العصفور
استيقظ محمود العلي متأخرا...لم يكن في وعي ليترك أحلام اللاوعي، تكاسل، وتجبّد، وتثاءب، وتأفأف...لكن زوجته ببراءة الفراشة وبحنيّة عقدين من الزواج، بعثت بجسمه النشاط، فقام مثل حصان عربي أصيل، استفتح بذكر الله.. وبعد أن اغتسل لبس ثوبا أزرق وجاكتة زرقاء داكنة بطانتها ليلكيّة وبنطلونا أسود تركت المكواة فيه حرفا كحدّ السيف، وجوارب زرقاء وحذاء بنيا مكسور الخاطر والكعب، وفمفم بكلمات قد ترضي الله وتثير رضى وإعجاب البسطاء الذين يصدقون اللصوص وهم يبسملون قبل سرقة أيّ خزينة ... فجأة انتفض كأنه تذكر أنه على موعد في المدينة لأمر هام لا يحتمل التأجيل أو الانتظار، فانطلق بسيارته، لا يوقفه أمر خطير، ولا أمر طارئ ولا شارة مرور، وزوجته تدعو الله أن يسهل أمره ويفتح الأبواب أمامه، ويجعل له فيكل خطوة سلامة.في المدينة توجّه مباشرة إلى مقهى يطلُّ على البحر، بعيد عن مركز المدينة وصخبها وعن العيون التي تجرّد الناس من ملابسهم، والألسنة التي تجلدهم كالسياط التي تترك خطوطا حمراء لا تمحى، أو التي تطعن في الظهر كما تطعن الخناجر،ر وتوجه إلى طاولة في ركن شبه مظلم في المقهى، محجوزة على اسمه، تجلس عليها فتاة تلبس لتكشف أكثر مما تخفي.. ابتسمابتسامة جندي مقبل على معركة مضمونة النصر، ومشى وراء نظراته التي راحت تسبقه وهومأخوذ بالدهشة والإعجاب، ولسانه لا يتوقف عن ذكر الله وتسبيحه، على هذا الجمال النادر، جلس بجانبها وأعصابه تتلاطم كأمواج البحر الهادر في يوم عاصف، يسبح ببحر عينيها بشهوة، يتلفت يمينا ويسارا، تباهيا أو خوفا هو بنفسه لا يدري، قال لها، بصوت يكاد يكون وشوشة، أنه زار أماكن لهو كثيرة وأماكن عرض أزياء، وحضر مسابقات لملكات جمال، وشاهد العديد من الأفلام فلم ير جمالا كجمالها ووجها أحلى من وجهها، وقال لها أنه على استعداد للزواج منها عند أقرب مأذون، وفي الحال، لأنه ضاق بحياة العزوبية، ولم يعد يحتمل الوحدة والليل الجاف والفراش البارد، قالت له أنها في الوقت الحاضر لا تفكر في الزواج لأنه ممل، وهي تكره الحياة المملّة، وتفضل أن تبقى كالعصفور حرّة، خارج القفص، تتنقل من شجرة إلى أخرى ومن شباك إلى شباك، أعجبته فكرة العصفور الحر، وتمنى أن تكون له أجنحة، يطير بها ويتنقل من شباك إلى آخر، يطلّ على الصالونات وغرف النوم والمطابخ، أو يقف على أسلاك الكهرباء، ينظر إلى الناس من علٍ، وهم يمشون أو يجلسون على الأرض، ثم ينتقل بين الحدائق العامة ليرى العشاق على ضوء القمر وهم يتهامسون، يقترب منهم ليسمع ماذا يقولون، وانسجم مع الفكرة، وغاص في أبعادها بصمت ثقيل وهي تتأمله، لكنه فجأة، انتفض كعادته كمن يفيق من حلم جميل، وتذكر أنه على موعد مع صديق له في عيادة المرضى، دفع الحساب وتركها تتأمل بعضها، وخرج كمحارب يخرج من معركة خاسرة، وانطلق إلى عيادة المرضى.
