دراسة نقدية لمجموعة ق.ق.ج. (الرسم بالرصاص) لـ: أحمد عكاش.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عكاش
    أديب وكاتب
    • 29-04-2013
    • 671

    دراسة نقدية لمجموعة ق.ق.ج. (الرسم بالرصاص) لـ: أحمد عكاش.






    “الرسم بالرصاص" لوحات إبداعية مكثفة , ونهايات مدهشة



    6/2/2011
    أسئلة كثيرة تطرح حول مصير "القصة القصيرة جدا"
    والتي مازالت تتعثر في اتخاذ جنسيتها في عالم الأدب رغم أن جواز سفرها قد أخذ
    تأشيرة الدخول لكن باستحياء

    لا ندري لماذا
    لم يتقبلها أكثر القراء ربما لأنهم اعتادوا نمط القصة القصيرة التي تطرح موضوعا
    معينا اجتماعيا أو إنسانيا أو سياسيا وتدور في فلكه لتنتهي إلى خاتمة ترضي القارئ
    أو تخيب أمله ..... تدخل إلى قلبه الفرح الجميل أو الحزن والأسى . هل سيبقى مصير
    القصة القصيرة جدا كمصير قصيدة النثر التي رغم مرور سنوات كثيرة على ولادتها مازالت
    تشكو من عدم القبول رغم امتلاكها لفضاءات وأمداء أوسع تتيح للشاعر أن يتحرك عبر
    دفقات شعرية تصل حد الإشراق أكثر مما لو ظل مقيدا ضمن إطار النمط الخليلي , أو حتى
    قصيدة التفعيلة . من يرفض نمط القصة القصيرة جدا له رأيه , ومن يرحب بها أيضا له
    رأيه , ومن يقف على الحياد مختارا الصمت بانتظار عاقبة الأمور فلينتظر .... من رحب
    بها وجد أنها تتماشى ولغة العصر ... عصر السرعة .... فالقراء ملوا المطولات ، وذاك
    الحشو الذي لا طائل منه ، وانحازوا لتلك اللوحات المشرقة التي تضيء حدثاً ما ، أو
    صورة ما وصولا إلى الدهشة .... وهي عبارة عن فلاشات إن صح التعبير وهذه الفلاشات
    تحاول أن تنير في عالم بات مزدحما ، وملوثا سمعيا وبصريا وبيئيا وكل شيء فيه يسير
    على عجل . أما الذين لم يتقبلوها فقد حكموا عليها بالإعدام والزوال لا محالة سواء
    أكان الأمر عاجلا أم آجلا . وهؤلاء اعتبروها دخيلة إلى عالم القصة دخولا غير شرعي ،
    أو حمل سفاح . ومهما يكن من أمر فلا بد أن نحتفي بهذا الوليد القادم إلينا من غابات
    البكر الأولى للقصة ، والذي مازال يحبو محاولا الوقوف على قدميه ليرسم معالم طريقه
    إلى المستقبل الذي نأمل أن يكون مضاء بهذا الإبداع . ومهما تعددت الآراء واختلفت
    تبقى القصة القصيرة جدا فنا نثريا أدبيا بامتياز له سماته والتي من أهمها : القصر
    بحيث لا تتعدى القصة القصيرة جدا بضعة أسطر تطرح موضوعا ما عبر تكثيف رائع نتلمس
    جماليته عند القاص المتمكن من أدواته الفنية ، وهذا التكثيف بعيد عن الإسهاب واللغو
    وحشو الكلام ... وغالبا ما تستند القصة القصيرة جدا إلى الرمز بعيدا عن الوضوح
    والمباشرة الساذجة....كما تعتمد على التضاد والمفارقة لكشف التناقضات الموجودة على
    ساحة الحياة مغلفة بسخرية مرة حزينة ، وإذا أثارت الضحك فهو الضحك المبكي في آن
    واحد . أما خواتيمها فلا بد أن تكون مدهشة ولا تتوافق مع توقعات القارئ الذي يرسم
    نهاية لا وشائج قربى بينها وبين ما ينهي به القاص أقصوصته أو بالأحرى لوحته ....
    وأسميها لوحة لأنها تمتلك فنية اللوحة بتجسيماتها المتخيلة عبر خلطة من الألوان
    المبهرة والمدهشة . بين يدي مجموعة قصصية قصيرة جدا بعنوان "الرسم بالرصاص" للقاص
    والأديب أحمد عكاش تضم بين دفتيها 89 لوحة أو أقصوصة لموضوعات اجتماعية وسياسية
    وإنسانية..الخ استقى موضوعاتها من واقع الحياة اليومية ، ومن خلال معايشاته
    ومتابعته لما يجري على ساحة الوطن وعلى كوكب الكرة الأرضية حيث استخدم منظار القاص
    المبدع وأزاح الستارة عن أمور كثيرة مازالت تحتاج إلى من يخرجها من دهاليز عتمتها
    إلى النور عبر مفارقات تكشف المتناقضات المرة والحزينة والتي تجرح القلوب والأفئدة
    . في اللوحة الأولى والتي منها أخذ عنوان المجموعة "الرسم بالرصاص" يلقي القاص
    الضوء على ما أوحاه قلم الرصاص للتلميذ الذي هو أداة في يده لرسم الدبابات والأمتعة
    المحطمة والنساء الباكيات ، والطيور الجريحة ، والدماء التي تقطر على مساحة البياض
    ، وبين لغة الرصاص التي لا تجلب إلا الموت والدمار لذلك رماه ، لأنه يكره لغة
    الرصاص ، واستعاض عنه بألوان مائية جعلت مساحة الورق حافلة بالخضرة والأشجار
    والغيوم الحبلى بالمطر . وهنا استطاع القاص أن يحرض المتلقي من خلال المفارقة على
    استنفار الذهن لمعرفة الخاتمة المفاجئة التي ترتبط بحبل سري رفيع مع المقدمة والحدث
    . وفي "خلف القضبان" مثلا يسلط أضواءه على الفساد المتمثل بالرشوة والسرقة
    والانتهازية والجريمة والنفاق والغرور لينهي اللوحة بخاتمة تتزيّا بالسخرية السوداء
    .... فكل المرتشين أصبحوا خلف القضبان كما ورد في الخبر الصحفي إلا مدير الشركة
    الذي يضحك هازئا لأنه ما زال حرا طليقا .... وهذا يعني ومن خلال مكاشفة الواقع أن
    السجن لا يطال إلا قلة قليلة من هؤلاء المرتشين أما الباقي فما زال يعيث فسادا .
    وفي لوحة "الإخلاص" يسلط كاميرته أيضا على ممارسات المدراء الخاطئة واستخدامهم
    سيارات العمل لمصالحهم الشخصية ولخدمة أقاربهم بالمقابل يتبجحون في الاجتماعات بطرح
    شعارات المواطن الصالح ، والتفاني في حفظ الأموال العامة عبر مفارقة مكثفة تجعل
    القارئ يضحك باستهزاءً من تلك الشعارات الهزيلة المزيفة الجوفاء . وفي لوحة "الشمس"
    عقد القاص مقارنة ارتكزت على المفارقة الدالة لتبيان غرور الملك وبطانته وتسليط
    مدافعهم نحو الشمس التي أحرقت رأس الملك ... بينما تعاملت معهم الشمس وهي "رمز"
    بتسامح يشبه تسامح الأم الحنون ، وعطاءها الذي لا يعرف الحقد ولا الضغينة أبدا :

