الرحلة السادسة
( سندباد في جزيرة الشيطان )
1 – في مهب الريح
ما أحلى ركوب الريح !
حين تركب الريح ، تصبح مثل طائر طليق ، تغني و تلعب ، ترفرف بملء جناحيك ، تكون لك السماء و الأرض خيرا موصولا .. يالها من متعة يا أحفادي !
تذكرون – طبعا – ما قالته كتب الأقدمين ، من حكايات و نوادر و حكم ، عن سيدنا سليمان بن داوود ( عليهما و على نبينا السلام ) ، و تذكرون ما قيل عن بساط الريح ، الذي كان يركبه ، و يطير به كمهر مجنح ، أو كجن سخره له الله ، لياتمر بأمره ( عليه السلام ) . يقال أنه كان إذا أراد ركوب الريح ، دعا بالرياح الأربعة : الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور ، ثم يبسط بساطه عليها . و يقال أيضا : كانت الريح تحمله ، و الطير تظلله - حماية من وهج الشمس و الشياطين والغبار ، و أيضا تكريما و تبجيلا له - ، وزمام الريح بيده ، كما يمسك الرجل زمام فرسه . هذا بعض ما قيل .. فهيا بنا نرحل على بساط الريح ، و نشهد معا ما جرى وقع لسندباد ، حين ركب بساط الريح وطار ، ترافقه زوجته ( ضحى ) و السندباد الصغير .
انظروا .. هاهو البساط يسبح في بحر السماء ، و الطيور من حوله تزقزق و تغرد ، و السندباد الصغير يهلل و يكركر بالضحك ، و الفراشات تحوم حول وجهه الجميل ، بينما كان سندباد يمسك بزمام البساط متوجها صوب بلاده ؛ حيث كان قلبه يمتلئ بالشوق ، و يختلج وجدانه بالسلام و المحبة .
وقطعا للملل ، و أيضا تعبيرا عن نفسه التواقة ، يحكي لـ ( ضحى ) ما جرى و ما كان ، منذ اختطفها طائر الرخ ، و اختفائها في جزيرة الزيتون . يحكي عن أمه الملكة ( ضوء المكان ) التي أدهشت جميع البحارة ، حين تعلق ( رعد ) بطرف كوكب الزهرة .
يحكي عن سندباد الحمال ، و عن عودة ( رعد ) من الكوكب ، حاملا حجرا مشعا ، يحتفظ به كتذكار .. و عن الشيخ الصالح ، و الخير الذي نال على يديه بفضل حكمته و صلاحه .
فجأة .. انظروا .. انظروا .. ألا ترون ما أرى ، هاهو البساط يهتز بقوة .. بقوة شديدة ، و الكلام يتوقف في حنجرة سندباد . الخوف يبدو واضحا على وجهه . يلتفت هنا و هناك ، باحثا عن سبب هذا الانقلاب في أحوال البساط .
البساط يعلو .. يعلو ، و يمرق من بين السحب .. ألا ترونه مثلي . الاهتزازات تتزايد حدتها ، و الهواء يصفر و يئز ، و الطيور تبتعد فزعة ، تندفع بعيدا .. هاهي تزوغ كأن خطافا يطاردها . انظروا إلي البساط .. يتماوج كسفينة تشق بحرا ثائر الأمواج .. يتماوج بشدة . تكاد تيارات الهواء تقتلعهم ، وتهوي بهم من عال .
يهتف سندباد : ليس ببساط الريح بل فرس الموت .
تغتصب ( ضحى ) بسمة ، وهي تتشبث بالبساط ، و تردد : لن أحلم بعد الآن ببساط الريح .. الأرض أجمل ، الأرض أمنا الرءوم .
بعد قليل يختل توازن سندباد ، و يسقط متهاويا كطائر فقد جناحيه . ينقلب بقوة ، يستبسل بعناد ، ورغم محاولاته المضنية ، إلا أنه ظل يتدحرج ، بينما قبضة ( ضحى ) تفشل في مساعدته ، فلم تكن بمنأى عما يحدث ، وصوتها يسري فزعا : سندباد .. وقعنا فريسة الشيطان مرة أخرى .
يؤكد سندباد صدق ظنونها : نعم يا ضحى . نتعرض لهجمة شرسة .
ثم يهتف بصوت كالرعد : لا تعمل في الخفاء ، كن ندا شريفا أيها الشيطان .
