( بكاء على هدب يمامة )
1
اخترق صراخه تجاويف الريح و الهواء ، ارتحل مطاردا خامد الوسن ، لاطم شبابيك و أبواب الليل الغافي .
اهتزت بعنف تحت وهج العيون و التساؤلات .. انتفض جسدها البدين ، رفرف كأنه يتفتت ، ينهار .. ثم فزعة تغلق الشقوق ، و العيون المشرعة ، و ترتمي على أنفاسه بثقلها :" هيت أوجعك ، و أنا بعضها ، ورجع أنينك ، فلا تهدرني بنفثة هاجرة .. اهدأ .. اهدأ قليلا ".
خلص عنفه المكبل بأعجوبة ، و أطلقه في فضاء الغرفة ، محدثا الصمت و الفراغ ، و ساكن الوقت ، الكائنات الفارة أمام زفيره الحار .. الرعب يستولي على روحها :" يا ويلي يامه .. يا ويلي ...".
تهالكت على عوده النحيف ، ضمته رهيفا كي لا يتناثر منها زجاجه ، ثم أمعنت في الضغط : " اهدأ حبيبي .. اهدأ ".
كانت في عينيه الجافة ، و الأخرى في الماطرة ، وكان على قيد نظرة من روحها ، متغلغلة في الدم و النخاع الشوكي ، و جنونه المهاجر في رحيب السراب : " لم .. لم استعصمت و بم .. لم ؟
في هجسة الريح و الوقت ، كنت ألوان لك الوجود ، و أضع اسمك في سجلات الماء الوارفة ، ظلا و رحيقا و معنى .. خانتني .. خانتني ".
كفها عود نعناع يلامس وجهه الساخن ، تلملم الريح قبل انفلاتها هربا و استعارا :" أرأيتها عينا أم ظنا .. أرأيتها بيد لم تكن لك ؟".
قهقه القيظ مزلزلا فرائسها ، و بعنف جذب رئة الريح ، فانفتحت على آخرها ، ليمرق من بين براثنها إلي المطبخ ، و بنفس الوهج ، كان النصل يمزق الوريد ، و يفجر الدم شلالا قانيا !
صرخ الفزع ، صرخ بكل عنفوانه بالضجر و الألم ، ورفع عباءة الليل عن شيوخ النعاس :" أجننت .. جننت .. النجدة .. أغيثوني ".
ليس إلا ضحكات تشف و بله ، تتمايل على حر الدماء ، و لذعة الألم .. و على وقع خطوات النشيج كانت تهاجم الجرح ، و بقوة تعافر ثقوبه الفائرة .. بقوة توقف زحف الموت : اهدأ .. ونحن .. نحن .. لم ترنا جيدا ، وما كنت أنانيا ، جحودا .. اهدأ .. حقي فيك و حق أولادك أين هو .. أنسيت أنك أب .. بأي شيء سوف أجيب تساؤلاتهم .. رد علىّ .. لا تسكت .. لا تسكت .. مالك تترنح .. مالك .. أغيثوني ".
تواطأ معه استغراب ، و بعض تهكم :" من .. من أنت .. من أنتِ ؟ أنت لصة .. أنت من سرق مني ثلاثين عاما من عمر نحيل واهن العظم .. ثلاثين خريفا و أنا لا أجد نفسي .. الآن فقط أستردني منك .. أستردني .. أستـ ............".
تتمرد على نفسها ، أنانيتها ، حقها ، تعدل وضع الضمادة ، تضغطها بقوة أكبر :" الآن .. ذهبت .. و أنا سأذهب لا محالة .. و أنت .. ماذا عنك .. ماذا عنك .. أنت تموت .. تموت ".
فرت الصرخة عالية ، بينما انهار ضعفا على أريكة بوجه فقد ألوانه إلا الأصفر ، و تمددت التجاعيد على خلايا النفس و الشفاه ، و علت الرجفة بدنه ، و الدم نهر ينزف بلا توقف :" أولادي .. أولادي .. أنت تموت .. تموت ".
تهالكت الأنفاس على أرض الوجع ، آخذة في طريقها تماسكه ، و الرؤية في عينيه تضيق ، تصبح كثقب إبرة .. الشفتان مقيدتان بالوهن ، ترتجفان بردا " الموت راحة سيدة الوقت .. الموت راحة .. كيف لم أنتبه .. كيف أعطيت لطفلة كل هذا اللهو ، مكنتها مني إلي حد التمنع عن الرحيل أو الغياب .. لا بد أن أنزفها أمي كاملة .. لا بد من نزفها ".
ضغط الهواء في بدنه ، ثم أطلقه متخلصا منها :" اتركيني ".
قبل أن يمعن في الهوج كان أكبر الأبناء ، على قيد نجوى ، و كانت الغيبوبة تسحبه من مواجهة مريرة ، لم يحن وقتها بعد !
