرج متسللا من البيت ,وحتى لا أزعج أحدا فتحت الباب الخلفي وأسرعت متجها نحو الحديقة .تسربت بكل حرص بين الأشجار حتى لا يكشف أمري,ولا أستطيع الوصول إلى بغيتي,وبينما أحدق بعيني البراقتين في كل مكان,فاجأني مشهد درامي,أسكن الدهشة بداخلي,وبخطاب كله حب قالت" أنت أغلى الناس في حياتي,ومن دونك مالي أن أعيش في راحة,أحبك كل الحب وأعشقك وعشقي يصل كل الغايات... وأنت تعلمين أنه لاغنى لي عنك وعن حبك لا أستطيع العدول,لكن ماذنبك في أن تشاركينني العذاب,فأنت جميلة العشاق من حولك ما أكثرهم أما عني فالزمان أذاقني المر وغدي كشف القدر عنه الغطاء,وتعاستي أصبحت واضحة وما حيلتي الا الصبر لأطوي زمان التردي الذي أسكنني فسيح الحزن و الألم ,وأن اراك في سعادة وهناء خير عندي من أن احملك معي فوق قاربي المهشم فأحكم على نفسي بالغرق وأسحبك معي حيث لا ينفع الندم...كيف يهنأ بالي,وألقى سعادتي التي صنعتها في قلبك فبعدك يضنيني ويدمي قلبي,فوالله مالي حياة من دونك ياروح الروح...
لو سألتم الكلمات لوجدتم كفاية في جوابها.مشهد غير مألوف,أيعقل أن يكون ما بصرته عيني حقيقة وفي قريتنا؟ّ لم أستطع أن أستوعب الأمر لأني ماعهدت هذا في قريتنا.
لقد كان صديقي في الطفولة،سافر إلى أرض المهجر للبحث عن العمل بعدما غلقت في وجهه كل الأبواب،وقضى خمس سنوات هناك،رجع منها منكوب الظهر دون أن يحقق لنفسه أي شيء سوى أن ذاكرته عادت مثقلة بالأوجاع وأروع مشاهد الذل والاهانة والمحن التي جناها في غربته.لكن على من سيكون العتاب واللوم؟ لقمة العيش حكمت والقدر أقوى،والزمن شرس لا يرحم،ينهش بأنيابه وأظافره جثث المحتاجين، الفقر طاعون إن أصاب أهلك فعلا صدق من قال"كاد الفقر أن يكون كفرا"
لقد كان هذا الشاب من خيرة أبناء القرية دو حيوية ونشاط يحسد عليهما وكان يعشق كثيرا العزف على الناي الذي رافقه طول المشوار.اكتسب تعليمه في الفترة الصيفية التي كنا نخرج فيها سويا للرعي قرب وادي ملوية،حينها كنت أنشغل بصيد الأسماك بينما هو جالس بالقرب من شجر العريش يعزف على نغمات تغرق المتلقي في بحر من الخيال.
أعلام الطفولة البريئة التي لاتنحني للزمن وذكريات خالدة،أجل ذكريات كالأحلام رددتها وترددها الأيام وبين أحضانه فتاة في مقتبل العمر،فاتنة المحاسن زادها صوتها حسنا حينما راحت تنشد على نغمات الناي رسمتها الريح على أوراق الشجر،وتغنت بها النجوم في عز الليل كلمات تفيض بأروع وأرقى الأحاسيس والمشاعر وأسمى صور الحب.بل وأكثرها تعبيرا عن الوفاء والإخلاص حينها فقط علمت لمن كانت ترقص عرائس الفضاء ولماذا كان قمر العشاق على أتم صورة. فعلا لقد كان مشهدا رائعا بطبيعته يملأه الحب ونبل المشاعر.قاما من مكانهما ليسبحا في عالم الطبيعة،وبدون شعور رحت أتتبع خطواتهما وهما يجريان بين الحقول وكأنهما في سباق مع الزمن،يرقصان ،يغنيان ويلوحان بأيديهما الى الأعلى وكأنهما يريدان الطيران الى حيث لا تطالهما يد انسان عصفورين جميلين تزهو بهما الطبيعة وتحضنهما الأشجار،لكن سرعان ما قضى القدر بحكمه ومن منا يستطيع أن يعاند القدر.