يشهر سيفه ( البطاش ) ، و بقوة يلطم الهواء يمينا و شمالا ، يحركه عدة مرات . لكن ضرباته تطيش في الهواء ، و تضيع في الهباء .
يعتدل البساط في سيره ، ثم يمرق من بين السحب في سرعة مذهلة .. فجأة يتوقف لينقلب سندباد و ضحى و الصغير . ينقلب محلقا في الهواء .. إنه يسرع نحو الأرض ، يندفع إلي أسفل . يا إلهي .. يدنو من الأرض . و عينا سندباد معلقتان ، تتابعان البساط الذي اختفى .. اختفى و حجبته السحب السوداء ، كقشة في مهب الريح .
لقد رأى سندباد ضحى و الغير ينقلبان مثله تماما ، ثم يعتدلان كأنهما ملتصقان بالبساط ، لا بد أن قوة ما منعت أن يكونا معه .
يرتفع صوت سندباد : يارب .. يا حافظ ، يا مغيث الملهوف .
يدور كحلزون ، يتذكر الفرشاة السحرية ، يخرجها من جيبه ، يرسم ، ينقلب قبل أن يكمل الرسم ، لا بد من السرعة ، يعود إلي الرسم ، يدور قبل قبل اكتمال الرسم .
يقوي نفسه : بسرعة .. بسرعة أكبر أيتها الفرشاة .. بسرعة .
في لمح البصر يرسم حصانا مجنحا ، ثم ينقلب في الهواء ، يتمنى صادقا لو يصبح حقيقة .. يكون حقيقة . هاهو أمامه يصهل ، و يتحرك بتماسك عجيب ، يفلح في امتطائه ، ثم يصرخ فيه : هيا إلي الأرض .. إلي الأرض .
يندفع الحصان كفراشة صوب الأرض ، يتقدم و سندباد على ظهره ، ينطلق بقوة الريح . يتذكر سندباد أمرا خطيرا : نسيت رسم الجناحين .. نسيت رسم الجناحـ......
تصبح الأشياء مرئية . يدنو أكثر ، يصير قريبا ..الأرض بقعة ضئيلة لم تزل
نشرت مسلسلة في مجلة ماجد الاماراتية 1997
( سندباد في جزيرة الشيطان )
1 – في مهب الريح
ما أحلى ركوب الريح !
حين تركب الريح ، تصبح مثل طائر طليق ، تغني و تلعب ، ترفرف بملء جناحيك ، تكون لك السماء و الأرض خيرا موصولا .. يالها من متعة يا أحفادي !
تذكرون – طبعا – ما قالته كتب الأقدمين ، من حكايات و نوادر و حكم ، عن سيدنا سليمان بن داوود ( عليهما و على نبينا السلام ) ، و تذكرون ما قيل عن بساط الريح ، الذي كان يركبه ، و يطير به كمهر مجنح ، أو كجن سخره له الله ، لياتمر بأمره ( عليه السلام ) . يقال أنه كان إذا أراد ركوب الريح ، دعا بالرياح الأربعة : الشمال و الجنوب و الصبا و الدبور ، ثم يبسط بساطه عليها . و يقال أيضا : كانت الريح تحمله ، و الطير تظلله - حماية من وهج الشمس و الشياطين والغبار ، و أيضا تكريما و تبجيلا له - ، وزمام الريح بيده ، كما يمسك الرجل زمام فرسه . هذا بعض ما قيل .. فهيا بنا نرحل على بساط الريح ، و نشهد معا ما جرى وقع لسندباد ، حين ركب بساط الريح وطار ، ترافقه زوجته ( ضحى ) و السندباد الصغير .
انظروا .. هاهو البساط يسبح في بحر السماء ، و الطيور من حوله تزقزق و تغرد ، و السندباد الصغير يهلل و يكركر بالضحك ، و الفراشات تحوم حول وجهه الجميل ، بينما كان سندباد يمسك بزمام البساط متوجها صوب بلاده ؛ حيث كان قلبه يمتلئ بالشوق ، و يختلج وجدانه بالسلام و المحبة .
وقطعا للملل ، و أيضا تعبيرا عن نفسه التواقة ، يحكي لـ ( ضحى ) ما جرى و ما كان ، منذ اختطفها طائر الرخ ، و اختفائها في جزيرة الزيتون . يحكي عن أمه الملكة ( ضوء المكان ) التي أدهشت جميع البحارة ، حين تعلق ( رعد ) بطرف كوكب الزهرة .
