كتبت الأديبة الفلسطينية هند عياد تحت عنوان " بسطة كتب " (1) نصا فيه سلاسة وجمال القص ودقة المقال والنفحة الساخرة والأهم أنه عالج موضوعا في غاية الأهمية وبشكل منطقي وسلس لا يخلو من الطرافة وربما يستنبط حلولا لأزمة الكتاب من واقع الباعة والقراء لنتابع معا :
.....
كل الحق على صاحب بسطة الكتب في شارع ركب، فهذا الرجل الذي لم أعرف اسمه أبدا، دون غيره ممن يقفون لبيع الكتب على تلك البسطة، يظل دوما قادرا على اقناعي بشراء اي كتاب، ولسبب بسيط هو أنه يتحدث عن الكتاب، أي كتاب تسأل عنه، بحب، لدرجة تظن أنه قد انهى قراءته للتو، وقد استمتع به كثيرا، ولم أستبعد يوما أنه فعل.
أول مرة كانت حين اشتريت منه " عندما تشيخ الذئاب" لـ جمال ناجي، يومها مجرد وصلت البيت تركت الكتابين الآخريين ( وأحدهما كان لعبد الرحمن منيف!!!) وأمسكت " عندما تشيخ الذئاب" وبدأت بقراءتها، ولا استطيع أن أقول أني ندمت حينها، ولكن الآن كلما نظرت إليها على رف الكتب أكثر، تيقنت أكثر أنه لم يكن هناك من طريقة أو سبب او احتمالية لشراء هذه الرواية دون طريقة ذلك الرجل في تقديمها.
يومها، يوم اشتريت هذه الرواية، شرح لي كيف أنه يعمل على بسطة الكتب فقط لأنه يحب الكتب ولأنه بدأ بهذه الطريقة، ورغم توسع أعماله، وحقيقة أنه صار يستورد الكتب لمكتبات أخرى كبيرة، إلا أنه مازال هنا، على البسطة، لأنه بدأ هكذا. واحدة من أخطائي يومها أني لم أطلب منه أن يوقع لي الرواية، (علي عيني وراسي "جمال ناجي") ولكنه لا يعرف أن الرجل يومها باعها لي كما لو أنه من كتبها.
في المرة الثانية، قبل أكثر من خمسة أشهر( كانت آخر مرة اشتريت فيها كتب، وأظنها ستظل آخر مرة لفترة طويلة الآن، إلا في حال قرروا توزيع الكتب مجانا)، سألته بسذاجتي التي من الواضح أنني لن أتوقف عنها أبدا، ما جديدكم في الكتب؟ ودون تفكير تناول رواية "القوقعة" وبدأ وصفه لها، قال شيئا عن الألم، عن العذاب، عن الانظمة، عن الإخوان.... لم أعرف ولم أفهم ماذا قال حينها لكنه قال أشياء كثيرة في جمل قليلة ومبهمة بدأت الآن فقط في استيعابها. وأيضاً....تحدث كما لو أنه قرأها، وهذه، أنا الآن، متأكدة أنه قرأها!
ولكني مع هذه الرواية لم أتصرف كما سابقتها، عندما عدت إلى السكن وضعتها في رف خزانة الملابس السفلي، وهو المكان الوحيد المتوفر لدي لتكديس الكتب والدفاتر والأوراق فيه، وانشغلت بغيرها، وفقط بالصدفة، وأنا أهم بتحضير حقيبتي للعودة إلى أبوديس لقضاء فترة طويلة، رأيتها، بدت مناسبة وقتها للقراءة، ولكني الآن، وبصدق نادمة..... لو أني فقط لم أنتبه لها تلك اللحظة! لو أني لم أفعل ذلك بنفسي!!!