وما أن ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى أسرعا بالفراق في عناق قوي وقبلات حارة،والدموع تسيل على خدودهما.تنزع الابتسامة الحلوة من شفاههما وكأنه لا لقاء بعد هذا اليوم. انها فعلا قصة حب جميلة لكن ما العمل وقد لقيت ولادتها في مجتمع لا يؤمن بالحب. ترى الى أين مآل هاته القصة الجميلة؟أتعرف نهاية مؤلمة أم أنها ستلقى بداية حقيقية على أرض الواقع؟
كان ما كان فجاء نور الفجر ليؤرخ لميلاد جديد ،خرجت مبكرا كعادتي أقوم بجولة قصيرة أكون فيما من أول من ينعم بهبات النسيم الباردة فاتجهت نحو الربوة الكبيرة العالية لأشهد شروق الشمس لصباح اليوم الجديد كانت اشراقة جميلة أدخلت السكون الى القلب وملأت الجسم دفئا وزاته حيوية.رحت أجري بين الحقول،أسابق الفراش ،قطفت ما استهوى نفسي من ورود وأزهار مختلفة الألوان والأشكال ثم انقلبت عائدا الى البيت حتى ألحق حصتى من الفطور لأن العادة تفرض أن نكون مجتمعين على طاولة الأكل ومن تأخر فما عليه الا أيطبخ لنفسه أكلا جديدا أو يصبر على فراغ بطنه لاى حين وجبة ثانية من اليوم.اقتربت من البيت ،شممت رائحة زكية تفتح الشهية لمن شدت نفسه عن الأكل ،فتحت الباب ودخلت فوجدت أمي أمام الفرن المشتعلة نيرانها وهي تحضر لنا طبقا شهيا من الخبز غير المخمر "الملاوي"بزيت الزيتون الجديد ودون أن أشعر خرقت العادة وهويت على الطبق كمن بات بالجوع ليالي طويلة.عجبت أمي للأمر ثم ضحكت لأني كنت آكل بلهفة شديدة .قالت بالهناء يابني.لم أجد فرصة لاجابتها وقد ملأت فمي بالخبز.وبعد الانتهاء خرجت لأصافح وجه الصباح في قريتنا العتيدة تلك القرية الجميلة المقيمة بين أحضان الطبيعة منذ سنين،شيدت بيوتها من تراب بواسطة اللوح بيوت عتيقة استطاعت أن تصارع الزمن الطاغي لتضمن لنفسها الاستمرارية على أرض هذا الوجود قرية عانقت أجيالا ولازالت صامدة من أجلنا نحن رواد هذا الزمان.أما أهلها،أناس بسطاء ابتسموا للحياة واتسموا بالكرم وحسن الخلق.يعتمدون في عيشهم على الفلاحة ،ارثهم الوحيد أبا عن جد وبينما أجول في القرية شيء غريب استلقى نظري ،الناس مجتمعون على غير عادتهم الكل خارج البيوت،الأطفال يلعبون وآخرون يركضون ويرددون اسما لم أعرفه.أردت أن أتفحص الأمر أخدت أحدهم جانبا وسألته من تكون خديجة؟ انها بنت عمي مصطفى ولماا ترددون اسمها؟ يقولون أن أحدا وجدها عند الفجر مع ابن الحاج علي.لقد كان ما توهمته وحدث ما لم يكن في الحسبان.والأصل في هذا هو أنني لم أكن وحدي شاهدا على ذلك اللقاء التاريخي،بل كانت هناك عين خفية أوصلت الخبر الى أهل القرية الشىء الذي حول سكونها الى حركة غير معهودة .الحدث غريب عاداتها وتقاليدها وأصولها.طبعا كان طبقا شهيا تتناوله النساء في البيوت وتتلذذ به ألسنة الحاقدين.وهنا قد لا يسلم الأمر،حصل فعلا ما توقعته،كبار القرية جاؤوا يعاتبون العم مصطفى على هاته الفعلة الدنيئة التي صدرت من ابنته باعتبارها خارجة عن الأعراف المتحكمة في طبيعة الحياة في القرية،خاصة وأن هذا قد يجعل بناتهم ينحون نفس الوجهة ان اتخذوها قدوة لهم.وكرد على هاته الشكاوى عليه أن يعاقب ابنته لأنها أسقطت هامته أرضا وجعلته صاغرا أمام كبار القرية ولقمة طرية على ألسنتهم.عاد الى البيت وغضبه يخرج من عينيه وفمه كلمات ساخطة على ابنته وما ان رأتها عيناه حتى انهال عليها بالضرب والشتم ليداوي الجرح الذي سببته له دون أن يدري أن هذا قد يعود عليه بالندم وقد حدث ما حدث لكن الجهل عار ويعمي البصيرة.واستمر في ضربها وهي تصرخ بصوت جريح تطلب الغوث ولا أحد يبالي.هناك في ركن البيت أمها المسكينة تبكي فلاحول لها ولا قوة الأمر بيد زوجها ولاشيء أمامها سوى البكاء.