الحَبْلُ يتدلى خشية وإذلالاً، وعبدالغفار بين عينيه ندم، نادمٌ على أنه تكلم
جلاده يقول: خائن اشنقوه
الحَبْلُ يتدلى في انكسار!
كان مطيعاً كسائر البسطاء يرى أن الحياة طفولة وشباب وزواج.. والزواج تكريس للأولاد وزوجة تشاركه همومه هكذا كان ينظر للأمور لاتعقيد لامشكلات، ليس سوى لقمة العيش والسعيد حقاً من يحصل على سُبل توفيرها، هذه كانت أحلامه.. ويحمد الله على الصحة ويشكره على نعمته.. الصامتون هم الشرفاء لأنهم يعيشون في سلام.. هكذا تقول خيوط المؤامرة أن تقول حاضر، حاضر، وإلا دخلتَ في غياهب الظلام.. تَعلّم الدرس جيداً.. امش جوار الحائط - الخواف ربى عياله، وعبدالغفار أراد تربية صغاره.
كان حمّالاً في الميناء، وفي سبيل بعض الدراهم المغموسة بعرقه لايفعل إلا مايرضي رؤساءه.. كل أيامه تتشابه، كل أحلامه تتشابه، تتماثل، تتراءى صباحاً، مساءً حتى وهو نائم! يوماً حياه المدير بحفاوة وعلى شفتيه ابتسامة اعتقد بأن الابتسامات تتشابه وتناسى أنّ لها قاموساً ومعاني، لا تعني بالضرورة (تواضع المدير مع الحمّال).. كانت البواخر متراصة على رصيف الميناء وجَلَبة العمال مع الموظفين والعيون تخاطب بعضها البعض ومن يومها عرف أنّ بعد كل ابتسامة ستوكل إليه مهمة مع علاوة.. عادة العلاوة تطلع من الدولة وإخراجها من جيب المدير عربون ضمانة.. ضمانة ألّايتكلم.. لأنّه سيحملُ صناديق من الخمرة وهو ساكت، عبدالغفار في الميناء فهم معنى الابتسامة كان هذا درسه الأول، بعدها يسرع بخطواته نحو البيت لأم العيال للأولاد ويلعن الخمر سرّاً.
يقول لنفسه: إنني أحمِلُ الخمور على ذراعي وأدخلها إلى بلادي، أني آثم، آثم.. ويظل يغمغم في فراشه وأفواه مفتوحة جائعة وعيون تنظر إليه إنها مجرّد خمرة وأنت جائع.. أنت مكره وينام ولا ينام
زوجته تُملي عليه: نريد هذا وينقصنا ذاك والبنت تريد دخول المدرسة
فيقول في سرّه: الله يلعن الخمر. حاضر، حاضر
اختاروه بعد تدقيق وإمعان وقالوا له " أنت كُفؤ لاتحتاج إلى وساطات، تتوافر لديك كافة المتطلبات عمل كهذا يشترط فيه الأمانة "، نام ليلته فرحاً_ الدنيا بخير _ أحقاً الدنيا بخير؟ والمدير لا ينسى العلاوة، لا ينسى الابتسامة.. والموظف يَحمِلُ الدفتر سرّاً والمدير يوقع سرّاً. أن تسمع وترى فهذا شيء أما أن تضع البلاد تحت _الانفجار _ هذا مالم يتوقعه عبدالغفار! المدير حملق فيه مليّاً وعيناه تغشاهما غمامة لا يدري ما كنهها! نظرات المدير زادت حدتُها وابتسامته زادت اتساعاً، هذا يعني أن الأمر بالغ الأهمية، واجبة فيه السرّية.. ينظر إلى عبدالغفار، و يقارن ويمازج في عقله، المخلوق الذي يعمل ولا يشكو ولا يتكلم، ويتذكر ويشابه " أحقاً هو يتكلم؟ " وثمة تساؤلات زادت من حيرة عبدالغفار:
طول عمرنا بنعمل في سرّية أيه الجديد يا مدير ألهذا الحد هذه الصناديق بالغة الأهمية؟
قالوا له: أمامنا يوم طويل كغير باقي الأيام
اعتبرَهُ عملاً إضافياً.. فيها أيه لو تأخر ساعات عن الأولاد وزادت نقوده مئة أو مئتين من الجنيهات؟..وفي طريقه دلف إلى البَقَّال وإلى محل الخضار ودفع المديونية وأفرح بذلك ست البيت.. كان الوقت صباحاً حياه المدير بابتسامة فيها كثير من الحفاوة وقال:
- يا عبدالغفار النهار ليه عيون خليك لآخر الليل
- هل الخمر مخفيّة عن العيون؟
سارَ وهو مُلقٍ برأسه إلى الأمام ونظراته نحو الأرض والأبواب العصية تُفتح وأحسّ كأن جسمه ينهار وينصهر أسفل قدميّه وشيء ما يمنعه، شيء كالخوف، شيء كالحب يلتقيان يمتزجان كغير المعتاد، أن تتنازل مرّة فسوف تتنازل مرّات والخطوة الأولى تليها خطوات أخرى. ليلاً تطور الأمر، البواخر غير البواخر، والصناديق من نوع آخر، ليست كالصناديق.
