سندباد في جزيرة الشيطان – الحلقة الثانية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25791

    سندباد في جزيرة الشيطان – الحلقة الثانية

    سندباد في جزيرة الشيطان – الحلقة الثانية

    2 – طائر النار

    يغلظ الخرطوم ، يتضخم ، يصبح رهيب الشكل ، يعلو .. يعلو .. يا إلهي . يظهر وحش خرافي ليس له مثيل ، يعرك الهواء ، يجتذب كل شيء يقع في طريقه ، يبتلعه ، ثم يندفع بعيدا .. بعيدا ، يدور بسرعة هائلة ، يكتسح الأشياء .. و على مسافة أميال كان يلفظ ما يحمل ، و يتخلص من حمله الثقيل .. هاهي ذي الأشياء تتناثر هنا و هناك .. هناك على شاطئ بعيد لجزيرة مجهولة : هذه دفة سفينة ، و هذا كاب كولونيل ، و هذا قميص لطفل في العاشرة ، و هذه فأس ، قطع ذهبية ، ضفادع كانت تسكن نهرا يبعد مئات الأميال ، أسماك تتلوى ، تطل الحياة من بريق عيونها و خيشومها .
    ألقى الوحش الشرير بسندباد ، فتهاوى مثل ورقة ، و حط على شجرة مورقة ، لا أثر فيها لغصن .. شجرة شعر البنت . لمته الشجرة بين أوراقها و خيوطها الرفيعة ، التفت حول جسده ، في حنو ومحبة ، تسقيه من عصير الندى كأم رءوم ، فإذا ما اقترب أحد من الشجرة وارته عن الأنظار .. وهو مسلوب الوعي و الإرادة ، غائبا عن وعيه .. لا حركة .. لا أنفاس .ساعات طويلة تمتد لأيام ، و الشجرة تكفل له الحماية و الحياة .
    بعد يومين بالتمام و الكمال تتردد أنفاسه ، ويعود للحياة مرة أخرى .. تتحرك أعضاؤه مصدرة طقطقة ، كأنه قطع من زجاج ، ثم يصحو مثقل الرأس ، متعبا تماما ، وكلما تزحزح ، يرده التعب و الإنهاك ، و تصطخب الطقطقة . ينام آخر الأمر .. ينام نوما عميقا .. عميقا . بعد وقت قصير كانت تصارعه الهواجس و الرؤى . هاهي أمامه تشاغب روحه ، فتأتي بضحى ، هاهي تنادي باكية : سندباد .. سندباد يا زوجي .. أين أنت .. أين ؟
    ودون أن يتحكم في لسانه يردد : عودي .. عودي يا ضحى .. عودي .
    تنشج ضحى قائلة : بل عد أنت ، و باشر عملك هناك .. الملكة ضوء المكان في انتظارك ، لن أعود معك ، بل سأرحل إلي وادي السنديان ، وهناك سأعلق قلبي أعلى شجرة فيها ، و إذا حدث و اقتلعوا هذه الشجرة فعليك يا زوجي الطيب أن تهرع إلي هناك للبحث عن قلبي .. قلب ضحى الطيب ، ثم ضعه في وعاء فيه ماء بارد ، و بهذا تعود الحياة لي مرة أخرى ، فإذا نفخت في ناي ، فبحت نغماته فجأة فاعرف أن قلبي قد سقط من فوق شجرة السنديان .
    : ما هذا ؟
    ينتفض سندباد من الذهول ، بينما كانت صورتها تختفي ، رويدا رويدا كحلم أو رؤية منامية . يكاد عقله يضيع منه ، يهب واقفا ، فيثقله التعب ، يعاود المحاولة مرة أخرى ، حتى يقف أخيرا ، و يتحرك متسائلا : أين أنا ؟
    يتحسس ثيابه . لم يصدق ، يتحسسها مرة أخرى . إنه عار تماما إلا من سروال ممزق و متسخ ، يتحامل على نفسه ، يهبط من فوق الشجرة ، التي تهلل أوراقها فرحا بنجاته ، و تتناثر من قلبها فراشات ، كانت تومض بالأضواء و الألوان . و إذا بسندباد يسمع ضحكات رقراقة لها طعم الندى ، ورحيق الياسمين .. كانت هي الشجرة ، فارتد إليها ، وربت على ساقها ، و عانقها ، طابعا على جبينها قبلة امتنان ، ثم يبتعد ملوحا لها بالوداع .
    عن الفرشاة يبحث سندباد ، عن سيفه البطاش .. ضاع كل شيء ، ضاعت حتى ثيابه . يعاين المكان بنظرات فاحصة ، ثم يقطع المنطقة جيئة و ذهابا . لم يتوقف إلا و قد عضه الجوع ، و نهش معدته .. ما كان أسهل عليه من مد يده ، وقطف ثمرة من ثمار الخوخ ، أو يقفل عائدا إلي الشجرة الحنون .. على كل حال يمد كفه ، و يقطف ثمرة ، ويلتهمها بنهم ، ثم أخرى فأخرى ، حتى شعر بالامتلاء .
