التصويت النهائي لمسابقة القصة القصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فارس رمضان
    أديب وكاتب
    • 13-06-2011
    • 749

    التصويت النهائي لمسابقة القصة القصيرة

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وصلنا للمحطة قبل الأخيرة في مسابقة القصة القصيرة، مرحلة تصويت الأعضاء بعد أن تم إغلاق باب تلقي المشاركات. وقد تم إرسال جميع المشاركات إلى لجنة التقييم مشكورة.

    ربما كانت هذه أهم مرحلة في المسابقة، فيجب علينا توخي الدقة في الاختيار، وأيضا الأمانة مطلوبة في هذه المرحلة.
    التصويت سيمتد لمدة أسبوع من الآن لينتهي يوم السبت الموافق 9/6/2013 مع انتصاف ليل القاهرة.

    أيضا يجب علينا أن نراعي المعايير قدر الإمكان.


    -1 الّلغة و سلامة النصّ من الأخطاء 10%
    - فصاحة الّلغة و حسن توظيفها 5%
    - خلوّها من أخطاء الرّسم و النّحو 5%

    -2 الموضوع أو الفكرة 25%
    - البعد الإنساني و شموليّة المعنى 10%
    - التّنامي المنطقي للأحداث و مدى قدرتها على الإقناع 10%
    - التّجديد، البحث و تجاوز العادي 5%

    -3 النّسيج الحكائي أو المعالجة القصصية 25%
    - التّحكّم في السّير الزّمني 5%
    - التّشويق 5%
    - مستوى الدّهشة و الإبهار 5%
    - مدى تماسك النصّ و خدمته لوحدة الأثر5%
    - أدبيّة السّياق 5%

    - 4 الأسلوب 30%
    - الخطّ الإنشائي للقصّة 5%
    - الرّبط بين الأفكار و الانتقال السّلس بينها 5%
    - جودة السّرد و التزام الحياد 5%
    - الصّور المبتكرة و المجاز 5%
    - الوصف و التّشابيه 5%
    - جودة الحوار و مدى خدمته للنصّ 5%

    -5 الشّخصيّات 10%
    - انسجام الشّخصيّة مع عالمها و دورها و طبيعتها 10%


    المجموع 100%


    سيتم إدراج المشاركات تباعا
    شكرا لمن دعم وساند
    وشكرا لمن كان معنا بقلبه
    بالتوفيق للجميع
    تحيتي
    27

    هذا الاستطلاع منتهي

  • فارس رمضان
    أديب وكاتب
    • 13-06-2011
    • 749

    #2


    مشاركة رقم (1
    )



