عصفور بحجرين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    عصفور بحجرين

    صديقتي العزيزة :
    شوقي إليك لا يوصف.
    طالت المدة منذ آخر مكالمة لي معك، أعذريني فبعض الظروف القاهرة منعتني من التحدث حتى مع أهل بيتنا.
    أعيش الآن في حالة هي أقرب للعزلة رغم أنني محاطة بأسرتي.
    عجزتُ عبْر الهاتف أن أشرح لك كل التفاصيل التي أريد أن أسردها لك هنا على هذه الصفحات.
    أسبابي قوية، وهي التي منعتْني من الاتصال بك كل هذه المدة.
    عزيزتي: أرجو أن يتسع صدرك لقراءة سطوري، فأنا أحوج ما أكون إلى سعة صدرك وحبك لي كصديقة غالية منذ الطفولة. أقرئيني بكل هدوء ثم أحكمي.
    بالطبع تذكرين ذلك الشاب الذي أخبرتك عنه كثيرا والذي أحببته وتواعدنا على الزواج بعلم أسرتي وأسرته، وهو مربط الفرس وبيت القصيد في رسالتي هذه، ومأساتي الآنية والدائمة.
    تعلمين أيضا أن أسرته تقيم أيضاً هنا بنفس مدينتنا، أكمل تعليمه الثانوي ولكن مجموعه الضعيف لم يؤهله للدخول في أي جامعة حكومية بالوطن، لذا آثر العيش هنا بهذه الغربة.
    والده محدود الدخل ولا يقدر على إرساله لجامعة خاصة بمصاريف قد ترهقه.
    فظل خطيبي يبحث عن عمل هنا، وطرق عدة أبواب، وعمل في وظائف هامشية لم تكن تكفيه هو وحده، ناهيك عن مساعدة أسرته أو التوفير ليتزوجني ويكون مسئولاً عن أسرة.
    كان دائماً ما يأتينا في شقتنا.
    أحبّه والدي و عاملتْه أسرتي كأحد أفرادها .
    عندما مرتْ السنوات، طرق كثيرون بابنا طالبين يدي.
    وقعتْ أسرتي في حيرة بين هذا الذي لم يُوفّق لعملٍ يؤمِّن لي وله حياة منفصلة، وبين العرسان المتقدمين .
    تمسٌكي به أرْبك أسرتي ولكنها كانت تحترم رغبتي وتعلم مدى حبي له.
    لا أطيل عليك عزيزتي، وإليك قصتي وأسباب كتابتي إليك.
    أتى خطيبي ذات يوم على غير عادته منتصف النهار.
    كنتُ وحدي بالبيت، فتحتُ له الباب مترددة، ولكن ثقتي فيه وثقة أهلي به وقفتا حائلا بيني وبين ترددي.
    قال أنه كان في شركة قريبة من شقتنا وقدَم لها طلبا للعمل وأنه يريد أن يستريح قليلاً قبل أن ينطلق لبيته، فجلسنا سويا نتدبر أمر مشكلة عمله وكيفية تدبر أمر الزواج والاستقرار علماً بأن أسرته ترغب بالرجوع نهائياً لأرض الوطن.
    هنا أتوقف قليلاً عزيزتي :
    فقد بدأتْ مشكلتي من هنا، بل مصيبتي التي أنفلت عقالها من هذه اللحظة بالذات.
    كنا وحدنا بالشقة، ولم نكن وحدنا في الشقة.
    (هل فهمت قصدي) ؟؟؟
    أقصد أن سيء الذكر كان يجالسنا. أنعته بسيئ الذكر ونحن أسوأ منه ذكرا.
    فقد بدأ خطيبي غزلا مبطّنا.
    بدأ الغزل كلاماً، ثم ختمه فعلاً.
    بدأ الغزل بمعسول الكلام الذي حلّق بي بعيدا، ثم هوى بي إلى دَرَكٍ سحيق.
    لا أكذب عليك صديقتي، فأنا لا ألومنَّ إلا نفسي الأمارة.
    فالأنثى منا لا يمكن ( أن يأخذ منها الرجل أكثر مما تريد أن تعطيه إياه )، إلا أن كان اغتصابا فذاك أمر آخر.
    ثم تمادينا، تمادينا يوماً إثر الآخر، والشيطان يفرش لنا يومياً بساطه ونحن نتمرغ عليه.
    استمرئنا وليمة إبليس حتى التُخمة.
    رشفْنا نبيذه حتى آخر قطرة، بل حتى الثمالة.
    وتمسَحْنا بعطره حتى قاع القارورة .
    ورقصنا على كل أنغامه حتى أصابنا الوهن.

