كتب مصطفى بونيف
تحت القبة وزير... !!
تحت القبة وزير... !!
عزيزي الموظف...أتحداك أمام الملأ أن تتجرأ على قولها، أتحداك أن تقولها في وجه مديرك الفاسد...يمين الطلاق...أقصد الاستقالة !!. ستكتفي بدور الشيطان الأخرس وأنت تشاهد الفساد في مكان عملك، ثم تقول (( أنا خايف على خبزة الأولاد..))، لأنك تعلم جيدا بأننا ضعفاء أمام الخبز، ويلعن أبو الشرف الذي يعرضني أنا وأطفالي إلى الجوع، والجوع كافر... !!
كلمة الاستقالة...لا توجد في القاموس العربي، وإن وجدت فهي حدث نادر يستحق أن يخلد في كتب التاريخ، والموظف الذي يفعلها من حقه علينا أن نصنع له تمثالا...
مازلت أدعو في سجودي إلى الله أن أشاهد في حياتي منظر وزير وهو يقدم استقالته بكل كبرياء ..الوزراء في بلادنا لا يحركهم إلا ملك الموت...وربما أوصى بعضهم بأن تتحول مكاتبهم بعد موتهم إلى ضريح...وبدل أن يصبح تحت القبة شيخ..سيصبح تحت القبة وزير.. !!، وإذا حدث أن وقع تعديل وزراي (وهذا أمر نادر)...فإن الوزير الخارج مفقود...يصبح تماما مثل المرأة المطلقة لأسباب أخلاقية، الكل ينظر إليه بإزدراء...وفي عيوننا كلمة واحدة(( اللهم لا شماتة، أصبح مثل الكل...مثل كل الشعب))...الوزراء في بلدنا مثل السرطان، لا يتركون الجسم حتى يموت...يأكلون التمر ويمتصون بذوره..
دخلت إلى أحد المقاهي في الجنوب، لأنني تعودت كلما أصبت بقحط في الكتابة أحمل نفسي إلى الواحات حيث ..الخضرة والماء والوجه الحسن، وهناك أشحن نفسي..
جلست في أحد المقاهي الشعبية ..وطلبت كوبا من الشاي، ورحت أسرح في اتساع سماء تلك البلدة الجميلة...سماؤهم لا تشبه سماءنا...وشمسهم أنقى من شمسنا، والشاي عندهم أحلى من الشاي عندنا..كان النادل يتحرك في همة ونشاط، حتى دخل درويش يحمل صحن بخور وهو ينادي (( الله حي..الله حي))...أسرع إليه النادل في احترام شديد، ووضب له الطاولة، ووضع أمامه الشاي مع قطعة كعك..وهو يكرر جملة واحدة
- أمرك مولانا...أمرك مولانا...
- مزيدا من السكر في الشاي...حي الله حي الله حي...
- أمرك مولانا ...أمرك مولانا...
ناديت النادل...لأسأله عن سر اهتمامه الشديد بهذا الشيخ الأشعث الأغبر...فقال لي بصوت منخفض خوفا أن يسمعه أحد..
- إنه سيدي وشيخي ..الشيخ أبو السعد المجدوب...حفظه الله...
صرخ الشيخ وهو يهز رأسه في حركات عمودية وأفقية (( حي ....حي..الله حي الله حي...))..
كان النادل يطوف حول الشيخ، وينفذ أوامره...السكر، الشاي، الدخان...حتى انصرف بعد أن قطع أنفاس النادل..الذي كان يركض خلفه ويطلب منه الدعاء، الزوجة الصالحة، المال...
أمسكت النادل من كتفه وقلت له..(( اشرح لي ما الذي كان يحدث بالضبط؟))..
فقال لي: إنه شيخ صاحب البركات، و الحكومة في بلادنا لا تتشكل إلا بعد استشارته، وأخذ البركات عنه...كل الوزراء يأتون إليه يطلبون بركاته، فإن أذن لهم الشيخ أخذوا الوزارة..وإن لم يأذن لن يجرأ أحد على كسر كلماته وإلا انقطعت عنه البركات....
تذكرت حال البلاد، والوزراء الذين تسببوا في رفع الضغط والسكر للشعب..ثم قلت وأنا أكز على أسناني...(( وأين يعيش هذا الشيخ...أريد أن أراه...؟))..
سألني النادل:- لماذا تريد أن تراه؟
- أريد أن أشكره على بركاته...بركاته التي نفعت الأمة..الآن عرفت لماذا تفوح وزاراتنا..ثم إن هذا الشيخ لم ينص عليه الدستور، مادام يقوم بتعيين الوزراء...
قاطعني النادل بكلام استفزني...وجعلني أكاد أخرج من ثيابي...
- ليس الوزراء فقط...بل حتى الولاة، والقضاة، وكبار الضباط...حتى رجال الأعمال يأخذون من بركاته...
- ولماذا لم ينفع نفسه..ليصبح رئيس وزراء، أو حتى رئيس جمهورية...بدل أن يرسل علينا ببركاته...؟.
- هو اختار الزهد، والبساطة....
- هو يختار الزهد والبساطة ليبتلينا نحن الشعب بهؤلاء...أعوذ بالله....
- والوزير الذي اختلس ملايير الدولارات وهرب إلى الخارج هل كان يزوره؟
- طبعا...كلهم كانوا يزورونه...وهم يعيشون ببركاته...
دفعت حساب الشاي...وخرجت من المقهى...صدمني منظر مظاهرة يقوم بها شباب الصحراء، يطالبون فيها بالعمل، والسكن..يطالبون فيها بحقوقهم من الحكومة...ويرفعون شعارات ضد الفساد والظلم..واللامساواة...