والآن، أنا حبيسة هناك. أقرأ خمسة صفحات منها ثم اعود إلى "جوجل" وأسأله: هل هي فعلا قصة حقيقية يا عم "جوجل". طيّب، هل يحدث هذا فعلا. ثم أفكر، أنا فلسطينية، تربيت على رائحة الغاز المسيل للدموع، وتوقفت منذ زمن طويل عن الارتجاف إذا ما فاجأني صوت الرصاص الحي، وما عاد يصلني من كيد القنابل الصوتية إلا أثر المفاجأة الأول المتبوع بضحكة الطفولة بعد أن يشن احد إخوتك عليك "حملة (تنقيز)"، ولم يعد في نظري أي هيبة للدبابة، هي و"صرصور" ابن الجيران الذي يوقظنا صوته من نومنا واحد، حتى أن في "صرصور" ابن الجيران مسحة فنية تخلو الدبابة منها. وكنت قد سمعت، من اشخاص ذاقوا العذاب بانفسهم في السجون طرق التعذيب المختلفة حتى صرنا نقول للحديثين منهم: " احمدوا الله، لو شفتوا شو كانوا يعملوا وقت الانتفاضة الأولى، احمدوا الله هلا!، وليس لأنها سهلة، أبدا، ففكرة الاعتقال بحد ذاته مصيبة، ولكن بسبب فكرة "التعود" التي قد تصيّر من "جبّار" "أرنب".
المهم، مع كل هذه الخبرة غير الطوعية، ها أنا أبكي، أشعر بالألم فعليا، وأسأل جوجل كل فترة: " من هو مصطفى خليفة؟" وعندما يريني وجهه، أسأل بعصبية لا يستحقها "جوجل" مني: " أين هي السنوات الثلاثة عشر، أين هي في هذا الوجه، أنا لا أرى شيئا؟!!! . ثم اعود لأهدئ نفسي بأن اتذكر أنها رواية، أردد "رواية.....رواية يا هند، أدب يا بنتي، مهما أقترب من الحقيقة يظل فيه من الخيال". ولكن ما هو الأدب إذا لم يكن قادرا على دفعنا للشعور بالألم والسعادة بصدق كما أنه واقع نعيشه. وهنا بالتأكيد "ألم"، فهناك ما لا حصر له من صور التعذيب، الإهانة للإنسان، والقمع. وهناك ما هو أبعد، وما هو أساس كل ذلك، يتمثل في أن حياة الآخر "لاشيء"، هذا ما فهمته حتى الآن، وبغض النظر عن أي آخر أتكلم. فلكل طرف هناك "آخر"، حياته تساوي "لاشيء"، وكرامته ليست أكثر من فرصة لسكب كل ما يحتويه الطرف من "قرف" و"قمع" وهمجية". تخيلوا معي: مسيحي ملحد في سجون نظام ديكتاتوري بتهمة انتمائه للأخوان المسلمين مع مجموعة كبيرة من الاخوان المسلمين الذين لا يرونه إلا كافرا وجاسوسا.
صحيح أنني بدأت قراءتها منذ البارحة، وأنني وعلى غير العادة لم أنته منها حتى الآن بسبب التردد والذهاب والرجوع من "جوجل" لمرات كثيرة، إلا أنها نالت مني واتعبتني، وإني نادمة صدقا لدرجة انني احتجت أن اعود لأول الرواية الحقيقي، إلى صاحب بسطة الكتب، ومحاسبته ومحاسبتي على سذاجتي، وإلى كتابة كل ذلك لأتمكن من العودة إليها.
رغم كل ذلك، هناك شهادة يستحقها الكاتب ( مع التأكيد على أني لم انه الرواية بعد، وأني لا أعرف أي توجه سياسي له، فأنا جالهة في السياسة تماما، لذلك أقرأ بشفافية بالغة دائما)، الذي هو ايضا مسيحي وملحد وكان قد سجن 13 عاما أيضا، وهي أنه استطاع أن يكتب عن "أبو محمد" رئيس المهجع كما لو أنه بطل، رئيس المهجع الذي كان واحدا ممن قمعوه، واستطاع أن يكتب عن "أبو محمود" " الدكتور زاهي" وغيرهم، كلهم مظاهر لفكرة واحدة، أنه حتى في اكثر المجتمعات والمجموعات انغلاقا، هناك من هو جاهز للتفتح والتفهم، وأننا حتى لو كنا ضحايا للقمع علينا دوما أن نظل قادرين على رؤية هؤلاء.
بصدق نادمة، وكل الحق على صاحب البسطة في شارع ركب. لا تقرأوا هذه الرواية!!