    أعرف الآن التعبير الذي ارتسم على وجهك عزيزتي وأنت تقرئين هذه الجزئية، ولك كل الحق.
    كان يأتي في البداية متحججاً بمروره قرب شقتنا.
    ثم بدأتُ أنا أستحثه على الحضور، فالذي بلّلَ رجليه بالماء في البحر لا يتردد عن السباحة.
    أرجوك لا تطلقي علي أي حكم الآن.
    أنا أعلم أنك ستقولين : ليس هذه( صديقتي ) التي أعرفها.
    أتمنى أن يفسر أحد طريقة تفكير الشخص السّوِي عندما يكون إبليس متربعاً دون دعوة على مائدة اثنين، أقصد أي أثنين في خلوة..
    أعني ما الذي يجعل إبليس ينتصر على كل المبادئ والقيم والأخلاق وقانون العيب ويجعلنا نتخطى كل حواجز المحاذير؟

    ثم ، وما أقسى هذه الكلمة على قلبي، لأنها شكَلتْ أيامي التي تلتْ تلك المتعة المحرمة.
    تحرك شيء في أحشائي .
    وبعين الخبير والمجرب لاحظتْ أمي تغيراً في وجهي وفي سلوكي.
    سألتْني مراراً عما ألمَ بي، تارة أقول أنني مرهقة، وتارة أخرى أتعلل بأي مرض في البطن.
    ولكن الأمر لم يطل كثيراً عندما انتابتني نوبات من دلائل الحمل .
    عندما علمتْ أمي بالحقيقة، كان صوتها وهي تلطم وجهها وتندب وتولول، كنواقيس تدق في جوف وادٍ سحيق لا أود سماعها، لم أحس حتى بصفعاتها المتتالية على وجهي.
    خوفي الأكبر كان على أبي من وقْع الخبر عليه، فحبه لي وثقته بي كانا يفوقان حبه لأي فرد آخر من أفراد الأسرة.
    للحظة، تمنيتُ أن يأخذني بعيداً في العراء ثم يذبحني دون شفقة أو رحمة.
    والله لو فعل لكان أرحم من نظرات الألم والفجيعة التي رأيتها في عينيه، لن أنسى ما حييت تلك اللحظة.
    أنقلب بيتنا إلى جحيم لا يطاق.
    خطيبي توقف عن المجيء، ثم توقف حتى عن الاتصال.
    ذهب والدي لأسرته وأخبرهما بالقصة ..
    بالطبع كان في جُعْبته الحل الأمثل للمشكلة والتي يمكن أن توأد الفضيحة في مهدها..
    قال لأسرته بأنه لا يريد منهم شيئاً، فقط يريد أن يعقد قراننا ثم يأتي أبنهم ليعيش معنا وخصوصاً أن أسرته كانت تستعد للعودة النهائية للوطن..
    جاءت اللطمة لوالدي أشد وأقوى من خبر سماعه بأمري.
    فقد استشاط والد خطيبي غضباً ... وأنكر بشكل قاطع بأن يكون الفاعل هو ابنه الذي رباه على الفضيلة والحفاظ على الشرف. بل ذهب أبعد من ذلك بأن قال لأبي بأن أبنه لا يمكن أن يقوم بتغطية فعلة أبنته..
    اختفى خطيبي نهائياً بكل جبن ..
    حاولنا الاتصال به بشتى الطرق ..ولكنه كان كمن غادر المدينة نهائياً لمدينة أخرى ..
    انهار أبي تماماً ..أصبح كالضائع لا يعرف كيف يتصرف ...
    لم يعد يكلمني أو ينظر إلي وظل يخرج ويدخل البيت بلا صوت كالشبح ...
    عصبيته طالت كل أفراد الأسرة ..
    كان كل همه هو مداراة الفضيحة ..آملا أن يقوم خطيبي بإصلاح غلطته الشنيعة ..
    شحب وجه أبي ... وبدا كمن تخطى الثمانين من العمر ..
    ليلتها يا صديقة العمر.. وقفتُ غير بعيدة أسترق السمع وصوت أبي يحادث رجلاً في غرفة الضيوف ..
    طال حديثهما إلى ما بعد منتصف الليل ..
    توجست خيفة وحملتْني موجة من الظنون بعيدا حتى مشارف نهايتي وأداً ..
    ثم نادتْني أمي .. وأخبرتْني بأن أبي يريدني ..
    ترددتُ في الذهاب.. لأن الرجل ما زال جالساً عنده ..
    فانتهرتني أمي قائلة بأن أبي يريدني والرجل موجود عنده ..
