أحلام أمي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حارس الصغير
    أديب وكاتب
    • 13-01-2013
    • 681

    أحلام أمي

    أحلام أمي
    حلمت أمي بأنها حامل، فبشرها الطبيب بأنها في الشهر الثالث ، وأنجبتني بعد سنوات عجاف ظنت فيها بأنها عاقرٌ لن تلد.
    وحلمت أمي ثانية بأنها رأتني أدخل المدرسة وأتفوق فيها ،فحققت حلمها وأصبحت فائقا أحصل علي أعلي الدرجات التي أهلتني لدخول الكلية البحرية،لكن أبي رفض بشدة دخولي.
    حاولت أمي جاهدة أن تقنع أبي بأن يلحقني بها ، غير أنه اعترف لها بأنه قليل الحيلة ورزقه قليل و لا يستطيع دفع مصاريف الكلية ، فبكت أمي ،وقالت لأبي :
    - ابننا الوحيد يهون من أجله كل شئ.
    تطلع إليها أبي حزينا ، وامتطي حماره ساحبا وراءه بقرتنا الوحيدة ،مثقلا بهمومه وأحزانه، وفأس ضرب بها الأرض طويلا من بعد صلاة الفجر حتى قاربت الشمس علي الغروب.
    وعاد أبي مساء من الحقل بحماره وفأسه دون البقرة، و طرق باب المنزل طويلا فلم تفتح له أمي ، فتسلق جدار الدار المنخفضة ،وقفز منها إلي قلب المنزل ونادي أمي مليا ، فلم تجبه ، فابتسم أبي ، وقال لها :
    - دفعت مصاريف الكلية البحرية.
    تهللت أسارير أمي ، وزغردت كثيرا ، لكنها بكت بعد ذلك بكاء شديدا حتى نحل جسدها ، وارتدت ثيابا سودا ، وجلست وسط الدار وحيدة تحدث نفسها .
    وحلمت أمي بأنني أرتدي بذلة بيضاء ، وأقود سيارة كبيرة ،فارتميت في حجرها وأسندت رأسي علي فخذها ، وقلت مازحا :
    - نحمد الله أن الأحلام تأتينا مجانا دون ثمن .
    مسحت بيدها علي رأسي ، وقالت :
    - أحلامي رؤى ، ودائما ما تتحقق .
    وحلمت أمي بأنها صنعت لي مركبا ، وتحولت المركب باخرة أبحرت بي إلي بلاد بعيدة ، فجاءتني بعثة دراسية إلي أمريكا ، فاعترضت أمي بشدة علي سفري، وقالت باكية :
    - من لي غيرك في الدنيا ؟!
    ولكني أقنعتها أخيرا بأنها بعثة دراسية لا تعوض ،ولن يستغرق سفري إلا أياما ، وستفتخر بي ، لكني أبحرت بعد ذلك كثيرا ، وسافرت شهورا طويلة دون أن تعترض أمي .
    وحينما عدت من رحلتي الأخيرة بالباخرة ، كانت أمي تنتظرني عند الشاطئ ثملة بفرحة كبيرة ،وفتحت ذراعيها لتحتضنني ، غير إنني مضيت في طريقي بعيدا دون أن ألتفت إليها ،فنادتني مرارا ولم أسمعها .
    ربت أبي علي كتفها ، وتابعاني حتى ركبت سيارتي الفارهة ، وعدت بها إلي الدار مسرعا .
    وحينما وصلت إلي الدار لم تكن موجودة ؛ فلقد هدمت وشيد بدلا منها فيلا كبيرة تحيط بها الأشجار والأزهار من كل جانب ، وأمامها حمام كبير من المياه ، قفز فيه أولادي يستحمون ويلعبون، فيما جلست زوجتي تتابعهم وهي تقرأ مجلة أمريكية.
    دخلت مسرعا ، وأخذتهم في أحضاني ، واشتقت إلي حضن أمي الدافئ ، فدلفت إلي حجرتي ، واضطجعت علي سريري ، فألفيتها جالسة جواري نصف نائمة ،يغالبها النوم فيميل رأسها إلي الأرض حتى يكاد يرتطم بها ، فتعتدل بسرعة ، وتقول لي محفزة :
    - ذاكر ...فالمجتهد له حظ كبير في الدنيا والآخرة .
    ووجدت أبي يدخل إلي حجرتي مكدودا ، فيطبع قبلة علي خدي ، ثم يعطيني مصروف المدرسة ، ويذهب مسرعا ، فيستلقي علي فراشه متعبا ويغط في نوم عميق.وحينما طال اشتياقي إليهما قررت أن أزورهما ، وأقبل أيديهما، ولأُريهما حلمهما الصغير الذي أصبح واقعا كبيرا ،فخرجت مسرعا إلي حيث يرقدان، فجلست وقرأت لهما الفاتحة .
    يناير 2013
    التعديل الأخير تم بواسطة حارس الصغير; الساعة 29-05-2013, 17:38.
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    جميلة القصة جدا
    مؤثّرة .
    أعجبني تداخل الزمن في فقرة النهاية .
    ما أجمل أحلام الأمهات و ما أبخل الأبناء .
    تحياتي لك و تقديري .
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      قصة ممتعة ومشوّقة، اعتمد السارد فيها على طريقة التداعي الحر في سرد الأحداث..في بضعة سطور اختزلت القصة عمر إنسان بأكمله، بل حيوات..اشكرك على الإمتاع
      محبتي وتقديري، اخي المبدع حارس الصغير

