الممسوس!
أي ريح صرصر عصفت اليوم
الشمس مبتورة الخيوط, وشبح القادم ينسل خفية, يغطي وجهه غروب أصهب.
لم أكد أعرفه, لولا وشم أنزله على كفه في ليلة دهماء غاب عنها القمر, أريق فيها الكثير من دمه, وحبرا صبه فوق الجرح, يدمغ يده فيه ويئن مبتلعا وجعه.
لم تك ملامحه تشبه ذاك الشاب الجسور الذي ملأ حيطان الشارع برسومه, وأنا صبي ألاحقه مثل ظله مفتونا بما تخط أنامله العجائبية على الجدران, لتلك الصبية التي عشقها, فصارت داءه الذي ضرب أوتار فؤاده, فأعطبها ليوصم بالممسوس, ويهجر البلدة بعد أن عصفت بجسمه ركلات الرجال وهراواتهم, وهرس أحدهم بحنق يده اليمنى بقدمه.
شقوق باب حجرته, تتيح لي فسحة ضيقة كي أرقبه وهو يناجيها دامعا, تنفلت منه الآهة حرى, وهو يبثها لوعته وحرقة قلبه على غيابها! وفرشاته, كفراشة تنتقل بين الألوان ودمعه بسرعة عجيبة, ترسم عينين كحيلتين, وفما مكتنزا يكاد ينطق, لتصيبني لوثته بفضول غريب لم أفهمه حد اللحظة.!
وتطاردني تينك العينان كأني أعرفهما.!
رنا إلي كأنه مغيب حين اقتربت منه أحييه, وعيناه المحمرتان كالجمر أرعدتني وأنا أستشعر خيفة منهما, ثم أشاح وجهه عني متمتما, بلهجة معاتبة:
- أهذا أنت!؟ أ بعد كل تلك.!
لم تٌعنّي بسمتي البلهاء الحذرة, وخانني صوتي يتعثر بحنجرتي, فأطرقت رأسي خجلا.
دس يده الموشومة بين كومة أوراقه ورمى بإحداها أمامي, لأجدني أمام صورة الفتاة ذي العينين الكحيلتين, والفم المكتنز!
زاحمتني الملامح, تصارعت أمامي, وتكومت كل الصور في لحظة بهذا الوجه, والريح تتلاعب بالورقة وأنا أركض خلفها لاهثا, يدفعني شغفي القديم, أن أعرف صاحبة الصورة.!
ذات صباح شقشقي العصافير, كان يقف قرب شجرة التفاح المزهرة يحادثها, يبثها عشقه الموسوم بالمس, يغرف من جمرات الشوق, ويعاتبها أنها تتأخر كل مرة عليه, فيغلي دمه ليتفجر ينابيع من أوردته, ويكشف لها عن رسغه الذي ينزف بدفق وشدة, لتمتد يدها البيضاء الناصعة نحوه, تجمع الدماء المنتفضة في كفها, تذروها إلى السماء, وتمسح كفه بكمها وتقبل الجرح, فهربت مذعورا أصرخ:
- الممسوس قطع رسغه, الممسوس شربها من دمه.
تلقفتني أمي من أول الشارع, وأقسمت أغلظ الإيمان أن الممسوس لن يبقى بيننا بعد اليوم, فقد بات خطرا على الأبناء.
توسلتها أن لا تفعل لأنه مسكين, لم يؤذ أحدا غير رسغه, لكن إصرار أمي كان أقوى, وحيرة عينيها وهي تبحث في أرجاء المنزل تفتح بابا, وتغلق آخر, لتعود وتلطمني صفعة على وجهي, أخرستني.
رسمها ذاك اليوم على جدران المدرسة, فمًا وعينين, وشجرة تفاح مزهرة, تغفو مبتسمة قرب الساقية, وقمرا ثلجيا يتراقص دوائر مهتزة, قربها.
نسجت الحكايات عنه, وعن مس الشيطان الذي تلبسه, فأغلقت أبواب الدور على بناتها, والممسوس يرسمها بغلالة شفافة, تظهر جسدها الضبابي متوهجا بالنور المتسرب من مسامات القماش, وألبسها النجوم تيجان فضية, كأنها شعاع يبهر العيون, وعلق اللوحة على غصن شجرة التفاح الموردة!
تبعت أبي ليلتها والرجال معه, محملين بوقود الغضب الجحيمي, تقدح العيون شررا يتطاير , ومشاعل النار تضيء وجهه القانع وهم يواجهونه, أنه لطخ سمعة الفتيات!
تمتم بيتم, راكعا:
- ليس بيدي, عشقي لها يدفعني, زوجوني إياها.
انهالت الأيدي, تصب جام الجحيم عليه, تمزق الجسد والرسوم, وهو يحتضن إحداها فوق صدره يحميها منهم غير عابيء بسواها, حتى أغمى عليه فغادروه, وورقة مكتوبة بدمه ألصقوها على الجدار مواجهته, غادر وإلا...!
لم أتزحزح من مخبأي, أتابعه بشغف محموم, وهو يزحف واللوحة بيده, يصب فوق كفه المهروس حبرا, يدمغها.
بعدها, لم يره أحد, حتى اليوم
ولم تعرف البلدة سره وصاحبة العينين والفم, وأجنحة الريح مازالت تدفع بالرسمة أمامي تطير وتحط, وقلبي يكاد ينخلع خوفا من رذاذ المطر المنهمر, أن يمحو الأثر.
دفعت جسمي بأقصى ما أستطيع كي ألتقطها, وأكتشف الوجه الذي طال زمن سره.