    ذهبت إلى حيث يجلسان وكأنني أسبح في فضاء لا نهائي، أمشي وكأنني لا ألامس الأرض، فطلب مني أبي الجلوس قربه.
    اختلست نظرة للجالس، أصابني الهلع لمجر التفكير بأن الرجل قد علم بأمري.
    فقد كان الرجل صديقا حميما لأبي، بل في منزلة أخيه الصغير، تحترمه أسرتي وتعتبره كأحد الأقارب، عمل مع أبي في عدة مواقع، ويَكِنُّ له الكثير من الامتنان لوقفته معه في معضلات كثيرة مرت به في غربته. وهو متزوج ولديه ثلاث أطفال وأسرته تقيم معه في نفس مدينتنا، ورغم أن علاقة أسرته لم تكن متينة بنا، إلا أن أسرتينا تقومان بتبادل الزيارات في بعض المناسبات.
    عندما فهمتُ أن أبي قد صارحه بالحدث، أحسستُ بأن الذي في أحشائي قد تضخم ويحاول أن يطل برأسه ثم يولي هاربا.
    ثم تحدث أبي بصوت لا يخلو من الانكسار والمرارة، ونظرات الرجل تخترقني ...
    قال موجها حديثه لي متحاشيا النظر في وجهي : (هذا الرجل الشهم سيتزوجك وهو يعلم بأمرك ..).
    قلت في نفسي : ليتك يا أبي قتلتني أو ليتك طلبت هذا الطلب من رجل آخر.
    ثم واصل أبي قائلاً بأن الرجل درءاً للفضيحة سيتزوجني ثم يرى بعدها إن كانت هناك طريقة لإجهاضي أو حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً..
    ألا يزال رجل مثل هذا يعيش ويمشي على كوكبنا ؟
    انتابتني أولا نوبة من البكاء المكتوم، ثم انفجرت في بكاء مشوب بعدة انفعالات توالت لتزيد من ألمي النفسي السابق والآني بوجود هذا الرجل وشهامته التي أبداها.
    لأول مرة منذ حدوث هذه الكارثة يربت أبي على كتفي ثم يقول بأن ما فعلته مع خطيبي أمر لا يغتفر، ولكن الله أراد لنا الستر بهذا الرجل النبيل ...
    صديقتي العزيزة :
    لا أدري لم قبِل هذا الرجل أن يتزوجني ..
    ولا أدري ما الاتفاق الذي تم بينه وبين أبي ...
    وما نهاية هذا الاتفاق ومتى وكيف؟
    لكنه كان في نظري كفارس يأتي على صهوة جواد وينقذ فتاة من شر مستطير ثم يودعها على أطراف قريتها وهي لا تعرف أسمه أو من أين أتى وإلى أين وجهته .. ويظل بعدها عالقاً في ذهنها كالطيف ... تنتظره ليل نهار.
    شيء كالحلم كان ..كنتُ كمن يجلس على دلوٍ مربوط بحبلٍ واهٍ يُسحب من قاع بئر عميقة مظلمة
    .
    تم عقد القران دون ضجيج.
    كان يأتي من حين لآخر ..دون سابق إخطار... ولم أجرؤ على سؤاله إن غاب أكثر من ليلة. كنتُ أتحاشى نظراته التي كنت أظن أنها تخترق بطني لتلعن الجنين في أحشائي، أو هكذا خُيِّل إلي.
    قليل الكلام معي ، بل نادراً ما يتحدث أو ينظر في وجهي .. كان يقرأ طوال الليل في كتب يخرجها من حقيبة يده .. لم يحاول حتى أن يطلب حقه الشرعي كزوج...
    أنام وأصحو لأجده يقرأ،وأصحو لأجده قد غادر بهدوء ...
    عندما أتاني الطلق ... اتصل به أبي فأتى دون تأخير وأخذني للمستشفى ..
    وجهه كان دون أي تعبير ...لا أعرف إن كان راضياً أم متذمراً ..
    هل أتمَ مهمته ويريد أن يمضي لحال سبيله أم يريد أن يكمل هذا المشوار المحزن معي ..؟؟
    أنجبت طفلاً جميلاً، فخالطني شعور هو مزيج من الفرح والخوف، وأشفقت على هذا الطفل.
    قفز وجه خطيبي الجبان إلى مقدمة ذاكرتي وأنا أنظر لطفلي، فقد لمحتُ فيه وجهه وتلك الأيام التي جلسنا فيها ضيوفا على مائدة إبليس.
    في تلك اللحظة داهمني سؤال :
