منافذ توسلنا إلى الخالق عديدة، وموجبات التوسل تكاد تكون في تواصل مستمر سرا وجهرا، ليلا ونهارا، في اليقظة أو عندما يداعب الوسن العيون، وأسباب إلتهاء النفوس عن فيوض الإيمان وقبساته أيضا متعددة في خضم هذه الحياة الفانية.
عندما يسري الإيمان متغلغلا في الروح في ما يشبه فوران التنور ثم يمر عبر فجوات النفس الإنسانية تخرج كلمة التوسل تلقائيا وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.
والصور كثيرة من واقع إيقاع الحياة الفانية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر :
صورة أولى:
عندما ينفلت إعصارٌ مدمر مزمجرا يتلوَّى في جنون ،، وينطلق مكتسحاً كل ما في طريقه،، أو يكركر الرعد في الليل البهيم ويومض البرق في تزامن لا يسمح بالتقاط الأنفاس من الخوف والهلع ، فيردد الكل أسم المولى.
هنا فقط يكون أسم الله أقرب للسان ويغلِّف بعفوية طبقات اللسان وتجاويف الحلق ليهجد في مستقر وقرار مكين بردهات الروح، استدعاء عفوي يستمد حيويته من إيمان مترسّب في طبقات النفوس الدنيا.
صورة ثانية : ذات ترحال، تأبّط الفلاح (حمدان) في عضده الأيمن (حجاباً-حرزا) مغلفاً بالجلد كتب محتوياته شيخ وقور لا يطلب ثمنا لكلمات الله التي يحفظها عن ظهر قلب،، تتأرجح ثقة (حمدان) بين الشك واليقين في أن ( الحجاب-الحرز ) سيطرد عنه الوسواس الخناس الذي لازمه بعد زواجه من الفتاة التي كانت غير مرغوبة من كل أفراد الأسرة ،، نصحه الشيخ بأن لا يدخل به مكانا غير طاهر ،، أو أن يجلس به في مجلس به منكر. وذات مسيرة خلوية، رافقه الوسواس عن يمينه وعن يساره ومن كل جوانبه و هو ينطلق في ليل بهيم وحده ،، خُيِّل إليه أن كل المَرَدة وقبيلة إبليس تعدو في أثره وتجتهد في طلبه ،، وعندما وصلت روح وساوسه حلقوم صبره وتشبثتْ بتلابيبه ،، ظل يردد أسم المولى ويقرأ ما يحفظ من الآيات ،، فتصبب عرقاً بارداً ،، و نَسِىَ تماما أنه يتقلد حجاباً وحرزا من صنع آدمي، وأحس بروحه وكأنها خرقة بالية كانت قد إعتراها التراب ،، فأنزاح عنها الركام وتطاير غباره.
صورة ثالثة ( من واقع الحياة اليومية في إحدى القرى ) : في غمرة رتابة أيام أهل القرية الراقدة على ضفاف النيل الخالد، تمايل القارب الخشبي الصغير في عرض النيل الممتلئ ماءا وطميا حتى الثمالة بفعل الفيضان الكاسح ،، وهبّتْ نسمة شرقية تملأ الشراع لتنتفخ أوداجه البيضاء المرقّعة كثوب درويش في حلقة ذِكْر،، فانطلق القارب يتهادى كعروس على صفحة المياة العكرة، والناس في هدوء مصطنع وتوجس بائن، يخفون مشاعرهم بأحاديث يتخللها النظر إلى الضفة الأخرى في إشفاق، ثم انقلبت النسمة الوادعة إلى ريح عاتية،، فتمايل القارب،، وجحظتْ العيون،، وأصْدر خشب القارب طقطقة وهو يئن تحت وطأة الأمواج المتلاطمة ،، بينما ( الريس ) يقف منتصبا كنخلة جردتها الأيام من ( غلاف ساقها ) يصارع الرياح ( بالدفة ) تارة ، وتارة بمهادنة الريح بطى الشراع وفرْدِه .
وانطلقت الألسن تلهج بالدعاء سرا وجهرا. نداءات متغلغلة في النفوس كطبقة من ركام هش يعلو صفحة المياه ،، سرعان ما يذوب ليندمج مع ماءه فيختلط الفرع مع الأصل.
وامتلأ جوف القارب بالماء من فتحات جانبية ،، وبدأتْ الأيادي في إغتراف الماء في صراع معها و مع الزمن ،، فوقف شيخ وقور منتصف القارب مبتهلا بصوت واثق :( يا مُنَجِّي نوح وأهله من الطوفان،، يا منجي موسى من فرعون ،، يا منجي نبيك محمد في الغار ،، بسم الله مجريها ومرسيها ،، ).
وتهادي القارب منزلقا في تؤدة ليعانق الضفة الأخرى في صخب.
من كل هذا وذاك أخْلُصُ ( فيما يشبه اليقين ) إلى أن سلاح الإيمان الخفي ينطلق في وقت تجتاح فيه الروح جحافل الخوف و في وقت تدوس على النفوس المضعضعة سنابك خيل الوسواس ،، فيدك هذا السلاح كل تلكم الحصون فتتناثر شظاياها بعيدا. ولكن سرعان ما ينسى الإنسان هذا السلاح في غمرة فوران تنور الحياة ،، وتلاطم أمواجها وأزيز رياحها العاتية وسفينتها التي تتأرجح تتقاذفها أنواء الخير والشر.