هوت خديجة على الأرض مغما عليها من كثرة الضرب وأمضت أياما عويصة طريحة الفراش.أما خالد فأبوه شيخ كبير لايستطيع معاقبته خاصة أنه الابن الأكبر وهو الساعد الأيمن المعتمد عليه في تسيير شؤون البيت ومراقبة الأرض وزراعتها.فاكتفى والده بتأنيب ضميره على ما فعل.لكن لما كل هذا؟فالأمر لا يستحق،فهما يحبان بعضهما ورغبتهما في الزواج أكيدة رغم الظروف القاسية التي كانت سبب تهرب خالد من الزواج من محبوبة قلبه.هذا ما حاول أن يشرحه لأبيه الذي تفهم الوضع وذهب الى بيت العم مصطفى ليصلح خطأ ابنه ويخطب له محبوبته.وصل الخبر الى مسامع الضحية المسكينة فأعاد الفرحة الى قلبها لكنها فرحة لن تدوم لأن أباها كان عنيدا وأثر الواقعة لا زال يتخبط في داخله فرد على الحاج علي طلبه تبا لها من نفس ترعى في ذات هذا الانسان.أليس من العار أن يحرم ابنته الوحيدة من تحقيق حلمها ومنيتها الوحيدة حياتها لتعيش مع من أحبته .فبدلا من مباركة هذا الزواج قطع أواصره ليحقق بذلك رغبته المشؤومة التي صنعها الحقد في منبر احساسه.
للأسف نطق القاضي وحكم على الفتاة باعدام من نوع آخر،بقيت حبيسة الجدران لا حيلة لها حرمت نفسها من الأكل والشرب حدادا على هذا الفراق القاتل.أما خالد فأصيب بجرح بليغ كيف لا وقد أمضى حياته يجري وراء هذا الحلم قاسى الأمرين وتحمل سخرية الأيام وسطو الزمان من أجله ليجد نفسه يجري وراء سراب.وقد خرج الأمر من بين يديه .راح المسكين يداوي جرحه ويضمده بالصبر.سرقت منهما الابتسامة وراحت تتبدد الذكريات وضاع الحلم الجميل...
عبد العالي الوالي المغرب
بعد أن غطى الشيب رأسي وبعد غياب طويل عن القرية وأهلها.قمت بجولة في كل جوانبها ثم اتجهت نحو الوادي لعلي أجد فيه صورة ولو مصغرة لبعض ذكريات الماضي فجلست على الضفة أتأمل المياه الجارية وأخاطب الأسماك في عمق النهر وفجأة مر بي راع صغير يحمل بيده قصبة ملونة ومتقنة التزيين انه الناي فحملتني الرؤيا الى أبعد مما قد أتصوره وغاصت بي في أعماق الذاكرة الموشومة بأحداث خالدة .كانت ليلة لم تخطر ببال احد ,ليلة الخميس وبعد منتصف الليل لم يستطع النوم أن يمر إلى عيني بعدما أفقت منزعجا بسبب الكابوس المزعج الذي أضاع علي منامي وأيقظني من أحلى سبات .نزعت من فوقي الفراش وقمت من علي سريري شربت كوبا من الماء ثم فتحت النافدة المطلة على الحديقة الصغيرة المجاورة لبيتنا والتي تعود ملكيتها لأحد الفلاحين القاطنين بقريتنا استطاع أن يجعل منها جنة للناظرين بعد مجهود كلفه الكثير خطوت نحو الشرفة لأمتع ناظري ببهاء وجمال الطبيعة ولأتنفس هواء نقيا يرد إلي الروح وينعش جسمي بعد أن هز كياني ذالك الحلم الغريب رفعت رأسي إلى الأعلى لأتفحص بصمات الخالق المصور السماء زرقاء تستقبل عشاقها بابتسامة حلوة وعرائس الفضاء في رقص وحبور وكأنها تزف عروسين في ليلة الزفاف والألوان الساطعة من شعلة القمر تزهر الطبيعة وتنير الألوان في الكون حكمة الخالق في خلقه.مضى علي حين من الدهر ورأسي مرفوع لأعلى وكأني عدت لأحلم من جديد لكنه كان جميلا ليعيد الفرحة للقلب.وفجأة اخترقت مسمعي نغمات رائعة حركت شعوري وأيقظت أحاسيس حسبتها تاهت عني في دفاتر الزمن المنسي لكن سرعان ما راحت تتسلل ببطء من دواليب الأرشيف منتفضة ,وثائرة تصرخ في عمقي تريد أن تحاسبني عن حكم قاس أصدرته من غير استشارة في حقها.ترى من صديق الناي هذا الذي يسكنه الليل وصار من عشاق السهر؟ كسر الصبر في قلبه وغلبه الانتظار.فراحت تحركه اللهفة والشوق .فزاد فضولي فكان أقوى منه لمعرفة مصدر هاته النفحات من عمق التراث الأصيل والأكثر من هذا عزفه الجريح الحالم ببصيص من الحظ يشكو من سخط الدنيا التي أورثته الحزن.