    هل سيعرف الناس بقصته يوماً ما ؟ أم سيظل سره مدفوناً كما دفن زوجي سري بين طيات شهامته؟
    لم يغب زوجي يوماً عن زيارتي ..
    ملأ أوراق طفلي بيد ثابتة وبثقة والد حقيقي.
    فأنتسب الطفل إليه ...
    هتفت بدواخلي : يا للهول، ها أنا أقوم بجريمة أخرى.. فالطفل ينتسب أمامي لرجل غير أبيه، فليسامحني الله.
    حمله بين يديه وقبله ثم أعاده لي.
    ..
    تمنيت أن أرى أي تعبير على وجهه .. لكن دون جدوى ..وجهه كان كتمثال من الثلج...
    عدت إلى المنزل ومعي طفلي برفقة زوجي ..
    عندما أقول زوجي .. فإن الكلمة تخرج جوفاء لا معنى لها ... وكأنني أنافق شخصاً عياناً بياناً ..
    وددتُ لو وبّخني يوماً على فعلتي ثم سامحني واستمر معي زوجاً
    ..
    على الأقل فقد أحسستُ معه بأمان...
    أ
    حسستُ معه بأنه بنى جداراً عالياً يقف بيني وبين فعلتي الشنيعة .. وأنه يقف أعلى هذا الجدار يرمقني تارة وتارة أخرى يشير إلى فعلتي دون أن ينبس بكلمة واحدة ..
    إحساس غريب ..ولكن صمته كان يناسبني تماماً، بل كان يناسب حالتي المزرية التي أعيشها ..
    كنت أخاف لو تحدث معي أن يفتح معي موضوع ذلك الجبان وكيف رضيت بأن أسلم له نفسي بتلك السهولة وفي عقر دارنا دون الخوف على سمعة أسرتي وعلى مستقبلي ..
    عندما أكمل طفلي أسبوعه الأول ... أصر والدي عليه أن يكون زوجي حاضراً مراسم الاحتفاء،
    فاعتذر زوجي بمشاغله .. إلا أنه تحت إلحاح أبي قبل وأتى ...
    انفض المدعوون ... وبقي هو وأبي يتحدثان .. ربما في أمر طلاقي، وانتابتني الهواجس والظنون.
    ثم ... رن جرس الباب ..
    وهنا يا صديقتي منعطف آخر في حياتي التعيسة :
    فتح أبي الباب فاندفعت امرأة كالصاروخ وهي تطلق الشتائم وتدفع أمامها ثلاثة أطفال...
    وللأسف كانت زوجته ،،، فالتوقيت كان قاتلا، رغم أننا كنا نتوقع هذه اللحظة في أي وقت ولكن ليس في بيتنا، بل بينها وبين زوجي.
    كالت لزوجي سيلاً من الشتائم .. بالطبع لا لوم عليها، فالطعنة الموجهة لها والتي نكأتْ جراحي، كانت كفيلة بأن تجعل أي أنثى تثأر لكرامتها بأي شكل من الأشكال.
    كانت فقط تواجه زوجي وهي ترفع عقيرتها بالسباب .. لم تحاول أن تنظر إلى أو إلى أبي أو أمي. ولكن وجهها كان ينطق بنُذُر الانفعال المنفلت الذي قد يصيبنا برذاذه إن حاولنا التدخل بأي شكل من الأشكال.
    تركتْ أطفالها في بيتنا ثم خرجتْ، وكان آخر حديثها بأنها ستمكث في بيت شقيقها تنتظر ورقة الطلاق ..
    كل هذا وزوجي صامت ولم ينبس ببنْت شفة .. ظل ينظر إليها بلا مبالاة بينما أطفاله الثلاث يقفون بين أحضانه حيارى ...
    انتابني خوف من أن يطلقني ويذهب إليها مسترضيا بعد أن يشرح لها قصتي ...
    أخذ أطفاله وخرج ...
    وغاب عن موعد حضوره لي ...
    مر يوم ويومان ثم أسبوع ...
    اتصلت به ... فلم يرد..
    ثم مر أسبوعان.
    ذهب أبي إليه في بيته فقال له الجيران بأنه قد ترك البيت ..
    ذهب إلى مكان عمله فقالوا أنه في إجازة مفتوحة وأنه سافر إلى بلده ...
    تعاظم قلقي .. رغم أن مشكلتي الأساسية قد تم حلها وبقي سري مدفونا ..
    انتابني شعور متناقض حياله ...
    لا هو بالحب ولا هو الشعور بالامتنان ... شعور لا أدري كنهه... ولكنني كنت في قرارة نفسي أحتاج إليه.