    مزامير من سفر الفرات


    المزمور الأول
    مسودة الفقد النؤاسية



    صمت ثقيل جاثم على جنبات الرصيف ، والطريق الأسفلتي المتهدل وسط بقايا تمثال تهشمت ملامحه ، جسده يتفصد عرقا ً .. سأجف حتما ً قبل وصولي .. اعتصر واجهة عمامته ليمسح عرقا ً ضايق رؤيته وعاد ليتطلع إلى الملامح المبعثرة عند نهاية الرصيف المهروس .
    - ما أبشع أن يتغير كل شئ هكذا .. !
    قبل لحظات كنت متواريا ً في دثاري ، أنعم بنوم هانئ متوسدا ً ذراع جاريتي الجديدة التي أهداها اليّ نديمي الرشيد بعد غزوته الأخيرة في بلاد الفرنجة ، إلا أن كابوسا ً مرعبا ً أقض مضجعي ، وجعلني أغادر ايقاعات أنفاسها الدافئة على حين غرة .. اللعنة على الأحلام ، وما تجره على أصحابها من ويلات
    رفع رأسه الى السماء مبهوتا ً ، غاضبا ً .. كانت سحابات سود تتوالد وترعى بهدوء .
    - فـ ...ـآآآ ..سـ .. !
    انتفض بشدة .. العقارب تتنزه في الليالي المتربة .. هكذا قالت جدته وهو صغير .. ذكريات بريئة تتواثب لتنقض على ما بقي في جسده المتعب.. كان يبكي عندما كانت تحكي له قصة لسعتها من قبل عقرب غادر .. لكنه كبر ولا يدري كيف انتقل سم الخوف من مرحلة الطفولة حتى مرحلة النضج.
    انتفض لحركة لايعلم مصدرها إلا أنه أحس بدنو عقرب موت يتجه نحوه .
    قبل قليل كان برفقة وزير الديوان ، وأخبره أن نديمه الرشيد سعيد بصحبته ، وأنه سيسر إليه بشئ لن ينساه طيلة حياته المقبلة ، لقد تحفز للقدوم مبكرا ً ليغرس مجساته في ناصية الوجع ويعود ليكمل تفاصيل بشارته مع صديقه المخمور.
    - اللعنة على الأحلام ، وماتجره علينا من ويلات .. ألم تجد غيري كي تصطاد فرحته بسنارتها المزعجة ، وتحيل موائد الفرح المؤجل فيها الى مأدبة للعزاء
    .. يالحظك العاثر ياأبا علي، لم تفترش يوما ً وسادة الفرح إلا وداهتمها دموع الكوابيس ، فما شأنك و تلك العربة المذهبة وبما تصطبغ به من ألوان قاحلة ، ترسم صورة موت مجعد مخفي بين عنق الحكاية ، وعنكبوت الزمن الجاثم فوق أوردة حلمك.
    - الـ... فـ..ـآآآ..س..!
    لم يستطع أن يرفع رأسه صوب السماء مرة أخرى ، وبخه شيخه في الكُتّاب على تبذيره حبر دواته وهو يحاول أن يتأمل نافذة كُتّابِهِ ِ المتهرئة ليخط من بين شعاع أجنحة حمامها الواقف عليها جملته الأولى
    - ..ـلـ..ـب الـ..فآآآآآ .. س .. !
    أكنت تظن وأنت تتفاجأ برؤية اسمك محفورا ً على حافة التمثال المقصوف ، أنك ستكون شخصاً مرموقا ً في المستقبل ، حتى تنتعل واقفا ً ما تبقى من حذاء الحكاية ، وتقف مكانه منتهزاً لحظة الفوضى التي عصفت بالموجودين حتى جعلتهم يتسابقون في صراع محموم لتهشيم أروقة بناياتهم الضخمة ، ونهب ما فيها من متاع وأثاث أتعبته يد من استهلكته مثلما هو واضح من آثار ماتقادم عليها من شروخ وخطوط ناعمة ، ثم ماهذا الذي كان يختبأ بين جنبات قدمه اليسرى .. هل كان صندوقا ً مذهبا ً موشوما ً بنقوش فضية .. لا أعلم .. فصرخات أحد الغرباء المتوسدين قطعهم اللاهبة فاجأتني حتى جعلتني أنفض مذعورا ً لأضيع وسط الجمع المتجمهر في وسط الطريق المحتقن
    - ..جـ..ـلب .. الفآآآ .. س .. !
    بعض بقايا ماتلفظ به هذا الغريب كان عصيا ً على الفهم ، حتى وأنا اتذكر بعض من مفرداتي الأعجمية التي كانت تتلفظ بها جدتي منذ صغري ، ولعل لفظة ( آي فاوند إت ) ذكرتني بأغنية فارسية الا أن لفظة( بوكس ) و (جاك ) الغريبتين ضيعت ما أردت أن أتذكره منها .. يا ترى ماذا كان يقصد ، وماذا كان يوجد في تلك العلبة المذهبة ...؟!
    - إ..جـ..ـلـب الفأس ..!
    وجه والده القابض على فأسه بكل قوة في حقل مولاه البصري كان يرمقه بوجع مسترسل ، مدفون بلهاث قافية موؤدة ... مات وهو يضع أنفاسه في الضربة الأخيرة
    - اجلب الفأس .. !
    الذبابة التي تجري في عروقه جعلته يدرك أنه سيسحق تماما ً تحت فأس القدر ، إذا هو لم يتحرك !
    مخالفته لأمر والدته وهي تنهره ، وتأمره بالابتعاد عن والبة بن الحباب والجري وراء ملذاته الفانية .. شنيعة جدا ً
    تحركت خطواته المعقوفة باتجاه إحدى الأشجار المعدنية ، المنتصبة على يسار الرصيف المهشم .. توقفت الحياة في داخله فجأة .. لايدري كم من الوقت مر ّ قبل أن تتدفق الدماء في عروقه كسيل هادر لتهدم سد الخوار من داخله
    تراجع قليلا ً إلى الوراء .. اتكأ على بقايا الشجرة المعدنية التي لم يجد لها اسما ً ، نظر باتجاه قطعة الحجر التي أعثرته وأدمت كاحله الأيسر حتى جعلته يهدئ من خطوه مستسلما ً لعجلات صمته اللاهث .
    قطب حاجبيه ... غير معقول .. وجه لأحد شخوص بني العباس
    أحس بشئ يوهنه عن الوقوف ، إلا أن إرادة المفاجأة أذهلته وأمرته أن ينهض بالرغم من وطأة مايحس به من الآم ومشاعر متضاربة .. يتقدم صوب الرأس .. يتأرجح ماشيا ً ، حتى يتمكن من القبض على قطعة من فصّ عينه اليمنى ، تأملها بحذر ، ثم أخذ قطعة أخرى من عمامة الرأس ، المطعمة بنقوش طالما ألفها وتعودت عيناه أن تغازلها في كل سهرة ، حاول أن يتلمس بعضا ً مما أحاطها من تجاعيد وطيات متعجبا ً من دقة من قام بنحتها ، وكأنما صاحبها قد تم تحنيطه وتركه ليتحول مع ماتبقى من ملابسه وحليه إلى قطعة من الحجر .. دقة ماحملته من تفاصيل جعلته يغوص مع ذكريات أمسه ( القريب – البعيد ) متذكرا ً ألوانها وبريق الجوهرة المتربعة على أسفل الجبهة الموالية لغرة حاملها و......
    - ماهذا ، هل هذه كلمات منقوشة على حواف الجوهرة .. أم أنها مجرد نقوش أخرى .. انها كلمات فعلا ً منقوشة بطريقة لايفهمها الا أهل ذلك الزمن .. ولكن ماذا جاء فيها : فأس ، كلكامش ، وحش .. ماهذا الكلام ..
    مسح على ناصيته وأغمض عينيه قليلا ً ، ثم فتحهما بهدوء ، حاول أن يسترجع بعضا ً من أبجديات علومه التي برع فيها ، ليحاول أن يفكك جزءا ً من خيوط هذه الأحجية الغريبة ، وماهي الا لحظات حتى فغر فاه ، فالكلمات هنا –بالرغم من بعثرتها – واضحة ً جلية ، إنها تقول :- (( إذا كنت قد وجدت تمثال رأسي مهشما ً ، فأبحث عن الفأس التي غرسها كلكامش في عنق خمبابا وحش غابة الأرز ، قبل أن يُفتَح َ باب ٌ من أبواب الجحيم ويُنزل على هذه الأرض وحشا ً أعتى منه ، أو من ثور عشتار المجنح ، أو من كلب مردوخ الأعور ذي الرؤوس الثلاثة ، حارس بوابات الجحيم .. لا تتوجل ، فقد كُتِب َ كُل ذلك على ورق الغيب ، وطالعتنا إياه نجوم السماء من قبل أن ندق إسفين الحجر الأول لهذه المدينة ، وقد قمنا بتخبئتها هنا إلى أن يتمكن الشخص المسافر إلى أثواب الغيب من العثور عليه ، فإن كنت ذلك الشخص ، فلا تتردد في دك رأس هذه الشجرة التي ستنهض من أوردة البذور المخبأة تحت أقدام تمثالك ..أسرع ، قبل أن ينزل الغول الذي يظنه البشر ، أنه طعم الله الموشوم بحريته الموعودة على أيدي الأغراب القادمين من وراء البحر .. أسرع ولتحفظك كل قوافي الشعر ، وليالي السمر التي تنعم بالنوم في أعتاب ذاكرتك الصدئة ))
    اندهش قليلا ً من عمق ما تفصح به هذه الكلمات الغريبة ، حتى اهتزت يده وأسقطت ما تحمله على بقايا فم التمثال القاحلة
    فتح فمه قليلا ً ليتقيأ جزءاً من بخار الكلمات الصادحة بلعاب ما صادفه من متناقضات ، من لحظة نهوضه من أكتاف كابوسه وحتى سقوطه بين ثنايا فكوك خط استوائه .
    حاول أن يتراجع لولا أن أصواتا ً أطلقتها حجارته الملقاة بين قدميه داهمت مسامعه .. لم يكن صوت ارتطامها بالأرض بل كان صوت آخر ، هل يعقل أن تكون معاقرته للخمر قد سلخت عنه الحكمة حتى تحول إلى إنسان لا يفرق بين صوت الارتطام والتأوه ، دس يده بين طيات عمامته عله ينزع من أذنيه بقايا ذلك الصوت ، حاول أن يهز رأسه ليطفئ طنينه من قطرات الودق المتساقط على هضبته المنبعجة .. لم يفلح
    -آه يا الهي ماهذا الصوت الوافد على عذرية مسامعي .. من أين يصدر .. كفى أتركني ، أرجوك .. لم أعد أحتمل
    حركاته الهيستيرية لم تمنع الصوت من مداهمة أذنيه بصفيره المدوي ، تتلاقح الأفكار في ذهنه وتتوالد هديرا ً ينتشر بسرعة عاتية ، ومحلقا ً فوق سماوات تشظياته ، تحتويه غمامة من الأفكار الهستيرية تلقيه عند بقايا الفم المثلومة شفته ، بسقوط لثامه
    - ما .. ماهذا .. هل هذا هو مصدر الصوت ؟!.. يا الهي أنه يؤلم
    ملازمته لمسك صيوانا اذنيه لم يمنع الصوت من اختراقه
    - يا ألهي .. هل أنا أحلم مجددا ً أم أنني لا أزال ملقى خارج بوصلة حلمي الأول ؟ ، أنقذني يا الله ..
    يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
    فلقد علمت بأن عفوك أعظم
    أدعوك رب ِّ كما أمرت تضرعاً
    فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
    إن كان لا يرجوك إلا محسن
    فبمن يلوذ ويستجير المجرم
    مالي إليك وسيلة إلا الرجا
    وجميل عفوك ثم أني مسلم
    - ههههه من ماذا تستجير يا فتى ، فأنا الذي تألم من آثار إلقاء جوهرة عمامته على شفته ؟ !
    - من .. من أنت ؟؟!
    - أنا بقايا التمثال الجاثمة تحتك ألم تعرفني .. ؟!
    - ما .. ماذا ، تمثال يتكلم ؟ .. يبدو أنني قد جننت فعلا ً ، أو أكاد أجن ههههههه .. لقد جننت ، لقد جن أبو نؤاس ، يا شماتة كل قوافي الشعر التي قلتها ، وكل كؤوس الخمر التي قبلتها ، يا فرحة شعراء الأمين بهذه اللحظة .
    - توقف عن هذيانك يا فتى وأسمع لما أقول فلم يتبق لك الكثير من الوقت .
    - ماذا اسمع ، وهل بقي من أذني شئ يستطيع أن يميز شيئا ً بعد الصوت الهائل الذي نفثته فيه .. ثم من أنت ، شكلك مألوف عندي إلا أنني لم أتشرف يوما ً بالتعرف عليك ؟
    - الآن لاتعرفني ، أيها المولى الهجين ، لقد كنت تستمتع بمجالس السمر عند وريثي الرشيد ، وتتنعم ببذخ قصوره ، وتسألني الآن من أنا ؟
    - الرشيد .. وأين أنا من هارون ، ومن قصره الذي أحيط بأسوار من أبنية وعمارة لم أألفها ، حتى ضيعت ملامح الطريق الذي كنت أحفظه عن ظهر قلب ، من أنت .. هل كنت من رواد مجالس مولاي أمير المؤمنين ؟
    - أنا أبو جعفر ..عم والده و جد زوجته ( زبيدة ) ، وباني هذه المدينة العريقة ، وقد هشم المغول الجدد رأسي كما ترى ، وهم يحاولون أن ينفثوا سمومهم بما تبقى من رئتي على هذه الأرض .
    - أها ..
    - ما بك هذه الأرض التي تقف عليها جزء مني ، وكل ذرة من ترابها تُشكّل خلية من خلايا خارطة جسدي المتعب .
    - وماذا تريد مني يامولاي ؟؟ ! .. أنا الآن ضائع وشريد ، خارج حدود زمني الذي أعرفه .. ولا أعلم ان كانت عيناي ستطالعني بشئ من مباهجه ، أم أنها ستقصيني كما أقصت رأسك الى موانئ الوجع الجريح
    - أريد منك أن تتشجع ، وتسرع في انجاز الدور الذي وكلت به منذ الأزل
    - دور أي دور .. عن ماذا تتحدث يا سيدي ؟
    - لا تخف .. هدئ من روعك ، لقد أنتخبتك هذه الأرض لهذه المهمة من قبل أن تولد ، فأحطناك برعايتنا وكلائتنا إلى أن جاء الوقت الذي ترد فيه الجميل ، وتقوم بدورك الذي رسمته لك يد القدر
    - يد القدر .. انتخاب .. مهمة عن ماذا تتحدث ، يبدو أن دوي الانفجار الذي بعثر رأسك قد طير ما تبقى من أبراج عقلك المنتهك
    - تأدب يا فتى ، واستمع لما أقوله لك ، فلم يبق أمامك متسع من الوقت
    - إلى ماذا أسمع إلى هذا الهراء .. آدمي يحدث حجرا ً ؟؟؟ هههههه
    يهزه صوت الدوي مرة أخرى حتى يعود ليسقطه ذليلا بين ثنايا الفم المتهدل
    - اسمع ... لقد وجدنا مخطوطة قديمة بين بقايا طوق كسرى ، الذي بنينا من حجارته هذه المدينة تخبرنا عن فأس مخبأة بين قصب الأهوار ، واعلمتنا عن ميزتها وعن من سيستخدمها ومتى فأخذناها وخبأناها حتى حانت اللحظة التي سيتم ايصالها الى حاملها ، فنفثنا في نفوس الحاقدين شيئا ً حتى يتجرَؤا ويحطموا هذا التمثال لنمكنه من الاستدلال عليها وتنفيذ ما رسم منه منذ الأزل
    - لا تقل لي أنني هو الشخص المختار .. يالشماتة كل ماعلق في ذهني من علوم وفقه
    - اسمع .. عليك أن تسرع ، فالشجرة التي سينبتها حفيد جاك من البذور المخبأة تحت قدمي تمثالك على وشك أن تنهض ... هل كنت تظن بأن هذا التمثال قد وضعناه عبثا ً هنا ، أم أنك كنت شيئا ً ذا قيمة في وقت لم يمجد شعرك إلا ماجنيك .. يا لك من شخص مضحك فعلا ً ههههه .
    - ها .. لقد تعجبت فعلا ً ، حتى قلت في نفسي ، من هذا الذي يجرؤ على اذلال اسمي بوسم هذه المدينة الطاهرة بواجهة رسمي .. ولكن ، عن أي بذور ، وأية شجرة تتحدث .. لم أفهم هذا الجزء من كلامك ياسيدي .
    - عن بذور الشعوبية التي وصمت بها بعد موتك ، وبذور الاباحية والزندقة .. لقد جاء العابرون من وراء الشفق ليعيدوا احياءها ويغذونها بكل ما اعتمل في جوارحهم ، من كراهية وحقد ، حتى يَسِموا أولاد هذه الأرض بأختام النخاسة على جباههم بحجة أنها (( حرية لديمقراطية موعودة ))
    - (( ديمقراطية )) لا اعرف عن ماذا تتحدث ياسيدي ، هل نسيت أني من زمن آخر .!
    - لا عليك ، فلايهم ان كنت تفهم جزءا ً مما أقوله أم لا ، المهم أن تبحث عن الأداة التي خبأناها تحت مفاصل عنقي كي تهشم بها ما يحاولون غرسه .. أسرع قبل أن يحصل المحذور وحينها لن نستطيع أن نفعل شيئا ً .
    - أداة .. أي أداة ؟
    - ما بك .. الفأس المذهبة التي قرأت عنها في الكتابة المنقوشة كطلسم حول جوهرتي .. أخرجها ولاتضع الوقت بسؤالاتك الفارغة ..ولكن احذر من أن تظهرها أمام أي شخص إلى أن تصل ، فهي شئ ثمين ، وقد يقتلك الواقفون حولك طمعا ً في قيمتها .
    - أمرك ياسيدي
    - أخرجها .. وأعلم أنك ستدخل حلبة التاريخ وتنال عظمة لم تنلها طيلة حياتك المزعومة في قصور أولادي
    حاول أن يوقظ عيون أصابعه وهو يشرع بتقليب الأحجار المتكتلة على ضريح الرأس المهدم
    أصداء صوت والدته وهي تحثه على الخروج من القبو المنعزل ، يخالط شبقه للعثور على عنق الفأس المدفونة
    تطالعه غمامة سوداء تتشكل في منتصف المسافة بين تمثاله وقصر الخلد
    يأمره الرأس بالإسراع .
    تقع عيناه على عجلات مجنزرة مفتوحة ( الفوانيس ) في وضح النهار ، وعلى أشخاص مدججين بمعادنهم اللاهبة وهم يغرسون شيئا ً في رحم الأرض ويسقونها من جثث جماجم َ مشطورة من النصف ويرددون عبارات غريبة مصحوبة برقصات تشبه حلبات القرود
    ((- ما بالك ياأبا نؤاس لاتضحك .. الا ترى هذا الأعجمي وهو يرقص ويراقص قرده الأحمر
    - أعذرني يامولاي ، لقد أهمني أمر جاريتي الحبلى ، وأنا أخاف أن تدهمها لحظة الطلق ولاتجد من يأخذ بيدها أو يسقيها شربة ماء
    - لا تخف يا أبا نؤاس .. وأضحك فاليوم (( سمر )) .. وغدا ً (( أمر ))
    - نعم يا خليلي اليوم سمر وغدا .....)) بدأت الأرض تهتز وصراخ الرأس له بالأسراع
    ظهرت سيقان خضر سرعان مأصفرت حتى اسودت وبدأت تتسارع في الصعود كأذرع أخطبوط عملاق وهي تنث من بين مساماتها دخانا ً أسود ، انقطع الجمع عن الانسياق في هذياناتهم وبدأت العربات المصفحة بمغادرة المكان وهي تردد بأبواق تشبه الحلازين
    Came to your Destiny
    Came to your Freedom
    Ha ha ha ha
    وبين هذا وذاك تتسارع الأذرع الخشبية بالتصاعد نحو الأعلى وسط صرخات الرأس ، داعيا ً أبا نؤاس للأسراع في البحث عن الفأس الذهبية ليوقف نهم الغول في الهبوط ، ويفلح في إسقاط هوية الهبة الغريبة ، التي يحاول أن ينزلها الغرباء من أعالي قفصها السماوي المغلق.

