آونة لشقوق الصّخر / محمد فطومي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    آونة لشقوق الصّخر / محمد فطومي

    آونة لشقوق الصّخر



    الأرض بلا شمس.. الأبيض ينكمش كورقة، يغوص في عرض الأفق، لزجا، مستسلما، ساكتا كغريق يستحي من أن يستغيث. مِسحة الضّياء الأخيرة المُتبقّية مشوّشة كأوّلها، كعادتها. ذاك موعد يحلو له أن يتأمّل فيه الكائنات و يختبر صحّة مقولته القديمة: "هو وقت لا يصلح ليعبر المرء قبل سيّارة، و لا لترقّّبها حتّى تمرّ".. داخل الحمّام لم يبق غيرهما. الأثقال توقّفت عن الارتطام بالجدران. البكرات خرست عن الصّرير. النّداءات الجهوريّة الغاضبة ذات النّبرات السّعيدة أخلت المكان تاركة في نفسه احتمال اندلاع الضّجيج في أيّة لحظة. همدت كلّ الأصوات دفعة واحدة حتّى بات يُسمع جليّا تقاطر الماء من الأسقف. الإنارة صفراء خافتة كثيرة الظلّ كإسطبل.
    ظلّت عينا المالك، و هو ينقده الدّنانير الهزيلة التي تركها له الزّبائن، تقرآن ملامحه كما لو أنّه يدعوه للاستمرار في صمته. لم يتظاهر كما جرت العادة بأنّه لن يُمانع في المكوث أكثر لو اقتضى الأمر. دار بينهما حوار قصير، أنهاه بإيماءة إيجاب من رأسه رافقته إلى الخارج:
    - هذه ليست أجرة رجل يقضى اليوم بأكمله في الجحيم..
    - ذاك هو الموجود.
    - الجُرب الملاعين، يأتون اثنين اثنين كي يتناوبوا حكّ ظهور بعضهم البعض.. نحن نموتُ إذن!
    - مُت وحدك! مُستحقّاتي تصلني حتّى لو تناوبوا لعق بعضهم.
    رمقه بنظرات ساهمة عميقة، ثمّ غادر مُوافقا.

    في الخارج ظلّ واجما قبالة الباب الخشبيّ ذي الدفّتين. بدت له الطّريق بلا نهاية. لفحت وجهه نسمة رطبة. استدار معها كما لو أنّه يشيّعها. من سبّابته يتدلّى كيس يقطر. تُثقله كتلة مكوّرة بحجم قبضة اليد. تمتم ثمّ مضى باتّجاه بيته جارّا قدميه بإعياء شديد، الرّأس مرتخ إلى الخلف. يستلّ الخطو من الخطو كأنّه يقاوم يدا خفيّة تحاول تثبيته إلى الأرض. غير بعيد لاحت له على الجادة عربة في شكل صندوق من الفولاذ المُشبّك، تقف على أربع عجلات، الصّندوق مُتماسك أنيق مهيب واثق كجنديّ يؤدّي التّحيّة.. و هو فوق كلّ ذلك مُهمل.
    اقترب من العربة ممنّيا نفسه بأن تكون السّماء قد اصطفته هو دون غيره ليكون صاحبها.
    جال في خاطره و هو يتأمّلها:
    "سأقول لها بأنّي صنعته لها خصّيصا كي يساعدها على نشر الغسيل."

    استرق النّظر يمينا و شمالا. حدّق في العربة من جديد. قلّبها ببصره. طاف حولها. مسح بيده على أحد دعائمها. مرّر أصابعه على زواياها. تراجع مبتعدا قليلا ليراقبها بكلّيّتها. الإعجاب يطفر من كلّ جزء فيه. كيف يُقنع هذا الشّيء الجميل بأن يرافقه إلى البيت. يكاد يُكلّم العربة لفرط جدّيّتها. عاود الالتفات إلى الوراء. الشّارع مُقفر و لا أحد يهبّ لإنقاذها.
    في الجهة المُقابلة مطعم يقدّم وجبات سريعة. سابح في نور نيون أزرق. كلّ الدّكاكين المجاورة له أُغلقت ما عداه. اتّجه نحوه. مُلقيا نظرة على اليمين و أخرى على اليسار. لبث في المطعم دقائق ثمّ مشى بتأنّ مباشرة باتّجاه العربة. حين لم يعد يفصله عنها سوى خطوة واحدة، عطف بمشيته زاوية قائمة ثمّ تابع مسيره إلى الأمام دون التفاتة إلى الخلف.