    فجأة تناهت إلي أذنيه أصوات خطوات ثقيلة ، كانت تدنو منه وئيدة . يحدد مصدر الصوت ، قاعدا وواقفا : يا إلهي . كانت دبة تزحف صوبه ، و خلفها قطيع من الدببة .. هاهي تتجه إليه مباشرة ، كأنها حددت هدفها .. تخطو متهللة بصيدها المنتظر . يلف من جديد حول نفسه ، مسددا سهام عينيه إلي الأرض ، و بين الشجر و الأعشاب ، وهو يهمس : أين أنت يا سيفي .. أين أنت ؟
    و لم يبق أمامه سوى الركض ، و الفرار بأقصى ما يستطيع من قوة .
    يركض سندباد ، يجرى باقصى سرعة .. بكل قوته ، بكل ما بقى له بعد صراعه مع الوحش و الدببة تلاحقه . يشعر أنه الموت لا محالة ، يهتف من سويداء قلبه : يا رب .. يا رب .
    كانت الشمس ما تزال تزحف حثيثا نحو المغيب ، برتقالة كبيرة . يخطف نظرة من إشعاع نورها البرتقالي ، برق شيء ، لمع فجأة شعاع ، جذب عينيه و خطواته ، فطارده ، حتى أصبح أمامه : هذا البطاش .. هو البطاش .
    يتمايل ، يلتوي طربا ، و الدببة تندفع في اتجاهه ، و هو يبصر تقدمها و حثيثها .. هاهي مكشرة عن انيابها ، وهاهو يستعد لمعركة لا بد منها .
    تهاجمه . يتراجع قليلا . فجأة كان طائر في السماء ، يحوم بسعادة غامرة ، يتراقص بجناحيه . يتوقف ، ثم يفلت حجرا في لون النحاس .. النحاس الأحمر ، يسقطه على رأس الدبة الكبيرة . تصرخ صرخة مدوية ، تدور كطاحونة ، تدور في جنون . لم تعد ترى شيئا ، يسرع القطيع بالفرار . تبكي الدبة ، تنعي مصيرها العجيب . يزحف سندباد نحوها ، يعاين الحجر الذي أسقطها . الحر قطعة من الجمر الملتهب ، و قد سقط من الطائر غصبا ، لحكمة يعلمها الله وحده .
    يرفع وجهه إلي السماء ، يفتش في رحابتها عن الطائر .. لم ير شيئا .
    يطوح رأسه عجزا ، يخطو متقدما ، يتعثر في ملابس جميلة .. ملابس عسكرية لقائد ، يحط عليها بفرح ، يتأملها ، ثم يرتديها ، يملؤه الرضا و الفرح ، فيتعثر في أشياء أخرى .. أشياء كثيرة .. ذهب ، و أوراق ، و اخيرا يبصر الفرشاة .
    يثب إليها بمجرد أن التقطتها عيناه ، كل ما يحتاجه الخروج من هذه الجزيرة الغامضة . يقفز مرتميا على الفرشاة ، يحق فيها : ليست هي .. ليست هي .
    ثم تصطدم أصابعه بشيء ، وتحين منه التفاتة إلي ما علق بها ؛ فإذا هي قصبة من الغاب ، عليها شريط من الدانتيلا . تصيبه الدهشة ، و يفشل في السيطرة على جأشه ، لكنه حين تنفرط عقد الدهشة يتفحص القصبة بإمعان . يتوقف أمام شريط الدانتيلا .
    متى رأى هذا القماش ؟ متى رأى هذا اللون ؟
    لم يتلق إجابة من داخله . يفك رباط الشريط ، يمد إصبعه داخل تجويف القصبة ، فيلتقط ورقة مطوية عليها خصلة من شعر .
    يتلمس خصلة الشعر ، يدنيها من أنفه .ز رائحة لم تكن جديدة عليه ، يتملكه التردد ، و ترتجف أصابعه . أخيرا يفض الورقة ، فإذا بها رسالة .. نعم رسالة بخط عربي مميز . فجأة كانت مشاهد الرؤية التي رأها على شجرة شعر البنت ، تمر بخاطره و عينيه .. ضحى و شجرة السنديان و القلب المعلق .. و الناى .
    تغيم الدنيا أمام ناظريه وكأن ما بالورقة يعلوه ضباب كثيف .. كثيف .. يتذكر الحلم و الصوت الذي سمعه :" فإذا نفخت في ناي ، و بحت نغماته ؛ فاعرف أن قلبي قد سقط من فوق شجرة السنديان .
    sigpic
  • ريمه الخاني
    مستشار أدبي
    • 16-05-2007
    • 4807

    #2
    مرور وعودة للحلقة الثالثة بعد وقت.
    سلمت يداك أستاذنا العزيز.

    تعليق

    يعمل...
    X