المدير قال: حَمّلوها اليوم.. والعربي عَلموّه أن الرجل النبيل لا يُفصح عما يعتمل بداخله وإن الإفصاح عن الحب يعرضه للمساءلة، إنه رجل أحب بلاده.. أن تحمل خمراً جائز، أن تقدم كوباً من الشاي إلى مرتشٍ جائز، وعليك أن تصمت ولكن! أن تحمل صناديقاً من (القنابل) فهذا غير جائز
عبدالغفار قال: أنا أحب الحبيبة بلادي
ليلاً كان العسكر في ضيافته.. والعيون الناظرة إلى أفواه البنادق تصيح: بابا، بابا
داخل الظلام كان يلعن المؤامرة.
- أنت ضد البلاد
- لاسيدي أناحاربت، حاربت العدو
- إذن أنت من نكس البندقية، ها هي تهمة أخرى!
- أبداً أنا قاتلت بضراوة حتى كرمتني البلاد فصرتُ حمّالاً للبضائع المُستوردة ولخيراتنا المُصدرة.. الحكم ليس بعد المداولة.. المؤامرة لا تحتاج لمداولة والمتهم مُدان لا تثبت براءته.. الحَبْلُ يتدلى في انكسار .. وأصوات انفجارات تضج بها المدينة في الأسواق والطرقات والمدارس.. والرجال يتداولون سرّ القضية.. إلى الأمم المتحدة يشتكون، إلى مجلس الأمن يهرعون، لم يعثروا على خيوط القضية، عبدالغفار مات قبل الانفجار بلحظات.. وبين الشعب يبحثون عن عبدالغفار.
- هاتوا اتنين تلاتة من نوع عبدالغفار
عبدالغفار واحد، عبدالغفار اتنين، عبدالغفار تلاتة. الأمانة العربية تريد الفاعل حالاً وإلا فالقرارات الأممية.
المحقق آمراً: اعترف
عبدالغفار المليون نادمٌ على أنه تكلم ومازال الانفجار جارياً في المستشفيات والأحياء والحدائق.
الخرطوم 10/3/2013
يحيى البحاري
جلاده يقول: خائن اشنقوه
الحَبْلُ يتدلى في انكسار!
كان مطيعاً كسائر البسطاء يرى أن الحياة طفولة وشباب وزواج.. والزواج تكريس للأولاد وزوجة تشاركه همومه هكذا كان ينظر للأمور لاتعقيد لامشكلات، ليس سوى لقمة العيش والسعيد حقاً من يحصل على سُبل توفيرها، هذه كانت أحلامه.. ويحمد الله على الصحة ويشكره على نعمته.. الصامتون هم الشرفاء لأنهم يعيشون في سلام.. هكذا تقول خيوط المؤامرة أن تقول حاضر، حاضر، وإلا دخلتَ في غياهب الظلام.. تَعلّم الدرس جيداً.. امش جوار الحائط - الخواف ربى عياله، وعبدالغفار أراد تربية صغاره.
كان حمّالاً في الميناء، وفي سبيل بعض الدراهم المغموسة بعرقه لايفعل إلا مايرضي رؤساءه.. كل أيامه تتشابه، كل أحلامه تتشابه، تتماثل، تتراءى صباحاً، مساءً حتى وهو نائم! يوماً حياه المدير بحفاوة وعلى شفتيه ابتسامة اعتقد بأن الابتسامات تتشابه وتناسى أنّ لها قاموساً ومعاني، لا تعني بالضرورة (تواضع المدير مع الحمّال).. كانت البواخر متراصة على رصيف الميناء وجَلَبة العمال مع الموظفين والعيون تخاطب بعضها البعض ومن يومها عرف أنّ بعد كل ابتسامة ستوكل إليه مهمة مع علاوة.. عادة العلاوة تطلع من الدولة وإخراجها من جيب المدير عربون ضمانة.. ضمانة ألّايتكلم.. لأنّه سيحملُ صناديق من الخمرة وهو ساكت، عبدالغفار في الميناء فهم معنى الابتسامة كان هذا درسه الأول، بعدها يسرع بخطواته نحو البيت لأم العيال للأولاد ويلعن الخمر سرّاً.