    تعليق

    • فارس رمضان
      أديب وكاتب
      • 13-06-2011
      • 749

      #3
      مشاركة رقم (2)


      محطاتٌ من شوك


      ألم


      التصقتْ بزوجها أكثر ,أمسكتْ يده بقوة والعرق يتصبب قطرات باردة من جبهتها المدورة , شدها إليه وأحاط خصرها بيده هامساًَ في أذنها: لا تخافي توكلي على الله . ارتخت مفاصلها حين ابتسمت الممرضة طالبةً منها الدخول. لمعت الدموع في مرج عينيها, استقبلها الطبيب بحفاوةٍ خفّفت قليلاً من ذلك التوتر الرهيب وعندما سألها: إن كانت قد أحضرت نتيجة تحليل الخزعة, هذه الكلمة التي هزّت عرش استقرارها كما هزّت عرش زواجها الميمون. لم تتغير ملامح وجه، ربما لأنه كان يتوقع نتيجة كهذه, انتفضتْ ووقفتْ أمامه وكفاها المتعرقان تطبعان بصماتِهما على زجاج مكتبه ،وهي تنتزع الحروف الباردة من حنجرتها المتجمدة سألته:ما النتيجة. طلب منها الهدوء، قرأت في وجهه صفحة التحليل السوداء. بتعاطفٍ أخبرها أن المشكلة محلولة, ستكون باستئصال الورم وإعطاء العلاج الكيميائي ,كان سيف كلماته الهادئة يشطر جسدها إلى نصفين

      . ****************************************




      وداع
      خلعتْ ثيابها عنها ووقفتْ عاريةً أمام المرآة وهي تتفقد نهدها المريض وتشيّعه بالدموع قبل مفارقته لها. كانت تتمنى أن تهبه الكثير من الاهتمام فيما تبقى من وقت, وتلثم حناياه طالبة منها أن يسامحها لأنها تجاهلت وجوده, ولم تفكر يوماً أنها تفقد الأنثى في داخلها إن فقدته , كانت تعصره تارة وتداعبه تارة أخرى برؤوس أصابعها باكية: أي فراغ سيخلّفه رحيلك عن جسدي؟ ألن تسكن الصحراء مكانك, وينصب الحزن خيمة له أمام واحة من دمع ؟! . غداً هو يومنا الموعود غداً علينا أن نتعانق للمرة الأخيرة ونتصافح فلا لقاء بيننا, ستتحول إلى كتلة من لحم تنشب الديدان فيها ,ولن يدرك أحد أن هذه القطعة تحمل نصف روحي . حين دخل زوجها موقظاً إياها من شرودها وهي تعانق جسدها العاري أمام المرآة , بكت وطلبت منه الخروج فلا تريد جرحه بزجاج قلبها المتناثر, شدها عنوة إليه وضمها حتى خلت أنها ستدخل جسده وتغوص فيه . وعندما هدأت عيناها وجسدها عن الاهتزاز رفع وجهها مبتسماً:لا تقلقي ،وأشار إلى صدره قائلا: سأعطيك هذا بدلاً عنه. ضحكت وطافت ضحكتها على وجهي ككرةٍ على سطح مياهها المتلاطمة .
      فقد لم تستطع إخفاء دمعةٍ حارقةٍ في صميم أنوثتها مُذ خطت الخطوة الأولى داخل المشفى . تمنت للحظات أن تلغي العملية وتنتهي حياتها بمرضٍ يحتل جسدها على أن لا تخسر قطعة منه، لكنها لم تكن تملك الجرأة الكافية، فكُرة أفكاري كانت تتأرجح على أمواج التردد ،ثوبٌ أخضر لف جسدها ليعدّه لمبضع يستأصل نهدها المريض . كل ما بقي في ذاكرتها من ذلك اليوم ،جسدٌ مقيد،إنارةٌ في السقف، طاولةٌ تحوي أدوات جراحية وقطع شاش، عيونٌ تطل عليها من فوق كمامةٍ بيضاء اللون، طعمٌ مرّ في حلقها، فراغٌ في رأسها
      خيانة شعرةٌ شقراء تماماً كما شعر زوجها، لكنها طويلةٌ وخشنةٌ تقفُ باعتزازٍ على كتفِ زوجها كأنها وضعتْ عن قصد ؟! كيف ستخبره أنها علمتُ الحقيقة، حقيقةَ زواجه، كان عليها أن لا تصدقه حين ركع أمامها ذات عناق مستنداً على رُكبتيها مُمسكاً أصابعها معاهداً أن لا امرأة يمكن أن تلمس وتراً من أوتار قلبه وأنه يرى نساء الدنيا مختصَرةً في شخصها . ستطلب الطلاق، فلن ترضى أن تحيا مع الكذب والنفاق حتى لو قُطعت كل أطرافها . هنيهةَ خروجه من الحمام، تسمرت قدميها عن التقدم إليه وتقبيلِ عنقه كما العادة، فلقد أنقطع ذلك الخيط المتين الذي كان يربطها به،أبتسم لها وضمها مقبلا جبهتها :لا أشم رائحة القهوة التي أعتدت عليها لحظة خروجي من الحمام قالها: هامساً في أُذنها، كادت تبعده بنزقٍ عنها لكني قررتْ في لحظةٍ ما أن تعطيه فرصة أخرى
      حقيقة أين كنت اليوم ؟ ممن هذه الشعرة الشقاء؟ لما لم تخبرني ؟ فوران القهوة أوقف تضارُب الأسئلة في رأسها . همست بعصبية: لن أعطيه أيّة فرصة . ومع أول خطوة نحو الصالون، دخل سهمٌ من نار إلى قلبها، حين التقطت أذنيها الكلمات الأخيرة من مكالمته الهاتفية: انتبهي لنفسك حبيبتي. وقفت بعينين مفتوحتين وهي تبحث عن كلمةٍ قاسيةٍ تهزه من الداخل حين قال وهو يمسك الجريدة اليومية : أمي" تسلم عليك" ،نسيت إخبارك، زرتها اليوم وربما كان هذا من حسن حظها فلقد أغمي عليها نتيجة انخفاض مفاجئ في ضغطها فحملتها ونقلتها أنا وأخي إلى المشفى.



      تعليق

      • فارس رمضان
        أديب وكاتب
        • 13-06-2011
        • 749

        #4
        مشاركة رقم (3)


        اطلق يديّ



        كانت تجلس في فرندا بيتها حين وصلها هاتف من شقيقتها من والدها التي تجاوزت الأربعين،تدعوها للعيش معها،رغمَ أن علاقتهما كانت دوماً متوترة، ولا يوجد أي رابط مشترك بينهما.. أخبرتها بانفعال وتوتر أنها تريدها الحضور فورا لأن زوجها اختفى دون سابق إنذار مخلفا رسالة يقول فيها إنّه قرر الزواج من سكرتيرته بعد انتهاء إجراءات الطلاق، عسى أن تنجب له أطفالا . كانَ ذلك من أصعب الأمور التي اضطرت للقيام بها .لم تتوقع التأقلم معها البتة؛ فمسافة شاسعة كانت تفصل بينهما.. مسافة أفكار تحديدا . سلوك زوج أختها كان دائما يثير استغرابها واستهجان شقيقتها إذ كان يرفض أن يعتني سواه بخيله وإسطبله ، رغم تربعه على نبع ثراء. .. بعدَ أيام من التحاقها بها أحضرت شقيقتها سائسا وطاهياً أضافيا بعدما قررت أن زمن الاختناق قد ولى. أصبحت شقيقتها تركب حصانها كل مساء وتنطلق به لساعات طويلة تاركة شعرها المنسدل يتراقص على نغمات النسيم العليل.فيما مضى لم يكن زوجها يسمح لها بركوب الخيل إلا بصحبته..كانَ غيورا للغاية وحاد الطباع.. لاحظت أنّ السائس صار يغدق عليها بنظرات إعجاب.. و لاحظت عدة مرات أنها حين تمر من أمامه يتوقف عن عمله ويحدق بها مطولا . اتكأت على نافذتها تستنشق الهواء ذات ليلة و قد جافاها النوم .. تفاجأت بعد فترة بظلٍ يدخل من باب الحديقة الخلفية وهوَ يلتفت يمنة ويسرة ، وكان قبلها نور غرفة شقيقتها المقابلة لغرفتها قد أنار عدة مرات. بالرغم من خوفها الشديد، قررت أن تستكشف ما يجري..غادرت غرفتها بهدوء ، اختبأت خلفَ شجرة الجميز المقابلة لغرفة شقيقتها.. راعها أن الأخيرة كانت بملابس النوم تتبادل القبل الحارة مع رجل يودعها عند المدخل ،ثمّ فجأة لمع وجهه بالضوء .. - يا الهي! إنهُ.. ! عضت على يدها اليسرى بأسنانها بغضب. الصدمة كانت أكبر من أن تحتملها، اخترقتها كالصاعقة .. جلستا ذلك الصباح على مائدة الطعام الضخمة قبالة بعضهما – أرملة وعانس.. تنظران لبعضهما نظرات طويلة: نظرات الأولى حائرة والثانية تجمع ما بين الخيبة والغيرة والاشمئزاز ..تتحرك الشفاه وكأنهما تودان التحاور ولكن لا همسة أو تنهيدة تصدر عنهما.. الأرملة ادعت أنها تتأمل الصورة الزيتية المعلقة على الحائط ،أمّا العانس فقد تظاهرت بأنّها تراقب النادل و هو يضع الطعام. لم تتوقف اللقاءات السرية الليلية بين الشقيقة و حبيبها ، كانت العانس تتساءل كيف اشتعل الفتيل بينهما!! ذات أمسية توجهت إلى الإسطبل ، قبل أن تدخل تناهى إليها صوت ابن الخادم يخبر السائس بأنّ السيدة مريضة ولن تركب حصانها و أنّ عليه أن لا يخرجه للساحة. اصطدم بها الفتى وهوَ يغادر متمتما عن كسل السائس ولا مبالاته.. وجدتهُ مستلقياً على التبن.. ما إن رآها حتى ابتسمَ لها ونهضَ من مكانه . - يا للمفاجاة السارة .. ما الذي أحضر سيدتي أخيراً هنا .. عليَ ان أشكر الأقدار ..كم أنت رائعة الجمال، سيدتي!! أجمل أنثى رأيتها في حياتي.. اقتربت منهُ قليلاً كالمسحورة لتجرب مذاق الشهد الذي كانت تتذوقهُ شقيقتها سراً وهي تظن أن لا أحد يعلم عن علاقتها بسائسها..ضمها السائس الوسيم بينَ ذراعيه وتبادلا القبل .. همست لهُ : ليس هنا عزيزي ، فربما يرانا أحدهم .. أمسكت يدهُ و لم تأخذه لحجرتها كما كان يظن.. همست له بدلال مرة أخرى: أخاف أن ترانا شقيقتي أو خدامها.. _ لا يهمني المكان حبيبتي طالما نحنُ معاً .. سارَ معها إلى أن وصلا كوخا صغيرا قرب الحديقة كان يُستخدم لوضع المعدات . -هنا لن يزعجنا احد.. دخلا الكوخ و أغلقا الباب بهدوء: نحن لوحدنا تماما يا فاتنتي .لو تعلمين كم انتظرتُ هذه اللحظة .. نحن لوحدنا تماما. - أجل عزيزي.. أيها الوسيم.. هل أبدو لك جميلة ؟؟ - نعم. بل رائعة الجمال ..منذ اليوم الأول الذي قدمت فيه للعمل هنا لفت نظري بقوامك الممشوق وجمالك الفتان.. كنت بالنسبة لي السوسنة التي تعوم فوق سطح البحيرة دون خوف من الغرق. - لكنني بالأربعين وأنت بالعشرينات من عمرك . - مع هذا فأنت بقمة الأنوثة والرقة والجاذبية. أنا مغرمٌ بك.. _ أحقاً؟؟ تنحنح قليلاً ثمَ قال بصوت يكاد يكون مختنقا:" نعم جداً.. ها نحن أخيراً لوحدنا ..عصفوران يريدان التحليق بعالم الحب . - عزيزي..عزيزي.. ألستَ خائفاً أن تعلم شقيقتي عنا.. - شقيقتك ؟؟ وما دخلها بنا، سيدتي المذهلة؟؟ - آه منك أيها الرائع ..كيفَ لم أنتبه لك سابقاً .. - من الأن وصاعداً سترينني بعيون كل الرجال .. سأجعل اسمي يتردد على لسانك ملايين المرات .. ُفتحَ الباب فجأة.. كانت الأرملة سيّدة البيت تقف هناك وعيونها تقدح شرراً.. : عزيزي الغالي، يا للروعة أنت بكامل أناقتك . نقّلت عيونها بينه وبين شقيقتها، ثمَ أطلقت النار من البندقية التي كانت تحملها بسرعة البرق قبل أن تعطي أيّا منهما فرصة للرد عليها. - يا الهي! - صه..قلتُ لك أنني ماهرة في إطلاق الرصاص.. لقد علمني زوجي..في هذا أشهد أنهُ كان بارعاً.. - قلتُ لك أن هذا الحقير كانَ ينوي الاستيلاء على ثروتك . - للأسف الشديد عرفت متأخرة..لقد صدقته حين أخبرني انه يود الزواج بي لأنه أحبني وإنني نصفه الآخر الذي وجدهُ أخيراً.. أخبرتك أنني سأكشفه أمامك، فأنت بالبداية رفضت تصديقي.. - لقد رسم لي الحياة بريشة وردية .. - هيا بنا لندفنه بسرعة في حوض الزهور الضخم.. نمت الزهور في الحوض .. استُبدلت الطاولة الكبيرة بأخرى صغيرة .. كانت الأرملة تتنهد كلما روت الزهور .. هيا للداخل أختي الحبيبة ، فالطقس بارد جدّا .. - اصبري قليلاً، سأقطف جزءا من العنب وألقي الحصرم بعيداً.. لن أتاخر .. توجّهت نحوَ الحوض مرة أخرى بتؤدة ..قطفت وردة.. شمّت عبيرها.. ضمّت الشال لجسدها أكثر وأكثر.. مسحت ياقوتتين غافلتاها لتهربا من مقلتيها.. لمست الحوض برقة متناهية ،قرّبت شفتيها من الحوض و همست: لا تقلق علينا عزيزي ..غداً سيحضر السائس الجديد.. و أنت يا زوجي الحبيب افرح، وجدت لك أنيسا .. ستبقيان معي للأبد..بعد الآن لن تأخذكما منّي أية أنثى..

