أحلام أمي
وحلمت أمي ثانية بأنها رأتني أدخل المدرسة وأتفوق فيها ،فحققت حلمها وأصبحت فائقا أحصل علي أعلي الدرجات التي أهلتني لدخول الكلية البحرية،لكن أبي رفض بشدة دخولي.
حاولت أمي جاهدة أن تقنع أبي بأن يلحقني بها ، غير أنه اعترف لها بأنه قليل الحيلة ورزقه قليل و لا يستطيع دفع مصاريف الكلية ، فبكت أمي ،وقالت لأبي :
- ابننا الوحيد يهون من أجله كل شئ.
تطلع إليها أبي حزينا ، وامتطي حماره ساحبا وراءه بقرتنا الوحيدة ،مثقلا بهمومه وأحزانه، وفأس ضرب بها الأرض طويلا من بعد صلاة الفجر حتى قاربت الشمس علي الغروب.
وعاد أبي مساء من الحقل بحماره وفأسه دون البقرة، و طرق باب المنزل طويلا فلم تفتح له أمي ، فتسلق جدار الدار المنخفضة ،وقفز منها إلي قلب المنزل ونادي أمي مليا ، فلم تجبه ، فابتسم أبي ، وقال لها :
- دفعت مصاريف الكلية البحرية.
تهللت أسارير أمي ، وزغردت كثيرا ، لكنها بكت بعد ذلك بكاء شديدا حتى نحل جسدها ، وارتدت ثيابا سودا ، وجلست وسط الدار وحيدة تحدث نفسها .
وحلمت أمي بأنني أرتدي بذلة بيضاء ، وأقود سيارة كبيرة ،فارتميت في حجرها وأسندت رأسي علي فخذها ، وقلت مازحا :
- نحمد الله أن الأحلام تأتينا مجانا دون ثمن .
مسحت بيدها علي رأسي ، وقالت :
- أحلامي رؤى ، ودائما ما تتحقق .
وحلمت أمي بأنها صنعت لي مركبا ، وتحولت المركب باخرة أبحرت بي إلي بلاد بعيدة ، فجاءتني بعثة دراسية إلي أمريكا ، فاعترضت أمي بشدة علي سفري، وقالت باكية :
- من لي غيرك في الدنيا ؟!
ولكني أقنعتها أخيرا بأنها بعثة دراسية لا تعوض ،ولن يستغرق سفري إلا أياما ، وستفتخر بي ، لكني أبحرت بعد ذلك كثيرا ، وسافرت شهورا طويلة دون أن تعترض أمي .
وحينما عدت من رحلتي الأخيرة بالباخرة ، كانت أمي تنتظرني عند الشاطئ ثملة بفرحة كبيرة ،وفتحت ذراعيها لتحتضنني ، غير إنني مضيت في طريقي بعيدا دون أن ألتفت إليها ،فنادتني مرارا ولم أسمعها .
ربت أبي علي كتفها ، وتابعاني حتى ركبت سيارتي الفارهة ، وعدت بها إلي الدار مسرعا .وحينما وصلت إلي الدار لم تكن موجودة ؛ فلقد هدمت وشيد بدلا منها فيلا كبيرة تحيط بها الأشجار والأزهار من كل جانب ، وأمامها حمام كبير من المياه ، قفز فيه أولادي يستحمون ويلعبون، فيما جلست زوجتي تتابعهم وهي تقرأ مجلة أمريكية.
دخلت مسرعا ، وأخذتهم في أحضاني ، واشتقت إلي حضن أمي الدافئ ، فدلفت إلي حجرتي ، واضطجعت علي سريري ، فألفيتها جالسة جواري نصف نائمة ،يغالبها النوم فيميل رأسها إلي الأرض حتى يكاد يرتطم بها ، فتعتدل بسرعة ، وتقول لي محفزة :
- ذاكر ...فالمجتهد له حظ كبير في الدنيا والآخرة .
ووجدت أبي يدخل إلي حجرتي مكدودا ، فيطبع قبلة علي خدي ، ثم يعطيني مصروف المدرسة ، ويذهب مسرعا ، فيستلقي علي فراشه متعبا ويغط في نوم عميق.وحينما طال اشتياقي إليهما قررت أن أزورهما ، وأقبل أيديهما، ولأُريهما حلمهما الصغير الذي أصبح واقعا كبيرا ،فخرجت مسرعا إلي حيث يرقدان، فجلست وقرأت لهما الفاتحة .
يناير 2013
تعليق