    سار بمحاذاة سور المستشفى مواصلا طريقه نحو البيت. توقّف في منتصف السّور؛ تماما حيث اعتاد الوافدون من الأرياف المُجاورة الجلوس بالسّاعات ينتظرون موعد الزّيارة. هوى ببدنه صوب الأرض. فتح قارورة ماء صغيرة موضوعة لصق الحائط، ما يزال في قاعها جرعة. ثمّ شرع يسقي عشبة ذميمة يابسة صفراء نبتت في الصّدع السّفلي للسّور، و بحرص شديد راح يغترف بفم القارورة خيط الماء المُنحدر منها و يُعيده لها.


    ***
    محمد فطومي
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد فطومي; الساعة 24-06-2013, 16:40.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    وقفت بين بين
    خلفت الحمام ورائي و مالكه
    و انتظرت بعض ملاحقة ، أو ربما لفظة تخرج من المالك لتدلني على نهاية نزف الجحيم
    لكنني كنت في صندوق العربة التي عقدت صمتها ستين عقدة و ربما أكثر
    لأرى كيف كان تردد صاحبنا حين فكر
    و حدد المسافة ما بين المحل الوحيد المضاء
    و بين العربة ؟
    وقت انعطف عنها و ظهر على ملامحها الهم و بعض القطرات
    احترت كثيرا في أمره
    و قلت لا مانع من المتابعة
    فردوده الحادة على المالك شوقتني للرحيل عن قرب
    هل تراه سوف يعطيني نهاية بليغة لتلك الليلة
    و ذاك الجحيم الذي يتهادى و ينفرط مع الخطو ؟
    ربما رؤيته لانتظار الحالمين بالزيارة على شقوق المشفى
    و رؤية تلك النبتة
    هو ما حول الأمر إلي بضع قطرات من الماء
    أهي مفاضلة أم مراوحة أم مزاوجة بين القيظ و تحلله
    ثم تحوله إلي ماء .. إلي اللا لون و لا رائحة و لا طعم
    حتى وهو يستقطر من الوعاء أو زجاجة الماء ! ?
    لا أدري .. غير أنني تذكرت بعض ملامح لتجارب سابقة لقصة بلا عقدة
    و قصة بلا قصة حاولها إبراهيم أصلان و ربما آخر
    ليس بذات المعنى
    فالمفردات هنا .. أعطت و حكت و قصت
    و المعنى دفين ما بين الحمام و سور المقبرة و التردد في حال الفعل و نداءات العربة !!

    جميل محمد ما قرأت هنا

    محبتي


    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      أتواجدي هنا كان سببا في انصراف القراء ؟
      أم أن هناك شيئا لا أستطيع تحديده ؟
      محمد فطومي .. نتعلم منك دائما .. و أبدا

      تحياتي أستاذي
      sigpic

      تعليق

      • نادية البريني
        أديب وكاتب
        • 20-09-2009
        • 2644

        #4
        أنا أيضا كنت أقتفي أثره لأعرف سرّه وما يخفيه صدره
        شهدت معه نهاية الرّحلة في الحمّام "جحيم و..."و بداية الرّحلة خارجه مع النّبتة وقطرات الماء.الماء كان يقطر لكنّه حارق ومرهق وهو لاحقا كان يقطر لكنّه معطاء،يعطي الحياة.هل هي حياة جديدة للبطل فرّ فيها من أتون الحمّام؟
        النّص عميق ولغته قويّة والخطاب مسبوك سبكا جيّدا
        دمت بخير أخي محمّد