هناك التقاه، رجل في الأربعينيات، طويل القامة، يلبس نظارة سوداء واسعة، تغطي مساحة واسعة نسبيا من وجهه، تضفي عليه شيئا من الغموض يزيده جرحٌ بارز يمتد فوق حاجبه الأيسر ويقفز فوق عينه اليسرى، تواري طرفه الآخر لحية سوداء تزيده غموضا على غموض.اتخذا ركنا جانبيا في عيادة المرضى، وطال بينهما الحديث، كان يبدو أحيانا كأنه حوار شديد لن يؤدي إلى تصالح،لكنه بصوت يشبه الوشوشة، انتهى باستلام محمود العلي مظروفا مفتوحا فيه رزمة نقدية، ألقى عليها من فتحة المظروف نظرة انعكست بارتياح ورضى في عينيه، وبسمة عريضة غطّت وجهه، واعتذر لأنه على موعد، مثل كل مواعيده، لا يقبل التأجيل أو الانتظار،لإلقاء محاضرة عن انحسارظاهرة التديّن بين طلاب الصفوف الدنيا في المدرسة الابتدائية و.
انطلق بسيارته وهو يدندن بأغنية هيفاء وهبي "أكلك منين يا بطه " وحين وصل بوابة المدرسة كانت مغلقة، وبدون حارس مثل باقي بوابات المدارس، وبينما هو يتساءل مع نفسه كيف تُفتح هذه البوابة؟ وكيف يمكنه دخول هذه المدرسة الشبيهة بالسجن، سمع صوتا يدعوه " تفضل أستاذ محمود" وفُتِحت البوابة تلقائيا فدخلها بسيارته دخول القادة المنتصرين، واستقبل في الداخل استقبال العلماء الكبار والمحاضرين المشهورين مع أنه لم ينه تعليمه الثانوي، وكان الطلاب في قاعة رياضية ينتظرون بهدوء غريب، لم يتعودوه في غرف التدريس، دخل القاعة وسط تصفيق حاد، وبدأ بالبسملة، ثم حيا المدير والمعلمين على تأديتهم رسالة نبيلة تكاد تشبه رسالة الأنبياء، وإن كانت تحتاج إلى العبادة والصلاة لتكتمل، ثم أخذ يحدثهم عن الجنة التي تجري من تحتها الأنهار، وعن الحوريات الخضر وقال لا يدخل الجنة إلاّ المؤمنون الذين يواظبون على العبادة، أما الكفرة فلهم نار جهنم التي يهون عن عذابها عذاب القبور، تبدأ النار صفراء تشوي جلودهم حتى تتساقط، ثمّ تحمر هذه النار لتشوي عظامهم حتى تصبح سوداء، وتصبح أجسام الكفار جيفا سوداء كظلام الليل الذي لا يطلع فيه قمر أو نجوم، فأحسّ الطلاب ببرد شديد، وتصلّبت شرايينهم، وتقلّصت عروقهم ولم تقو أكفّهم على التصفيق بالحرارة المطلوبة، فانعكس ذلك على وجه المحاضر المؤمن، فتغيّرت ملامحه، وتوترت أساريره،غير أن الشيك الذي قدم له، وطبق الحلوى الذي التهم منه أمام الطلاب أعاد الحماس والتفاؤل إلى نفسه فالتهم قطعة حلوى إضافية مما أثار شهيّة الطلاب، فحاولوا بلع أرياقهم لكن أفواههم كانت جافة، وأرياقهم ناشفة كالصحراء.
انطلق عائدا إلى بيته، وكانت الساعة قد قاربت الخامسة عصرا، استقبلته زوجته استقبال العشاق المشتاقين وتمنت أن يكون الله قد استجاب لدعواتها وتكللت مواعيده بالنجاح، طمأنها بأن الحياة كما فيها صعود فيها هبوط أيضا، وأن الحياة يوم عسل ويوم بصل.
عزيزي القارئ تكفيني منك قراءتك ومرورك الكريم
تعليق