انعتاقٌ من حكاية
ودّ لو أنه زحف بالشفرة على جلد رقبته النئ.
سيسفح ما تبقى من زيتٍ في قنديله الصدئ، هذا الجسد العاري الذي يركزه على السطح النتن مثل نخلةٍ جدباء. أمام المرآة يرتجف في لحظاتٍ أشبه ما تكون بالاحتضار. خيّر نفسه بين أن يبقى مسكوناً بوجهها وحزنٍ طويل، أو يتخلص منها بشقِّ قلبه الذي سيندلق ماؤه الأرجواني على الأرض الملساء المخضرة.
أغمض عينيه، في لحظاتٍ يخير فيها نفسه بين الحياة أو الموت مغبوناً، ليلجَ الغيبوبة التي لا يعقبها إدراك. جاوز بأخيلته مقبرة قريتهم، قبر أمه وشاهديه، قبور الأطفال المحشوّة بالمشموم والريحان.
أعاد فتح عينيه ليرى نفسه وقد تيبست الرغوة على لحيته، ليجزم بأنه لن يموت من أجل أحد.
* * * *
قال له صاحبه ذات مرةٍ:
- لقد أصبحتَ رماداً، هرمتَ والشيب لما يجد له موطئاً في شعرك.
ردّ ودخان سيجارته يتطاير من بين أضراسه الصفراء:
- القلب الذي يعشق، يغدو كالتربة التي يجهد الفلاح لبذرها وريها، فإن هو سقاها بماءٍ غزيرٍ ابتلت واخضرت وتوردت، وإن تركها من غير بذرٍ أو ريٍ فإنها تصبح يباباً، حتى المطر يحيلها صعيداً زلقاً وطيناً لازباً ذا رائحةٍ كريهة.
قلبي أصبح يباباً أيها الصديق، لا بذر ولا ماء ولا يدٌ ترعاه، لا يجري في عروقي غير دخان السجائر وعتمة القهوة ووجعٌ يجتاحني من كل ناحيةٍ حتى يستقر كالسهم في هذا الفؤاد الملعون.
* * * *
قالت له عاتبةً بعد أن تكور بطنها:
- قلبك الأسود ورئتاك الفاحمتان صارا يتقيئان قذاراتهما على حياتنا، فاستحالت كالليل.
أنت لم تملك القوة على جزها من قلبك، فلماذا أسرتني ؟، لماذا كنت أنانياً ؟، ما الذي فعلته لأستحق أحداً مثلك ؟، ما الذي أغراني في الزواج من معتوهٍ وجاحد؟.
ظلّ واجماً. تحدث بصوتٍ خافت وهو ينظر لها كيتيمٍ، ثم سكب شعرها على أصابعه التي احتفرها التبغ:
- أنا أحترق. أرجوك لا تسكبي الزيت على قلبي الذي أضرمتِ فيه نار اللوم والخوف ورغبة الخلاص التي استحالت بحكم الزمن العنيد.
كانت تبكي وهي تلمّ شعرها وتغطيه بشالٍ أزرقٍ ابتاعه لها منذ زمن، ثم قامت مسرعةً وكأنه يطاردها فاعتمرت عباءتها وحزمت أمتعتها على عجل:
- تلك المجنونة تزوجت وأنجبت، وأنت لا تزال تطارد طيفها واسمها وظلها.
قال لها راجياً:
- لا تذهبي أرجوكِ، سوف أعشقكِ، سأكون فارسكِ كما كنت تشتهين، أنتِ من تبقى لي في هذه الحياة، والآن نحن ننتظرُ مولودنا البكر.
كان ينظر في وجهها. يريد أن يعلق كلماته في عينيها. أما هي فكانت تبكي كالثاكلة.
جرت عباءتها وحقيبتها وقبل أن تخطو للخارج صرخت:
- لن أعيش سجينة حكايتك وماضيك. ثمن الانعتاق من أغلالك العفنة سأدفعه أنا وحدي. لقد جنيت عليّ وعلى ما في أحشائي. هذا الجنين الذي لا أرغب أن يرث أي شئٍ منك. أريدك أن تتركني فقط، أن تمنحني الخلاص من جنونك.
* * * *
ظلّ قاعداً على عتبة الدار كما اعتاد عصراً. يتناول سيجارته ويعض عليها بشفتيه الغامقتين. تراءت له مقدمة مركبةٍ تحاول العبور للزقاق الذي تقع فيه شقته. كانت تمشي على مهلٍ حتى استقرت بإزائه. في داخل السيارة تبدو امرأةٌ تهتاج من تحت شالها الأزرق قذالٌ ذهبيةٌ وخصلاتٌ ملونة، عباءتها السوداء اللماعة مرصوصةٌ بلحم كتفها المكتنز وبدنها، حتى يكاد يتفجر من فرط شده وعصره.
بجانبها يتبختر سائقٌ وسيمٌ تغطي عينيه نظاراتٌ أنيقة. كانا يتبادلان الضحك والقبلات الملتهبة من غير مواربةٍ أو خجل. أما في المقعد الخلفي، فقد كانت هناك طفلةٌ تشير إليه، تنعقد شفاهها وترتخي وهي تنادي بفرح من وراء النافذة: بابا...بابا.
منحها نظرةٌ حنونةً. ثم هب واقفاً ورغبةٌ عارمةٌ تجلده في أخذها بين أضلاعه المتخشبة كي يضمها كالسابق. لكنه فوجئ بصوت المحرك يعلو، ثم تدور عجلات المركبة بعنفٍ فيضج الزقاق بحنحنةٍ حادةٍ ودخانٍ كثيفٍ تمازج مع دخان سيجارته حتى تلاشت الطفلة التي أخذتها المركبة بعيداً وهي تبكي، تاركةً إياه يتلمظ طعم التبغ في فمه ثم يزفره من منخريه.
تعليق