من يشتري ..
(اشتروني) هكذا تعالت صرخة أمي في أرجاء المنزل، كنت أحبس أنيني ودموعي تراق كزخات المطر تنتهرني خالتي :اسكتي أمك بخير هو ألم ويزول ..
هكذا أمي حين تتوجع وأتساءل من يشتري أوجاعها ، أنينها ، تقلبها على فراش المرض ..!؟
طفلة أنا لأمني نفسي علي أجني الكثير لأشري أوجاعها ..
امتدت الأيام لتسرقها مني، كنت لأكفل العالم وأسمع أنفاسها، صوتها الدافئ، لمساتها الحانية، ولكن هيهات؛
بقيت تلك الغصة كجمر تلظت به حنجرتي إثر عبرات كلما أتيت على اسمها وسيرتها ..
أسير في شوارع بغداد الخربة حيث الفوضى تعم وأبناء الحي الواحد بنظرات حاقدة يتراشقان بعضهما من يقتل من؟ والبادي أدهى و(أشطر ...!)
لتأتي صرخة إثر رصاص يصيب حيث اللحوم تناثرت لـ تتلوى إحدى الجثث ألما؛ اشتروني، حتى انخمدت مع سكون المدى وهو ينفث دخانا كالسكار ..
رحلت بأفكاري بعيدا حيث صوت أمي لأنزوي أبكي دون أن يرمقني أحد أتوجع فجعا وأتوارى وأهرب من هول المنظر ..
وتمضي الأيام .. في السوق حيث رمي النقود لنسد ثغور الضجر؛ لم تكن الحاجة هي من تدفعنا للشراء فقد فات أوان الحصار البائس الذي أذهب اللحم ودق العظم ..ولكن بحثنا عن أنفسنا هو من يدفعنا لنشتري كطفل يحاول الإمساك بأي شيء ليسكت ألم نتوء أسنانه ؛
في المكتبة أقلب كتبا قديمة؛
بعينين جاحظتين فغر البائع فاه مشدوها ،أربكتني رؤيته لي كأحمق؛ لحظتها تذكرت قوله تعالى(.. كمثل الحمار يحمل أسفارا ..) شاغلتني ابتسامة أربكت شفتيّ؛ عدت أقلب الأوراق متغافلة إياه ،حتى نطق أخيرا :
هذه الكتب لها سنوات لم يقلبها أحد، ما حاجتك بها؟
عجزت عن الرد فكيف يفهم من جعل منها عرضة للشراء كل هذه السنوات وهي لا أهمية لها عنده؟ وكيف ألِج لقحفة رأسه لإيصال الفكرة وأجده كحمارا يحمل أسفارا ؟!
أكتفيت ببسمة إشفاق واستهجان ، من يشتري الفكر لينُضجَ ذاكرته يحيي فيها أمل العلم والمعرفة و يقلب الذكريات الجميلة .. وي كأني أسمع صرخات الكتب ( اشتروني) .
تفاجعت بـ دوية عظيمة تهز أرجاء المكان لتنهار المباني المحيطة بنا كأنما السماء تصرخ بنا اهربوا ..
يؤلمني صوتا يئن بأنفاس متقطعة (اشتروني)
من يشتري لحما تناثر في كل مكان بـ رائحة شواء مخلوط بـ دم مسفوح ورماد ..؟
أتخبط ،أبحث أستنجد : من يشتري الوجع من يكفل ابتسامة من يزرع حب توارى في هذا الضياع ؟
تعليق