جلسة ودية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    جلسة ودية

    جلسةٌ وُدِّيَّةٌ

    دعا مدير أكبر مدرسة ثانوية عمراوعددا في المنطقة، ذو الوجه الصارم، الملتزم بالطرق التربوية القديمة والحديثة، وبعدم الابتسام، والمحافظة على بُعد معين من طلاب هذا الزمن العجيب الذي صار فيه صوت طالب يعلو على أصوات عشرة معلمين مجتمعين، ثلاثة طلاب وطالبتين من ذوي الأجسام الكبيرة ومن قرى مختلفة، ممن يتباهون بعضلاتهم وجمال أجسامهم أكثر مما يتباهون بعلاماتهم، ومن أكثر الطلاب إثارة للمشاكل داخل الصف أوخارجه، إلى محادثة ودِّيّة قبل تخرجهم بيومين.

    دخل الطلاب الخمسة غرفة، كل ما فيها يوحي بالتجهم والصرامة، صورة لرئيس الحكومة، متكدّر الوجه، تنفرج أساريره عن بسمة ضيّقة قاحلة، ما أن تقع عيناك على الصورة، حتى يخيّل إليك أنه سيعلن بعد ثوان الحرب على العالم كله، وسيف فضي لامع طويل معلق على الحائط ، وعلى الطاولة عصا كأنها سيف مشهور، أو بندقيّة مصوّبة! وتلفون أحمر اللون في حالة تأهب،

    جلس الطلاب دون أن يلقوا التحيّة بعد أن استقبلهم المدير بابتسامة أبوية، وطلب لكل منهم فنجان قهوة، وشكرهم على مجيئهم، وقال لهم دعوتكم لجلسة ودِّيَة، صديق يتحدث مع أصدقائه، أو أب مع أبنائه، وأرجو اعتباري كذلك، وقد استبعدت المعلمين والمعلمات كي يصفو الجوّ من الرسميات، وبما أنكم أصبحتم شبابا ناضجين، ستخرجون بعد أسبوع إلى الحياة، والحياة معركة غير مضمونة، إلا لمن استعدّ لها، وبحر واسع مليء بالأخطار، فيها مفاجآت، وفيها صعودوهبوط، وأنه يعتبرهم أصدقاء لا طلاب،وأعرب عن أمله في إزالة الحواجز الرسمية والنفسيّة والاجتماعية، وطلب منهم أن يفصح كل منهم عمّا وقف بحلقه من كلام طوال الأيام والسنين الماضية، ولم يُتح له الإفصاح عنه في الماضي.
    تبادل الطلاب الخمسة ابتسامات ونظرات تفضحما بها من شك وتساؤل واندهاش!
    وراح كل منهم يسأل نفسه أهذا هو المدير العابس الذي كان، رغم قصره قامته،لا يعلو على صوته صوت، حتى صوت جرس المدرسة!!؟؟؟
    وساد صمت ثقيل، ارتفع ضجيجه وهو يتعارك مع البوح، ولم ينطق أحد منهم بكلمة، توجّه المدير إلى عروة وسأله إن كان لا يزال يحب المدرسة كحبه لكرة القدم؟

    ابتسم عروة وقال لا وجه للمقارنة بين حبه للمدرسة وحبه لكرة القدم، وقال أيضا إنه لا يحب كرة القدم كلاعب، إنما كمتفرج، لسببين أولهما أنها تحتاج لركض وتعب وهو لا يحب أن يجهد نفسه، ثم أن حبه لها كمتفرج منحاز لفريق ضد آخر يتيح له، إذا انهزم الفريق الذي يحبه، فرصة ليشتم ويضرب ويقتل ولا يرحم، ويكسر ويخرب وقد يشعل الملعب نارا تحرق الفريق الثاني وأنصاره وتجعلهما فحما أسود.