        تعليق

        • فارس رمضان
          أديب وكاتب
          • 13-06-2011
          • 749

          #5

          مشاركة رقم (4)

          طرق .. طرق ..

          جلست القرفصاء فوق بلاط المطبخ البارد، تدندن بصمت موالا من زمن الحزن اعتادت المرأة أن تواسي به نفسها بعد كل موت، أن يكون سلاما للحرب ... وللحرب في نفوس الأبرياء كل السلام ... وربما كانت مزوشية خاصة اعتادت أن تلطم بها جراحها لتضيف على الأحمر لون الأنوثة مثلما اعتادت أن تغني للصغير الذي لم يكبر أغنية عند النوم .. أغنية من كلام وحب ...
          "سوف يُدق الباب ... حتما سوف يدقّ .. " وترفع صمتها ليكبر الصوت في أعماقها أكثر .. لئلا يدق الباب حين يدق ...
          واحد ..اثنان .. كم مرة على الزمن أن يمارس لعبة الأرقام .. كم طلقة موجعة على الانتظار أن يتحملها كي تولد الفاجعة!
          واحد ...اثنان ... أقراص الكبة لا تشبه نفسها ... عددها نقص ، عدنان كان يحبها كثيرا ، كان يأكل في كل مرة الحصة الأكبر ... أقراص الكبة لا تشبه نفسها أيضا، تتكوم في الصينية، كأنها تراب يردم جثة ...بل سبع جثث .... تنتفض مذعورة من شيطان الفكرة الذي مسّها .. "بعد الشر .. بعد الشر .......سلام قوم من رب رحيم "
          "لا مكان لحصتك يا عدنان ... "
          قرار أصدرته بحرقة ...تردد وكأنه أمامها : "لا مكان لك يا حبيبي اليوم إلا في قلبي ... لا تكرهني يا حبيبي ...."
          وتتحقق النبوءة، ساخرة من اعتذارها ، من أمومتها . يُدّق الباب ... يدق الباب ..بل يكاد يُكسر، نسيَت غطاء رأسها وفردة الحذاء، صرخت بأبنائها "ابتعدوا أنا أفتح .. أنا أفتح ...."
          مفصل الباب يحتاج إلى زيت، ثقيل و صوته مزعج فوق الإحتمال، عنيدُ ومنكسر حد الإنفصام ، وصراخ رجال المخابرات مركّب، ممزوج بصدى بعيد وبخشونة ليست بمصطنعة ، المسدسات مطمئنة لأيدي الفولاذ، والرصاص يحتاج إلى ذخيرة إلى جسد ضحية، أو إلى قلب أم يقتله دون بارود، يقتله بعرق بارد ..
          - أين هو؟؟ أين ابنك عدنان؟
          - ليس هنا .. ليس هنا سيدي ...
          - فتّشوا المنزل ....
          حاولت أن تفهمه ، أبعدها بقسوة ألقت بها على الأرض.....
          فوق الأرض خطى منقوشة بكل الأحجام، سبع قياسات ، سبع أكباد ... الأرض صلبة والقلب هش ولكن ...... !
          عاد الرجال خائبين، منتصرين فقط بما حققوه من فوضى وتخريب : سيدي لم نجده ...
          السيد يرتدي بنطالا أسودَ، وقميصا أسود وقلبا بشريا أسود ، اقترب منها كثعلب يحوم حول مالك حزين يتحصّن بشيء من الحكمة :
          - أقراص الكبة في الفرن ، أكثرتِ من البرغل هذه المرة ، قرص ناقص وست أقراص تكاد تحترق ... هل تريدينها أن تحترق ؟
          ذعرت وبدأت ترتجف تحاول استعاب الأمر بينها وبين نفسها ، كيف عرف ؟
          ردّ عليها :- نحن نعرف كل شيء ... ونسمع كل شيء .... عدنان لن يأكل حصته ... أما الباقون ..؟
          عدنان ولدك البكر ، لم تربِه جيدا، حقير يظن نفسه مثقفا، يتحدث في السياسة، سمعوه يلعن الرئيس ، ومشى في مظاهرة مع المشاغبين... قولي أين خبّأتِهِ...
          قاطعته دون أن تشعر : "أعوذ بالله سيدي ... إلا الرئيس ... إلا الرئيس ... نحن نحبه سيده ... ذلك الخائن هو الملعون. ذلك الخائن ليس ولدي ، أتبرأ منه أمامكم وأمام الله ... أقسم لك سيدي نحن لا نعرف عنه شيئا .. ولا نريد أن نعرف ... "
          سيناريو مكرر .. لم يعجبه الكلام تماما، رفع حاجبه ليحاصر كذبتها، تنهد ثم هدد:
          - لو شممنا خبرا أنكم التقيتم به ... أو عرفتم عنه شيئا ... سنأخذهم جميعا .. الشباب الخمس وابنتك الصبية ... سنأخذهم كلهم هل تفهمين ...!!!
          - نعم نعم سيدي ... بل نسلمه لكم بأيدينا .. إلا الرئيس سيدي ... إلا الرئيس ...
          وغادروا من نفس الباب ... ويا لوجع الباب ، حين حل ظلام اليوم التالي وقف عنده ملثما، خائفا، لاجئا ، متوسلا ...
          - أمي حبيبتي وأخيرا استطعت العودة ... خبّئيني ... خبئيني يا أمي ... يبحثون عنّي ...
          لم تعرف بماذا ترد عليه، لطمت خديّها، شهقت، اختنقت بكلماتها : لا أستطيع ...سيأتون .. كيف أخاطر بأخوتك أيضا..؟
          - سأختبئ جيدا .. في بيت المونة مثلا ... وربما لن يسألوا عني مرة أخرى ..
          تظاهرت بالقسوة عاتبته بشدة: لماذا يا عدنان .. ألم أحذرك طويلا ...؟
          - لم أفعل شيئا .. لم أنتمِ إلى أحد ..ألا تصدقين ...ولكن ألم تسمعي ماذا فعلوا بأبي صالح .. وعائلة الزيتونيّ ... ظلموهم يا أمي، غدروا بالمختار أيضا، وألقوا عمامة الشيخ أرض وسط السوق. حاولنا فقط مساعدتهم .. ضمّ صوتنا إليهم ... لم تكن مظاهرة كان تجمعا سلميا تضامنا مع المظلومين ... أمي إنه القرن العشرين يا أمي .... إلى متى سيظلون يقمعون أصواتنا ؟؟ إلى متى ؟!
          عبثا حاولت التجرد من أمومتها، حضنته بغصة قاتلة، بللته بالدموع: "سامحني ... سامحني يا ولدي ...
          أنت لا دخلك لك ... أنت طفلي .. كان عليك فقط أن تفكر بأمّك .. بأخوتك .. بأختك سهام ... هل تريد أن .. "
          لم يحتمل أكثر .. قبّل يدها ورحل هاربا من المأساة المحتملة، ملثما بالليل .. كما الريح رحل ..إلى الريح رحل ...
          كان قحطان يستمع إلى الحديث، لم يستطع أن يقابله، كيف يريه وجهه وهو تخلى عنه؟ كتم أنينه وهرب إلى المطبخ، حاول أن يقنع ضميره " هو ورط نفسه ... أنا مازلت في الجامعة ... لن أتحمل تعذيبهم .. لن أتحمل السجن .. لا أريد أن أموت" فتح باب البراد وضع في فمه شيئا ما، راح يلوكه والملح ينسكب فوق شفتيه ، لقمة تلو اللقمة ... "كُل يا قحطان لابد أنك جائع" أرغم نفسه على ابتلاع ذلك الشيء كلّه، ثم فكر بحل آخر ... جسد حبيبته راضية الذي لم يره قط، شدّ على عينه كي تُغمض:
          " راضية جميلة، راضية فاتنة بل شهية، لا بد وأنها كذلك ... تعالي راضية ...اقتربي .... اقتربي "
          أحس برعشة الانهزام، بالعار ، بالعجز، صفعها، لعنها، ضربها بعنف ، حطّم أضلاعها، صرخ بها:
          " أنا رجل رغما عنك ...رجل ... رغما عنك أنا رجل ... أنا ... أنا ... أنا لم أخن أخي .. لم أخن أخي"
          ثم وقع منهارا فوق حطام الطبق الزجاجيّ .....
          وفي الدار أمّ عادت لتدندن ألحانها، لتجلد نفسها وتغني لينام عدنان، عدنان عاد رضيعا أمامها " كيف تخليت عنك يا ولدي ؟ أيّ أم هي أنا ؟ عدنان يا طفلي الصغير ... يا كلمة "ماما" الأولى ... كيف وصلت أيديهم إلى أمومتي ؟ "

          مرت أيام طويلة وعدنان لم يكبر ، بل عدنان جنين ما زالت حبلى به ... تطلق كل مساء ... تمزّق أوردة الكون ....... ولادة صعبة .... ولادة شبه مستحيلة....
          قدر أن تبقى أمومتها عالقة حتى تأتي طلقة الخلاص، ربما كانت عقيما، نعم عقيمة، الجارة شهدت أنهم استأصلوا رحمها مرات عديدة، وأقسمت أخرى في السوق أنه حمل كاذب، وأن أبا عدنان لم يكن ... وأسكتتها أخرى " دعينا من سيرتهم، لا نريد أيّ مشاكل"
          مرت سنون و الباب يستيقظ كل ليلة .. ينادي أصحاب البيت ، لا يريد زيتا ، ولا أيد تفتح .. بل يحتاج منديلا يككف الدمع ...
          سنون والطرق يزيد ، طرق على الباب ، على السقف، على الجدار ، على الصدر ، في القلب، في الذاكرة، في صميم العجز، على يدّ أم منشلة من الذعر...


