طقوس ما بعد الحزن أكثر إيلاما من لحظاته مهما قست...
"مهما حاول وضع نفسك مكان شخص أخر فانك لن تستطيع أن تحس نفس أحاسيسه... لذا تقتضي الظروف أحيانا أن تتركه يمارس حياته كما شاء لها، دون أن تحاول تغييرها."
"مهما حاول وضع نفسك مكان شخص أخر فانك لن تستطيع أن تحس نفس أحاسيسه... لذا تقتضي الظروف أحيانا أن تتركه يمارس حياته كما شاء لها، دون أن تحاول تغييرها."
"لم تكن الحياة تستحق كل تلك التضحية لكي تستمر"، فكرت للحظة في كل تلك التفاصيل التي مرت بسرعة منذ ذلك اليوم، في كل تلك التطورات التي كانت تبدو مستحيلة... ولكنها حدثت. كانت كعادتها تحمل في يدها فنجان قهوتها الصباحي وتقف في شرفة غرفة نومها التي تطل على الحديقة التي كسا اصفرار الخريف الأشجار والحشائش المتوزعة فيها بانتظام...
كان كل شيء يؤكد حالة الروتين والرتابة التي يغرق فيها المنزل والحديقة والشارع والجبل الأزرق الذي يلوح من بعيد لناظريه، وحتى تلك القطة البيضاء النائمة على عتبة المدخل.. ما عدا تلك الغضة المؤلمة التي تواصل اجتياح مشاعرها مع كل نبضة، والتي مهما تكررت يصعب التعود عليه.
رن هاتفها المحمول بتلك الموسيقى التي لم تغيرها أبدا منذ تلك الأمسية التي حملت إلى مسامعها عبر أثير الراديو هدية غير منتظرة، منه وباسمها الكامل،... علا رنين الهاتف بصوت فيروز "حبيتك تا نسيت النوم، يا خوفي تنساني" ردت بصوتها الناعم:
- صباح الخير سناء،
- صباحو يا قمري ... لما تأخرت في الرد؟
تجاهلت ياسمين سؤال صديقتها، ارتشفت القهوة من فنجانها الذي يحمل صورتها معه، ثم قالت: - كيف حالك سناء؟ وما أخبار البنات؟
- يسلمن عليك، جميعهن بخير... لكننا نفتقدك كثيرا. صمتت قليلا ثم أكملت: - خططنا للقاء يجمعنا نحن الخمسة فلربما لكل واحدة منا أمورا كثيرة تود التحدث فيها ... ولربما أسرار تبوح بها أيضا..
ابتسمت ياسمين وهي تمسح عينيها لمنع دمعة ترقرقت فيهما وهي تقول لنفسها: "متى تتوقفن عن مواساتي في مثل هذا اليوم من كل سنة؟" ثم همست لصديقتها: - آسفة، لا يمكنني الحضور... فلنؤجله ليوم آخر.
جاء صوت سناء بقوة من الجانب الأخر: - خططنا وانتهى الأمر، كنت آخر من يعلم ولكن لا توجد فرصة واحدة للرفض... ثم أكملت بسرعة: - الساعة العاشرة والنصف في مكاننا المعتاد، تكفيك ساعتين لتحضير نفسك... سلام.
أنهت الاتصال كي لا تسمح لها بقول كلمة أخرى تعتذر فيها عن عدم ذهابها.. سرحت ياسمين من جديد عائدة بذاكرتها إلى سنة قبل اليوم، كان اجتماعها بصديقاتها يومها أشبه بعزاء متجدد، لم تكن واحدة منهن تنوي فتح ذلك الموضوع، رغم أن نظراتهن كانت تحمل الكثير من العطف والشفقة، والواضح أنهن خضن فيه كثيرا قبل قدومها وقررن الحديث عن أي شيء وكل شيء عدا ذلك الموضوع.
فتحت الخزانة ودارت بنظرها بسرعة متأملة كل ما تحتويه علها تعرف ما سترتدي لهذا اللقاء الذي لم تخطط له... ثم وقعت أنظارها على ذلك الفستان المرصع بجواهر بنفسجية صغيرة تتوزع على طوله بشكل مميز... الفستان الذي جعلها تبدو كأميرات الحكايا، والذي اختاراه سوية في رحلة شهر العسل... ذلك الفستان الذي كان شاهدا في تلك الأمسية..
