[frame="9 10"]الحياة الثقافية السورية تكاد تغصُّ اليوم بالندوات العلمية والمحاضرات الأدبية، وتمتلئ بمعارض الكتب والرسم والنحت، ناهيك عن الأماسي بنوعيها الموسيقي والشعري لدرجة تبدو معها للمراقب عن كثب استحالة تتبُّع كل تلك النشاطات، أو حضور بعضٍ منها في يوم واحد، ولدرجة بتنا فيها نشهد طفرة متزايدة في عدد الكتاب والأدباء والفنانين، فكما أنَّ لكلِّ مشاهد مطرباً أو مطربة، أصبح لكل مواطن أديباً أو كاتباً يأخذ عنه آراءه ويجترُّ أفكاره.
ومع هذا الكمِّ الانفلاشي للنشاطات الثقافية والأمسيات الفنية والأدبية، إلا أن نوعية مرتاديها مقتصرة في معظمها على الأصدقاء والمعارف وأنصاف المثقفين، والذين ما فتئنا نصادفهم نفسهم في كل ملتقى وأمسية، يتبادلون أخبار بعضهم وهمومَ الحياة اليومية، دون الالتفات إلى فحوى المناسبة إلا من باب المصادفة أو الواجب.
وللخروج من هذه المعضلة عمل القائمون والمنظمون لهكذا فعاليات ومعارض على حشد واستقطاب أكبر عددٍ من الجمهور، دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية أن يكون هذا الجمهور ذا طبيعة متنوّعة ثقافياً ومعرفياً، حتى بات هاجسهم (كمُّ الحضور)، لا مسألة تنوُّع فكره وثقافته، متماشين مع المثل القائل: "يللي متلنا تعوا لعنا".
إن دخولنا عصر "الجمهور المستنسخ" استنساخاً شخصياً وثقافياً حصرَنا ضمن فلك فكري ضيّق، وجعلنا ندور في حلقة مفرغة، غابت – بل غيِّبت - عنها بقية الفئات الاجتماعية والثقافية من السواد الأعظم، والتي تلعب دوراً محورياً في خلق روح الاختلاف والتنوُّع في الآراء، ولا يخفى ما لذلك من أهمية في تحفيز الإبداع واستثارة ابتكار جديد. وكما هو معروف، فإن عدم قدرة العمل الفني أو الأدبي أو حتى الموسيقي على إضفاء لمسة سحرية تترك أثرها في روح المتلقي ووعيه، وعجزه (العمل الفني) عن جذب جمهور متنوّع الثقافة، مختلف التطلع، كلُّ ذلك من شأنه أن يطبع العمل الفني بطابَع التكرار والجمود، ويصمَ صاحبه بوصم التقليد وعدم الإتيان بجديد.
لقد آن للكاريزما الثقافية السورية اليوم أن تعترف بعجزها عن استقطاب فئات المجتمع الثقافي المتعدّدة، والحضور المتنوّع، تنوُّع ربطاتِ العنق التي يضعُها.
إن عملية توصيف المشهد الثقافي السوري تضعنا بلا شك أمام ثلاث إشكاليات:
إشكالية العمل الفني ضمن حقل إبستمولوجيا الإبداع، بحيث يتوخى صانعُه الابتكار، ويعمل على الاطلاع والاستزادة من مدارس الفن والأدب، واستقراء مفرداتها، واستجلاء صورها وجزئياتها، ولوجاً في جوّها وجوهرها الفكري، مع الحفاظ على طابع أصالة العمل الفني وصدق انتمائه لمبدعه. فلا إبداع دون أن نشفع الموهبة بالعلم والاطلاع.
أما الإشكالية الثانية فهي رؤية المنظمين والقائمين على المعارض الفنية والمؤتمرات الأدبية، فإذا لم تتسنَّ للعمل الإبداعي - أياً كان شكله وموضوعه – جهة ترعاه وتتبناه، ويدٌ تأخذ به في الزمان والمكان المناسبين، راسمة له خطة تعريفية، وترويجية بالمعنى الثقافي، فلن يرى هذا العمل النورَ الحقيقي، وسيغدو كالزبد على صفحة الماء، ما يلبث أن يضمحل ويذوب مع الأيام.