يحكي عن سندباد الحمال ، و عن عودة ( رعد ) من الكوكب ، حاملا حجرا مشعا ، يحتفظ به كتذكار .. و عن الشيخ الصالح ، و الخير الذي نال على يديه بفضل حكمته و صلاحه .
فجأة .. انظروا .. انظروا .. ألا ترون ما أرى ، هاهو البساط يهتز بقوة .. بقوة شديدة ، و الكلام يتوقف في حنجرة سندباد . الخوف يبدو واضحا على وجهه . يلتفت هنا و هناك ، باحثا عن سبب هذا الانقلاب في أحوال البساط .
البساط يعلو .. يعلو ، و يمرق من بين السحب .. ألا ترونه مثلي . الاهتزازات تتزايد حدتها ، و الهواء يصفر و يئز ، و الطيور تبتعد فزعة ، تندفع بعيدا .. هاهي تزوغ كأن خطافا يطاردها . انظروا إلي البساط .. يتماوج كسفينة تشق بحرا ثائر الأمواج .. يتماوج بشدة . تكاد تيارات الهواء تقتلعهم ، وتهوي بهم من عال .
يهتف سندباد : ليس ببساط الريح بل فرس الموت .
تغتصب ( ضحى ) بسمة ، وهي تتشبث بالبساط ، و تردد : لن أحلم بعد الآن ببساط الريح .. الأرض أجمل ، الأرض أمنا الرءوم .
بعد قليل يختل توازن سندباد ، و يسقط متهاويا كطائر فقد جناحيه . ينقلب بقوة ، يستبسل بعناد ، ورغم محاولاته المضنية ، إلا أنه ظل يتدحرج ، بينما قبضة ( ضحى ) تفشل في مساعدته ، فلم تكن بمنأى عما يحدث ، وصوتها يسري فزعا : سندباد .. وقعنا فريسة الشيطان مرة أخرى .
يؤكد سندباد صدق ظنونها : نعم يا ضحى . نتعرض لهجمة شرسة .
ثم يهتف بصوت كالرعد : لا تعمل في الخفاء ، كن ندا شريفا أيها الشيطان .
يشهر سيفه ( البطاش ) ، و بقوة يلطم الهواء يمينا و شمالا ، يحركه عدة مرات . لكن ضرباته تطيش في الهواء ، و تضيع في الهباء .
يعتدل البساط في سيره ، ثم يمرق من بين السحب في سرعة مذهلة .. فجأة يتوقف لينقلب سندباد و ضحى و الصغير . ينقلب محلقا في الهواء .. إنه يسرع نحو الأرض ، يندفع إلي أسفل . يا إلهي .. يدنو من الأرض . و عينا سندباد معلقتان ، تتابعان البساط الذي اختفى .. اختفى و حجبته السحب السوداء ، كقشة في مهب الريح .
لقد رأى سندباد ضحى و الغير ينقلبان مثله تماما ، ثم يعتدلان كأنهما ملتصقان بالبساط ، لا بد أن قوة ما منعت أن يكونا معه .
يرتفع صوت سندباد : يارب .. يا حافظ ، يا مغيث الملهوف .
يدور كحلزون ، يتذكر الفرشاة السحرية ، يخرجها من جيبه ، يرسم ، ينقلب قبل أن يكمل الرسم ، لا بد من السرعة ، يعود إلي الرسم ، يدور قبل قبل اكتمال الرسم .
يقوي نفسه : بسرعة .. بسرعة أكبر أيتها الفرشاة .. بسرعة .
في لمح البصر يرسم حصانا مجنحا ، ثم ينقلب في الهواء ، يتمنى صادقا لو يصبح حقيقة .. يكون حقيقة . هاهو أمامه يصهل ، و يتحرك بتماسك عجيب ، يفلح في امتطائه ، ثم يصرخ فيه : هيا إلي الأرض .. إلي الأرض .
يندفع الحصان كفراشة صوب الأرض ، يتقدم و سندباد على ظهره ، ينطلق بقوة الريح . يتذكر سندباد أمرا خطيرا : نسيت رسم الجناحين .. نسيت رسم الجناحـ......
تصبح الأشياء مرئية . يدنو أكثر ، يصير قريبا ..الأرض بقعة ضئيلة لم تزل
نشرت مسلسلة في مجلة ماجد الاماراتية 1997
تعليق