ما كادت عيناها تلمحانه حتى أحست أن قلبها يبكي ويئن داخل صدرها، خارت قواها فجأة وامتلأت عيناها بدموع حارة أحست كأنها تحرقان وجنتيها لمجرد نزولها... جلست على حافة السرير تبكي بحرقة وذلك الصوت يتردد داخلها: "لقد كان الذنب ذنبي... كنت السبب". علت شهقاتها وازدادت الذكرى تهاطلا عليها...
كانت ليلة ماطرة، خططا لتلك الأمسية قبلها بأسبوع، لازالت تذكر كيف بدأ الجدال بينهما وكيف تطور ليصبح شجارا داخل السيارة على طول ذلك الطريق، كان صوته يتردد في ذهنها: "أنا لم أخنك... اقسم أنني لم أخنك... إنها مفترية، لا تصدقيها أرجوك"، كانت هذه آخر جملة تذكر أنه نطق بها ثم هوت السيارة من ذلك الجرف المرتفع...
ازداد نحيبها مع ازدياد تأنيب ضميرها وإحساسها بذنبها العظيم الذي لا يمكن أن تسامح نفسها عليه... " لما كان يجب أن يحصل ذلك؟ لما كانت مشيئة القدر عكس ما حلمنا به؟" ازدادت نبضاتها تسارعا وهي تتذكر ذلك الكابوس الذي ظل يراودها ليال عديدة، تستفيق على إثره غير واعية بكل ما يحيط بها.. " كيف أنني لم اهتم لذلك الكابوس؟ كيف أنني تجاهلت حدسي الذي أنبأني أن خطبا ما سيحصل؟ آه كيف بإمكاني أن أسامح نفسي؟؟! " انهارت أعصابها تماما، كما يحدث في كل مرة تتهاطل عليها الذكريات دون توقف، تمنت لو أن أيدي المنية تمتد لتسلب روحها علَ هذا العذاب يتوقف، ظلت تصرخ وتقول: " والله لم اقصد أن يحصل ذلك، لما يا رب لم تأخذني بدلا منه ليلتها؟ لماذا لم أمت بعد أسبوع من غيبوبة لا اشعر فيها بشيء؟" .. حاولت أن تقوم من مكانها لتتناول حبة المهدئ... فمنذ رحيله ما عادت تستطيع أن تنام أو تكمل يومها إلا إذا رافقت نفسيتها حبات المهدئ... قامت من مكانها بعد جهد، كانت نوبة الألم تسري في كامل جسدها، وتأنيب ضميرها يزداد قوة، وأصوات الذكرى تتعالى أكثر فأكثر، كانت صورها معه تمر بانتظام في ذاكرتها البصرية... تناولت حبة المهدئ على عجل وعادت إلى غرفتها، احتضنت دبدوبها الأبيض الذي كان هديته لعيد ميلادها في أول سنة زواج لهما... كانت غارقة في دموعها وذكرياتها حين استسلمت للنوم، يكون عادة نومها أشبه بغيبوبة بعد كل حبة مهدئ تتناولها...
مضت الساعات، ومرت ساعة اللقاء وهي غارقة في نومها لا تشعر بشيء، لربما كانت تحتاج إلى غيبوبة تستفيق بعدها فاقدة ذاكرتها أكثر من حاجتها للنوم...
بدأ الهاتف يرن بنفس الأغنية، علا رنينه أكثر ولكن ما من مجيب..، تكرر الاتصال لأكثر من مرة وتكررت نفس الرنة... هاهي ذي تستفيق وتجول بنظرها في كل ما يحيط بها، لمحت عيناها هاتفها أين تركته قبل ساعات... قامت من مكانها متثاقلة، ردت فكانت سناء على الخط...
- أخلفت الموعد دون مبرر...! قالت ونبرة صوتها تؤكد غضبها الشديد... "ما الذي تحاولين فعله؟".
تذكرت ياسمين اللقاء الذي أخبرتها سناء عنه صباحا... حاولت أن تنطق رغم أنها لا تملك ما تقول حين استمرت سناء في الحديث: - "ياسمين هل أنت بخير؟"
- أنا بخير، آسفة لأنني لم احضر.