بينما الشيخ أبو السعد المجدوب...يرتكن إلى جدار ....ووجهه يختفي خلف البخور...وهو يصرخ (( الله حي...حي الله حي..))..
مصطفى بونيف
كلمة الاستقالة...لا توجد في القاموس العربي، وإن وجدت فهي حدث نادر يستحق أن يخلد في كتب التاريخ، والموظف الذي يفعلها من حقه علينا أن نصنع له تمثالا...
مازلت أدعو في سجودي إلى الله أن أشاهد في حياتي منظر وزير وهو يقدم استقالته بكل كبرياء ..الوزراء في بلادنا لا يحركهم إلا ملك الموت...وربما أوصى بعضهم بأن تتحول مكاتبهم بعد موتهم إلى ضريح...وبدل أن يصبح تحت القبة شيخ..سيصبح تحت القبة وزير.. !!، وإذا حدث أن وقع تعديل وزراي (وهذا أمر نادر)...فإن الوزير الخارج مفقود...يصبح تماما مثل المرأة المطلقة لأسباب أخلاقية، الكل ينظر إليه بإزدراء...وفي عيوننا كلمة واحدة(( اللهم لا شماتة، أصبح مثل الكل...مثل كل الشعب))...الوزراء في بلدنا مثل السرطان، لا يتركون الجسم حتى يموت...يأكلون التمر ويمتصون بذوره..
دخلت إلى أحد المقاهي في الجنوب، لأنني تعودت كلما أصبت بقحط في الكتابة أحمل نفسي إلى الواحات حيث ..الخضرة والماء والوجه الحسن، وهناك أشحن نفسي..
جلست في أحد المقاهي الشعبية ..وطلبت كوبا من الشاي، ورحت أسرح في اتساع سماء تلك البلدة الجميلة...سماؤهم لا تشبه سماءنا...وشمسهم أنقى من شمسنا، والشاي عندهم أحلى من الشاي عندنا..كان النادل يتحرك في همة ونشاط، حتى دخل درويش يحمل صحن بخور وهو ينادي (( الله حي..الله حي))...أسرع إليه النادل في احترام شديد، ووضب له الطاولة، ووضع أمامه الشاي مع قطعة كعك..وهو يكرر جملة واحدة
- أمرك مولانا...أمرك مولانا...
- مزيدا من السكر في الشاي...حي الله حي الله حي...
- أمرك مولانا ...أمرك مولانا...
ناديت النادل...لأسأله عن سر اهتمامه الشديد بهذا الشيخ الأشعث الأغبر...فقال لي بصوت منخفض خوفا أن يسمعه أحد..
- إنه سيدي وشيخي ..الشيخ أبو السعد المجدوب...حفظه الله...
صرخ الشيخ وهو يهز رأسه في حركات عمودية وأفقية (( حي ....حي..الله حي الله حي...))..
كان النادل يطوف حول الشيخ، وينفذ أوامره...السكر، الشاي، الدخان...حتى انصرف بعد أن قطع أنفاس النادل..الذي كان يركض خلفه ويطلب منه الدعاء، الزوجة الصالحة، المال...
أمسكت النادل من كتفه وقلت له..(( اشرح لي ما الذي كان يحدث بالضبط؟))..
فقال لي: إنه شيخ صاحب البركات، و الحكومة في بلادنا لا تتشكل إلا بعد استشارته، وأخذ البركات عنه...كل الوزراء يأتون إليه يطلبون بركاته، فإن أذن لهم الشيخ أخذوا الوزارة..وإن لم يأذن لن يجرأ أحد على كسر كلماته وإلا انقطعت عنه البركات....
تذكرت حال البلاد، والوزراء الذين تسببوا في رفع الضغط والسكر للشعب..ثم قلت وأنا أكز على أسناني...(( وأين يعيش هذا الشيخ...أريد أن أراه...؟))..
سألني النادل:- لماذا تريد أن تراه؟
- أريد أن أشكره على بركاته...بركاته التي نفعت الأمة..الآن عرفت لماذا تفوح وزاراتنا..ثم إن هذا الشيخ لم ينص عليه الدستور، مادام يقوم بتعيين الوزراء...
قاطعني النادل بكلام استفزني...وجعلني أكاد أخرج من ثيابي...
- ليس الوزراء فقط...بل حتى الولاة، والقضاة، وكبار الضباط...حتى رجال الأعمال يأخذون من بركاته...
- ولماذا لم ينفع نفسه..ليصبح رئيس وزراء، أو حتى رئيس جمهورية...بدل أن يرسل علينا ببركاته...؟.
- هو اختار الزهد، والبساطة....
- هو يختار الزهد والبساطة ليبتلينا نحن الشعب بهؤلاء...أعوذ بالله....
- والوزير الذي اختلس ملايير الدولارات وهرب إلى الخارج هل كان يزوره؟
- طبعا...كلهم كانوا يزورونه...وهم يعيشون ببركاته...
دفعت حساب الشاي...وخرجت من المقهى...صدمني منظر مظاهرة يقوم بها شباب الصحراء، يطالبون فيها بالعمل، والسكن..يطالبون فيها بحقوقهم من الحكومة...ويرفعون شعارات ضد الفساد والظلم..واللامساواة...
بينما الشيخ أبو السعد المجدوب...يرتكن إلى جدار ....ووجهه يختفي خلف البخور...وهو يصرخ (( الله حي...حي الله حي..))..
مصطفى بونيف
تعليق