1
اخترق صراخه تجاويف الريح و الهواء ، ارتحل مطاردا خامد الوسن ، لاطم شبابيك و أبواب الليل الغافي .
اهتزت بعنف تحت وهج العيون و التساؤلات .. انتفض جسدها البدين ، رفرف كأنه يتفتت ، ينهار .. ثم فزعة تغلق الشقوق ، و العيون المشرعة ، و ترتمي على أنفاسه بثقلها :" هيت أوجعك ، و أنا بعضها ، ورجع أنينك ، فلا تهدرني بنفثة هاجرة .. اهدأ .. اهدأ قليلا ".
خلص عنفه المكبل بأعجوبة ، و أطلقه في فضاء الغرفة ، محدثا الصمت و الفراغ ، و ساكن الوقت ، الكائنات الفارة أمام زفيره الحار .. الرعب يستولي على روحها :" يا ويلي يامه .. يا ويلي ...".
تهالكت على عوده النحيف ، ضمته رهيفا كي لا يتناثر منها زجاجه ، ثم أمعنت في الضغط : " اهدأ حبيبي .. اهدأ ".
كانت في عينيه الجافة ، و الأخرى في الماطرة ، وكان على قيد نظرة من روحها ، متغلغلة في الدم و النخاع الشوكي ، و جنونه المهاجر في رحيب السراب : " لم .. لم استعصمت و بم .. لم ؟
في هجسة الريح و الوقت ، كنت ألوان لك الوجود ، و أضع اسمك في سجلات الماء الوارفة ، ظلا و رحيقا و معنى .. خانتني .. خانتني ".
كفها عود نعناع يلامس وجهه الساخن ، تلملم الريح قبل انفلاتها هربا و استعارا :" أرأيتها عينا أم ظنا .. أرأيتها بيد لم تكن لك ؟".
قهقه القيظ مزلزلا فرائسها ، و بعنف جذب رئة الريح ، فانفتحت على آخرها ، ليمرق من بين براثنها إلي المطبخ ، و بنفس الوهج ، كان النصل يمزق الوريد ، و يفجر الدم شلالا قانيا !
صرخ الفزع ، صرخ بكل عنفوانه بالضجر و الألم ، ورفع عباءة الليل عن شيوخ النعاس :" أجننت .. جننت .. النجدة .. أغيثوني ".
ليس إلا ضحكات تشف و بله ، تتمايل على حر الدماء ، و لذعة الألم .. و على وقع خطوات النشيج كانت تهاجم الجرح ، و بقوة تعافر ثقوبه الفائرة .. بقوة توقف زحف الموت : اهدأ .. ونحن .. نحن .. لم ترنا جيدا ، وما كنت أنانيا ، جحودا .. اهدأ .. حقي فيك و حق أولادك أين هو .. أنسيت أنك أب .. بأي شيء سوف أجيب تساؤلاتهم .. رد علىّ .. لا تسكت .. لا تسكت .. مالك تترنح .. مالك .. أغيثوني ".
تواطأ معه استغراب ، و بعض تهكم :" من .. من أنت .. من أنتِ ؟ أنت لصة .. أنت من سرق مني ثلاثين عاما من عمر نحيل واهن العظم .. ثلاثين خريفا و أنا لا أجد نفسي .. الآن فقط أستردني منك .. أستردني .. أستـ ............".
تتمرد على نفسها ، أنانيتها ، حقها ، تعدل وضع الضمادة ، تضغطها بقوة أكبر :" الآن .. ذهبت .. و أنا سأذهب لا محالة .. و أنت .. ماذا عنك .. ماذا عنك .. أنت تموت .. تموت ".
فرت الصرخة عالية ، بينما انهار ضعفا على أريكة بوجه فقد ألوانه إلا الأصفر ، و تمددت التجاعيد على خلايا النفس و الشفاه ، و علت الرجفة بدنه ، و الدم نهر ينزف بلا توقف :" أولادي .. أولادي .. أنت تموت .. تموت ".
تهالكت الأنفاس على أرض الوجع ، آخذة في طريقها تماسكه ، و الرؤية في عينيه تضيق ، تصبح كثقب إبرة .. الشفتان مقيدتان بالوهن ، ترتجفان بردا " الموت راحة سيدة الوقت .. الموت راحة .. كيف لم أنتبه .. كيف أعطيت لطفلة كل هذا اللهو ، مكنتها مني إلي حد التمنع عن الرحيل أو الغياب .. لا بد أن أنزفها أمي كاملة .. لا بد من نزفها ".
ضغط الهواء في بدنه ، ثم أطلقه متخلصا منها :" اتركيني ".
قبل أن يمعن في الهوج كان أكبر الأبناء ، على قيد نجوى ، و كانت الغيبوبة تسحبه من مواجهة مريرة ، لم يحن وقتها بعد !
تعليق