    توالت الأيام ... ثم جاءتنا أخباره تتْرَى وتتوالى .. فقد سمعنا أنه أخذ زوجته أطفاله معه إلى وطنه..وتحت إصرار زوجته وأهلها طلقها ..
    في مثل هذه الحالات قد تنتاب ( الضرّة ) حالة من الفرح، ولكن أقسم لك بأنني حزنت، فها هو يحاول رأب صدع حياتي فإذا بحياته تتناثر وينفرط عقد أسرته.
    ثم عاد إلينا وجلس في نفس مكان دفن خطيئتي وفي نفس مكان تدمير أركان أسرته حيث داهمته زوجته بأطفالها في دارنا ...جلس مطرقا والهَمُّ باديا على محياه.
    ألقى علي التحية بطريقة وكأنه قد رآني فجر هذا اليوم فقط أو كأنه لم يعرفني من قبل.
    ثم انحنى وقبل ابني ...وجلس مع أبي منفردا ...
    كدتُ أن أسمع نبضات قلبي ...أنقل بصري بين مكان جلوسهما وبين طفلي المستكين بين يدي، وأمي غارقة في شرودها تنقل بصرها بيني وبين طفلي.
    بعد فترة خلْتها دهراً .. خرج زوجي يتبعه أبي إلى الباب الخارجي مودعا ...
    عاد أبي وجلس متهالكاً على المقعد ووجهه ينبئ عن حدث جلل ...
    نظرات أمي له أغْنتْه عن السؤال ..
    فقال باستسلام : لقد طلقك يا ابنتي وأنا لا ألومه ... فقد جاء ماداً يد المساعدة .. فانهارت حياته ...
    صديقتي العزيزة :
    رغم أنني أم هذا الطفل المنتسب لرجل معروف..
    ورغم أنني الآن ( مطلقة ) ويمكن أن أتزوج بأي رجل على أساس أنني مطلقة ..
    رغم أن أسرتي عاد إليها كثير من الطمأنينة ..
    ولكن يا عزيزتي ... أعيش في حالة غريبة من الصراع النفسي الذي يقف على مشارف الجنون.
    فخطيبي الهارب... أعطاني إحساساً متعاظما بالحب ثم حوّله إلى خيانة كاملة .. ثم إلى خِسّة في التعامل.
    وزوجي الذي طلقني .. وهبني إحساساً بالأمان... أمانٌ قائم على أركان سعادته ومبنيٌ على شهامته .. ثم انهار كل شيء على رأسه ..
    بينما بقي معي طفلي أمامي .. وكلما أنظر إليه يذكرني بكل هذا الزخم المتلاطم من سِفْر حياتي ... فأزداد شفقة عليه وأرثي لحالي.
    أعرف أنك لن تعذريني على فعلتي، ولكن أتوسل إليك أن تقفي معي فقط هذه الأيام حتى أجتاز عقبة هذا المعترك النفسي الذي قد يقودني إلى حالة لا تُحمد عقباها
    .
    لذا، أرجوك اكتبي لي ... فأنا أحوج ما أكون لكلماتك
    محبتي الدائمة لك ..
    مخلصتك
  • ريما ريماوي
    عضو الملتقى
    • 07-05-2011
    • 8501