كان صوتها ذابلا كوردة لن تسق منذ أسابيع، كانت تشعر بذات الهدوء الذي يرافق حبة المهدئ ونومها العميق على إثرها في كل مرة... "هدوء يشبه هدوء الأموات"... كانت تحاول أن تنهي الاتصال كي لا تخوض في الحديث أكثر عندما نطقت سناء قائلة: - سأكون عندك بعد عشر دقائق.
ردت ياسمين: - لا داعي لذلك... انأ بخير لا تزعجي نفسك.
جاءها صوت سناء وهو ينم عن غضب وإصرار كبيرين : "قلت سأكون عندك ولست أستشيرك". ثم أنهت الاتصال.
لم تكن ياسمين ترغب في مقابلة أي شخص... فمنذ رحيل منذر إلى اللارجوع تحولت عكس ما كانت... أصبحت انطوائية جدا، نادرا ما تتواصل مع أي شخص أو تقابله... حتى أقرب صديقتها ما عادت تقابلهن إلا في فترات متباعدة وبإصرار منهن... حتى عملها في المجلة اقتصر على التحرير فقط والإرسال عبر الانترنت...
نظرت إلى نفسها في المرآة، كانت تتحول يوما عن يوم إلى خيال شبح لا جمال فيه... على الرغم من نظارتها وجمالها الأوروبي الذي ورثته عن والدتها... مسحت عيناها المتورمتين، وقامت برسمهما بواسطة الكحل الأسود، كما تفعل في كل مرة تقابل فيها أحدا، لتخفي، ولو قليلا، أثار البكاء والانهيار الذي عاشته.
دقائق قليلة ورن جرس الباب، كانت سناء تتحدث عبر الهاتف حين فتحت ياسمين الباب، أنهت الاتصال بسرعة وابتسمت ثم احتضنت ياسمين وهي تقول: " ازددت نحولا أكثر مما كنت... ألا تأكلين؟"، ضحكت ياسمين وهي تخفي بحة بكاء تخنقها وقالت: "تعالي إلى المطبخ فقد كنت أهم بتحضير الغداء."
مضت قرابة النصف ساعة وهما تتحدثان عموميات فقط، كانت سناء عازمة على التغلغل في أقصى أعماق مشاعر ياسمين ... ياسمين التي كانت مصرة على إخفاء ما يعتريها حتى لو كانت سناء اقرب إليها من روحها... انشغلت بالطبخ وكانت بين الفينة والأخرى تطرح بعض الأسئلة على سناء تتعلق بصديقاتهما، لتتركها تسرد على مسامعها كل أخبارهن دون استثناء...
مضت الساعات على حالها بين أخذ ورد في مواضيع اعتبرتها سناء مجرد لغو في حين أن ياسمين كانت تستقصد إثارتها علها تصرف تصميم سناء عن التحدث فيما أتت لأجله، إلى أن حل المساء، فسارت سناء مودعة صديقتها رغم إصرارها لتقضي الليلة معها ...
عند مدخل المنزل، نظرت سناء إلى ياسمين نظرة تحمل الحب والعطف والحنان، لمست وجنتيها بيديها الناعمتين وقالت: "أرجوك لا تفعلي هذا بنفسك، فكلانا يعرف حقيقة دواخلك ..."، ابتسمت ياسمين واحتضنتها بقوة وهي تمسح عيناها اللتان قاومتا الدموع لكل تلك الفترة، وهمست قائلة: "لا تخافي فكل شيء سيكون على ما يرام..." ثم أكملت وهي تقبل وجنة صديقتها: " شكرا لك "...
بعد أن ذهبت سناء صعدت ياسمين إلى غرفتها، تناولت من جديد حبة مهدئ، حملت مذكرتها التي بدأت التدوين فيها منذ أربع سنوات ... "عمر حبهما"، والتي تحمل الكثير من التفاصيل والملاحظات المرافقة لها... كتبت: " كل شيء رحل عنا يستحق الرثاء والدفن والنسيان بعد فترة... إلا ما دمرناه نحن، فإنه يستحق أن نقتص له من أرواحنا".
طوت المذكرة واضعة إياها بجانبها على السرير... احتضنت دبدوبها واستسلمت للنوم وهي تتمنى ككل مرة أن تكون هذه أخر مرة تنام فيها.
تعليق