    "ابتسمت الشمس بتسامح وأرسلت أشعتها بسخاء" . وفي لوحة "وحوش الغابة" أشار إلى
    الحروب التي خربت كوكب الأرض ، وهدمت الأبنية وسرقت البسمة من عيون الأطفال لذلك
    أسمت الشمس من يشعلون الحرائق بوحوش الغابة الذين هاجموا القرى والمدن. وفي لوحة
    "لماذا" يعقد مقارنة تعتمد أيضا على المفارقة ما بين منع الضرب في المدارس وإباحته
    من قبل إسرائيل لضرب الفلسطينيين ، ومن قبل أمريكا لضرب أفغانستان والعراق دون أي
    احتجاج يقول لهما : لماذا تضربان ؟الضرب ممنوع . وفي لوحة "يبكيان" يحاول القاص
    تسليط الضوء على بكاء وحزن كل من الأمريكي والعربي في العراق .... والعراق أخذت
    مساحة لا بأس بها من مساحة مجموعته القصصية القصيرة جدا لأنها قضية شعب دمرت بلاده
    وسرقت آثاره , ونهبت خيراته ... الأمريكي يبكي حلمه الضائع .... يبكي الفتاة
    والصديقة التي كان يأمل العودة إليها .... أما العربي فيبكي أمته ذات الحضارة
    العريقة والماضي الناصع كنور الشمس .... بل يبكي أمته القتيلة على يد المتآمرين
    أذناب الامبريالية والاستعمار . لا مجال هنا لقراءة أو تسليط الضوء على جميع
    اللوحات في هذه المجموعة القصصية القصيرة جدا ولكن يمكن القول من خلال الرؤية
    الجمالية والإبداعية إن القاص التزم بمعايير القصة القصيرة جدا من حيث القصر
    والتكثيف وإظهار المفارقة ، والإيجاز وصولا إلى الخاتمة المدهشة المبهرة والتي قد
    يستشرفها القارئ من خلال لغة القص , وقد لا يستشرفها لتكون خاصية من خصوصيات
    الإبداع لدى القاص .... طبعا هناك بعض اللوحات اضطر فيها القاص إلى الإطالة عبر
    الحوار ولكن كما يبدو أن الموضوع الذي طرحه فيها يحتاج إلى ذلك رغم أن لغة التكثيف
    والقصير هي الأقوى في ميدان القصة القصيرة جدا مثل لوحة "ثبتوها في المحضر" ولوحة
    "سياحة" . أخيرا لا بد أن نقول في هذه العجالة أن القاص أحمد عكاش استطاع في
    مجموعته "الرسم بالرصاص" أن يضيء بفلاشاته أمورا كثيرة نعيشها يوميا ، وهي عالقة
    بجزئياتها في عقولنا وأذهاننا وحاضرة في تحركاتنا لكنها لم تأخذ شكلها الإبداعي إلا
    على يدي كاتب يمكن القول إنه استطاع أن يدخل مملكة القصة القصيرة جدا من أوسع
    أبوابها ، وأن يكون له حضوره المميز من خلال هذه المجموعة التي اتسمت بلغة إبداعية
    مشرقة اختزلت مواقف كثيرة عبر تكثيف جميل . ما أتمناه أن يثابر القاص إبداعه في
    ميدان القصة القصيرة جدا وأن يتحف المكتبة العربية بإصدارات جديدة أكثر ألقا
    وإشراقا .‏

    نجاح حلاس‏
    يَا حُزْنُ لا بِنْتَ عَنْ قَلْبِي فَمَا سَكَنَتْ
    عَرَائِسُ الشِّعْرِ فِي قَلْبٍ بِلا حَزَنِ
    الشاعر القروي
يعمل...
X