الغمر
حرصك الدائم على هبوط الدرج قفزا على ساق واحدة،لم يعوّض شيئا من طفولة مسها الحلم. بعد القفزة الأخيرة كان دائما يتلقفك ممر معتم ينتهي إلى باب وحيد، كنت بعد فتحه تنتحلين دور الواعظ الذي يكرر ذات الخطاب عن الفارق الهش بين الجنون وبين الثمالة. لعلك في مثل تلك الطقوس كنت تتناسين عامدة، أنه في الحالتين ما من مجيب، وربما كان ذلك آخر ما يبتكر رأسك الجميل من سبل ترثين بها حالي. لكنك مؤكدا ما كنت لتعودي مُذ تفتحين الباب طفلة، ومؤكدا أيضا أنه مُذ يطالعني قدّك المسحور زرافة، ويزهر صوتك النابت فوق الأثاث، تهون عليّ أثقال المبنى الرابض فوق حجرتي الصغيرة، فألقاك بخطابي المعهود، الذي أعددته لك يوما عن الفارق العظيم بين رعابيب الدنيا وبينك، وأتلوه بشعر عن معذبتي التي تجيء في غيهب الغسق.
كعادتك، كنت لا تعيرين هلوستي اهتماما. بعد أن تفضّين ستار النافذة اليتيمة، تشرعين بالتذمر من الفوضى التي خلفتها عربدة السكر وأمارات الجنون. ترتفع نبرة صوتك كلما أمعنت في تقريع مخمور تقهقر من صالات المدينة وشوارعها المبهرجة بالأضواء إلى كهفه الصغير المشبع بدخان السجائر وأبخرة الكحول.
ما كان شيء ليشفع عندك سوى أن أصلب نفسي أمام لوحة تعلو الجدار، أتخشب في مقعدي أمام نافورة ألوان تنبع ما بين الإطار وحواف الصفحة وتسيل متموجة حتى تهدأ عند الاسم الممهور في الأسفل. لحظتئذ، بل في كل اللحظات التي يتجدد فيها الهروب، تسقط دمعة لم أقوَ عليها قط. أجمل مفارقات عمري الذي لم يغدُ طويلا جدا بعد، أنك في كل تلك اللحظات تكونين حاضرة. تزفرين تنهيدة حرّة. تترحمين على صاحب اللوحة. تتلعثمين بكلمات قليلة عن الخيار الواثق للمصير، تبدعين فلسفة عن الرسام الذي يقدم الجسد أضحية إلى النار المقدسة كي تراود ألوانه ذاكرة السنين، وإذ تيأسين مني تصرخين من جديد بأنك سأمتني، وأنك لن تعودي إليّ بعد اليوم، لكنك في اليوم التالي تعاودين هبوط الدرج القصير ذاته، قفزا على ساق واحدة.
أذكر مرة سألتك فيها سؤالا بدا لي في لحظته متزنا ورائقا:
_ ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟
أذكر جوابا لم تمهد له ابتسامة:
_ هل ستموت قريبا؟!
ثم تداركت:
_ العاشق لا تشغل باله الأسباب
هذا أنت.. هذه سجاياك الصريحة، لا يربكك سوى دمعة رجل مهزوم ومنعزل، رجل عافه الشعر واستهلكته الكؤوس حين أترع الصدر حزنا على صديق أورثه ذاكرة نار ضل لهيبها الطريق إلى اللوحة الوحيدة.. رجل تداعت أفكاره فنبهته فجأة أنه لم يناج صديقه بقصيدة واحدة، جل ما فعله أن احتبس داخل قمقمه وأدمن النواح..
في لحظة أخرى قلت بعد أن أسرفت في الشرود،ومسحت وجهي بوقار الحكماء:
_ ما نفع الخطى، ما نفع الساق سوى أن تطوى على الساق، إذا التبست على النفس الدروب
سألتني ووجهك يخلع عنه تلك البسمة المقيمة أبدا في محجريه:
_ أيلتبس عليك الدرب إلي أيضا؟! أم أنك ترى بي عصا العاجز التي لا توصل أبعد من الباب؟!
ثم خرجت المرة من دون وعيد، وصدى العبارة يرن في أذني، والحيرة تناوشني ثم تنهشني. أذكر بعد تلك الساعة كيف كان الوقت يتلهى بتزجية أيامي الطويلة، وغيابك قد طال تلك المرة، انقضى يومان ولم يعزف النعل الرفيع إيقاعه الرتيب فوق الدرج، انقضى الثالث والنظر لا يستقر طويلا على الكأس الفارغة أو على مقبض الباب البليد، دخلت في الرابع متاهة التغرب وصارت اللوحة مستقرا جديدا لزوغان البصر. أعدت سماع أغنية مرات ومرات ولم تمتط سمعي عبارة واحدة. أحسست شراييني تضيق، وأنفاسي تضيق، والجدران تطبق علي.