لاشك انه يعاني والمعاناة زادت حدتها لترشقه بسهام من الألم الموجع. حينها لم أجد بدا من الوصول إلى حيث تركن تلك النغمات التي تسأل الفرج لمعرفة صاحب الناي,فلم أشعر حتى وجدتني أخرج متسللا من البيت ,وحتى لا أزعج أحدا فتحت الباب الخلفي وأسرعت متجها نحو الحديقة .تسربت بكل حرص بين الأشجار حتى لا يكشف أمري,ولا أستطيع الوصول إلى بغيتي,وبينما أحدق بعيني البراقتين في كل مكان,فاجأني مشهد درامي,أسكن الدهشة بداخلي,وبخطاب كله حب قالت" أنت أغلى الناس في حياتي,ومن دونك مالي أن أعيش في راحة,أحبك كل الحب وأعشقك وعشقي يصل كل الغايات... وأنت تعلمين أنه لاغنى لي عنك وعن حبك لا أستطيع العدول,لكن ماذنبك في أن تشاركينني العذاب,فأنت جميلة العشاق من حولك ما أكثرهم أما عني فالزمان أذاقني المر وغدي كشف القدر عنه الغطاء,وتعاستي أصبحت واضحة وما حيلتي الا الصبر لأطوي زمان التردي الذي أسكنني فسيح الحزن و الألم ,وأن اراك في سعادة وهناء خير عندي من أن احملك معي فوق قاربي المهشم فأحكم على نفسي بالغرق وأسحبك معي حيث لا ينفع الندم...كيف يهنأ بالي,وألقى سعادتي التي صنعتها في قلبك فبعدك يضنيني ويدمي قلبي,فوالله مالي حياة من دونك ياروح الروح...
لو سألتم الكلمات لوجدتم كفاية في جوابها.مشهد غير مألوف,أيعقل أن يكون ما بصرته عيني حقيقة وفي قريتنا؟ّ لم أستطع أن أستوعب الأمر لأني ماعهدت هذا في قريتنا.
لقد كان صديقي في الطفولة،سافر إلى أرض المهجر للبحث عن العمل بعدما غلقت في وجهه كل الأبواب،وقضى خمس سنوات هناك،رجع منها منكوب الظهر دون أن يحقق لنفسه أي شيء سوى أن ذاكرته عادت مثقلة بالأوجاع وأروع مشاهد الذل والاهانة والمحن التي جناها في غربته.لكن على من سيكون العتاب واللوم؟ لقمة العيش حكمت والقدر أقوى،والزمن شرس لا يرحم،ينهش بأنيابه وأظافره جثث المحتاجين، الفقر طاعون إن أصاب أهلك فعلا صدق من قال"كاد الفقر أن يكون كفرا"
لقد كان هذا الشاب من خيرة أبناء القرية دو حيوية ونشاط يحسد عليهما وكان يعشق كثيرا العزف على الناي الذي رافقه طول المشوار.اكتسب تعليمه في الفترة الصيفية التي كنا نخرج فيها سويا للرعي قرب وادي ملوية،حينها كنت أنشغل بصيد الأسماك بينما هو جالس بالقرب من شجر العريش يعزف على نغمات تغرق المتلقي في بحر من الخيال.