          تعليق

          • فارس رمضان
            أديب وكاتب
            • 13-06-2011
            • 749

            #6
            مشاركة رقم (5)

            ممنوع من الولادة


            ذلك الهاتف الأخرس، منذ أن اشتريته لم يرقص لي رقصة على إيقاع الدفوف القسنطنية إيقاعاته على الدوام تتقاطع مع الفجيعة ؟ وكأن العالم تجرد من الضحك والسعادة ؟
            اليوم عكس الأيام المنصرفة من عمره معي ؟رقص لي أخيرا و يالها من رقصة؟ هزت أوداجي وصفقت له الورود المزروعة على وجنتي، وتفتحت البتلات الحمراء على شفتيّ، وخفق قلبي شوقا
            صوت امتد من ثغره الآلي ّ
            -أنت السيد عدنان
            - بشحمه ولحمه ونبرات صوته
            - تقدمت إلى الدارنا
            - نعم
            والفرحة تقفز من عينيه
            كان الصوت ناعما بما يكفي ليروي قلبي العطش من شلاله المنعش .
            مديرة الدار بذاتها وجلالة قدرها تهاتفني ؟؟يالحظي ؟ لقد أصبح لك شأن والله يا عدنان؟ وهذا الهاتف الحزين بدأ يدخل إليك نسمات الفرح ،والسعادة .
            من غبطتي المشدوهة لم تحتفظ ذاكرتي مما قالت شيئا ؟من شروحات معقدة حول كيفية إخراج مولود إلى الحياة، سوى نبرات صوت عذب شجي تعلق بنياط قلبي، لم تهمنِي التفاصيل فأنا مذبوح مذبوح بخروجه إلى الدنيا؟ هنا أو هناك الكل يتقن الذبح على طريقته ووأذ الاستمرارية على شاكلتها أفضل الذبح على الطريقة الفرعونية هي في كل الأحوال أفخر وأبهى ؟
            كلام ناعم يخبئ سكينا حادا ،وقد وضعت جيدي وجيبي رهن أناملها الناعمة، المهم أن "يشقوا"حلمي ويستخرجو ا مولودي، ليدرك العصر؟ لم تهمّنيِ الترتيبات المكلفة بقدّر ما يهمني صحته وعافيته .
            ما زلت حتى اللحظة لم أشفَ تماما من ذلك الذي نهرني ، وأنا أضع بين يديه أوراقا ثبويتية إبني رد علي ّ بنبرات جافة كالصحراء
            "انه غير مربح"
            ليفجر ماء مغليا على وجه السعادة التي اعتلتني، بعد سنوات من التنقيب ،عن بيت يحتضنه ها أنا أمام الحلم الذي تزاوج مع الثورة كنت أمقتها فنعتني البعض بالخائن، والآخرون بالجبان
            صدقا ورغم كلامي اللبق مع اللذين يعتلون الكراسي، فقد قدمت بين أيديهم الأشعار والقصص قرابين للاعتراف بي أو به لقد اعتبروه لقيطا جاء من فراغ ؟.
            والحق أنه ولد من ضياع؟ لقد تدفق دم الحقارة إلى أوردته، والإقصاء والتهميش إلى عقله وشرب حليب الجفا ،وبعد أن اكتمل بعون الإرادة المبثوثة، والرغبة المعطوبة بسكاكين الإحباط يمنعون خروجه إلى الدنيا ،التي هي في الحق ملكهم ،وأحمد الله كثيرا في أن جعل الهواء حرا فلو كان عبدا لوضعوه في صناديق ،وباعوه كما يبيعون كل شيء فلا تستغربوا وقوفي ضدهم، وانحيازي مع الثورة لقد شممت، رائحة الاستقلال بمجرد التقرب منها بعد خمسين سنة من استقلال الوطن
            حين رن هاتفي وأعطتني تلك السيدة الحسناء أملا في الولادة الطبيعية لا القيصرية ؟أحسست أن الدنيا تضحك لى، وأن يدا ساحرة تمتد نحوى لتنقلني إلى عالم السعادة الجميل .
            لقد غاب الأجداد وضاع الأولاد في البحث عن الحرية، وضعت أنا في البحث عن رحم يولد ابني ؟
            نعم لقد انضممت إلى الثورة التي ستزيل الغشاوة عن مولودي، ومواليد أخرى ضاعت تحت رحمتهم وبريشها الناعم ترفع ترسبات الاستقلال الماضي الصدأ حتى هاتفي البائس ثارت ثورته حين رن لي رنته، ورقصت لها أحلامي الوردية، وصار له شأن هو الآخر ستقطع تلك الثورة العربه التي كنا نجرها، ونصبح نحن من نقودها فما أروع القيادة ؟.وما أجمل أن تولد الثورة لتوّلد معها مواليد سئمت الكبت،وسئمت العيش في الظلام كالخفافيش وأن تنطلق إلى النور لتتحول بفعلها إلى درب جديد يزرع التاريخ إبداعا.

            تعليق

            • فارس رمضان
              أديب وكاتب
              • 13-06-2011
              • 749

              #7
              مشاركة رقم (6)

              الابهام



              باسقة كسنديانة عتيقة ، تصارع السكري وبطش الحياة منذ أكثر
              من عشرين عاماً ، وبعد أن أفلس منها ضرب ضربته القوية مؤخراً ، وهاهو الطبيب يقترح أن يُبتر إبهام قدمها اليمنى بعد أن غزاها السواد بمكرٍ وكأنه يعلن انتصاره على جسدٍ لطالما أُفعم بالأمل
              بعد أن ترجّل زوجها عن صهوة الحياة ورحل مبكراً، حملت
              أعباء أولادها الستة فكان عليها أن تبني لهم داراً رحل زوجها قبل أن يحيطه بسور من أمان ، وعلى مرأى أهل الحارة كانت امرأة من صخر تجبل الطين وتلصق به الحجارة الإسمنتية مع بعضها البعض ، وبسرعة أكملت بناء الدار وزرعت في "حاكورته" بعض الأشجار المثمرة التي حظيت بكثير من شقاوتنا ، ومن منا ينكر حلاوة الخوخ والمشمش فيها رغم أننا لم نكن ننتظر حتى تنضج الثمرات.
              رفض أولادها قرار الطبيب على أن يعطيها فرصة للعلاج عن
              طريق الدواء ، لكنها أرادت أن تنهي الأمر مبكراً فلا الدواء نفع ولا الحمية أيضاً، ابنها الكبير يتذكر جيداً مواقفها الرجولية ، كيف كانت تنتصب منذ الصباح الباكر أمام نافذة الفرن كي تحضر لهم الخبز الطري والساخن ، ويتذكر كم مرة أمسكت بعصاها الغليظة وانطلقت خلف بعض الصبية الذين كانوا يضربونه وأخوه الصغير وكيف كانوا يفرون أمامها كخراف مذعورة ، وويل لمن يقع تحت رحمة عصاها وهي في حالة دفاع عن بيتها و أولادها .
              أم علي طويلة وطولها يقارب 185 سم ، ذات أكتاف عريضة
              وساقين طويلتين وساعدين قويين ، لكن السكري لم يعترف بهذه الأنثى المتوقدة بالجمال وقرر أن ينال منها وكأنه يعلن نصراً في جسد طاهرٍ لطالما بقي غاية لكل رجل في تلك الحارة ، وكثيراً ما كانت تردد : آآآآآخ منك أيها السكري ... أقسم لو كنت رجلاً لقتلتك ، مازال الوقت مبكراً تقول لنفسها ولن يقهرني مرض مزمن وقفت أمام المرآة ونظرت ملياً إلى ( أميرة ) الصبية كأنها تتفحص آثار نظرات الإعجاب التي انهالت عليها اليوم .... ضحكت وقالت : حلوووووة وأميرة..... يا أميرة وهاهو ابن عمك ( الوحش ) اختارك من بين كل قريباته.... بيلبقلك .
              وضعت أم علي قطعة خشب بين أصابعها وإبهامها رفعت البلطة
              وطلت من نافورة الصور تاريخ لماض رحل وهي تقطع من الحياة لقمة العيش لأطفال رسم اليتم شحوبه على محياهم وكما تهوي النصلة فوق الرقاب هوت تلك البلطة بلا رحمة لتقطع إبهاماً لن تفسح له المجال بعد هذه اللحظة للفتك بها أكثر.
              دوت صرخة من صمت في أعماقها هزتها من الصميم خدر اجتاح
              جسدها وبقية للحظة في دوامة اللاوعي قطعة من لحم كانت على قطعة خشبية وامرأة من فولاذ ما هزََّ كيانها إلا حين تلفّتت في منتصف العمر فرأت زوجها يلوح مودعاً في محطة الوداع ففقدت برحيله لذّة الحياة وباتت تعيش لترسم ضحكة بريئة على وجه أطفالها.
              كالعادة ذلك المساء دخل أولادها للاطمئنان عليها قبل أن
              يخلدوا للنوم .....كانت أم علي تخفي قدمها بجورب سميك ورغم ذلك الألم الذي كان كسيخ النار يكوي يدها رسمت لهم تلك الابتسامة الطيبة ...... تمنوا لها ليلة هانئة، وفي الصباح باغتوها بقلوب خائفة وهم يمسكون بإبهامها ويصرخون : كيف ولما فعلت ذلك يا اماه ( وجده أحد أحفادها إلى جوارها عندما نزل لتعطيه نقوداً كي يشتري بها قطعة شوكولا ).......أجابتهم بكل هدوء : لا تجزعوا أنا بخير....... خذوه وادفنوه وليمت السكري في غيظه....هذا ما ناله مني... ولن ينال أكثر .

              تعليق

              • فارس رمضان
                أديب وكاتب
                • 13-06-2011
                • 749

                #8
                مشاركة رقم (7)

