يرتحل من زمان لزمان مرتدياً ذات الأسمال البالية.. ووجهه الباسم لا ينفك عن الرضى بما قدرالله له في مكانه المنتظر..
يسافر إلى غياهب الماضي ليرتشف قهوة من مقهى العرودي في ستينيات بنغازي الزاهية.. يصل إلى هنالك متأخراً عن المكان فيشاهد مباراة في الملعب البلدي بين الأهلي والنجمة.. ويعاهد نفسه أن يكون دقيقاً في تحديد إحداثياته في مكان قادم..
أمكنةً يجد نفسه ملزماً بالحديث مع بعض الناس متحملا سخرياتهم المريرة.. أو نظرهم الشزر .. أو ضحكاتهم المتعالية.. لماذا يفعلون هذا؟ ألا يعرفون فداحة أن تضع على كاهلك حمل الارتحال من زمن إلى آخر ؟!! وما يكلف هذا الأمر من أوساخ وقاذورات قد لا تجد مكانا لتنظيفها؟؟
حيثما يسافر تكون المهمة الأصعب.. أن يصل في المكان الملائم.. أمكنةً كثيرة ما يخطئ في تحديد المكان.. لا تسعفه الكيلومترات أحياناً.. فقد يضطر إلى قطع سنتين في عدة آلاف من الكيلومترات.. يتحدث معنا ذات مكان.. لا يستوعب أحد منا كلامه.. ينعته الناس بالمجنون.. والأجدب.. والعبيط.. والمريوح.. والمجقجق.. وقتما وصل.. تعجبه ابتسامتي الفضولية.. يقسم لي بأغلظ الأيمان بأنه لم يكن في أي مكان من العالم مجنوناً.. وكل ما في الأمر أن لعبةالزمان والمكان بالنسبة إليه تناقضان ما ألفناه.. يرتاح لدهشتي فيصرح لي:أنتم المجانين..المجنون من يظل أسيراً لزمن معين مثلكم.. تنتظرون مروره دون أن تحاولوا تغييره أوالفرار منه.. الزمن يطويكم كطي السجل للكتاب.. أنا أكثر عقلانية منكم.. أنا لا أستسلم للزمن.. لا أسمح له بأن يطويني مثلكم.. تنهمر دموعه ويقول:المكان هوالذي يطويني.. كم أتوق إلى أمكنة مضت..أشعر بأن بعض الفهم قد بدا يتسرب إلى دماغي المرهق.. أسأله:- لماذا لا تحاول أن تقهر المكان أيضاً؟يجيبني: الله وحده هو القادر على ذلك.. الله لا يخضع لمقاييس المكان والزمان لأنه هو من وضعها.. إن نجحت في ذلك فسأصبح إلها.. وهذا لايمكن.. لا يمكن..
يهفو فؤاده إلى أداء الصلاة في المسجد الأقصى عام 1947..يحاول أن يصل في الوقت المحدد.. يمسك بالورقة والقلم ويتأكد أن السفر إلى ذلك الزمان في المكان المحدد تكون عبر قاهرة 1967..لا أدري كيف يحدد إحداثياته.. سألته عن كيفية سفره.. فلاأريد أن أعرف الطريقة التي يجري بها حساباته لأنني غير مهووس بعلوم الحساب والفلك.. ولم تعد الفيزياء تستهويني منذ حصلت على الثانوية.. سألته:- كيف تسافر؟أجابني :بطريقة أجدادي التقليدية.. أذوب.. أتلاشى.. إنها مسألة سهلة جداً.. سمعت أن اقارب لي يسافرون في آلات.. لكنني لا أملك المال الكافي لشرائها.. المكان الذي أفر منه لا يعود.. لا يمكن أن أكون في مكان واحد من مرتين.. أو أن يعود المكان مرة أخرى..الأمر سهل لو لم تتأثر بمعايير قومك..
- هل أنت جني؟ضحك وقال:وهل كل المخلوقات لديكم إنس وجان؟ ألا يمكن أن أكون هلاما بين بين؟إذن أنت ملاك..لا هذا ولا ذاك .. أنا هو أنا.. المسافر عبر الأزمنة..شرع في شرح طريقة طيه للأزمان عبر الأماكن.. قال كلمات بسيطة بدت تذيب الغموض شيئاً فشيئاً..غيرأني لم أتذكر منها شيئاً بمجرد أن اصبح علي الصبح..غادر المكان.. وقبل أن يتلاشى.. وعدني بزيارة بعد عشرين عاماً..قال إنه سيكون حذراً وسيغادر القدس قبل وصوله إلى العام 1948.. غير أنه فشل فيما يبدو فيتحديد إحداثيات السفر ولم يفلح في المغادرة فقتله اليهود (أو العرب) .. لا ندري.. قتلوه وهو يحاول الولوج إلى زمن ثورات الربيع العربي قبل أن تصيف وتصفر أوراق أشجارها.. وجدت رسالته في إيميلي في زمن انقطاع النت عن بنغازي يقول فيها:لا تخف..من هم مثلي لا يموتون بسهولة.. انتظرني بعد عشرين سنة من الآن.. سأكون هناك في عين المكان.. لقد بدأت سفري قبل أن يقتلني هؤلاء الملاعين.. ولم يبق من عمري إلا مكان واحد على بعد عشرين سنة من الآن..ولا أزال أنتظر أن يمد الله في عمري ومكانه.. لألتقيه وأعرف من قتله..
