الأدب ماهو إلا صرخةُ بائسٍ يتردد صداها في أحرف الشعراء!
ذكريات سجين (بدون)
مشاركة إنسانية متواضعة
ذكريات سجين (بدون)
مشاركة إنسانية متواضعة

جلس كشيخ ٍ يبلغ من الكبر عتياً ...
ترى في وجهة ندوباً أحدثها الزمان بجبروته الذي لا يخيره في أمره شيئاً ثم أطرق بنظره بعيداً
إلى تلك الذكرى التي أربكت الحروف بداخله لتحاول الفرار و تخرج عله من اضطرابها يستريح
...
لا أستطيع أن أتكلم يا رفاق .. فالذكرى مؤلمــة كغرغرة منازعٍ يقترب من الموت متحشرجة لا تكاد أن تخرج من فمي كانت الأفكآر في الرأس مزدحمة
و المشاعر في الصدرِ مكتظة لا أدري
***
هل أنا مخطئ !!
أم أنا مجرم
أأسآق إلى السجون حقاً .. و أكبل بالحديد .. و أقبع خلف أسوآرٍ لا سوداءٌ و لا رمآدية .. أسوآر تشبه لون حيآتي الكئيبة ... في هذه الزنزانة الموحشة
و بين هذه الحوائط التي وشمت بحروفٍ مضطربة كحالـ من يخطهآ من المسآجين أركن هنآ أندب الحرية ...
و أي حريةٍ أريد ؟!
و أنا متكومٌ كأسيرٍ ذليلـ في قبضةِ من لا يرحم الإنسانية جريحٌ أنزف كرامةً هدرهآ الأقربون .. و أي جرحٍ أشد إيلاماً من ظلم الأقربين
أي جرمٍ ارتكبت ..!
و بأي حقٍ سوئلت ...
أو لست منهم ؟
أولا أعتبر من أبنآء هذه الأرضـ الطيبة .. التي لوثهآ البعضُ بجشعهم فحسبوا أنهآ ملكٌ لهم ينصبون حولهآ الأسيآج ليحضون بخيرها الوفير
و يحرموننا نحن أمثآلهم من البشر
و لكننا في أعينهم أشباه بشر لا نفع بنا جرفنا السيل عليهم فأخذوا يذبوننا بكل ما أوتوآ من عزمٍ و قوة و ما زالوا و ما زلنا نقاوم
آهــــٍ آآهـ لآ أدري .. فالحقآئق باتت كالظلال لا ملآمح لهآ
من أنا ؟
و لماذا هنا ؟
تلفني الحيرة و يطوقني الجنون
****
كل ما أتذكرهـ ذلك الجمع الغفير الذي هتف بصوتٍ متماسك وحدته المطالب .. حريةٌ .. حريةٌ ..
كنت من بينهم صادحٌ أهتف من الأعمآق منتشياً المجد الذي ظننا بأننا دنونا منه و لم نعلم أن هناك زوبعةً مفاجئة اقتلعتنا جميعاً
فمنّا من نجآ بنفسه و هرب و منّآ من أعتقل و ضرب و عذب و كنت أنا من الصنف الأخير سحبتني أيدِ الظلم
و أردت بي ذليلاً ها هنا
أهذآ مصيرُ من يبتغي العزة ؟
أهكذآ أجازى ؟
سقينا من الذل حتى فاضت أروآحنا و عندما انتفضنا كانت انتفاضةً مغمورة طمسهآ الجنود بحجةٍ أمنٍ زعزعناه و شرٍ أضمرناه .. و كان كل ما نريده العيش الكريــم .
****
و بين ذكرياتٍ بائسةٍ .. تجالسني تقلب الأوجاع لتسطلي الالآم بداخلي فلا استطيع الفرار و فئرانٌ تقضم بشراهةٍ ما تبقى من فتات الخبز كأنها السنون التي قضمت أحلآمي
و أحلآم كل شابٍّ طمع بالعيش الرغيد و طفل رسم على خد الزمان أملٌ بعيد ، و كهل أضناه شق دربٍ من العناء مديد ممن هم أمثآلي من (البدون) .
يقترب مني ذلك الشرطي الذي وُكِّل بالمساجين ليفتح الزنزانة و يصرخ بي ثائراً ناقماً متهكماً بأقبح الألفاظ التي لا يتورع عنها أبداً و لا تضيق بفمه
المتسع المملوء بذاءةً .. يجرني كبشاً مهاناً افتدي بكرامتي كل مظلومٍ كسير عجز عن التعبير .. ليأخذني إلى هناك .. لا أعلم إلى أين فقد كنت مطئطئاً
رأسي مجبوراً على ذلك، ثم أدخلني غرفةً استقبلني بها رجال غلاظ ممن عينوا لإعانة الناس لا إهانتهم فبدأوا بجسدي يضربون و بآهاتي المكلومةٍ يستلذون
وددت لو أن أحداً ممن يسمعها يستشعر ما بداخلي من آلام و لكنني أمام جلاميدٍ قساةفكلما ازددت في الصراخ ازداد غضبهم و أنزلوا بي وابلاً من العذاب .
ضربت.. رُكلت و شتمت ... طوال تلك الأشهر التي اعتقلت بها في هذه الزنزانة السوداء دون جرمٍ و إن كان يسير
لعلِّي أبلغ أسباب الوحشية التي بها عوملت أو أجدَ لهم عذراً ..و لكن لا أمل لي في ذلك .. فلا شيء يبرر لهم سوء صنيعهم إلى أن فرّج الله كرباً كان مشتداً .
****
أذكر أنني أضربتُ عن الطعام .. حتى خَمص بطني و هزل جسدي استنكاراً لما لاقيته من سوء معاملة ..
و لا عجب فمؤسساتنا تعج بالمنسلخين أخلاقياً الذين آتآهم الله بسطةً في السلطة فيتمادون بها علي الضعيف !!
و لكن الله مهلكهم لا محالةَ و إن أمهلهم..
أو لم يعلموا بأنه عزيزٌ ذو انتقام ؟.
و بعد شهورٍ من القهر مضت دون أن أفقد عقلي هولاً مما رأيت فما جربته كان مريرٌ جدا لا يستطيع على مذاقهِ مظلومٌ بريء
عرضتُ على المحكمة فوكل الله لي رجالاً شيمتهم المروءة يذبون عني تهماً لم اقترفها قط .. يدافعون و يبطلون حججاً واهية و تهماً
ساذجة .. دون مقابلٍ و إن كان زهيد نصروني حقاً عسى أن ينصرهم الله حتى خرجت من السجن مرفوعاً الهامة معتزاً بهذه التجربة
التي صقلت همتي و استثارت عزيمتي لأعود من جديد أطالب بما أريد ..
نعم لم ارتدع .. فلا توبةَ لمن لا ذنب له .. و لا حقاً لمن لا يطالب به .. و لن أكون رجلاً إن لم أدفع البغي عني
فها أنا هنا فداءاً للبدون ..
تمــــــــــــــت
ذكريآت سجيــــن ( بدون ) ـ
تعليق