                صراعٌ بلا نهاية


                ذات ليلةٍ شديدة البرودة ماطرة بدمعٍ ساخن ، برق الحزن في سماء قلبها ودوت صرخاته كالرعد في كل أنحاء جسدها ، بعدما انتهت من وجبتها اليومية من الجلد والإهانة وبعد يوم حافل بالإهمال وعدم الامبالاه كالعادة ، كم مرة قررت أن تتخلص من حياتها بأقراص منومة أو سم فئران ، كم مرةٍ ترددت في أخذ قرارها بالفرار ، كانت تحبس نفسها وتمنعها عن ارتكاب جرمٍ كبير في حق أطفالها وعشيرتها جرمٍ اسمه السعادة وكسر قيودٍ جبرية فرضت عليها رغم صغر عمرها ، فقد كانت ليلى طفلة صغيرة حالمة مرحة عندما قابلته ورأته بقلبها البريء والداً حنوناً وحبيباً عطوفاً ، كانت تجري نحوه كلما رأته وترتمي بأحضانه وتقول له اشتقت لك عمو سليم وتقبله من وجنته كان يكبرها بخمسة عشر عاماً حين أغراها برحلاته الماتعة كل أسبوع وبهداياه الرقيقة وكلماته الحنونة ، واهتمامه الكبير بها ، الذي لا يدل إلا على شخصية رومانسية كانت تحلم بها ، تقدم لها وهلل قلبها فرحاً بهذه الزيجة ، لم تكن تدري أن خلف هذه الطعوم والمغريات إلا وحش كبير أراد أن يلتهم فريسته ويمتطي ضعف جارية اشتراها ببعض الهدايا لتكون تحت إمرته
                وضح الشحوب على وجهها وأصابها وهن اليأس والانهزام فقررت أخيراً الانتحار بالقفز من شرفة حجرتها بالطابق الرابع ، لم تعد ترى فكاكاً من قسوة الحياة وجبروت سجانها غير الموت ، اتكأت على رأس عكازها المدجج بالوجع واقتربت من الشرفة ، لكنها توقفت فجأة ! أيعقل أن أفعل هذا ؟ أيعقل أن أنهي حياتي بالكفر وأبدأ آخرتي بالعذاب الأشد ، كانت ترتعش والسيل من عينها لا يتوقف ، أطلت من الشرفة وهي منهكة ، هزيلة ، تكاد يخر مغشياً عليها إثر إصابتها بدوار اليأس ، تدلى نصفها خارج النافذة والنصف الآخر بقي ثابتاً بالأرض ، أغمضت عينها وتنشقت الهواء بهدوء ثم فتحتها وتوقف بصرها فجأة ، تسمرت مكانها ، ازداد خفقان قلبها ، وسرت رعشة لذيذة في جسدها لم تشعر بها من قبل ، كان يبتسم لها بنظرةٍ حانية ، وكانت جائعة للدفء ، للبكاء على صدرٍ حنون ، لأذنٍ صاغية تستمع لها ،اقترب منها وألقى التحية فهلل قلبها وألقت رداء الحزن والوجع خلفها، أسرعت تغسل وجهها وتتحمم بحلمٍ جميل ، ثم عادت للشرفة من جديد فوجدته ينتظرها وفي يده وردةً حمراء ،
                اقترب منها وهو متوجسٍ خيفة من ردة فعلها ، لكنه ما إن اقترب ونظر في عينيها قرأ حرمانها وظمأها الشديد للحب والحنان ، هنا ابتسم ابتسامةً خبيثة وذهب خوفه واقترب بقوة منها ،لقد عميت بصيرتها عن رؤية ما خلف تلك الابتسامة ، فمازالت مصابة بذاك الدوار اليائس ، تبادلا الأحاديث والحكايات وكثرت المقابلات ، سن أسنانه فهي ظبية دماؤها ساخنة تفوح رائحة الأنوثة الطاغية منها ، مد يده بحذر يتحسس نعومة وجنتيها ، انتفضت وكأنها صفعها على وجهها ، قالت له لا أستطيع إهداءك ماليس لي ، لا أستطيع فك قيدي ، أنا مقيدة بحبلٍ موثق ٍ بقداسة الشرع ، تركها لكنه لم يمل محاولة التقرب منها ومداعبة حرمانها بين كفيه ، وعند إصرارها توقف وقرر معاقبتها بالهجر والبعد عنها ، توسلته أن لا يبتعد فقد عادت للحياة بسببه ، رأت النور من خلال عينه ، عانقت الحياة بين كلماته المعسولة ، لكنه ابتعد ورحل عنها ، مرضت واستسلمت لليأس ووهن عقلها ، أرادته أن يبقى ، أحبت وجوده في حياتها ، كان يواسيها ويشغل تفكيرها وفراغها فلا تشعر بألم الواقع ومرار الحياة ،
                وفجأة رن الهاتف
                ، ألو من معي ؟
                أتاها صوته وكأنه مطر للصفاء من السماء ، وكأنه غيثٌ تتدحرج على مسامعها ، بكت فرحاً وعتاباً ، قال لها حبيبتي أريد رؤيتك فأنا مشتاق لكِ جداً لم أتحمل بعدكِ عني ،
                فوافقت على الفور وهرولت مسرعة لتقابله دون أدنى تفكير ، وحين رأته أسرعت إليه وكادت تعانقه لكنها توقفت فجأة وتماسكت ، قالت لنفسها لا لن أتخلى مبادئي ولن أخلع رداء عفتي رغم قسوة حرماني ولهيب اشتياقي وتسمرت مكانها ،
                رمقها بنظرة عتابٍ وانكسارٍ مزيفة
                قال لها أمازلتِ على عنادك ؟ ألم تشتاقي إليّ حبيبتي ؟
                كيف تحبينني ولا تشتاقين لي وتقبلين ببعدي ؟
                سأرحل عنكِ فلا فائدة من حبٍ مستحيل وكبتٍ دائم لمشاعرنا ،
                هنا خفق قلبها بوجعٍ شديد وتذكرت ألم بعده عنها وقسوة أيامها وقدرها ، اقتربت منه وقالت له : لم لا نتنزه قليلاً ونحتسي سوياً مشروباً ساخناً في مكانٍ دافئ
                ، هلل فرحاً وأخذ بيدها وانطلق بهاً إلى كوخه المكتظ باللغة الجريئة والرقصات المثيرة على أوتار الرغبة المتوحشة ، تراقصا بحفلةٍ صاخبة للكلمات الساخنة ، شربا معاً كؤوس العشق والرغبة ، حتى ذابا ونسي كلٌ منهما رداءه الذي يستر عورته ، وبعد هدوء العاصفة وسقوط جليد الوقت بينهما ، استدار كلٌ منهما للآخر وكثرت الأسئلة داخل عينهما دون أن تنطق شفاههما بكلمة واحدة ،
                هي .. رغم سقوطها أمام نفسها وأمامه تغلبها فكرة ساذجة بأنه لن يهجرها طالما تحاول إسعاده وإعطاءه ما يريد ، لكنها تتألم ويصرخ فيها الضمير ، لحظات مسروقة لا تشبع جوعها للسعادة وإنما تزيدها ألماً لأنها خائنة
                هو .. كأي أسدٍ متوحش في الغابة يجري خلف كل صيدٍ يشبع جوعه ويروي ظمأه ، فمن استحلَّ الحرمات وسرق القبلات يصيبه سعار الرغبة وتظل أظافره حادة تخدش كل رداءٍ للحياء ويغرز أنيابه في أقرب فريسة
                افترقا كل منهما إلى بيته ،
                وفي اليوم التالي صباحاً طلبته على الهاتف وكانت المفاجأة !!عفواً
                هذا الرقم غير موجود بالخدمة من فضلك تأكد من الرقم المطلوب وأعد المحاولة ،
                خفق قلبها بذعر وانتفضت مسرعة نحو الشرفة لتراه كما تعودت كل صباح
                لكن .. وكأنه كان شبحاً واختفى واحتلَّ مكانه رجل عجوز ظهره محني والشيب يملأ رأسه
                ارتدت عباءتها وانطلقت مسرعة نحو بيته لتسأل البواب عنه
                قالت له في حرج شديد : أريد مقابلة الأستاذ هلال الذي يقطن في الطابق الثالث بأمرٍ هام هلَّ ناديته لي ؟
                ،أجابها لايوجد أحد هنا بهذا الإسم سيدتي
                قالت له تأكد من فضلك ، أجابها سيدتي أنا أعمل هنا منذ عشر سنوات ولم يسكن أحد بهذا البيت اسمه هلال
                ، عادت منكسة الرأس حزينة تبكي حائرة وتسأل نفسها
                ، هل كنت أحلم وسقطت بالفعل؟
                أم أصابني مس من الجن والجنون ومازلت مقيدةً في سجل الوفاء والإخلاص؟

                تعليق

                • فارس رمضان
                  أديب وكاتب
                  • 13-06-2011
                  • 749

                  #9
                  مشاركة رقم (8)


                  وسجل التاريخ..




                  لم يكن الطفل يعرف حقيقة ما يدور حوله...كان يسمع أصواتا عالية ..مدوية.
                  أراد أن يعرف.صعد إلي سطح المنزل.رأي الطائرات تحلق في السماء .فرح،وأشار إليها.داعبها بأحلامه الصغيرة.
                  قلقت عليه أمه ،وبحثت عنه .لم تجده ..عرفت بأنه فوق سطح المنزل كما اعتاد..بجنون نادت عليه..صرخت بكل أحاسيسها. لم يجبها ؛كان يحدق في السماء بكل شغف.
                  بهلع الدنيا تدرجت السلم،وصوتها مازال يصرخ..وصلت إلي السطح.رأته يقفز في الهواء،وكأنما يحاول التحليق؛ليعانق الطائرات التي غطت السماء.
                  عاودت النداء عليه،ودنياها تتهاوي مع كل شيء يتهاوي حولها..
                  لم يلحظها؛عقله مازال مشغولا بمعشوقته،وأحلامه الصغيرة..بالطائرة التي تهدم البيت العالي في لحظة خاطفة وبقذيفة واحدة.
                  .فتحت ذراعيها:
                  - تعال..
                  بفرحة نظر إليها،ثم لوح بغصن زيتون في يديه إلي السماء..إلي الطائرات،يستحثها أن تنزل إليه،وقال لأمه مبتسما:
                  - انظري ..الطائرات في السماء!!
                  لم تنظر إليها ..نظرت إلي الغبار المتصاعد من كل مكان..إلي المنازل التي تنهار وتتهاوي .. إلي شمس باكية،مخنوقة تراقبهما بخوف شديد .
                  زاد القلق والخوف داخلها،حتى كاد قلبها أن ينخلع من بين ضلوعها.
                  انطلقت نحوه وذعر الدنيا يلوح في عينيها..رمت بجسدها عليه ..احتوته بين ذراعيها،ودموعها تذرف فوق خديها بلا توقف..حملته ..عانقها،وعيناه ما تزال تتابع بلهفة الطائرة التي حلقت فوقهما.
                  رآها تدور دورتين ،تقترب ..وتقترب،ثم مضت بعد أن تركت لهما تاريخا يكتب بمداد أحمر...

                  تعليق

                  • فارس رمضان
                    أديب وكاتب
                    • 13-06-2011
                    • 749

                    #10
                    مشاركة رقم (9)
                    بوح


                    بعدما تتركك وتذهب غير عابئة بما أنت فيه
                    تَذكر انك أنت الذي لم تحسب حساباتك جيداً
                    الآن فلتذكر خطيئتك كل صباح وهى انك أحببت بشدة
                    وانك حاولت أن تكون كما يليق بالعاشقين في الحكايات فمنحت نفسك المزيد من التخبُط
                    تتركك وحيداً وهى تعلم جيداً انك تتحول تدريجيا كالأشخاص المذنبين في الأساطير القديمة ..... يُعذبون باستمرارية جعلت العذاب نفسه اعتيادياً.
                    فلتجلد روحك كل صباح.
                    وتذكر أيضاً انه أنت الذي أخبرتها بكل شيء عنك حتى التفاصيل التافهة
                    انك موسوم بحرق باليد اليمنى نتيجة لموجة غضب من أب لا يروق له عبث الصغار فوضع يدك على النار حتى تحولت للون الوسط بين الأحمر والأسود ثم تحولت بعد ذلك لألوان كثيرة وعندما عادت لطبيعتها بعد مرور الأُم على عدة أشخاص يجيدون علاج الحروق بوضع اللبن أو ورق الشجر أو حتى الطين عادت وقد تبقت هذه النتوءة كتوقيع لشخص متعجرف
                    وانك موسوم كذلك بضربة مشرط من طبيب مبتدئ في اشد أماكن جسمك اختباء وانك تحب البحيرة وصدور البنات الصغيرات و تُحب القراءة في الضوء الخافت وتحب الشاي بالنعناع والقرنفل وتكرهُ البقاء حتى نهاية الحفلات .
                    حيث يرحل الجميع ويتركون مقاعدهم خالية .... يشعرك هذا بانقباض غريب
                    وانك تنتظرها كما تنتظر النبتة الظامئة السحابة المحتقنة بالماء
                    وأنها عندما تتركك هكذا وحيداً يصير العالم ضيقا جداً لدرجة انك لا تعرف كيف تأخذ أنفاسك جيداً
                    وانك تحمل في الخفاء كل بقاياها بما في ذلك مناديلها الورقية وعلب الشيكولاته الفارغة والأقلام التي مستها يوما لتعود وتتشمم كل ذلك بحثا عن رائحتها التي تحفظها جيدا ولكنها دائما ما تهرب منك ولا تستطيع الإمساك بها
                    أذبت نفسك في كاس وأعطيتها إياه لتشربه
                    ولكن في المقابل لم تعرف عنها سوى أنها سيئة جداً في النحو والاستهجاء وأنها لا تحب العطور وتكره التحدث عن العلاقات الحميمة.
                    وبما أنها العالم لك فعندما تذهب وذلك الخواء الذي تتركه خلفها يبدأ من داخلك ليمتد إلى كل طريق تمر به ... تشعر كما لو انه رحل الجميع وتركوك تشاهد نهاية حفلك الخاص
                    تقرر للمرة لا تعرف الكم انك حتما ستنساها وتنسى جميع قراراتك عندما ترها ويبقى لك فقط زيادة مفاجئة في ضربات قلبك وأنت لم تعِ
                    بعد انك كي تنساها يلزمك أن تنسي أنك نسيتها أيضاً.
                    الآن أمامك على طاولة المقهى علبة سجائرك ومفاتيحك وتليفونك وجميع ما كتبتهُ تحت تأثير موجات حزنك العميقة وغضبك منها
                    قد أحضرتها إليك ولم تقرا منها حرفا
                    اضطررت أن توزع ما كتبته مرة أخرى على قصاصات ورق صغيرة تضعها في يدها كلما حانت لحظة مناسبة ولكنها كانت تعيدها إليك مرة أخرى وتقول ( كلمني كدا كلام عادى أحسن)
                    عاقب نفسك كل صباح بمزيد من العشق ...بمزيد من الشوق ... بمزيد من الوهم أنها لك في النهاية.
                    عاقب نفسك حتى تدمى روحك وإذا فشلت أن تكون عاشقاً كما ينبغي فكن أسير حسن السلوك
                    فأنت تم تصنيفك من زمان
                    اذهب وكن من العاشقين
                    ولكن لا احد من الشعراء الشعبيين سيذكرك وهو يروى أقاصيصه ولن يعرفك يوماً محبو قراءة الروايات العاطفية
                    تعرف انك بعد أن تقوم من مقامك هذا وإذا حاولت الاتصال بها لن تجد هي مشكلة في أن تقول بعد عدة دقائق أنها ستترك هاتفها لان يدها تؤلمها من رفعه هكذا في مستوى الأُذن
                    لماذا تركتك كل تلك الأيام إذاً
                    هل أحبت ارتباطك المجنون بها .... نبرة الحُزن في صوتك.... قصصك عن البنات الأخريات
                    إلى أين تذهب الآن وقد بدأ العاملون بالمقهى في لملمة المقاعد للداخل لأن الجميع ذهبوا وبقت المقاعد كنهاية حفل كبير
                    تترك المقهى وتمشى بمحاذاة النهر وفى لحظة بدت لك أنت شخصياً خاطفة تلقى بكل ما في يدك.. تليفونك وأوراقك /أوراقها ومفاتيحك في النهر لتستقبل جرعة العذاب الصباحي في خفة الطائر