    وسأل ميساء إن كانت تمارس الرياضة مثل عروة فقالت إنها لا تقلّ في قدراتها عن عروة أو أدهم أو طارق، وأن الزمن الذي كانت تعتبر فيه البنت أقلّ من الصبي قد ولّى، وأنها تحبّ البحر وتتطلع إلى اليوم الذي تقود فيه بارجة حربية تشقّ عُباب البحر، وتشعل سطح المياه الزرقاء نارا حمراء تحرق حتى الأسماك الصغيرة الهاربة أمام الحيتان، وأمام الأسماك الكبيرة إلى الأعماق.
    وسأل المدير أدهم هل سافرت يوما في طائرة؟
    قال أدهم أنه لا يخاف ركوب الطائرة، شرط ألاّتكون طائرة مسافرين، لأنه لا يحب الهدوء والنظام، ويتمنى أن يركب طائرة نفاثة تسبق الصوت وتكون كالإعصار تسابق الريح إذا مرّت فوق الناس زرعت الخوف وألقت الرعب في النفوس عند الصغار وعند الكبار، يحب أن يراهم كحبات الأرُزِّ يتناثرون إلى كل الجهات، مذعورين، يفتشون عن أية مظلّة تحميهم، ليعود بعدها ويرمي القنابل فوقهم بالأطنان، ويدكّ البيوت ولا يبقي حجرا على حجر، وقال أن أكثر شيء يمتعه رؤية الدم والصراخ والخراب والدمار.
    صار وجه المدير حجرا، لا يعبّر عن سرور ولا عن استنكار، محافظا على حياده وأبوّته، ثمّ توجّه إلى طارق وسأله إن كان لا يزال يحب اللعب بالألعاب الناريّة؟
    قال طارق إنه لا زال ينام والمسدسات أو البنادق الرشاشة البلاستيكية تحت رأسه، وأنه بدون هذه الألعاب لا تغمض له عين، ولا يعرف النوم طريقه إلى جفونه ويظل مستيقظا، يتقلّب في الفراش حتى الصباح، ويتطلّع إلى اليوم الذي يصبح فيه ضابطا ، يستبدل هذه الألعاب ببندقية رشاشة حقيقة، ويشبع رغبة في نفسه بقتل العشرات مرة بعد المرة، ليتأكد أنهم ماتوا.
    وحين جاء دور هند قالت إنها لا تحب الرياضة لأن فيها عنف، ولا تحب القتل أو ركوب البحر أو الطائرات، وأن لها ميولا عملية نحو التجارة، وبما أن القتلة في ازدياد، يقتلون ويطيرون كالعصافير، أحرارا، يقفون على الغصون العالية، يتفرجون على ضحاياهم، وبما أن الحياة عرض وطلب، سيزداد الطلب على السلاح وعلى المخدرات، وكما انه يوجد تجار سلاح ومخدرات من الرجال، فلم لا تكون هناك نساء يتاجرن بالسلاح أو المخدرات؟ وأنها مهيأة بيولوجيا وماديا واجتماعيّا لهذا الغرض
    أعجب المدير بجرأة طلابه وصراحتهم وقدرتهم على التعبير. واطمأن إلى أن المناهج تُطبق بحذافيرها، وفقا للتعليمات الصادرة من الأعلى، وأنه قد أدّى الرسالة كما هو مطلوب منه، وأن طلابه أذكياء يتفاعلون مع المحيط القريب والبعيد، ويستوعبون الأخبار المرئية والمكتوبة، ويتفاعلون معها، ولا يقلّون عن الطلاب في الغرب القريب والبعيد والمتحضّر جدا، ويندمجون مع الأحداث في المدن والقرى المجاورة، حيث يقتل الإنسان كما تُذبح الدجاجة، ويظل الفاعل حرا طليقا، وأن جيلا كهذا ينتظره ربيع حضاريّ أكثر احمرارا من الربيع العربي الأحمر القاني.




















































    التعديل الأخير تم بواسطة أمين خيرالدين; الساعة 24-06-2013, 08:21.
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    تابعتك بمتعة و انغماس في الجلسة، دعني أقول .
    في العادة حين يتقن القاص تشكيل المشهد، يُخيّل لنا أنّنا نتابع الحدث عبر شاشة من صنع الجمل.
    ما اختلف معي هنا هو شعوري بأنّي أنتحي مقعدا في القاعة حيث تدور الجلسة الودّيّة.
    فكرة متميّزة بالفعل و نقد مرمّز بعيد المدى.
    مع ذلك يصعد بوضوح أنّ الحوار( أصل الموضوع) ، قد اختلط فيه العفويّ بالمتكلّف.أي كأنّ الكاتب أملى على شخوصه فلسفته الخاصّة و وجّههم عنوة نحو الوجهة التي بنى من أجلها النصّ .
    يتجلّى ذلك خصوصا في أسئلة المدير التي لم يخفَ أنّها تتنبّؤ سلفا بأجوبة تصبّ في معنى الإهمال و الميل إلى العنف.
    ربّما كان عليك من وجهة نظري أن تشتغل على "تتويه" القارىء و تظليله على نحو يجعله يتوصّل إلى فلسفة النصّ بنفسه لا أن يتلقّاها جاهزة.
    أجوبة الطلاّب لم تكن بمنأى عن مأزق الخطاب المباشر ،بذلك تكون خدمت الكاتب - برأيي - أكثر ممّا خدمت الفكرة.
    ملاحظة أخيرة راجيا أن لا أكون قد أثقلتُ عليك،
    تتعلّق بخلاصة المدير، في سرّه، بعد استماعه للطلاّب و التي سيقت بأسلوب ساخر لذيذ،
    طبعا ، قمّة في التهكّم و النقد اللاّذع أن يطمئنّ رأس المسؤولين عن التربية إلى أنّ تلاميذه ماضون بنجاح نحو مستقبل لا أخلاق و لا قيم فيه، بكامل إرادتهم ،بل بنهم شديد.
    لكن - و الحديث من قلب المجاز -
    أتساءل : أين التضاد و قد اختارهم من المفلسين و أصحاب المشاكل و ذوي الاستعداد للجريمة أصلا؟