(1) البسطة : هي عربة خشبية تجر في الشارع يقوم الباعة المتجولون بعرض بضائعهم عليها
.Hind Ayyad

.....
كل الحق على صاحب بسطة الكتب في شارع ركب، فهذا الرجل الذي لم أعرف اسمه أبدا، دون غيره ممن يقفون لبيع الكتب على تلك البسطة، يظل دوما قادرا على اقناعي بشراء اي كتاب، ولسبب بسيط هو أنه يتحدث عن الكتاب، أي كتاب تسأل عنه، بحب، لدرجة تظن أنه قد انهى قراءته للتو، وقد استمتع به كثيرا، ولم أستبعد يوما أنه فعل.
أول مرة كانت حين اشتريت منه " عندما تشيخ الذئاب" لـ جمال ناجي، يومها مجرد وصلت البيت تركت الكتابين الآخريين ( وأحدهما كان لعبد الرحمن منيف!!!) وأمسكت " عندما تشيخ الذئاب" وبدأت بقراءتها، ولا استطيع أن أقول أني ندمت حينها، ولكن الآن كلما نظرت إليها على رف الكتب أكثر، تيقنت أكثر أنه لم يكن هناك من طريقة أو سبب او احتمالية لشراء هذه الرواية دون طريقة ذلك الرجل في تقديمها.
يومها، يوم اشتريت هذه الرواية، شرح لي كيف أنه يعمل على بسطة الكتب فقط لأنه يحب الكتب ولأنه بدأ بهذه الطريقة، ورغم توسع أعماله، وحقيقة أنه صار يستورد الكتب لمكتبات أخرى كبيرة، إلا أنه مازال هنا، على البسطة، لأنه بدأ هكذا. واحدة من أخطائي يومها أني لم أطلب منه أن يوقع لي الرواية، (علي عيني وراسي "جمال ناجي") ولكنه لا يعرف أن الرجل يومها باعها لي كما لو أنه من كتبها.
في المرة الثانية، قبل أكثر من خمسة أشهر( كانت آخر مرة اشتريت فيها كتب، وأظنها ستظل آخر مرة لفترة طويلة الآن، إلا في حال قرروا توزيع الكتب مجانا)، سألته بسذاجتي التي من الواضح أنني لن أتوقف عنها أبدا، ما جديدكم في الكتب؟ ودون تفكير تناول رواية "القوقعة" وبدأ وصفه لها، قال شيئا عن الألم، عن العذاب، عن الانظمة، عن الإخوان.... لم أعرف ولم أفهم ماذا قال حينها لكنه قال أشياء كثيرة في جمل قليلة ومبهمة بدأت الآن فقط في استيعابها. وأيضاً....تحدث كما لو أنه قرأها، وهذه، أنا الآن، متأكدة أنه قرأها!
ولكني مع هذه الرواية لم أتصرف كما سابقتها، عندما عدت إلى السكن وضعتها في رف خزانة الملابس السفلي، وهو المكان الوحيد المتوفر لدي لتكديس الكتب والدفاتر والأوراق فيه، وانشغلت بغيرها، وفقط بالصدفة، وأنا أهم بتحضير حقيبتي للعودة إلى أبوديس لقضاء فترة طويلة، رأيتها، بدت مناسبة وقتها للقراءة، ولكني الآن، وبصدق نادمة..... لو أني فقط لم أنتبه لها تلك اللحظة! لو أني لم أفعل ذلك بنفسي!!!