    #2
    ياااااه عقّدتها إلى حد كبير..

    كل هذا لأنها ضعفت أمام حبها ومن كانت تعتقده حبيبها...

    يا ما رأينا غضبا عارما عند زواج الزوج، لكنه لو أراد حقا
    بإمكانه أن يطيب خاطرزوجته الأولى وأهلها ويعيدها إلى عصمته،
    ولقد رأيناه فارسا نبيلا.. خصوصا لوجود أطفال بينهما...

    أما هي عليها أن تحمد الله وتتولى طفلها بالحب والرعاية..

    كنت معك في نصك قلبا وقالبا، لدرجة تعاطفي مع تلك الخاطئة، من كان منا بلا خطيئة فليرجمها بحجر... ولقد أحسن والدها تدارك الفضيحة.

    شكرا على نص مشوق، يثير المشاعر، فيه العبرة والهدف..

    تحيتي واحترامي وتقديري.


    أنين ناي
    يبث الحنين لأصله
    غصن مورّق صغير.

    تعليق

    • حسن لختام
      أديب وكاتب
      • 26-08-2011
      • 2603

      #3
      ياالله، على هذا النص الرائع والشيّق
      قصة مشوّقة وأسلوب سردي ممتع أخدني من رقبتي حتى آخر كلمة. استخدم القاص هنا بذكاء مميز أسلوب الإيهام والإيحاء، حتى أصبح القارىء يعتقد أن الأحداث وقعت بالفعل، وأصبحنا نشعر بألفة وشفقة على بطلة القصة. أشكرك على هذا الإبداع والإمتاع.. أطلب من إخوتي في الإشراف أن يقوموا بتثبيت هذا النص القصصي الرائع
      محبتي وكل التقدير، أخي المبدع الرائع جلال داود

      تعليق

      • فاطيمة أحمد
        أديبة وكاتبة
        • 28-02-2013
        • 2281

        #4
        أهنئك على نجاحك مرتين مرة في تقمص دور المرأة وشعورها بهذا الخطب والمكروه والذنب والأثم
        الشعور بلذة المعصية أولاً من ثم الشعور بذنب خطيئة عليها الجزاء من الرب والعباد
        والمرة الثانية لعرض ملابسات الحدث بطريقة متفردة عصرية أخذتنا لمتابعة أحداثه حرفاً حرفاً ومشهداً مشهد

        لا شك إن الإنسان خطّاء كثير الذنوب غير أن بعض الكبائر لا شفيع لها إلا التوبة وعليها كما نلاحظ الجزاء
        من الله والبشر

        رأيت الأب صالحاً و لم أبرر صنيعها ومخطئة ومن تركها في البيت وحيدة وهي الشابة حديثة العهد بالحياة

        الحمد لله على ما عافانا في ديننا وأنفسنا وبدننا و هدانا لصلاح أمتنا من أوبئة الفساد

        قصة فيها من الفائدة من القدر بحيث أتمنى أن يأخذ نصيبه الكبير من قراءة الجمهور

        جزاك الله خيرًا


        تعليق

        • جلال داود
          نائب ملتقى فنون النثر
          • 06-02-2011
          • 3893

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ريما ريماوي مشاهدة المشاركة
          ياااااه عقّدتها إلى حد كبير..