إن الاعتراف بهذين المأزقين: إبداعية العمل الفني، والجهة الراعية التي تنظمه ولا تنظر له، يضعنا في الطريق الصحيح أمام حلِّ الإشكالية الثالثة، وهي إشكالية الجمهور والمتلقي. هذا الجمهور هو اليوم موزَّع ومشتت بين من استمرأ حضورَ المَشاهد الثقافية والفنية المصبوغة بصبغة التقليد والمحاكاة، واعتاد ارتيادها كنوع من أنواع البروتوكول الاجتماعي، وهذا لا يُعوَّل عليه، وآخرَ ما عاد يقيم وزناً لكلّ ما يُفسِد ذائقته الفنية، وكلّ ما يسِمُ المشهدَ الثقافي بسمة الاعتباطية والتقاط فتات ما لدى الغرب، مما أكل عليه الدهر وشرب، وهذا الجمهور هو الذي يُعوَّل عليه، والذي ملَّ من المبرّرات، وأنف تلك الشماعة البالية التي لطالما تعلق عليها الأخطاء، والقائلة: "الجمهور هيك بدوا"، فلم تعد تقنعه الحجج، أو يعنيه الاهتمامُ بمثل تلك الأمسيات والمعارض الصفراء، أسوة بما كانت تسمى به (صاحبة الجلالة).
وفي سياق احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، نغدو أشدَّ حاجة من أيِّ وقت مضى إلى توفير بيئة صحية ثقافياً، وإلى تنقية الجوّ الأدبي مما شابهُ، وتصفية الساحة الفنية، الموسيقية والدرامية، مما ران عليها من غبار كسر التقاليد ومواكبة العصر.
فهل يعود لدمشق أريجها الثقافي؟ وهل تعبقُ من جديد بموسيقى ياسمينها وريحانها، وتشدو بشعر عصافيرها؟ وهل تحتفي مزهوَّة بكتابها وأدبائها وفنانيها كعاصمة ثقافية عربية؟ أم هل تضيقُ بكلِّ أولئك ذرعاً؟.
الإجابة إن لم تكن لدى الجهات المعنية والمنظمة لهذه الفعاليات، فهي برسم وزارة الثقافة !.[/frame]
ومع هذا الكمِّ الانفلاشي للنشاطات الثقافية والأمسيات الفنية والأدبية، إلا أن نوعية مرتاديها مقتصرة في معظمها على الأصدقاء والمعارف وأنصاف المثقفين، والذين ما فتئنا نصادفهم نفسهم في كل ملتقى وأمسية، يتبادلون أخبار بعضهم وهمومَ الحياة اليومية، دون الالتفات إلى فحوى المناسبة إلا من باب المصادفة أو الواجب.
وللخروج من هذه المعضلة عمل القائمون والمنظمون لهكذا فعاليات ومعارض على حشد واستقطاب أكبر عددٍ من الجمهور، دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية أن يكون هذا الجمهور ذا طبيعة متنوّعة ثقافياً ومعرفياً، حتى بات هاجسهم (كمُّ الحضور)، لا مسألة تنوُّع فكره وثقافته، متماشين مع المثل القائل: "يللي متلنا تعوا لعنا".
إن دخولنا عصر "الجمهور المستنسخ" استنساخاً شخصياً وثقافياً حصرَنا ضمن فلك فكري ضيّق، وجعلنا ندور في حلقة مفرغة، غابت – بل غيِّبت - عنها بقية الفئات الاجتماعية والثقافية من السواد الأعظم، والتي تلعب دوراً محورياً في خلق روح الاختلاف والتنوُّع في الآراء، ولا يخفى ما لذلك من أهمية في تحفيز الإبداع واستثارة ابتكار جديد. وكما هو معروف، فإن عدم قدرة العمل الفني أو الأدبي أو حتى الموسيقي على إضفاء لمسة سحرية تترك أثرها في روح المتلقي ووعيه، وعجزه (العمل الفني) عن جذب جمهور متنوّع الثقافة، مختلف التطلع، كلُّ ذلك من شأنه أن يطبع العمل الفني بطابَع التكرار والجمود، ويصمَ صاحبه بوصم التقليد وعدم الإتيان بجديد.