ثم يغفر الله لهذا الطين الملطخ بالذنوب، والصلصال المعجون بالخطايا والنسيان والحمأ المسنون الذي مصيره بين كلمتي ( كُن فيكون ).
***
جلال داود ( حين توسل )
عندما يسري الإيمان متغلغلا في الروح في ما يشبه فوران التنور ثم يمر عبر فجوات النفس الإنسانية تخرج كلمة التوسل تلقائيا وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة.
والصور كثيرة من واقع إيقاع الحياة الفانية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر :
صورة أولى:
عندما ينفلت إعصارٌ مدمر مزمجرا يتلوَّى في جنون ،، وينطلق مكتسحاً كل ما في طريقه،، أو يكركر الرعد في الليل البهيم ويومض البرق في تزامن لا يسمح بالتقاط الأنفاس من الخوف والهلع ، فيردد الكل أسم المولى.
هنا فقط يكون أسم الله أقرب للسان ويغلِّف بعفوية طبقات اللسان وتجاويف الحلق ليهجد في مستقر وقرار مكين بردهات الروح، استدعاء عفوي يستمد حيويته من إيمان مترسّب في طبقات النفوس الدنيا.
صورة ثانية : ذات ترحال، تأبّط الفلاح (حمدان) في عضده الأيمن (حجاباً-حرزا) مغلفاً بالجلد كتب محتوياته شيخ وقور لا يطلب ثمنا لكلمات الله التي يحفظها عن ظهر قلب،، تتأرجح ثقة (حمدان) بين الشك واليقين في أن ( الحجاب-الحرز ) سيطرد عنه الوسواس الخناس الذي لازمه بعد زواجه من الفتاة التي كانت غير مرغوبة من كل أفراد الأسرة ،، نصحه الشيخ بأن لا يدخل به مكانا غير طاهر ،، أو أن يجلس به في مجلس به منكر. وذات مسيرة خلوية، رافقه الوسواس عن يمينه وعن يساره ومن كل جوانبه و هو ينطلق في ليل بهيم وحده ،، خُيِّل إليه أن كل المَرَدة وقبيلة إبليس تعدو في أثره وتجتهد في طلبه ،، وعندما وصلت روح وساوسه حلقوم صبره وتشبثتْ بتلابيبه ،، ظل يردد أسم المولى ويقرأ ما يحفظ من الآيات ،، فتصبب عرقاً بارداً ،، و نَسِىَ تماما أنه يتقلد حجاباً وحرزا من صنع آدمي، وأحس بروحه وكأنها خرقة بالية كانت قد إعتراها التراب ،، فأنزاح عنها الركام وتطاير غباره.
صورة ثالثة ( من واقع الحياة اليومية في إحدى القرى ) : في غمرة رتابة أيام أهل القرية الراقدة على ضفاف النيل الخالد، تمايل القارب الخشبي الصغير في عرض النيل الممتلئ ماءا وطميا حتى الثمالة بفعل الفيضان الكاسح ،، وهبّتْ نسمة شرقية تملأ الشراع لتنتفخ أوداجه البيضاء المرقّعة كثوب درويش في حلقة ذِكْر،، فانطلق القارب يتهادى كعروس على صفحة المياة العكرة، والناس في هدوء مصطنع وتوجس بائن، يخفون مشاعرهم بأحاديث يتخللها النظر إلى الضفة الأخرى في إشفاق، ثم انقلبت النسمة الوادعة إلى ريح عاتية،، فتمايل القارب،، وجحظتْ العيون،، وأصْدر خشب القارب طقطقة وهو يئن تحت وطأة الأمواج المتلاطمة ،، بينما ( الريس ) يقف منتصبا كنخلة جردتها الأيام من ( غلاف ساقها ) يصارع الرياح ( بالدفة ) تارة ، وتارة بمهادنة الريح بطى الشراع وفرْدِه .
وانطلقت الألسن تلهج بالدعاء سرا وجهرا. نداءات متغلغلة في النفوس كطبقة من ركام هش يعلو صفحة المياه ،، سرعان ما يذوب ليندمج مع ماءه فيختلط الفرع مع الأصل.
وامتلأ جوف القارب بالماء من فتحات جانبية ،، وبدأتْ الأيادي في إغتراف الماء في صراع معها و مع الزمن ،، فوقف شيخ وقور منتصف القارب مبتهلا بصوت واثق :( يا مُنَجِّي نوح وأهله من الطوفان،، يا منجي موسى من فرعون ،، يا منجي نبيك محمد في الغار ،، بسم الله مجريها ومرسيها ،، ).
وتهادي القارب منزلقا في تؤدة ليعانق الضفة الأخرى في صخب.
من كل هذا وذاك أخْلُصُ ( فيما يشبه اليقين ) إلى أن سلاح الإيمان الخفي ينطلق في وقت تجتاح فيه الروح جحافل الخوف و في وقت تدوس على النفوس المضعضعة سنابك خيل الوسواس ،، فيدك هذا السلاح كل تلكم الحصون فتتناثر شظاياها بعيدا. ولكن سرعان ما ينسى الإنسان هذا السلاح في غمرة فوران تنور الحياة ،، وتلاطم أمواجها وأزيز رياحها العاتية وسفينتها التي تتأرجح تتقاذفها أنواء الخير والشر.
ثم يغفر الله لهذا الطين الملطخ بالذنوب، والصلصال المعجون بالخطايا والنسيان والحمأ المسنون الذي مصيره بين كلمتي ( كُن فيكون ).
***
جلال داود ( حين توسل )
تعليق