          كل هذا لأنها ضعفت أمام حبها ومن كانت تعتقده حبيبها...

          يا ما رأينا غضبا عارما عند زواج الزوج، لكنه لو أراد حقا
          بإمكانه أن يطيب خاطرزوجته الأولى وأهلها ويعيدها إلى عصمته،
          ولقد رأيناه فارسا نبيلا.. خصوصا لوجود أطفال بينهما...

          أما هي عليها أن تحمد الله وتتولى طفلها بالحب والرعاية..

          كنت معك في نصك قلبا وقالبا، لدرجة تعاطفي مع تلك الخاطئة، من كان منا بلا خطيئة فليرجمها بحجر... ولقد أحسن والدها تدارك الفضيحة.

          شكرا على نص مشوق، يثير المشاعر، فيه العبرة والهدف..

          تحيتي واحترامي وتقديري.
          تحياتي أستاذة ريما
          أسعدني مرورك البهي.

          أما بعد :

          ياااااه عقّدتها إلى حد كبير..

          يحلها حلال العُقَد ، وكل عقدة ليها حلّال

          كل هذا لأنها ضعفت أمام حبها ومن كانت تعتقده حبيبها...

          هل تعتقدين أن المجتمع كان سيرحم ضعفها ؟ إن غفر لها الله فإن المجتمع لا يرحم ، بل يطاردها ويطارد فعلتها وإبنها أبد الآبدين.

          يا ما رأينا غضبا عارما عند زواج الزوج، لكنه لو أراد حقا
          بإمكانه أن يطيب خاطرزوجته الأولى وأهلها ويعيدها إلى عصمته،

          ليست كل النساء يرضين بإعتذار أو تطييب خاطر ، بعض النساء يعتبرن زواج الزوج عليهن طعنة خنجر نافذة في أعمق أعماق القلب، والبعض يقلن أنه أحسن لها أن تسمع بموت زوجها ولا تسمع خبر زواجه عليها ، والبعض منهن يتفنّنَّ في قلب حياة الرجل رأسا على عقب إنتقاما منهن على فعلته. تطييب الخواطر لا يجدي نفعا ولا فتيلا في مثل هذه الحالات. المسألة بالنسبة للبعض إنتقاص من أنوثتهن وإهدار لكرامتهن. وياما شفنا.

          ولقد رأيناه فارسا نبيلا.. خصوصا لوجود أطفال بينهما...

          نعم الزوج تصرف بكل نبل وتجرُّد ، ولكن زوجته لم تترك أي خيار بل أجبرته على الطلاق ووقف معها كل أهلها.

          أما هي عليها أن تحمد الله وتتولى طفلها بالحب والرعاية..

          هي بالفعل قامت بذلك ، بل حزنتْ لأن زوجة الرجل تطلقت ، وأن الزوج الذي جاء ليحل مشكلته تمزقتْ أوصال أسرته

          أكرر الشكر


          التعديل الأخير تم بواسطة جلال داود; الساعة 23-06-2013, 06:45.

          تعليق

          • جلال داود
            نائب ملتقى فنون النثر
            • 06-02-2011
            • 3893

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة حسن لختام مشاهدة المشاركة
            ياالله، على هذا النص الرائع والشيّق
            قصة مشوّقة وأسلوب سردي ممتع أخدني من رقبتي حتى آخر كلمة. استخدم القاص هنا بذكاء مميز أسلوب الإيهام والإيحاء، حتى أصبح القارىء يعتقد أن الأحداث وقعت بالفعل، وأصبحنا نشعر بألفة وشفقة على بطلة القصة. أشكرك على هذا الإبداع والإمتاع.. أطلب من إخوتي في الإشراف أن يقوموا بتثبيت هذا النص القصصي الرائع
            محبتي وكل التقدير، أخي المبدع الرائع جلال داود
            أخي الأديب الأستاذ حسن
            أسعدني مرورك الباذخ وتعليقك البهي
            وأشكرك على تعضيد النص وتثبيته

            دمتم

            تعليق

            • جلال داود
              نائب ملتقى فنون النثر
              • 06-02-2011
              • 3893