                    تعليق

                    • فارس رمضان
                      أديب وكاتب
                      • 13-06-2011
                      • 749

                      #11
                      مشاركة رقم (10)



                      حلم الدراجة



                      أمامَ محل بيع لعب الأطفال وقفَ صبيان صغيران، يبدو مِن خلال مَلابسهما المُهترئة، وجهيهما اللذان أكتساها الأتربة والأوساخ بأنهما مِن الطبقةِ المُتسولة في الشوارع، أخذا ينظران إلى اللعبِ المعروضةِ مِن خلال زجاج نافذة المَحل ويؤشران إلى الألعابِ، وهما يتداولان الحديث بين الجدال والنقاش، يبدو كأنهما يتقاسمان الألعاب فيما بينهما.
                      في هذهِ اللحظة خرجَ صاحبُ المَحل وبين يديهِ دراجة هوائية مَطلية بعدةِ ألوان، ومُزينة بأنواع مِن المصابيح والأعلام المُزركشة وجرسين فضيين موضوعين على جانبي دفتيِّ قيادة الدراجة، وبينما كان صاحبُ المَحل مَشغولاً بوضع الدراجةِ في مكان مُناسب أمام محلهِ، كدعاية لجذبِ المُشترين إليها, أخذ الصبيان ينظران بإعجاب ولهفة إلى تلك الدراجة المعروضة بألوانها الجذابة ومَصابيحها المُلونة!، وأعلامِها التي ترفرف؛ حتى والدراجة في حالةِ سكون!، تعجبَ الصبيان بتلك الدراجة الهوائية أشدَ إعجاب، وتناسوا كل الألعاب المَعروضة مِن خلال نافذةِ المحل، والتي كانوا قبل قليل يتقاسمونها فيما بينهما.
                      وما أن رآهما صاحب المَحل حتى صاح عليهما بغضب قائلاً: أبتعدا عن المحل أيُّها المُتسولان، إذا لم ترحلا حالاً سوف أجلب لكم الشرطة خلال ثواني، هيا أبتعدا ( وأخذ ينظرُ إليهما بنظراتٍ تملؤها الغضب والشر).
                      خافَ الصبيان مِن ملامح وجهِ صاحب المَحل وغضبهِ ولما سَمِعا أسم الشرطة؛ حتى أبتعدا عن المَحل.
                      وما أن دخل صاحب المَحل إلى حانوتهِ؛ حتى تقدم الصبيان مرة آخرى وهما يختلسان النظر إلى تلك الدراجة الهوائية، وبعد صمتٍ قصير صاحَ أحدُ صبيين بحماس قائلا: آه.. يا إلهي لم أرى بحياتي مثل هذه الدراجة المُدهشة!! ليتني أمتلكُ مثلها.
                      فأجاب الصبيُّ الثاني وقد جحظتْ عيناهُ مِن شدةِ الإعجاب وهو ينظر إلى الدراجة وأخذ يتلعثم قائلا: أأأجل، والله لم أرى مثلها بحياتي، أنظر إلى ألوانها!، فيها كل الألوان مثل القوس والقزح!، أنظر إلى الجرسين الفضيين ليتني أسمع رنينهما!، أنظر، أنظر إلى مَصابيحها ( أخذا يعدُها بإنبهار ) واحد، أثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، أو يا إلهي ثلاثة مصابيح في الأمام وإثنان في الخلف! حقاً دراجة عجيبة!!
                      فردَّ الصبيُّ الأول بأستهزاء قائلاً: ليسوا خمسة مَصابيح أيَّها الغبي أنظر إلى دواليب عجلاتِها!، فهناك مَصابيح صغيرة مُلونة حول دواليب كل عجلة!، آه.. يا إلهي كم ستبدو رائعة تلك المَصابيح وهي تشعُ بأنوارها في الليل حينما يلفُ بها راكبها بين الشوارع المُظلمة؟!!
                      قاطعهُ الصبيُّ الثاني بإعجاب قائلاً: حقاً ستبدو مثل الألعاب النارية وهي تشع بأنوارها من خلال دواليب العجلات!، أما في النهار فيا لجمالِ أعلامها المُزركشة وهي ترفرف!، تبدو وكأنها أعلام الدول؟!
                      فأجابهُ الصبيُّ الأول مرة أخرى بأستهزاء قائلاً: أجل أيُّها الغبي آلا ترى علم العراق بينهم.
                      فردَّ الصبيُّ الثاني بإستهزاء أيضاً قائلاً: وهل تعرف غير علم العراق؟ أتحداك إذا كنت تعرف باقي أعلام الدول يا ذكي؟
                      تهربَ الصبيُّ الأول مِن السؤال مُردداً قائلا: لا تهمني الأعلام بقدر إهتمامي بمَصابيحها، سوف أتسولُ ليلاً ونهاراً، وسوف أشتغلُ بأيِّ عمل لأجمع النقود، وعندما أجمعُ المَبلغ الكافي سوف أشتري هذه الدراجة، وحينما أملكها سوف أركبها وأطوف بها كل شوارع الحارة وحتى الحارات القريبة، بل وسوف أسافر بها إلى كل المُدن ودول العالم.
                      فأجابهُ الصبيُّ الثاني بتحدي وغضب قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك فلديَّ بعض النقود التي جمعتها مِن التسول وسأجمع قريباً ما تبقى، وحينما يُجهز المَبلغ سأبادر على الفور لشرائِها.
                      فردَّ الأول بصوتٍ عالي والغضبُ يكتسي وجههُ مُتحدياً زميلهُ قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك أيُّها الغبي، وإذا لم تسكت سأشبعك ضرباً مُبرحاً.
                      فتحداهُ الثاني بعنادٍ وإصرار قائلاً: لا أنا سأشتريها قبلك، وسترى قريباً، كيف سأركب تلك الدراجة وألف بها الشوارع.
                      تحول الجدال والتحدي في ثواني إلى الشِجار والسبِ وأنتهى بالضرب بينهما، فأخذا يضربان بعضهما وتبادلوا الركلاتِ واللكماتِ، وأطاحا بعضهما أرضاً؛ حتى أدمت وجهيهما مِن شدة اللكمات.
                      وفجأة سادَ الهدوء بينهما وهما يسمعا جرس الدراجة ترنُ برنينها العذب، فأخذا ينظران نحو مَصدر صوت الجرس وإذا بهما يتفاجئا بصبي راكباً تلك الدراجة بصحبةِ والدهِ الذي أشتراهُ لهُ، وغادرا المَحل، ورنينُ جرس الدراجة يملأ صداهُ الحي بين الحين والآخر، فظل الصبيان ينظران إليهما؛ حتى غاب الصبيُّ بدراجتهِ عن ناظريِّهما في الطريق، وأختفى معهما رنين الجرس، الذي ظل صداهُ يرنُ في أذن الصبيان.
                      نظرَ الصبيان لبعضهما بحزن وأسى، وساعدا بعضهما على النهوض مِن الأرض التي كانت قبل ثواني حلبة صراع بينهما، ونفضا ملابسهما مِن التراب والغبار ومسحا بكميِّ قميصِهما وجهيهما مِن الدماء، ثم أبتسما إلى بعضهما وأسترسلا في الضحك، كأنهما أستفاقا مِن حلم الدراجة، ثم وضعا أيديهما فوق كتفيِّ بعضهما وغادرا المكان وهما يصفران على نفس نغمات رنين جرس الدراجة، وأدركا بأن صداقتهما أقوى مِن حلم الدراجة.


                      تعليق

                      • فارس رمضان
                        أديب وكاتب
                        • 13-06-2011
                        • 749

                        #12
                        مشاركة رقم (11)



                        الحلال والحرام




                        تأملها وهي على راحة يده.. فقط عشرة قروش، يمسك بها ويضغط عليها بقوة وفكره مشغول. ما الذي كان سيحدث إن لم يجدها؟ سيحدث الكثير! أهذا لايعني أنه سيحدث الكثير الآن؟ ظل يتقلب على فراشه، ونفسه تتوق إلى الراحة، أن يخلد للنوم ولو قليلًا وأفكاره تطرد النعاس من جفنيه، يحاول أن يجد مبررًا يقنع به ذاته والآخرين، فهو على حق دائمًا طالما أن واحد زائد واحد يساوي اثنين.
                        - أبوجلااال
                        هكذا نادته زوجته وهي في غفوتها وأنفاسها تنخفض.
                        - إنتَ نائم؟
                        - نعم يا أم جلال
                        - طيب نام يا أخويا
                        وبدأتْ أنفاسها تعلو وتهبط في انتظام.
                        عبدالهادي الجزولي وكنيته أبوجلال واحد من الذين لفظتهم الوظيفة الحكومية بحجة تدهور صحته أو هذا ما جاء في تقرير لجنة المراجعة السنوية.. مجابهته لتفشي الفساد في الخدمة المدنية كانت وراء فصله من منصبه، واكتفى بما منحته له الدولة من معاش ضئيل، لايكاد يكفيه مع زوجته لشراء ضرورات الحياة، بعد استقلال كل من ولديه بحياته الخاصة، جلال الذي هاجر إلى كندا وظل يرسل إليه من الحين للآخر مبلغًا من المال لإعانته، وسامي الذي تزوج بعد تخرجه من الجامعة، ثم ألهته الحياة مع زوجته. كان عبدالهادي الجزولي قانعًا بما قدمه لأسرته الصغيرة.
                        يولي القطعة المعدنية كل اهتمامه ويتساءل ماذا كان سيفعل بها صاحبها؟
                        ليتهم تفقدوا خاصتهم، قبل أن ينفض مجلسهم، علَّ شيئًا مهمًا قد قفز من جيب أحدهم.
                        السؤال الذي لم يفارقه طوال الليل.. لمن تكون ملكيتها؟ أحمد الثري الذي إن قال له لك عشرة قروش عندي، سخر منه ومن فكره ونعته بالمهووس، أم هي خاصة زميلهما يوسف المتعجرف، الذي إن سأله سينظر إليه بازدراء ثم يقول: أيوجد من يتحدث عن عشرة قروش هذه الأيام؟ حتى الأطفال صاروا أيضًا ممن لايرضون بها. وربما زاد من عجرفته وأسهب في الشرح والتفصيل ولعن الحكومة وتدهور الاقتصاد وزاد من اتهامه له، بأنه يعقد الأمور ويعمل من (الحبة قبة).
                        عشرة قروش! ماذا سيفعل بها؟ والحق يجب أن يرجع لأصحابه. قديمًا قيل أن أحدهم عثر على قرش من فضة وبعدها صار من الأغنياء الذين يتحكمون في اقتصاد البلاد! ولايعلم أصله أحد، إن كان طيبًا أو مُرّاً علقمًا، ولكن ماله تنامى وزاد وصار من أصحاب الشركات. وقيل أن جنيّة منحته إياه وقالت له إن أردت الغنى عليك بالاحتفاظ به وإن أضعته ضاعت حياتك وعشت حياتك فقيرًا تسأل الناس لحافا_ والحياة حظوظ. رنّتْ الجملة الأخيرة في عقله وتخيل نفسه وقد أصبح من الأغنياء، ولكن ثمة خاطر طاف بذهنه أي من صاحبيه ماله طيب؟!
                        مواء القطة يأتيه من خلف النافذة المغلقة.. مياااو، مياااو.. كأنما تقول افتح
                        لأدخل فالبرد قارس بالخارج وكومة اللحم إلى جواره تقول:
                        أبوجلال إنت نمتَ؟ هِش على القطة
                        وتعاود أنفاسها الانتظام
                        تزوج أبوجلال كشأن معظم أبناء جيله الذين لايعرفون عن الزوجة غير أنها واحدة من الأقرباء، لابد أن يكون اسمها مقروناً باسم الزوج سواء من ناحية الأب أو الأم ولأن أم جلال ابنة عمه كان هذا هو المحمل الذي يدفع بسفينة الأسرة دون أن
                        تتوقف أمام صروف الدهر.
                        هجدتْ القطة.. فكانت هي الروح الثالثة التي يضمها سقف المنزل!. الأنفاس التي تتصاعد وتنخفض في انتظام لم تكن هذه المرّة هي تلك الأنفاس التي نعرفها، لأن أم جلال تجلس على السرير وهي تربط الإشارب على رأسها، وتناديه:
                        - أبوجلال، لم يرد
                        - يا أبوجلال، ولم يرد عليها..وتهزّه من كتفه..أنفاسه تتصاعد في انتظام
                        - أبوجلااال
                        يهمس بصوت متقطع:
                        - القطة؟
                        - الصلاة
                        نهض متثاقلًا كغير عادته، وهو يتحسس مافي جيبه، ويشرع في استقبال يوم جديد! عندما تعثر في مشيته وهو في طريقه إلى المسجد ظن أن الأمر نذير شؤم يتعلق بالعشرة قروش، تحوقل وتبسمل من همزات الشياطين.. بعد أدائه لصلاة الفجر، وقف الإمام يخطب "إن كان لدى أحدكم شيء لا يخصه، عليه أن يرده لصاحبه." توجس في نفسه كأنما هو المقصود بالنصيحة، فأوشك أن يسأل الإمام:
                        - حتى إن كانت عشرة قروش؟
                        أرسل في طلب صاحبيه، فأتياه على عجل، كلاهما يحث الآخر على الوصول، علَّ الأمر جلل، عندما دخلا عليه وقف متكدرًا، وأحسّا في نبرات صوته توترًا، ضم يده على القطعة المعدنية، و رفع سبابته في وجهيهما قائلًا:
                        - إن كان لأحدكما عندي قطعة من نار فليطفئها.