والآن، أنا حبيسة هناك. أقرأ خمسة صفحات منها ثم اعود إلى "جوجل" وأسأله: هل هي فعلا قصة حقيقية يا عم "جوجل". طيّب، هل يحدث هذا فعلا. ثم أفكر، أنا فلسطينية، تربيت على رائحة الغاز المسيل للدموع، وتوقفت منذ زمن طويل عن الارتجاف إذا ما فاجأني صوت الرصاص الحي، وما عاد يصلني من كيد القنابل الصوتية إلا أثر المفاجأة الأول المتبوع بضحكة الطفولة بعد أن يشن احد إخوتك عليك "حملة (تنقيز)"، ولم يعد في نظري أي هيبة للدبابة، هي و"صرصور" ابن الجيران الذي يوقظنا صوته من نومنا واحد، حتى أن في "صرصور" ابن الجيران مسحة فنية تخلو الدبابة منها. وكنت قد سمعت، من اشخاص ذاقوا العذاب بانفسهم في السجون طرق التعذيب المختلفة حتى صرنا نقول للحديثين منهم: " احمدوا الله، لو شفتوا شو كانوا يعملوا وقت الانتفاضة الأولى، احمدوا الله هلا!، وليس لأنها سهلة، أبدا، ففكرة الاعتقال بحد ذاته مصيبة، ولكن بسبب فكرة "التعود" التي قد تصيّر من "جبّار" "أرنب".
المهم، مع كل هذه الخبرة غير الطوعية، ها أنا أبكي، أشعر بالألم فعليا، وأسأل جوجل كل فترة: " من هو مصطفى خليفة؟" وعندما يريني وجهه، أسأل بعصبية لا يستحقها "جوجل" مني: " أين هي السنوات الثلاثة عشر، أين هي في هذا الوجه، أنا لا أرى شيئا؟!!! . ثم اعود لأهدئ نفسي بأن اتذكر أنها رواية، أردد "رواية.....رواية يا هند، أدب يا بنتي، مهما أقترب من الحقيقة يظل فيه من الخيال". ولكن ما هو الأدب إذا لم يكن قادرا على دفعنا للشعور بالألم والسعادة بصدق كما أنه واقع نعيشه. وهنا بالتأكيد "ألم"، فهناك ما لا حصر له من صور التعذيب، الإهانة للإنسان، والقمع. وهناك ما هو أبعد، وما هو أساس كل ذلك، يتمثل في أن حياة الآخر "لاشيء"، هذا ما فهمته حتى الآن، وبغض النظر عن أي آخر أتكلم. فلكل طرف هناك "آخر"، حياته تساوي "لاشيء"، وكرامته ليست أكثر من فرصة لسكب كل ما يحتويه الطرف من "قرف" و"قمع" وهمجية". تخيلوا معي: مسيحي ملحد في سجون نظام ديكتاتوري بتهمة انتمائه للأخوان المسلمين مع مجموعة كبيرة من الاخوان المسلمين الذين لا يرونه إلا كافرا وجاسوسا.
صحيح أنني بدأت قراءتها منذ البارحة، وأنني وعلى غير العادة لم أنته منها حتى الآن بسبب التردد والذهاب والرجوع من "جوجل" لمرات كثيرة، إلا أنها نالت مني واتعبتني، وإني نادمة صدقا لدرجة انني احتجت أن اعود لأول الرواية الحقيقي، إلى صاحب بسطة الكتب، ومحاسبته ومحاسبتي على سذاجتي، وإلى كتابة كل ذلك لأتمكن من العودة إليها.
رغم كل ذلك، هناك شهادة يستحقها الكاتب ( مع التأكيد على أني لم انه الرواية بعد، وأني لا أعرف أي توجه سياسي له، فأنا جالهة في السياسة تماما، لذلك أقرأ بشفافية بالغة دائما)، الذي هو ايضا مسيحي وملحد وكان قد سجن 13 عاما أيضا، وهي أنه استطاع أن يكتب عن "أبو محمد" رئيس المهجع كما لو أنه بطل، رئيس المهجع الذي كان واحدا ممن قمعوه، واستطاع أن يكتب عن "أبو محمود" " الدكتور زاهي" وغيرهم، كلهم مظاهر لفكرة واحدة، أنه حتى في اكثر المجتمعات والمجموعات انغلاقا، هناك من هو جاهز للتفتح والتفهم، وأننا حتى لو كنا ضحايا للقمع علينا دوما أن نظل قادرين على رؤية هؤلاء.
بصدق نادمة، وكل الحق على صاحب البسطة في شارع ركب. لا تقرأوا هذه الرواية!!
(1) البسطة : هي عربة خشبية تجر في الشارع يقوم الباعة المتجولون بعرض بضائعهم عليها

تعليق