      تعليق

      • حارس الصغير
        أديب وكاتب
        • 13-01-2013
        • 681

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
        جميلة القصة جدا
        مؤثّرة .
        أعجبني تداخل الزمن في فقرة النهاية .
        ما أجمل أحلام الأمهات و ما أبخل الأبناء .
        تحياتي لك و تقديري .
        الأستاذة القديرة/آسيا
        أشكر علي ما أودعتيه من جميل الكلمات وطيبها
        تحيتي وتقديري

        تعليق

        • ريما ريماوي
          عضو الملتقى
          • 07-05-2011
          • 8501

          #5
          رائعة القصة بكل ما فيها..
          تستدر العواطف تماما..

          أعجبتني، من أجمل ما قرأت
          في عصرنا الحديث..

          تستحق النجوم والتثبيت..

          بوركت ودام لك الألق..


          تحيتي وتقديري.


          أنين ناي
          يبث الحنين لأصله
          غصن مورّق صغير.

          تعليق

          • حارس الصغير
            أديب وكاتب
            • 13-01-2013
            • 681

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
            قصة ممتعة ومشوّقة، اعتمد السارد فيها على طريقة التداعي الحر في سرد الأحداث..في بضعة سطور اختزلت القصة عمر إنسان بأكمله، بل حيوات..اشكرك على الإمتاع
            محبتي وتقديري، اخي المبدع حارس الصغير
            اشكر اخي حسن
            علي قراءتك وكلماتك المحفزة التي اثلجت صدري
            تحيتي وتقديري

            تعليق

            • حارس الصغير
              أديب وكاتب
              • 13-01-2013
              • 681

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
              رائعة القصة بكل ما فيها..
              تستدر العواطف تماما..

              أعجبتني، من أجمل ما قرأت
              في عصرنا الحديث..

              تستحق النجوم والتثبيت..

              بوركت ودام لك الألق..


              تحيتي وتقديري.
              الاستاذة القديرة المبدعة ريما
              اعتذر عن التأخير في الرد لظروف سفري
              كلماتك وسام وضعته علي صدري ،وشعرت معها بالفخر
              ونجماتك تلألأت في سماء نصي
              وأشكرك علي التثبيت
              تحيتي وتقديري

              تعليق

              • فاطيمة أحمد
                أديبة وكاتبة
                • 28-02-2013
                • 2281

                #8
                قصة مؤثرة ، سلطت الضوء على جانب من تلك الحياة
                قرأتها منذ مدة .. وبقيت عالقة في ذهني
                شعرت أن خاتمتها ذهبية توجت بريق الحدث المتنامي
                جميل ما قرأت


                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الزميل القدير
                  حارس الصغير
                  ومن بقرة الأب وحياة الأب كان مستقبل الإبن
                  قصرا رائعا وزوجة أميركية
                  أنا شخصيا لم أحبب هذا الجحود أبدا, فكم مثل بطلنا اليوم يعيشون عيشة مترفة بينما الآباء والأمهات في كفاف
                  أحسنت زميلي وأنت تسلط الضوء على هذه الجزئية
                  ربما لن تنفعه قراءة سورة الفاتحة لأن شوقه جاء متأخرا جدا
                  الرحمة لكل الأمهات والآباء وهم يبذلون الغالي والنفيس من أجل الأبناء
                  تحياتي لك
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • حارس الصغير
                    أديب وكاتب
                    • 13-01-2013
                    • 681

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة فاطيمة أحمد مشاهدة المشاركة
                    قصة مؤثرة ، سلطت الضوء على جانب من تلك الحياة
                    قرأتها منذ مدة .. وبقيت عالقة في ذهني
                    شعرت أن خاتمتها ذهبية توجت بريق الحدث المتنامي
                    جميل ما قرأت
                    سعدت بقراءتك اختي فاطيمة
                    وجميل أنها تركت أثرا في نفسك
                    تحيتي وتقديري

                    تعليق

                    يعمل...
                    X