ولأول مرة منذ أيام شعرت بالشفة الرخية تلطم الأخرى، وسمعتني أقول لي:
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
وتناهى إلى سمعي ضجيج في الخارج يقترب شيئا فشيئا، وميزت هتافات وأهازيج تتغنى بالحرية.
وثنيّت الحكم هسيسا تلك المرة:
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
وقفزت من مقعدي متجها إلى الباب بعد أن اجتاحتني الرغبة أن أصفقه ورائي بكل ما تبقى لي من العزم، وأنطلق بعدها كريح تتهيأ للعصف بالحشد بحثا عنك، لكني ما إن أدرت مقبض الباب وجذبته نحوي حتى تجمدت أوصالي، وبدأ جسدي يرتج على إيقاع النبض واللهاث.
كنت واقفة هناك بجلال الملكات. قال صمتك كل ما انتظرت سماعه. مددت يدك إلي بدعة، والعينان المبتهجتان تدعواني للخروج. في تلك اللحظة الخاطفة أشرق وجهي بابتسامة كدت أنساها، أسلمتك راحة يدي وروحي وناظري، وصعدت برفقتك الدرج.. أتصدقيني الآن لو قلت إني في تلك اللحظة كنت بدأت حقا أستعيد طفولة مسها الحلم؟! كان تصرفي وليد اللحظة، لم أخطط أبدأ لأستوقفك عند مدخل العمارة وأعود إلى الدرج لأهبطه قفزا على ساق واحدة. كانت عيناك الذاهلتان تتبعاني بفضول حتى اختل توازني وسقطت على ظهري وتدحرجت إلى الأسفل، وقد غيبت شدة الألم عن سمعي نبرة صوتك المفجوع.
الآن لا أحسب الزمن الذي مر على ذاك الحادث الذي أقعدني.
مهما يكن، قد مر زمن طويل وأنا أشعر بوطأة العجز والحاجة أن تكوني متكأي. أزجي الوقت بالنظر إليك وأنت تلوبين حولي، وبإلقاء قصائد ممجوجة كنت أكتبها لك وحدك، لكني مؤكدا لم أجرؤ على ذاك السؤال قط:
ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟
حرصك الدائم على هبوط الدرج قفزا على ساق واحدة،لم يعوّض شيئا من طفولة مسها الحلم. بعد القفزة الأخيرة كان دائما يتلقفك ممر معتم ينتهي إلى باب وحيد، كنت بعد فتحه تنتحلين دور الواعظ الذي يكرر ذات الخطاب عن الفارق الهش بين الجنون وبين الثمالة. لعلك في مثل تلك الطقوس كنت تتناسين عامدة، أنه في الحالتين ما من مجيب، وربما كان ذلك آخر ما يبتكر رأسك الجميل من سبل ترثين بها حالي. لكنك مؤكدا ما كنت لتعودي مُذ تفتحين الباب طفلة، ومؤكدا أيضا أنه مُذ يطالعني قدّك المسحور زرافة، ويزهر صوتك النابت فوق الأثاث، تهون عليّ أثقال المبنى الرابض فوق حجرتي الصغيرة، فألقاك بخطابي المعهود، الذي أعددته لك يوما عن الفارق العظيم بين رعابيب الدنيا وبينك، وأتلوه بشعر عن معذبتي التي تجيء في غيهب الغسق.
كعادتك، كنت لا تعيرين هلوستي اهتماما. بعد أن تفضّين ستار النافذة اليتيمة، تشرعين بالتذمر من الفوضى التي خلفتها عربدة السكر وأمارات الجنون. ترتفع نبرة صوتك كلما أمعنت في تقريع مخمور تقهقر من صالات المدينة وشوارعها المبهرجة بالأضواء إلى كهفه الصغير المشبع بدخان السجائر وأبخرة الكحول.
ما كان شيء ليشفع عندك سوى أن أصلب نفسي أمام لوحة تعلو الجدار، أتخشب في مقعدي أمام نافورة ألوان تنبع ما بين الإطار وحواف الصفحة وتسيل متموجة حتى تهدأ عند الاسم الممهور في الأسفل. لحظتئذ، بل في كل اللحظات التي يتجدد فيها الهروب، تسقط دمعة لم أقوَ عليها قط. أجمل مفارقات عمري الذي لم يغدُ طويلا جدا بعد، أنك في كل تلك اللحظات تكونين حاضرة. تزفرين تنهيدة حرّة. تترحمين على صاحب اللوحة. تتلعثمين بكلمات قليلة عن الخيار الواثق للمصير، تبدعين فلسفة عن الرسام الذي يقدم الجسد أضحية إلى النار المقدسة كي تراود ألوانه ذاكرة السنين، وإذ تيأسين مني تصرخين من جديد بأنك سأمتني، وأنك لن تعودي إليّ بعد اليوم، لكنك في اليوم التالي تعاودين هبوط الدرج القصير ذاته، قفزا على ساق واحدة.