أعلام الطفولة البريئة التي لاتنحني للزمن وذكريات خالدة،أجل ذكريات كالأحلام رددتها وترددها الأيام وبين أحضانه فتاة في مقتبل العمر،فاتنة المحاسن زادها صوتها حسنا حينما راحت تنشد على نغمات الناي رسمتها الريح على أوراق الشجر،وتغنت بها النجوم في عز الليل كلمات تفيض بأروع وأرقى الأحاسيس والمشاعر وأسمى صور الحب.بل وأكثرها تعبيرا عن الوفاء والإخلاص حينها فقط علمت لمن كانت ترقص عرائس الفضاء ولماذا كان قمر العشاق على أتم صورة. فعلا لقد كان مشهدا رائعا بطبيعته يملأه الحب ونبل المشاعر.قاما من مكانهما ليسبحا في عالم الطبيعة،وبدون شعور رحت أتتبع خطواتهما وهما يجريان بين الحقول وكأنهما في سباق مع الزمن،يرقصان ،يغنيان ويلوحان بأيديهما الى الأعلى وكأنهما يريدان الطيران الى حيث لا تطالهما يد انسان عصفورين جميلين تزهو بهما الطبيعة وتحضنهما الأشجار،لكن سرعان ما قضى القدر بحكمه ومن منا يستطيع أن يعاند القدر.
وما أن ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود حتى أسرعا بالفراق في عناق قوي وقبلات حارة،والدموع تسيل على خدودهما.تنزع الابتسامة الحلوة من شفاههما وكأنه لا لقاء بعد هذا اليوم. انها فعلا قصة حب جميلة لكن ما العمل وقد لقيت ولادتها في مجتمع لا يؤمن بالحب. ترى الى أين مآل هاته القصة الجميلة؟أتعرف نهاية مؤلمة أم أنها ستلقى بداية حقيقية على أرض الواقع؟
كان ما كان فجاء نور الفجر ليؤرخ لميلاد جديد ،خرجت مبكرا كعادتي أقوم بجولة قصيرة أكون فيما من أول من ينعم بهبات النسيم الباردة فاتجهت نحو الربوة الكبيرة العالية لأشهد شروق الشمس لصباح اليوم الجديد كانت اشراقة جميلة أدخلت السكون الى القلب وملأت الجسم دفئا وزاته حيوية.رحت أجري بين الحقول،أسابق الفراش ،قطفت ما استهوى نفسي من ورود وأزهار مختلفة الألوان والأشكال ثم انقلبت عائدا الى البيت حتى ألحق حصتى من الفطور لأن العادة تفرض أن نكون مجتمعين على طاولة الأكل ومن تأخر فما عليه الا أيطبخ لنفسه أكلا جديدا أو يصبر على فراغ بطنه لاى حين وجبة ثانية من اليوم.اقتربت من البيت ،شممت رائحة زكية تفتح الشهية لمن شدت نفسه عن الأكل ،فتحت الباب ودخلت فوجدت أمي أمام الفرن المشتعلة نيرانها وهي تحضر لنا طبقا شهيا من الخبز غير المخمر "الملاوي"بزيت الزيتون الجديد ودون أن أشعر خرقت العادة وهويت على الطبق كمن بات بالجوع ليالي طويلة.عجبت أمي للأمر ثم ضحكت لأني كنت آكل بلهفة شديدة .قالت بالهناء يابني.لم أجد فرصة لاجابتها وقد ملأت فمي بالخبز.وبعد الانتهاء خرجت لأصافح وجه الصباح في قريتنا العتيدة تلك القرية الجميلة المقيمة بين أحضان الطبيعة منذ سنين،شيدت بيوتها من تراب بواسطة اللوح بيوت عتيقة استطاعت أن تصارع الزمن الطاغي لتضمن لنفسها الاستمرارية على أرض هذا الوجود قرية عانقت أجيالا ولازالت صامدة من أجلنا نحن رواد هذا الزمان.أما أهلها،أناس بسطاء ابتسموا للحياة واتسموا بالكرم وحسن الخلق.يعتمدون في عيشهم على الفلاحة ،ارثهم الوحيد أبا عن جد وبينما أجول في القرية شيء غريب استلقى نظري ،الناس مجتمعون على غير عادتهم الكل خارج البيوت،الأطفال يلعبون وآخرون يركضون ويرددون اسما لم أعرفه.