تحت شجرة الموز .. جلس يفكر بعمق و هو يسترجع هذا المشهد المهيب للأستاذ ابن العمدة و هو يترجل من سيارته الفخمة يحيطه عدد من الرجال مفتولي العضلات يقال لهم ( بودي جارد )
لم يكن الأستاذ يوما ذكيا أو صاحب موهبة .. لكنه الحظ طرق بابه عندما عرف السياسة و دخل دهاليزها حتى أصبح وجها مألوفا في كل شاشة تقع أمام عينه .
" يا حظك يا أستاذ " نطقها عبد الحميد و هو يتنهد في حسرة و يتذكر سنوات عمره التي قضاها بين المعهد و الكتب و كانت كل حصيلته من سنوات العلم الطويلة بضع جنيهات يتلقفها في سعادة من صرّاف المدرسة التي يعمل بها بعد أن توسط له عمه الحاج ليخرج من صفوف العاطلين لدائرة محدودي الدخل من موظفي الحكومة .
كان مثل بندول الساعة لا يقدم و لا يؤخر و يسير بانتظام في حياة رتيبة مملة لم يكن يخرج منها إلا عند شجرة الموز يصاحبه مذياعه الصغيرو أفكاره الحزينة التي تنهش فيه كدودة تلتهم كل ما يقابلها بلا رحمة
كان يترجل ببطء من الباص حين شعر باهتزاز مفاجىء و حركة غير عادية و أعدادا هائلة من البشر تأتي من الطريق العام ملتفة حول الميدان الملاصق للقرية تهتف للحرية و الكرامة و الإنسانية حاملة لافتات ضد النظام و الحكومة
ارتجف قلبه من المشهد المفاجىء و أراد أن يهتف مثلهم لكن الخوف كان يشله من أن تدفعه إحدى الأيادي الباطشة إلى غياهب السجون أو أن يصبح جثة في مستنقع مجهول
حاول الابتعاد مخافة أن تلتقطه عيون الشرطة لكن بلا فائدة
كان الطوفان أقوى من مقاومته الضعيفة .. فاستسلم له كورقة سحبها الخريف إلى أقصى بقاع الأرض
تشجع رويدا رويدا عندما انحسرت موجة الصد و العنف و انكمشت في قلبه جزائر الخوف
و راح يفرغ ما في قلبه من حنق و غضب من واقعه التعس و ظل يخطب في الجماهير المحتشدة بصوت جهوري و بلاغة ساحرة سرقت لب من يستمعون إليه حتى أصبح الأب الروحي لآلاف ممن أعجبوا بفصاحته التي عبرت عن معاناتهم و آلامهم في ظل واقع لا يرحم
انتصرت الثورة و انقضت الأضواء مرة واحدة على وجه الرجل الذي سحر الجماهير بجميل حديثه و روحه المتوهجة
و تسابقت القنوات من كل حدب و صوب لاستضافة البطل الثوري و كانوا يدفعون له بسخاء شديد و لم لا و هو رجل الثورة الفصيح
كان يعيش حلما لذيذا لا يريد أن يستيقظ منه .. إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي سفنه الطموحة
انقلبت الثورة في اتجاه معاكس لم يتوقعه و لم يتخيله يوما بعد أن رتّب حياته على نسق مغاير و ارتاحت نفسه للشهرة و المال والنجومية التي هبطت عليه دون سابق إنذار .. انفض الجمع حوله إلى هذا الاتجاه الآخر
بينما سار هو بنفس الطريق مؤمنا بقضية لم تطرق عقله يوما
كان الطريق يضيق أمامه و الوحدة ترفرف بأجنحتها السوداء فوق سمائه الملبدة بهزائم لم يعمل لها حسابا و صور أشباح لقضبان حديديه تلوح أمامه من بعيد تنذره بالمصير المحتوم
و تحت شجرة الموز جلس يفكر بعمق و ذاكرته تسترجع المشهد المهيب لعبد الحميد المدرس البسيط و هو يترجل من سيارة فخمة يحيطه مجموعة من الرجال مفتولي العضلات يقال لهم ( بودي جارد )
دفن وجهه في كفيه و هو يسند ظهره على جذع الشجرة بينما كان القمر يكشف بوضوح عن دماء تلطخ أوراقا لم يمسها الربيع يوما .