أذكر مرة سألتك فيها سؤالا بدا لي في لحظته متزنا ورائقا:
_ ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟
أذكر جوابا لم تمهد له ابتسامة:
_ هل ستموت قريبا؟!
ثم تداركت:
_ العاشق لا تشغل باله الأسباب
هذا أنت.. هذه سجاياك الصريحة، لا يربكك سوى دمعة رجل مهزوم ومنعزل، رجل عافه الشعر واستهلكته الكؤوس حين أترع الصدر حزنا على صديق أورثه ذاكرة نار ضل لهيبها الطريق إلى اللوحة الوحيدة.. رجل تداعت أفكاره فنبهته فجأة أنه لم يناج صديقه بقصيدة واحدة، جل ما فعله أن احتبس داخل قمقمه وأدمن النواح..
في لحظة أخرى قلت بعد أن أسرفت في الشرود،ومسحت وجهي بوقار الحكماء:
_ ما نفع الخطى، ما نفع الساق سوى أن تطوى على الساق، إذا التبست على النفس الدروب
سألتني ووجهك يخلع عنه تلك البسمة المقيمة أبدا في محجريه:
_ أيلتبس عليك الدرب إلي أيضا؟! أم أنك ترى بي عصا العاجز التي لا توصل أبعد من الباب؟!
ثم خرجت المرة من دون وعيد، وصدى العبارة يرن في أذني، والحيرة تناوشني ثم تنهشني. أذكر بعد تلك الساعة كيف كان الوقت يتلهى بتزجية أيامي الطويلة، وغيابك قد طال تلك المرة، انقضى يومان ولم يعزف النعل الرفيع إيقاعه الرتيب فوق الدرج، انقضى الثالث والنظر لا يستقر طويلا على الكأس الفارغة أو على مقبض الباب البليد، دخلت في الرابع متاهة التغرب وصارت اللوحة مستقرا جديدا لزوغان البصر. أعدت سماع أغنية مرات ومرات ولم تمتط سمعي عبارة واحدة. أحسست شراييني تضيق، وأنفاسي تضيق، والجدران تطبق علي.
ولأول مرة منذ أيام شعرت بالشفة الرخية تلطم الأخرى، وسمعتني أقول لي:
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
وتناهى إلى سمعي ضجيج في الخارج يقترب شيئا فشيئا، وميزت هتافات وأهازيج تتغنى بالحرية.
وثنيّت الحكم هسيسا تلك المرة:
_ لن أمشي بعد اليوم دربا إلا إليك، لن أمشي بعد اليوم دربا إلا معك.
وقفزت من مقعدي متجها إلى الباب بعد أن اجتاحتني الرغبة أن أصفقه ورائي بكل ما تبقى لي من العزم، وأنطلق بعدها كريح تتهيأ للعصف بالحشد بحثا عنك، لكني ما إن أدرت مقبض الباب وجذبته نحوي حتى تجمدت أوصالي، وبدأ جسدي يرتج على إيقاع النبض واللهاث.
كنت واقفة هناك بجلال الملكات. قال صمتك كل ما انتظرت سماعه. مددت يدك إلي بدعة، والعينان المبتهجتان تدعواني للخروج. في تلك اللحظة الخاطفة أشرق وجهي بابتسامة كدت أنساها، أسلمتك راحة يدي وروحي وناظري، وصعدت برفقتك الدرج.. أتصدقيني الآن لو قلت إني في تلك اللحظة كنت بدأت حقا أستعيد طفولة مسها الحلم؟! كان تصرفي وليد اللحظة، لم أخطط أبدأ لأستوقفك عند مدخل العمارة وأعود إلى الدرج لأهبطه قفزا على ساق واحدة. كانت عيناك الذاهلتان تتبعاني بفضول حتى اختل توازني وسقطت على ظهري وتدحرجت إلى الأسفل، وقد غيبت شدة الألم عن سمعي نبرة صوتك المفجوع.
الآن لا أحسب الزمن الذي مر على ذاك الحادث الذي أقعدني.
مهما يكن، قد مر زمن طويل وأنا أشعر بوطأة العجز والحاجة أن تكوني متكأي. أزجي الوقت بالنظر إليك وأنت تلوبين حولي، وبإلقاء قصائد ممجوجة كنت أكتبها لك وحدك، لكني مؤكدا لم أجرؤ على ذاك السؤال قط:
ما الذي يدفعك إلى عشق رجل يكبرك عشرين عاما؟
تعليق