أردت أن أتفحص الأمر أخدت أحدهم جانبا وسألته من تكون خديجة؟ انها بنت عمي مصطفى ولماا ترددون اسمها؟ يقولون أن أحدا وجدها عند الفجر مع ابن الحاج علي.لقد كان ما توهمته وحدث ما لم يكن في الحسبان.والأصل في هذا هو أنني لم أكن وحدي شاهدا على ذلك اللقاء التاريخي،بل كانت هناك عين خفية أوصلت الخبر الى أهل القرية الشىء الذي حول سكونها الى حركة غير معهودة .الحدث غريب عاداتها وتقاليدها وأصولها.طبعا كان طبقا شهيا تتناوله النساء في البيوت وتتلذذ به ألسنة الحاقدين.وهنا قد لا يسلم الأمر،حصل فعلا ما توقعته،كبار القرية جاؤوا يعاتبون العم مصطفى على هاته الفعلة الدنيئة التي صدرت من ابنته باعتبارها خارجة عن الأعراف المتحكمة في طبيعة الحياة في القرية،خاصة وأن هذا قد يجعل بناتهم ينحون نفس الوجهة ان اتخذوها قدوة لهم.وكرد على هاته الشكاوى عليه أن يعاقب ابنته لأنها أسقطت هامته أرضا وجعلته صاغرا أمام كبار القرية ولقمة طرية على ألسنتهم.عاد الى البيت وغضبه يخرج من عينيه وفمه كلمات ساخطة على ابنته وما ان رأتها عيناه حتى انهال عليها بالضرب والشتم ليداوي الجرح الذي سببته له دون أن يدري أن هذا قد يعود عليه بالندم وقد حدث ما حدث لكن الجهل عار ويعمي البصيرة.واستمر في ضربها وهي تصرخ بصوت جريح تطلب الغوث ولا أحد يبالي.هناك في ركن البيت أمها المسكينة تبكي فلاحول لها ولا قوة الأمر بيد زوجها ولاشيء أمامها سوى البكاء.هوت خديجة على الأرض مغما عليها من كثرة الضرب وأمضت أياما عويصة طريحة الفراش.أما خالد فأبوه شيخ كبير لايستطيع معاقبته خاصة أنه الابن الأكبر وهو الساعد الأيمن المعتمد عليه في تسيير شؤون البيت ومراقبة الأرض وزراعتها.فاكتفى والده بتأنيب ضميره على ما فعل.لكن لما كل هذا؟فالأمر لا يستحق،فهما يحبان بعضهما ورغبتهما في الزواج أكيدة رغم الظروف القاسية التي كانت سبب تهرب خالد من الزواج من محبوبة قلبه.هذا ما حاول أن يشرحه لأبيه الذي تفهم الوضع وذهب الى بيت العم مصطفى ليصلح خطأ ابنه ويخطب له محبوبته.وصل الخبر الى مسامع الضحية المسكينة فأعاد الفرحة الى قلبها لكنها فرحة لن تدوم لأن أباها كان عنيدا وأثر الواقعة لا زال يتخبط في داخله فرد على الحاج علي طلبه تبا لها من نفس ترعى في ذات هذا الانسان.أليس من العار أن يحرم ابنته الوحيدة من تحقيق حلمها ومنيتها الوحيدة حياتها لتعيش مع من أحبته .فبدلا من مباركة هذا الزواج قطع أواصره ليحقق بذلك رغبته المشؤومة التي صنعها الحقد في منبر احساسه.
للأسف نطق القاضي وحكم على الفتاة باعدام من نوع آخر،بقيت حبيسة الجدران لا حيلة لها حرمت نفسها من الأكل والشرب حدادا على هذا الفراق القاتل.أما خالد فأصيب بجرح بليغ كيف لا وقد أمضى حياته يجري وراء هذا الحلم قاسى الأمرين وتحمل سخرية الأيام وسطو الزمان من أجله ليجد نفسه يجري وراء سراب.وقد خرج الأمر من بين يديه .راح المسكين يداوي جرحه ويضمده بالصبر.سرقت منهما الابتسامة وراحت تتبدد الذكريات وضاع الحلم الجميل...
عبد العالي الوالي المغرب
تعليق