خارجا عن الشِعر ..إلى صديقٍ يهوى الشِعر
لمْ يكنْ لكَ على الريحِ سلطةُ سليمان ، ولمْ يكنْ لها عليكَ فوضوية ريشةٍ حملتها إلى اللامكان ، ولكنكَ كنتَ تتقنُ المقامرةَ ؛ نظرةٌ منَ الأعلى تغري بالسقوطِ ونظرةٌ إلى الأعلى تغري بالطيران .
لمْ تكنْ وحدكَ كلما كتبتَ ، بل كنتّ مكتظّا - دائما- بأطيافٍ رماديّةٍ وأخرى ملوّنةٍ ؛ الرماديُّ مأساةٌ والألوانُ ملهاةٌ ، وعندَ أطرافِ البياضِ بينَ الأطيافِ كنتَ تنفي تهمةَ الشعرِ عنكَ : (ما كنتُ شاعرا ولا ينبغي لي ) ، ولكنّكَ استعذبتَ أيضا أنَّ الأطيافَ ( تسرُّ الناظرين ) .
لمْ تكنْ تبحثُ في لوحةِ الطبيعةِ عن النتوءاتِ وأحوالَها لترسمَ الظلال كما هي وكما يفعلُ الآخرون ، وإنما كنتَ تبحثُ في الظلالِ عن نتوءاتِ الظلالِ ، تصطادها واحدا بعد واحدٍ لترسمكَ الظلالُ كما تريدُ أن يراكَ الآخرون .
لمْ تباركْ اللحنَ يوما ، وإنما كنتَ ( تنصتُ خاشعا ) ، لأصواتِ العصافيرِ والماءِ والغيمِ والأشياءِ والصمتِ الصاخبِ بين الأصواتِ ، فقلتَ لذاتكَ : يفهمنا الصمت أكثرَ ، لنكنْ أنا وأنتِ هادئين ، تماما كالشِعرِ ؛ يكسرُ ضجّةَ الهدوءِ بالهدوء .
لمْ يكنْ شيءٌ يستدرجكَ كفضولِ استكشافِ ما تحتَ الصخورِ ، كنتَ تقولُ : الصخورُ شواهدُ قبورِ الكنوزِ والمراثي وسجلِّ العارفينَ والجاهلين ، مغامرةٌ لذيذةٌ وتجربةٌ قاسيةٌ أن ترفعَ حجرا لنتظرَ ماذا يخبّئُ تحتَه !
لمْ تكنْ أصباحُكَ أكثرَ من ضجّةِ هدوءٍ تكسّرُ الضجيج ، كنتّ مرتابا ؛ كيف لخطيئةِ الشعرِ أن تقولَ الحكايا ! وكنت مرتابا ؛ كيف لخطئية الحكاية أن تؤلّبَ الغواية .
فأقولُ : الشعرُ – ياصديقي - مطالعُ الغواية ، ولو من منابتِ حكاية .
هيثم
تعليق