لقد آن للكاريزما الثقافية السورية اليوم أن تعترف بعجزها عن استقطاب فئات المجتمع الثقافي المتعدّدة، والحضور المتنوّع، تنوُّع ربطاتِ العنق التي يضعُها.
إن عملية توصيف المشهد الثقافي السوري تضعنا بلا شك أمام ثلاث إشكاليات:
إشكالية العمل الفني ضمن حقل إبستمولوجيا الإبداع، بحيث يتوخى صانعُه الابتكار، ويعمل على الاطلاع والاستزادة من مدارس الفن والأدب، واستقراء مفرداتها، واستجلاء صورها وجزئياتها، ولوجاً في جوّها وجوهرها الفكري، مع الحفاظ على طابع أصالة العمل الفني وصدق انتمائه لمبدعه. فلا إبداع دون أن نشفع الموهبة بالعلم والاطلاع.
أما الإشكالية الثانية فهي رؤية المنظمين والقائمين على المعارض الفنية والمؤتمرات الأدبية، فإذا لم تتسنَّ للعمل الإبداعي - أياً كان شكله وموضوعه – جهة ترعاه وتتبناه، ويدٌ تأخذ به في الزمان والمكان المناسبين، راسمة له خطة تعريفية، وترويجية بالمعنى الثقافي، فلن يرى هذا العمل النورَ الحقيقي، وسيغدو كالزبد على صفحة الماء، ما يلبث أن يضمحل ويذوب مع الأيام.
إن الاعتراف بهذين المأزقين: إبداعية العمل الفني، والجهة الراعية التي تنظمه ولا تنظر له، يضعنا في الطريق الصحيح أمام حلِّ الإشكالية الثالثة، وهي إشكالية الجمهور والمتلقي. هذا الجمهور هو اليوم موزَّع ومشتت بين من استمرأ حضورَ المَشاهد الثقافية والفنية المصبوغة بصبغة التقليد والمحاكاة، واعتاد ارتيادها كنوع من أنواع البروتوكول الاجتماعي، وهذا لا يُعوَّل عليه، وآخرَ ما عاد يقيم وزناً لكلّ ما يُفسِد ذائقته الفنية، وكلّ ما يسِمُ المشهدَ الثقافي بسمة الاعتباطية والتقاط فتات ما لدى الغرب، مما أكل عليه الدهر وشرب، وهذا الجمهور هو الذي يُعوَّل عليه، والذي ملَّ من المبرّرات، وأنف تلك الشماعة البالية التي لطالما تعلق عليها الأخطاء، والقائلة: "الجمهور هيك بدوا"، فلم تعد تقنعه الحجج، أو يعنيه الاهتمامُ بمثل تلك الأمسيات والمعارض الصفراء، أسوة بما كانت تسمى به (صاحبة الجلالة).
وفي سياق احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، نغدو أشدَّ حاجة من أيِّ وقت مضى إلى توفير بيئة صحية ثقافياً، وإلى تنقية الجوّ الأدبي مما شابهُ، وتصفية الساحة الفنية، الموسيقية والدرامية، مما ران عليها من غبار كسر التقاليد ومواكبة العصر.
فهل يعود لدمشق أريجها الثقافي؟ وهل تعبقُ من جديد بموسيقى ياسمينها وريحانها، وتشدو بشعر عصافيرها؟ وهل تحتفي مزهوَّة بكتابها وأدبائها وفنانيها كعاصمة ثقافية عربية؟ أم هل تضيقُ بكلِّ أولئك ذرعاً؟.
الإجابة إن لم تكن لدى الجهات المعنية والمنظمة لهذه الفعاليات، فهي برسم وزارة الثقافة !.[/frame]
تعليق