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة فاطيمة أحمد مشاهدة المشاركة
              أهنئك على نجاحك مرتين مرة في تقمص دور المرأة وشعورها بهذا الخطب والمكروه والذنب والأثم
              الشعور بلذة المعصية أولاً من ثم الشعور بذنب خطيئة عليها الجزاء من الرب والعباد
              والمرة الثانية لعرض ملابسات الحدث بطريقة متفردة عصرية أخذتنا لمتابعة أحداثه حرفاً حرفاً ومشهداً مشهد

              لا شك إن الإنسان خطّاء كثير الذنوب غير أن بعض الكبائر لا شفيع لها إلا التوبة وعليها كما نلاحظ الجزاء
              من الله والبشر

              رأيت الأب صالحاً و لم أبرر صنيعها ومخطئة ومن تركها في البيت وحيدة وهي الشابة حديثة العهد بالحياة

              الحمد لله على ما عافانا في ديننا وأنفسنا وبدننا و هدانا لصلاح أمتنا من أوبئة الفساد

              قصة فيها من الفائدة من القدر بحيث أتمنى أن يأخذ نصيبه الكبير من قراءة الجمهور

              جزاك الله خيرًا
              الأستاذة الأديبة فاطيمة أحمد
              لك التحية والتقدير
              أسعدني مرورك
              وأشكرك على هذا التعليق البهي
              أما بعد


              أهنئك على نجاحك مرتين مرة في تقمص دور المرأة وشعورها بهذا الخطب والمكروه والذنب والأثم
              الشعور بلذة المعصية أولاً من ثم الشعور بذنب خطيئة عليها الجزاء من الرب والعباد


              إنطلاقا من نُصرة بنات حواء والغوص في القضايا التي تخصهن إجتماعيا ، فقد كنت دائما أقف على دراسة مثل هذه القضايا رغم أنني لم أدرس أي علم من علوم الإجتماع أو علم النفس ، ولكنها رغبة وإيمان قوي بالوقوف إلى جانب حواء. هذا كله يجعلني أعيش وأغوص في السلوكيات وردات الفعل.

              والمرة الثانية لعرض ملابسات الحدث بطريقة متفردة عصرية أخذتنا لمتابعة أحداثه حرفاً حرفاً ومشهداً مشهد

              أشكرك كثيرا على هذه الكلمات.

              لا شك إن الإنسان خطّاء كثير الذنوب غير أن بعض الكبائر لا شفيع لها إلا التوبة وعليها كما نلاحظ الجزاء
              من الله والبشر


              ونعم بالله

              رأيت الأب صالحاً و لم أبرر صنيعها ومخطئة ومن تركها في البيت وحيدة وهي الشابة حديثة العهد بالحياة

              للضرورة أحكام سيدتي ، وهكذا شاء حظها ، وهو إمتحان رسبت فيه بالكامل ودفعتْ ثمنه غاليا.

              أكرر الشكر والتقدير
              ولك التحايا الطيبات

              تعليق

              • وسام دبليز
                همس الياسمين
                • 03-07-2010
                • 687

                #8
                ياااااااااه استاذي الكريم ماكل هذا الابداع كم كانت هذه الخطيئة جميلة حين انبثقت من فكرك ابداع لا تمل حروفه بين امواج متلاطمة رائعة بحق كفكرة تزداد جاذبيتنا اليها رغم طولها ولغة سهلة متينة دوما اسكب حروفك هنا للنهل من ذا الجمال

                تعليق

                • جلال داود
                  نائب ملتقى فنون النثر
                  • 06-02-2011
                  • 3893

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
                  ياااااااااه استاذي الكريم ماكل هذا الابداع كم كانت هذه الخطيئة جميلة حين انبثقت من فكرك ابداع لا تمل حروفه بين امواج متلاطمة رائعة بحق كفكرة تزداد جاذبيتنا اليها رغم طولها ولغة سهلة متينة دوما اسكب حروفك هنا للنهل من ذا الجمال
                  تحياتي أستاذتنا الأديبة وسام

                  سعدت بمرورك البهي
                  أشكرك
                  دمتم بخير

                  تعليق

                  يعمل...
                  X