جلسةٌ وُدِّيَّةٌ
دعا مدير أكبر مدرسة ثانوية عمراوعددا في المنطقة، ذو الوجه الصارم، الملتزم بالطرق التربوية القديمة والحديثة، وبعدم الابتسام، والمحافظة على بُعد معين من طلاب هذا الزمن العجيب الذي صار فيه صوت طالب يعلو على أصوات عشرة معلمين مجتمعين، ثلاثة طلاب وطالبتين من ذوي الأجسام الكبيرة ومن قرى مختلفة، ممن يتباهون بعضلاتهم وجمال أجسامهم أكثر مما يتباهون بعلاماتهم، ومن أكثر الطلاب إثارة للمشاكل داخل الصف أوخارجه، إلى محادثة ودِّيّة قبل تخرجهم بيومين.
دخل الطلاب الخمسة غرفة، كل ما فيها يوحي بالتجهم والصرامة، صورة لرئيس الحكومة، متكدّر الوجه، تنفرج أساريره عن بسمة ضيّقة قاحلة، ما أن تقع عيناك على الصورة، حتى يخيّل إليك أنه سيعلن بعد ثوان الحرب على العالم كله، وسيف فضي لامع طويل معلق على الحائط ، وعلى الطاولة عصا كأنها سيف مشهور، أو بندقيّة مصوّبة! وتلفون أحمر اللون في حالة تأهب،
جلس الطلاب دون أن يلقوا التحيّة بعد أن استقبلهم المدير بابتسامة أبوية، وطلب لكل منهم فنجان قهوة، وشكرهم على مجيئهم، وقال لهم دعوتكم لجلسة ودِّيَة، صديق يتحدث مع أصدقائه، أو أب مع أبنائه، وأرجو اعتباري كذلك، وقد استبعدت المعلمين والمعلمات كي يصفو الجوّ من الرسميات، وبما أنكم أصبحتم شبابا ناضجين، ستخرجون بعد أسبوع إلى الحياة، والحياة معركة غير مضمونة، إلا لمن استعدّ لها، وبحر واسع مليء بالأخطار، فيها مفاجآت، وفيها صعودوهبوط، وأنه يعتبرهم أصدقاء لا طلاب،وأعرب عن أمله في إزالة الحواجز الرسمية والنفسيّة والاجتماعية، وطلب منهم أن يفصح كل منهم عمّا وقف بحلقه من كلام طوال الأيام والسنين الماضية، ولم يُتح له الإفصاح عنه في الماضي.
تبادل الطلاب الخمسة ابتسامات ونظرات تفضحما بها من شك وتساؤل واندهاش!
وراح كل منهم يسأل نفسه أهذا هو المدير العابس الذي كان، رغم قصره قامته،لا يعلو على صوته صوت، حتى صوت جرس المدرسة!!؟؟؟
وساد صمت ثقيل، ارتفع ضجيجه وهو يتعارك مع البوح، ولم ينطق أحد منهم بكلمة، توجّه المدير إلى عروة وسأله إن كان لا يزال يحب المدرسة كحبه لكرة القدم؟
ابتسم عروة وقال لا وجه للمقارنة بين حبه للمدرسة وحبه لكرة القدم، وقال أيضا إنه لا يحب كرة القدم كلاعب، إنما كمتفرج، لسببين أولهما أنها تحتاج لركض وتعب وهو لا يحب أن يجهد نفسه، ثم أن حبه لها كمتفرج منحاز لفريق ضد آخر يتيح له، إذا انهزم الفريق الذي يحبه، فرصة ليشتم ويضرب ويقتل ولا يرحم، ويكسر ويخرب وقد يشعل الملعب نارا تحرق الفريق الثاني وأنصاره وتجعلهما فحما أسود.
وسأل ميساء إن كانت تمارس الرياضة مثل عروة فقالت إنها لا تقلّ في قدراتها عن عروة أو أدهم أو طارق، وأن الزمن الذي كانت تعتبر فيه البنت أقلّ من الصبي قد ولّى، وأنها تحبّ البحر وتتطلع إلى اليوم الذي تقود فيه بارجة حربية تشقّ عُباب البحر، وتشعل سطح المياه الزرقاء نارا حمراء تحرق حتى الأسماك الصغيرة الهاربة أمام الحيتان، وأمام الأسماك الكبيرة إلى الأعماق.
وسأل المدير أدهم هل سافرت يوما في طائرة؟
قال أدهم أنه لا يخاف ركوب الطائرة، شرط ألاّتكون طائرة مسافرين، لأنه لا يحب الهدوء والنظام، ويتمنى أن يركب طائرة نفاثة تسبق الصوت وتكون كالإعصار تسابق الريح إذا مرّت فوق الناس زرعت الخوف وألقت الرعب في النفوس عند الصغار وعند الكبار، يحب أن يراهم كحبات الأرُزِّ يتناثرون إلى كل الجهات، مذعورين، يفتشون عن أية مظلّة تحميهم، ليعود بعدها ويرمي القنابل فوقهم بالأطنان، ويدكّ البيوت ولا يبقي حجرا على حجر، وقال أن أكثر شيء يمتعه رؤية الدم والصراخ والخراب والدمار.
صار وجه المدير حجرا، لا يعبّر عن سرور ولا عن استنكار، محافظا على حياده وأبوّته، ثمّ توجّه إلى طارق وسأله إن كان لا يزال يحب اللعب بالألعاب الناريّة؟
قال طارق إنه لا زال ينام والمسدسات أو البنادق الرشاشة البلاستيكية تحت رأسه، وأنه بدون هذه الألعاب لا تغمض له عين، ولا يعرف النوم طريقه إلى جفونه ويظل مستيقظا، يتقلّب في الفراش حتى الصباح، ويتطلّع إلى اليوم الذي يصبح فيه ضابطا ، يستبدل هذه الألعاب ببندقية رشاشة حقيقة، ويشبع رغبة في نفسه بقتل العشرات مرة بعد المرة، ليتأكد أنهم ماتوا.
وحين جاء دور هند قالت إنها لا تحب الرياضة لأن فيها عنف، ولا تحب القتل أو ركوب البحر أو الطائرات، وأن لها ميولا عملية نحو التجارة، وبما أن القتلة في ازدياد، يقتلون ويطيرون كالعصافير، أحرارا، يقفون على الغصون العالية، يتفرجون على ضحاياهم، وبما أن الحياة عرض وطلب، سيزداد الطلب على السلاح وعلى المخدرات، وكما انه يوجد تجار سلاح ومخدرات من الرجال، فلم لا تكون هناك نساء يتاجرن بالسلاح أو المخدرات؟ وأنها مهيأة بيولوجيا وماديا واجتماعيّا لهذا الغرض
أعجب المدير بجرأة طلابه وصراحتهم وقدرتهم على التعبير. واطمأن إلى أن المناهج تُطبق بحذافيرها، وفقا للتعليمات الصادرة من الأعلى، وأنه قد أدّى الرسالة كما هو مطلوب منه، وأن طلابه أذكياء يتفاعلون مع المحيط القريب والبعيد، ويستوعبون الأخبار المرئية والمكتوبة، ويتفاعلون معها، ولا يقلّون عن الطلاب في الغرب القريب والبعيد والمتحضّر جدا، ويندمجون مع الأحداث في المدن والقرى المجاورة، حيث يقتل الإنسان كما تُذبح الدجاجة، ويظل الفاعل حرا طليقا، وأن جيلا كهذا ينتظره ربيع حضاريّ أكثر احمرارا من الربيع العربي الأحمر القاني.
تعليق