يقول لنفسه: إنني أحمِلُ الخمور على ذراعي وأدخلها إلى بلادي، أني آثم، آثم.. ويظل يغمغم في فراشه وأفواه مفتوحة جائعة وعيون تنظر إليه إنها مجرّد خمرة وأنت جائع.. أنت مكره وينام ولا ينام
زوجته تُملي عليه: نريد هذا وينقصنا ذاك والبنت تريد دخول المدرسة
فيقول في سرّه: الله يلعن الخمر. حاضر، حاضر
اختاروه بعد تدقيق وإمعان وقالوا له " أنت كُفؤ لاتحتاج إلى وساطات، تتوافر لديك كافة المتطلبات عمل كهذا يشترط فيه الأمانة "، نام ليلته فرحاً_ الدنيا بخير _ أحقاً الدنيا بخير؟ والمدير لا ينسى العلاوة، لا ينسى الابتسامة.. والموظف يَحمِلُ الدفتر سرّاً والمدير يوقع سرّاً. أن تسمع وترى فهذا شيء أما أن تضع البلاد تحت _الانفجار _ هذا مالم يتوقعه عبدالغفار! المدير حملق فيه مليّاً وعيناه تغشاهما غمامة لا يدري ما كنهها! نظرات المدير زادت حدتُها وابتسامته زادت اتساعاً، هذا يعني أن الأمر بالغ الأهمية، واجبة فيه السرّية.. ينظر إلى عبدالغفار، و يقارن ويمازج في عقله، المخلوق الذي يعمل ولا يشكو ولا يتكلم، ويتذكر ويشابه " أحقاً هو يتكلم؟ " وثمة تساؤلات زادت من حيرة عبدالغفار:
طول عمرنا بنعمل في سرّية أيه الجديد يا مدير ألهذا الحد هذه الصناديق بالغة الأهمية؟
قالوا له: أمامنا يوم طويل كغير باقي الأيام
اعتبرَهُ عملاً إضافياً.. فيها أيه لو تأخر ساعات عن الأولاد وزادت نقوده مئة أو مئتين من الجنيهات؟..وفي طريقه دلف إلى البَقَّال وإلى محل الخضار ودفع المديونية وأفرح بذلك ست البيت.. كان الوقت صباحاً حياه المدير بابتسامة فيها كثير من الحفاوة وقال:
- يا عبدالغفار النهار ليه عيون خليك لآخر الليل
- هل الخمر مخفيّة عن العيون؟
سارَ وهو مُلقٍ برأسه إلى الأمام ونظراته نحو الأرض والأبواب العصية تُفتح وأحسّ كأن جسمه ينهار وينصهر أسفل قدميّه وشيء ما يمنعه، شيء كالخوف، شيء كالحب يلتقيان يمتزجان كغير المعتاد، أن تتنازل مرّة فسوف تتنازل مرّات والخطوة الأولى تليها خطوات أخرى. ليلاً تطور الأمر، البواخر غير البواخر، والصناديق من نوع آخر، ليست كالصناديق.
المدير قال: حَمّلوها اليوم.. والعربي عَلموّه أن الرجل النبيل لا يُفصح عما يعتمل بداخله وإن الإفصاح عن الحب يعرضه للمساءلة، إنه رجل أحب بلاده.. أن تحمل خمراً جائز، أن تقدم كوباً من الشاي إلى مرتشٍ جائز، وعليك أن تصمت ولكن! أن تحمل صناديقاً من (القنابل) فهذا غير جائز
عبدالغفار قال: أنا أحب الحبيبة بلادي
ليلاً كان العسكر في ضيافته.. والعيون الناظرة إلى أفواه البنادق تصيح: بابا، بابا
داخل الظلام كان يلعن المؤامرة.
- أنت ضد البلاد
- لاسيدي أناحاربت، حاربت العدو
- إذن أنت من نكس البندقية، ها هي تهمة أخرى!
- أبداً أنا قاتلت بضراوة حتى كرمتني البلاد فصرتُ حمّالاً للبضائع المُستوردة ولخيراتنا المُصدرة.. الحكم ليس بعد المداولة.. المؤامرة لا تحتاج لمداولة والمتهم مُدان لا تثبت براءته.. الحَبْلُ يتدلى في انكسار .. وأصوات انفجارات تضج بها المدينة في الأسواق والطرقات والمدارس.. والرجال يتداولون سرّ القضية.. إلى الأمم المتحدة يشتكون، إلى مجلس الأمن يهرعون، لم يعثروا على خيوط القضية، عبدالغفار مات قبل الانفجار بلحظات.. وبين الشعب يبحثون عن عبدالغفار.
- هاتوا اتنين تلاتة من نوع عبدالغفار
عبدالغفار واحد، عبدالغفار اتنين، عبدالغفار تلاتة. الأمانة العربية تريد الفاعل حالاً وإلا فالقرارات الأممية.
المحقق آمراً: اعترف
عبدالغفار المليون نادمٌ على أنه تكلم ومازال الانفجار جارياً في المستشفيات والأحياء والحدائق.
الخرطوم 10/3/2013
يحيى البحاري
تعليق