يسافر إلى غياهب الماضي ليرتشف قهوة من مقهى العرودي في ستينيات بنغازي الزاهية.. يصل إلى هنالك متأخراً عن المكان فيشاهد مباراة في الملعب البلدي بين الأهلي والنجمة.. ويعاهد نفسه أن يكون دقيقاً في تحديد إحداثياته في مكان قادم..
أمكنةً يجد نفسه ملزماً بالحديث مع بعض الناس متحملا سخرياتهم المريرة.. أو نظرهم الشزر .. أو ضحكاتهم المتعالية.. لماذا يفعلون هذا؟ ألا يعرفون فداحة أن تضع على كاهلك حمل الارتحال من زمن إلى آخر ؟!! وما يكلف هذا الأمر من أوساخ وقاذورات قد لا تجد مكانا لتنظيفها؟؟
حيثما يسافر تكون المهمة الأصعب.. أن يصل في المكان الملائم.. أمكنةً كثيرة ما يخطئ في تحديد المكان.. لا تسعفه الكيلومترات أحياناً.. فقد يضطر إلى قطع سنتين في عدة آلاف من الكيلومترات.. يتحدث معنا ذات مكان.. لا يستوعب أحد منا كلامه.. ينعته الناس بالمجنون.. والأجدب.. والعبيط.. والمريوح.. والمجقجق.. وقتما وصل.. تعجبه ابتسامتي الفضولية.. يقسم لي بأغلظ الأيمان بأنه لم يكن في أي مكان من العالم مجنوناً.. وكل ما في الأمر أن لعبةالزمان والمكان بالنسبة إليه تناقضان ما ألفناه.. يرتاح لدهشتي فيصرح لي:أنتم المجانين..المجنون من يظل أسيراً لزمن معين مثلكم.. تنتظرون مروره دون أن تحاولوا تغييره أوالفرار منه.. الزمن يطويكم كطي السجل للكتاب.. أنا أكثر عقلانية منكم.. أنا لا أستسلم للزمن.. لا أسمح له بأن يطويني مثلكم.. تنهمر دموعه ويقول:المكان هوالذي يطويني.. كم أتوق إلى أمكنة مضت..أشعر بأن بعض الفهم قد بدا يتسرب إلى دماغي المرهق.. أسأله:- لماذا لا تحاول أن تقهر المكان أيضاً؟يجيبني: الله وحده هو القادر على ذلك.. الله لا يخضع لمقاييس المكان والزمان لأنه هو من وضعها.. إن نجحت في ذلك فسأصبح إلها.. وهذا لايمكن.. لا يمكن..
يهفو فؤاده إلى أداء الصلاة في المسجد الأقصى عام 1947..يحاول أن يصل في الوقت المحدد.. يمسك بالورقة والقلم ويتأكد أن السفر إلى ذلك الزمان في المكان المحدد تكون عبر قاهرة 1967..لا أدري كيف يحدد إحداثياته.. سألته عن كيفية سفره.. فلاأريد أن أعرف الطريقة التي يجري بها حساباته لأنني غير مهووس بعلوم الحساب والفلك.. ولم تعد الفيزياء تستهويني منذ حصلت على الثانوية.. سألته:- كيف تسافر؟أجابني :بطريقة أجدادي التقليدية.. أذوب.. أتلاشى.. إنها مسألة سهلة جداً.. سمعت أن اقارب لي يسافرون في آلات.. لكنني لا أملك المال الكافي لشرائها.. المكان الذي أفر منه لا يعود.. لا يمكن أن أكون في مكان واحد من مرتين.. أو أن يعود المكان مرة أخرى..الأمر سهل لو لم تتأثر بمعايير قومك..
- هل أنت جني؟ضحك وقال:وهل كل المخلوقات لديكم إنس وجان؟ ألا يمكن أن أكون هلاما بين بين؟إذن أنت ملاك..لا هذا ولا ذاك .. أنا هو أنا.. المسافر عبر الأزمنة..شرع في شرح طريقة طيه للأزمان عبر الأماكن.. قال كلمات بسيطة بدت تذيب الغموض شيئاً فشيئاً..غيرأني لم أتذكر منها شيئاً بمجرد أن اصبح علي الصبح..غادر المكان.. وقبل أن يتلاشى.. وعدني بزيارة بعد عشرين عاماً..قال إنه سيكون حذراً وسيغادر القدس قبل وصوله إلى العام 1948.. غير أنه فشل فيما يبدو فيتحديد إحداثيات السفر ولم يفلح في المغادرة فقتله اليهود (أو العرب) .. لا ندري.. قتلوه وهو يحاول الولوج إلى زمن ثورات الربيع العربي قبل أن تصيف وتصفر أوراق أشجارها.. وجدت رسالته في إيميلي في زمن انقطاع النت عن بنغازي يقول فيها:لا تخف..من هم مثلي لا يموتون بسهولة.. انتظرني بعد عشرين سنة من الآن.. سأكون هناك في عين المكان.. لقد بدأت سفري قبل أن يقتلني هؤلاء الملاعين.. ولم يبق من عمري إلا مكان واحد على بعد عشرين سنة من الآن..ولا أزال أنتظر أن يمد الله في عمري ومكانه.. لألتقيه وأعرف من قتله..
تعليق