سندباد في جزيرة الشيطان - الحلقة الثالثة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    سندباد في جزيرة الشيطان - الحلقة الثالثة

    سندباد في جزيرة الشيطان - الحلقة الثالثة


    3- ضحى و الجبل
    ثقل رأس سندباد بتلك المفاجآت ، و نال منه الارتباك و الحيرة ، لكنه سرعان ما تمالك جأشه ، ليتأمل الخصلة ىو شريط الدانتيلا ، و بنس الدهشة والحيرة ، ثم يدنيهما من أنفه : إنها هي .. هذه ضحى . الشريط و الجديلة لضحى .. زوجتي .
    يأتي الصوت ، يملأ أذنيه : فإذا نفخت في ناي ، و بحت نغماته ، فاعرف أن قلبي سقط من فوق السنديانة .
    يطوح سندباد رأسه ، كأنما يخلصها من الهواجس ، بقايا الرؤية ، ثم يجذب القصاصة أمامه ، و يقرأ : اغثني يامن تقرا هذه الكلمات .. اغثني ياسندباد ، إني على شفا الهلاك .. اعلم يامن تقرأ ، اننا كنا عائدين إلي الوطن ، نسبح في الهواء ، نساق الطير و النجوم .. أنا وزوجي و ولدي المغرد .. لهفي عليه .. أين هو الآن ؟ على من أبكي .. ابكي الزوج أم الولد ؟ رفع الهواء زوجي ، أبعده عن البساط ، و ضاع كقشة تتهادى خفيفة ، تعلو تهبط بلا مستقر .. و ضاع . لكن قلبي يحدثني بسلامته رغم كيد الشيطان .. ساطت الريح البساط فاندفع كغول ، و في حجري ولدي ، أصرخ و ارتجي العون من رب الريح و المعجزة . فجأة كأن يدا تسعى نحوى ، و تسلبني ولدي .. تقتلعه ، و أنا أقاوم .. لكنني أشفقت على العظم الهشة و اللحم الضعيف أن يتفتت ، فتركته .. ليختفي .. يختفي في الحال . أنا متهالكة ، ضعيفة لا حول لي و لا قوة ، لا أعرف لم ؟ ضاع صوتي بين ركام السحب و امواج الهواء ، و البساط منطلق لا يتوقف ، لا يتألم لوجعي وحزني ، و لا سيطرة لي عليه . أنوح على ولدي وزوجي ، و أنا محاصرة بصرخات الطفل التي لا اعرف من أية جهة تأتي . ثم تختفي ، تضيع كأنها لم تكن ، سرعان ما تخرج من صمتها ، كأنها قررت الفتك بثبات عقلي . أين أنا ؟ أين أبحث عنه ؟ في دهاليز و أروقة الهواء ، و على نواصي السحب أم على أبواب الرياح الأربعة ؟! ليتني كنت على الأرض لقطعتها عرضا و طولا شرقا و غربا ، بحثا عنهما ، لكنني معلقة في الأجواء ، تلسعني الشمس بنارها الحارقة ، تقتلني الفجيعة . فجأة أحسست أني أسبح في الفراغ ، أسبح دون بساط ، و ألف حول نفسي ، من أعلى إلي أسفل .. أسفل في سرعة مذهلة ، كأنني في حلم أو كابوس مزعج .. ليتني لم أغادر سجني هناك في جزيرة الزيتون . كان ولدي بين ذراعي ، على صدري أسمعه إذا بكى أو تألم ، أحسه إذا جاع فأرضعه ، و إذا عطش رويته . أرى وجهه الجميل الصفاء . وبعد وقت عجزت عن تقديره ، فربما غفوت من الخوف و التعب ، أو أصابني انهيار .. ربما .
    كل ما اذكر ، أنني تخلصت من السباحة في الهواء لسباحة من نوع جديد ، هذه المرة على الأرض ، في مجرى ماء يتدفق بقوة .. بقوة كأن جاذبية ما تدفعني إلي حتفي .
    انزلقت مع التيار ، و عبرت مضيقا ، صرت في بحر خال من أي تيار يكاد ماؤه يتوقف ، سبحت و أنا أشعر بتفكك جسدي .
    فجأة كأني سمعت صوتا ..حركة ما تشق الماء ، و إذا بتمساح مهول يجنح نحوي . وقتها عرفت أني اسبح في نهرجار. لوذت بالشاطئ هربا ، أهرول و بقوة لا اعرف من اين جاءتني ، ثم تعلقت بجذع شجرة . و التمساح يفتح خطمه ، يكاد يطبقه على . لا اعرف إلي ألان كيف استطعت الهرب والانفلات من قبضته ، ثم صعدت على الشاطئ ، وهو يزحف في إثري كأن بيننا ثأرا مبيتا .
    ترحل الشمس ، و تغيب أنوار النهار ، تعتم الدنيا .. فأحس بالأرض تنتفض تحت قدمي ، و تهتف : الرحمة .. الرحمة ، ترفرف حتى تكاد تنخلع . قلت لعل الرعب و الذعر نالا مني . لكنني شاهدت جبلا يتحرك ، و بعد قليل ينحني الجبل بذراعين كأنهما ساقا شجرة كافور عملاقة ، و امسكتا بفكي التمساح ، و في لمح البصر فصلت الفكين بكل سهولة و يسر ، ثم ألقيتا بالتمساح على الشاطئ غير مأسوف عليه ، من بعد تستديران نحوي ، و ترفعاني عن الأرض .. كنت أعلو عن ألرض كأنني حبة ذرة أو عقلة إصبع .. لا مفر .. أبحث عن مفر ، و لا أجد غير خمسة أصابع كالمذراة . صرخت في وجه الكائن . كان دميما .. دميما للغاية ، بل مسخا ، و بعين واحدة تتوسط جبهته .. للبشاعة . تذكرت في لمحة ما قيل في حكايات القدماء عن هذه .. و عن العين التي كانت لبني البشر في حجم حبة الصنوبر ، ثم اختفت داخل المخ .. إنها العين الحرارية .
    المهم رفعني الجبل ، تأملني كأنني أغور في عينه النارية ، أغور داخل سردايب وكهوف موغلة . خفت ، تملكني الرعب ، وجف الدم في عروقي .. جفا أو احترق .. نسيت ولدي وزوجي و كل شيء عن عالمي !
    قهقه الجب في وجهي ، وهتف بفرح زلزلني .. زلزلني حتى أني وقعت في كفه غائبة عن وعي :أهلا بك في جزيرة الشيطان .

    تهرأت الكلمات على شفتي ، قلت بتودد و خوف : لا اعرف كيف اشكر ربي الذي استجاب لتضرعاتي و دعائي ؛ لإارسلك لنجدتي ؟!
    تحرك وسط أشجار الدوم و الفاكهة العجيبة الألوان و الأشكال ، و التي كانت تحدثه ، و تلتصق به في فرح .. ياله من جمال ، و يالها من جنة لم تطؤها قدم بشر ، تفح منها رائحة لم أعهدها . وقدما العملاق تدهش و تعصر كأنهما لكتيبة من رجال ، و أخيرا توقف أمام قلعته ، وهو يدمدم : بل أنا الذي لا يعرف كيف يشكر الرب الذي قبل صلاتي و تضرعاتي ، ووهبني الزوجة الجميلة لتؤنس وحدتي !
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 28-06-2013, 10:26.
    sigpic
يعمل...
X