لم يكن الأستاذ يوما ذكيا أو صاحب موهبة .. لكنه الحظ طرق بابه عندما عرف السياسة و دخل دهاليزها حتى أصبح وجها مألوفا في كل شاشة تقع أمام عينه .
" يا حظك يا أستاذ " نطقها عبد الحميد و هو يتنهد في حسرة و يتذكر سنوات عمره التي قضاها بين المعهد و الكتب و كانت كل حصيلته من سنوات العلم الطويلة بضع جنيهات يتلقفها في سعادة من صرّاف المدرسة التي يعمل بها بعد أن توسط له عمه الحاج ليخرج من صفوف العاطلين لدائرة محدودي الدخل من موظفي الحكومة .
كان مثل بندول الساعة لا يقدم و لا يؤخر و يسير بانتظام في حياة رتيبة مملة لم يكن يخرج منها إلا عند شجرة الموز يصاحبه مذياعه الصغيرو أفكاره الحزينة التي تنهش فيه كدودة تلتهم كل ما يقابلها بلا رحمة
كان يترجل ببطء من الباص حين شعر باهتزاز مفاجىء و حركة غير عادية و أعدادا هائلة من البشر تأتي من الطريق العام ملتفة حول الميدان الملاصق للقرية تهتف للحرية و الكرامة و الإنسانية حاملة لافتات ضد النظام و الحكومة
ارتجف قلبه من المشهد المفاجىء و أراد أن يهتف مثلهم لكن الخوف كان يشله من أن تدفعه إحدى الأيادي الباطشة إلى غياهب السجون أو أن يصبح جثة في مستنقع مجهول
حاول الابتعاد مخافة أن تلتقطه عيون الشرطة لكن بلا فائدة
كان الطوفان أقوى من مقاومته الضعيفة .. فاستسلم له كورقة سحبها الخريف إلى أقصى بقاع الأرض
تشجع رويدا رويدا عندما انحسرت موجة الصد و العنف و انكمشت في قلبه جزائر الخوف
و راح يفرغ ما في قلبه من حنق و غضب من واقعه التعس و ظل يخطب في الجماهير المحتشدة بصوت جهوري و بلاغة ساحرة سرقت لب من يستمعون إليه حتى أصبح الأب الروحي لآلاف ممن أعجبوا بفصاحته التي عبرت عن معاناتهم و آلامهم في ظل واقع لا يرحم
انتصرت الثورة و انقضت الأضواء مرة واحدة على وجه الرجل الذي سحر الجماهير بجميل حديثه و روحه المتوهجة
و تسابقت القنوات من كل حدب و صوب لاستضافة البطل الثوري و كانوا يدفعون له بسخاء شديد و لم لا و هو رجل الثورة الفصيح
كان يعيش حلما لذيذا لا يريد أن يستيقظ منه .. إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي سفنه الطموحة
انقلبت الثورة في اتجاه معاكس لم يتوقعه و لم يتخيله يوما بعد أن رتّب حياته على نسق مغاير و ارتاحت نفسه للشهرة و المال والنجومية التي هبطت عليه دون سابق إنذار .. انفض الجمع حوله إلى هذا الاتجاه الآخر
بينما سار هو بنفس الطريق مؤمنا بقضية لم تطرق عقله يوما
كان الطريق يضيق أمامه و الوحدة ترفرف بأجنحتها السوداء فوق سمائه الملبدة بهزائم لم يعمل لها حسابا و صور أشباح لقضبان حديديه تلوح أمامه من بعيد تنذره بالمصير المحتوم
و تحت شجرة الموز جلس يفكر بعمق و ذاكرته تسترجع المشهد المهيب لعبد الحميد المدرس البسيط و هو يترجل من سيارة فخمة يحيطه مجموعة من الرجال مفتولي العضلات يقال لهم ( بودي جارد )
دفن وجهه في كفيه و هو يسند ظهره على جذع الشجرة بينما كان القمر يكشف بوضوح عن دماء تلطخ أوراقا لم يمسها الربيع يوما .
تعليق