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          الزميل القدير
          محمد فطومي
          حين أقرأ لك أجدني مجبرة على القراءة مرتين
          مرة لأصل النهاية متعجلة أن أعرف مابعد الآتي
          والأخرى كي أستشف مابين السطور وأعلق وربما ابقى عالقة بين الصور لأنك تسرد بطريقة تجعلني مرغمة على تخيل الأشياء والأماكن وتلك ميزة تحسب لك ولأي أديب
          لا أدري لم جرني وصف النور وانكماشه وهل لأنه يعني تلك الفجوة الصغيرة التي تجعلنا نعرف أننا مازلنا على نفوسنا أحياء, وتلك الحجرات التي تسمى أي كان ونفاياتها ومقارتها بين الداخل في المشفى وبين محتواها بمقارنة لذاك الإهمال
          وجدت النبتة الصفراء المقيتة بصيص الحياة الذي من الممكن أن يكون هاهنا في هذا المكان الذي يأتيه الناس موجوعين فلا يجدو سوى الركام وانتظار طويل ربما يأخذ العمر معه, وهل نقطة الماء هي ذاك الدواء الذي سيمنح تلك النبتة الذابلة بعض الأمل, وكم أحببت أنها شقت ( الصخر ) وهي تلك الضعيفة.
          نص جميل وفيه عمق
          تحياتي لك
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
            وقفت بين بين
            خلفت الحمام ورائي و مالكه
            و انتظرت بعض ملاحقة ، أو ربما لفظة تخرج من المالك لتدلني على نهاية نزف الجحيم
            لكنني كنت في صندوق العربة التي عقدت صمتها ستين عقدة و ربما أكثر
            لأرى كيف كان تردد صاحبنا حين فكر
            و حدد المسافة ما بين المحل الوحيد المضاء
            و بين العربة ؟
            وقت انعطف عنها و ظهر على ملامحها الهم و بعض القطرات
            احترت كثيرا في أمره
            و قلت لا مانع من المتابعة
            فردوده الحادة على المالك شوقتني للرحيل عن قرب
            هل تراه سوف يعطيني نهاية بليغة لتلك الليلة
            و ذاك الجحيم الذي يتهادى و ينفرط مع الخطو ؟
            ربما رؤيته لانتظار الحالمين بالزيارة على شقوق المشفى
            و رؤية تلك النبتة
            هو ما حول الأمر إلي بضع قطرات من الماء
            أهي مفاضلة أم مراوحة أم مزاوجة بين القيظ و تحلله
            ثم تحوله إلي ماء .. إلي اللا لون و لا رائحة و لا طعم
            حتى وهو يستقطر من الوعاء أو زجاجة الماء ! ?
            لا أدري .. غير أنني تذكرت بعض ملامح لتجارب سابقة لقصة بلا عقدة
            و قصة بلا قصة حاولها إبراهيم أصلان و ربما آخر
            ليس بذات المعنى
            فالمفردات هنا .. أعطت و حكت و قصت
            و المعنى دفين ما بين الحمام و سور المقبرة و التردد في حال الفعل و نداءات العربة !!

            جميل محمد ما قرأت هنا

            محبتي

            مع أنّها تدين بخروجها للضوء للواقع و ما يزدحم في أحشائه من كائنات موجوعة ، إلاّ أنّ القصّة في النهاية - مهما تشبّثت بقضايا واقعها و إنسانيّة شخوصها - لا تعدو أن تكون التماعة ظهر حوت وسط محيط رحب.يكون المحيط فيها تجارب الآخرين، و مراجعنا.
            ربّما مرّت بجانب الحقيقة ، ربّما اخترقتها لكنّها أبدا لن تُحيط بها أو تهبها.
            كانت لي فيما مضى رؤية ثوريّة بعض الشّيء فيما يتعلّق بالأقصوصة،كنتُ أومن بأنّها قادرة على تطوير الفكر الشعبي.لكنّي اليوم بتُّ أدرك تماما أنّها متعة نستأنس لها و نصيب منها تسلية على قدر ما جاء فيها من معنى و لعب بالصّور و تسخير للّغة.
            بالتالي و مع الوقت تشكّلت لي أمنية أخرى إزاء ما أنتج،أن يقرأ القارىء النصّ لأنّه فعلا رغب في ذلك.
            شهادتك و قراءتك التي تحاور نوايا الكاتب و تفضح كيمياءه السرّيّة ، تجعلني أفخر ألف مرّة بها.
            محبّتي العميقة أستاذي العزيز ربيع.
            و شكرا شكرا على ما تبذله من أجلنا .

            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            • محمد فطومي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 05-06-2010
              • 2433

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
              أنا أيضا كنت أقتفي أثره لأعرف سرّه وما يخفيه صدره
              شهدت معه نهاية الرّحلة في الحمّام "جحيم و..."و بداية الرّحلة خارجه مع النّبتة وقطرات الماء.الماء كان يقطر لكنّه حارق ومرهق وهو لاحقا كان يقطر لكنّه معطاء،يعطي الحياة.هل هي حياة جديدة للبطل فرّ فيها من أتون الحمّام؟
              النّص عميق ولغته قويّة والخطاب مسبوك سبكا جيّدا
              دمت بخير أخي محمّد
              في ذروة المعاناة و الحرمان، لا يتمنّى المرء حياة أخرى أو حياة جديدة ،و إن عبّر عن ذلك.
              أعتقد أنّ المُعجز في الإنسان هي رغبته في الإبقاء على حياته راجيا فقط أن يستقيم اعوجاجها و يزول غبنها.
              ربّما دون أن نشعر شعراء و قاصّين و مسرحيّين نكتب منذ الأزل عن الغبن و النّقص دون سواهما.
              ليس هناك مواضيع في الأدب بعكس الصّحافة ، بالنّسبة للأدب الموضوع واحد: الحرمان..
              ما يتعدّد هي زوايا الطّرح.

              سررتُ بوجودك أختي نادية،بوركتِ و دام عطاؤك..
              أعترف لك بجميل الفرصة التي أتحتها لي كي أبتعد قليلا.
              مودّتي و تقديري.
              مدوّنة

              فلكُ القصّة القصيرة

              تعليق

              يعمل...
              X