    مودّتي و احترامي الكبير لك أستاذ أمين.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • أمين خيرالدين
      عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      • 04-04-2008
      • 554

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
      تابعتك بمتعة و انغماس في الجلسة، دعني أقول .
      في العادة حين يتقن القاص تشكيل المشهد، يُخيّل لنا أنّنا نتابع الحدث عبر شاشة من صنع الجمل.
      ما اختلف معي هنا هو شعوري بأنّي أنتحي مقعدا في القاعة حيث تدور الجلسة الودّيّة.
      فكرة متميّزة بالفعل و نقد مرمّز بعيد المدى.
      مع ذلك يصعد بوضوح أنّ الحوار( أصل الموضوع) ، قد اختلط فيه العفويّ بالمتكلّف.أي كأنّ الكاتب أملى على شخوصه فلسفته الخاصّة و وجّههم عنوة نحو الوجهة التي بنى من أجلها النصّ .
      يتجلّى ذلك خصوصا في أسئلة المدير التي لم يخفَ أنّها تتنبّؤ سلفا بأجوبة تصبّ في معنى الإهمال و الميل إلى العنف.
      ربّما كان عليك من وجهة نظري أن تشتغل على "تتويه" القارىء و تظليله على نحو يجعله يتوصّل إلى فلسفة النصّ بنفسه لا أن يتلقّاها جاهزة.
      أجوبة الطلاّب لم تكن بمنأى عن مأزق الخطاب المباشر ،بذلك تكون خدمت الكاتب - برأيي - أكثر ممّا خدمت الفكرة.
      ملاحظة أخيرة راجيا أن لا أكون قد أثقلتُ عليك،
      تتعلّق بخلاصة المدير، في سرّه، بعد استماعه للطلاّب و التي سيقت بأسلوب ساخر لذيذ،
      طبعا ، قمّة في التهكّم و النقد اللاّذع أن يطمئنّ رأس المسؤولين عن التربية إلى أنّ تلاميذه ماضون بنجاح نحو مستقبل لا أخلاق و لا قيم فيه، بكامل إرادتهم ،بل بنهم شديد.
      لكن - و الحديث من قلب المجاز -
      أتساءل : أين التضاد و قد اختارهم من المفلسين و أصحاب المشاكل و ذوي الاستعداد للجريمة أصلا؟

      مودّتي و احترامي الكبير لك أستاذ أمين.
      أخي الاستاذ محمد فطومي
      اولا اشكرك على مرورك الكريم وملاحظاتك القيّمة التي استفدت منها الكثير
      أما بالنسبة للفكر المرمز فهو طريقي وأنت بلطفك سميته مرمز ما أنا فأسميه فكرا "ملغوما"
      بعيد عن العنف

      اما بالنسبة لتوجيهي النص نحو الهدف المقصود
      فقد حاولت ان اعطيه الصورة الصادقة باكف ناعمة من الرفض لكل هذه الاشكال من السلوكيات
      اننا في قرانا يطل علينا العنف برعب
      يقتل القتيل ويظل القاتل طليقا واحيانا يكافؤ بوظيفة او جائزة او وسام
      الاسئلة لا اظن انها تتنبأ انما طرحها المدير عن معرفة بميول الطلاب المدعوين ومسايرته لهم
      والاجوبة جاءت صريحة من طلاب هذا سلوكهم
      وقد تفاجأ حين أصبح وجهه كالحجر ولكنه حافظ على حياده
      فلو اجابوا بغير ميولهم لظهر التصنع او التكلف او التمثيل

      الاجوبة خدمت الفكرة اكثر من خدمتها للكاتب
      خلاصة المدير وهذا احد "الالغام"
      ان السياسة التي تضيعنا تختار من يخدم اهدافها لمثل هذه المناصب
      فالمدير الذي لا عمار بينه وبين الاخلاق او التربية
      الا يطمئن لمثل هذه العينة من الطلاب المتخرجين
      ومتى كان فاقد الشيء يعطيه
      وعلى المستوى العام ان ما يحدث على الساحة العربية
      في سوريا الحبيبة
      وحدث قبله في لبنان
      ومثله حدث في ليبيا و
      العراق النازف
      الا ينعكس على سلوك الاجيال فيما بعد
      ان العنف الذي يمارس في الجيوش
      ايا كانت
      سينعكس علينا حين نتخاصم مع بعضنا في قرانا
      وستنعكس على النفوس وهي في ارحام امهاتها
      وقد تكون هذه الامور قد لاحت في فكري
      ولكن للقارئ المتفرج من بعيد
      تظل رؤيا قد تختلف او تتسع اكثر ما راى الكاتب
      ولكل رؤيته
      وان كان هذا لا يقلل من
      شكري
      وتقديري
      وتشرّفي بمرورك الكريم
      تحياتي
      [frame="11 98"]
      لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

      لكني لم أستطع أن أحب ظالما
      [/frame]

      تعليق

      يعمل...
      X