                        تعليق

                        • فارس رمضان
                          أديب وكاتب
                          • 13-06-2011
                          • 749

                          #13
                          مشاركة رقم (12)



                          ريح المسك




                          تكتسي سماؤهم بلون ٍشفقيٍّ مورِّد ،قابعين بزاويةٍ من البيت،ويمضي نهارُهم منهوباً ،يمرُّ عليهم ثقيلاً،آكلاً بعضَ أعمارِهم.
                          يتغشّى وجوهَهم سكونٌ رهيبٌ كأنما زارَهم الموتُ قاطفاً،، تومضُ منها بروقُ الخوفِ ، يصيحُ فيها أزيزُ الرصاصِ ، يتعالى من بيوتِالجوارِ غبارٌ يمازجُه دخانٌ و نار ، مناجلُ عمياء تفعلُ فعلَها .
                          ينسدُّ الأفقُ، يبعثُ منظراً موحشاً كئيباً ، يجتثُّ الافئدةَ من الصدور ،الوجوهُ يعلوها الشحوبُ ، لا شيءَ يُنبئُ عن سنا شمس يقترب.
                          يُطْرَقُ البابُ ، وجهٌ باعثٌ للريبة ، تهدُّ النفسَ ملامحُه .
                          سبقت عيونُهم لسانَ الطارق إلى النبأ ، تختنقُ القلوبُ ، وتزدادُ قتامةُ الأفقِ ، تتلقَّفُ قاصمةَ الظهرِ .
                          تتواردُ الافكارُ بحزنٍ ، لم يبقَ من رفيق العمر إلا ذكرى ، لا ترتجي بعدَه إلا كروباً تعيدُ الصبحَ ظلمة .
                          فقدَتْ في قادم الأيامِ عوناً وسنداً ، شجونٌ تأكلُ الجسدَ.
                          ضمّتْ إليها أبناءَها بهم تتعزَّى ، تخططُ للدفن ، استوقفها كبيرُهم :
                          -
                          لا تشرعي بقبول العزاء ، سأكمل الرسالة بعده ،يقولها ويمضي ؛متجاهلاً توسلاتِها.
                          يزدادُ وجهُها صفرةً ، يتلعثمُ لسانُها ، تغرقُ في غيبوبةٍ عميقةٍ ،
                          توقظها ريحُ المسكِ تغالبُ عبق الياسمين.

                          تعليق

                          • فارس رمضان
                            أديب وكاتب
                            • 13-06-2011
                            • 749

                            #14
                            مشاركة رقم (13)



                            جرمٌ عابر


                            ذات مساء كانت الأنباء الواردة تؤكد انحراف جرم سماوي عن مساره ليقترب من مدار الأرض
                            الخشية من اصطدامه بالأرض ضئيلة ؛ لكن حجم تأثيره على الاتصالات كبير كلما اقترب أكثر
                            ارتفاع الطاقة المغناطيسية المؤثرة من المحتمل أن يتسبب في حدوث عواصف إشعاعية تؤدي إلى الكثير من الأضرار
                            كما الجميع نمت قلقا ؛ رغم إن الأخبار تطمئننا أن كل شيء سيمر بخير
                            عندما استفقت في الصباح كانت الأخبار الآتية من هنا وهناك تؤكد تلف الأقمار الصناعية .. أهرع إلى جهازي لألقي نظرة لكن صفحة الويب غير متوفرة !
                            يا لهذا الخبر .. الجرم العابر بالقرب دمر الأقمار الصناعية وسبل الاتصالات .. تعطّل فني جزئي في شبكات الطاقة، وانهيار نظم الاتصال وتعرض الإمدادات التجارية للضرر وإغلاق خدمة الانترنت وتوقف حركة الطيران.
                            عادت الأرض كما كانت منذ مائة عام .. لا لا بل كأنها تعود لمائتي عام إلى الوراء
                            يا لمصيبتي أصدقائي .. صفحاتي .. مشاركاتي وأعمالي تذهب هباء !
                            لا شك ثمة حل ما ، كيف سأستقي الصحافة ؛ مِنْ أين سأسمع الأخبار ومن ذا سأناقشه
                            كان غضبي عارمًا ، لم أتكلم لم أصرخ كنت فقط مذهولًا في انتظار الآتي
                            هذا الصباح مختلف ، كل شيء رتيب وغريب .. لا تلفزة ولا مذياع وموبايلي أصبح لعبة عديمة النفع ..إلا من بعض التطبيقات واللعب
                            ذاهبٌ أنا إلى الجامعة حيث ما زلت لم أناقش أطروحتي عن العصر الحديث ومواكبة التطور
                            اي تطور بعد كل هذا ؟
                            هناك بدا الناس مذهولين تجمعات صغيرة بين الطلبة هنا وهناك تتحدث عن الخطب الجلل
                            استيقظت الدنيا كما لم تنام البارحة مساء
                            لا دروس ولا محاضرات أفتقد لرنة هاتفي بشدة لن أستطيع أن أهاتف زوجتي إذا ما كنت سأتأخر ولا الاتصال بصديقي محمود للاتفاق معًا على النزهة الجمعة وأيضا لن يتفقدني أحد
                            حين عدت متأخرا كانت زوجتي قلقة .. لكنها كانت أكثر صبرا هذه المرة فهي تعرف أنه لم تعد ثمة شبكة
                            ــ المساء الطويل ماذا نفعل أثنائه ؟.. هكذا بدأت تلح زوجتي بتتابع .. لم تكن لتتوقف حتى ألبي مطلبها
                            ها أنا في النهاية اضطر إلى اصطحابها والأولاد إلى المتنزه القريب بما أن الجو جميل
                            مصادفة وجدنا جيراننا هناك أيضا .ز كانت فرصة لأن أتحدث مع جاري فيما تتحدث زوجتي بثرثرة لا تنتهي مع زوجته
                            قهقهنا كثيرا بمودة ونحن نرى الحياة تعود لهدوء كان فيما مضى من العمر مألوفا ؛ حتى العالم بدا أكثر أمانا وألفة
                            تبسم جاري العسكري وهو يقول متابعاً الحديث : ستنخفض الأعمال الإرهابية بشكل ملحوظ فالجماعات لن تستطيع الاتصال ببعضها بسرعة ودقة
                            كما أن الإشاعات ستنخفض لتعذر انتشارها بتلك السرعة
                            أجبته ممازحًا : إذن بهذه الطريقة يا ذوب نسمع أخبار حينا
                            ضحكنا وتابع جاري منير: على ذكر حينا ما أخبار جارنا الشيخ المريض عبد العزيز ؟
                            قبل أن نعود اتفقنا على زيارته في الغد ، اضطررت لأن أجر الأولاد جرًا إلى البيت في طريق العودة فرغبتهم في البقاء كانت كبيرة يزيد منها يقينهم أنهم لن يجدوا ألعابًا جديدة تنتظرهم على صفحات الالعاب

                            امتد المساء طويلا وسردت لهم زوجتي حكاية ليلي والذئب ورغم ذلك ما يزال الوقت باكرًا
                            الحقيقة لم يكن باكرًا لكنهم الأولاد هم الذين تعودوا الاستيقاظ حتى الساعة الثانية صباحًا ..
                            في النهاية اضطروا صاغرين للنوم عند الحادية عشر فقط
                            عند الصباح عندما استيقظنا على غير العادة مبكرين خرجنا للشرفة للإفطار في الجو المنعش غي الشرفة وتناول الخبز المحمص والشاي معا
                            لم يكن الهواء بذاك الإنعاش في ذاكرة طفولتي أكاد اشتم الأغبرة والأتربة والأبخرة الصناعية
                            لا بد أن أزرع شجرة في الجنينة هكذا بدأت أتمتم وأنا أنظر للباحة الخلفية الفارغة .. صار لي المزيد من اتساع الوقت
                            سأعرج على السوق لأشتري معولا
                            ذهبتُ لعملي وعند عودتي من الجامعة اصطحبت كتابا لأقرأه
                            فيما أولادي ووالدتهم في زيارة للأهل سيعودون منها عند المساء.. كنا قد اتفقنا على كل شيء باكرًا لاعتبار عدم وجود الهاتف المحمول

                            بهدوء قرأت الكتاب..منذ مدة لم أتصفح كتاباً .. سرحت ونمت لم استيقظ إلا حين ايقظتني زوجتي صباحًا
                            وما كدت أفتح عينيّ حتى شد انتباهي صوت الهاتف .. الهاتف ؟ هل كنتُ في حلمٍ ثقيل ؟
                            نظرت زوجتي مليًا وهي تهمس :عادت الاتصالات اليوم .. الاضرار كانت أقل من المتوقع .. استطاعوا إصلاحها سريعًا
                            أكملت زوجتي سرد تفاصيل الخبر المذهل على مسمعي وأنا أتناول إفطاري وهي تتبسم وتخبرني بأحداث ابتعاد الجرم السماوي بكل سلام

                            ارتديت ملابسي وخرجت .. عرجت وسلمت على جاري المريض الذي لم أره منذ مدة
                            سأنسى
                            كل شيء لكنني سأتذكر أن أزور بعض أقاربي الجمعة القادمة ولن أنسى آخذ الأولاد ؛ وكذا لن أنس أن أزرع في باحتنا الخلفية شتلة زهر وشجرة


                            تعليق

                            • صهيب خليل العوضات
                              أديب وكاتب
                              • 21-11-2012
                              • 1424

                              #15
                              الشكر لجهودكم
                              تحية لكل المشاركين
                              تم التصويت
                              كأخر جندي في ساحة المعركة أحارب هذا الحزن وحدي،

                              تعليق

                              يعمل...
                              X