غيرت الريح وجهتها تدفع بالصورة نحوي, لتطعنني ألف سكين عمياء, وصورة أختي التي أغمضت عينيها منذ سنين, تتشبث يدها البيضاء المتخشبة, فرشاة بلون الزهر, تحت شجرة التفاح
قبل أن تثمر!
............................
أكره ربيع
فاجأني ربيع حين كنت ساهمة بملامح وجهه
يرمقني عميقا
أحسست بالجليد يقتحم جسدي, فارتعشت مذعورة، وعيناه الثاقبتان تخترقان قفصي الصدري المحموم كتنور مسجور، وأنا أتفحص تلك القسمات الحادة، التي..... !!
كم كان عمري حين أنجبته خالتي
خمسة سنين؟
غضة طرية كورقة فل لم تتفتح أوردتها بعد!
أذكر أني كنت في المرحلة التمهيدية
لا
ربما الأولى
حقيقة لا أدري
زهري الجلد ناعما،
يقولب عيناه جلد ثخين ومتهطل كجرو صغير، أدهشني مرآه، ولسانه ما فتئ يتلولب خارج شفتيه، كأفعى صغيرة تتلوى!
أكره الأفاعي، حد العمى
أكرهها
ابتسمت رغما عني وأنا أتذكر إولى لحظات ولوجه عالمنا المجنون، يصرخ وجهه العابس المنتفخ كبالونة صغيرة، ونلتف حوله جميعا، كمهرجين, نفتعل الحركات والأصوات، عساه يصمت!
وليته يفعلها، ويخرس إلى الأبد!
كم كرهته
بغضت صوته المجلجل، والكل يسرع لتلبية طلباته
حقدت عليه، وهو يستحوذ على اهتمام الجميع
وحب خالتي له الذي جعلني في دائرة الظلمة
ألقمه زجاجة الرضاعة، أدفعها لفمه الممطوط دفعا، يغص فيها أحيانا، يتقيأ جوفه، لبنا متخثرا
ضحكت بصوتي المبحوح العالي وأنا لم أزل أنظر له، متفحصة
صدمتني نظراته التي اخترقت وريقات عمري المطوية، بلمحة، وهي تلتقي بنظرة عيني كأنه أحس بما يعتمل داخلي
فارتبكت محتارة
ربما احمر وجهي
وشعور من هذيان انتابني، أضناني سنين طويلة
سألت نفسي ألومها!
هل فضحتني ملامحي الساذجة، حد البلاهة!؟
ويحي
هل أنا حمقاء ؟!
استطاع رجل بكل سهولة، أن يفك طلاسمها المخبأة بين الأفئدة!؟
كيف سأواجهه، وأواجه خالتي التي احتضنتني منذ صغري بعد الفجيعة التي أصابتني بفقدان والدي، وأختي الأصغر.
بمَ سأبرر موقفي لهذه المرأة التي أخذت بيدي يوما بعد آخر، حتى أصبحت تلك الفتاة التي يشير الجميع أنها، الإبنة المثالية!
وهاهي صورتي المعلقة على جدران الصالة، تحدجني بقرف، وأنا أبتسم لخالتي وزوجها بكل حب، يوم تخرجي
وبحماسة تحكي للجميع عن ذكائي، وكفاحي المستميت أن أكون المتميزة، تسفعني بسياط محفوفة بالغموض!
مسكينة خالتي
يالها من امرأة مخدوعة!
لم تدر أني، في يوم غافلت الزمن
وتركت ربيع حين كان بعمر زهرة ندية، تحت صنبور الماء في حديقة الدار، يشهق بأنفاسه، وحين باغتني وجودها، حملته من بين براثن الموت مرتعشة، أرفعه بين يدي عاليا،
فأصبحت البطلة بنظرها، ونظر زوجها، والآخرين.
وغفوت أنشج متحسرة، تلك الليلة الغبراء على ما فعلته، نادمة على غفلتي المقصودة.
حاصرتني نظرات ربيع، وأنا أدير وجهي عنه، لعلني أتفادى رماحا أدمتني أعواما، بعدد سنين عمري وعمره.
تقدم نحوي بخطى ثابتة، يخترق جموع المهنئين بخطبة أخته، يرد عليهم بكلمات مقتضبة، يقتلع الابتسامة من بين أسنانه اقتلاعا، ومقلتاه المحمرتان أرعبتني، حد الشعور بالتلاشي.
صار قاب قوسين أو أدنى
كأن المكان خلا، إلا مني ومنه!
وحدسي ينبئني أنه ينوي شيئا
يريد انتزاع اعتراف مني
ينوي تعريتي بحقائق دامغة
لا أقوى عليها
وصورة واضحة لسر دفين، لا أستطيع البوح فيه!
هربت ملتحفة برؤوس الحاضرين، أتخفى بينها, أحشرني كلص مبتديء أهوج
أدفن رأسي كنعامة مرة، وكنورسة مبللة أخرى، يغرقها المطر بمد بحري لا حدود له، أبتعد عن مرماه،
لكني مازلت أحسه قربي!
يلاصقني
يتغلغل مساماتي
بل أكاد أجزم أني سمعت طرق طبول نبضات فؤاده، تلامس رجفات قلبي المشنوق، هلعا!
خذلتني أنفاسي، وأطاح الدوار بجمسي يتهاوى سحيقا
امتدت يده
انتشلتني قبل أن أحط مرتطمة
دافئة وحنونة كانت
وعيناه النديتان تترقرقان بالدمع، حين احتواني بين ساعديه
همس بما يشبه الأنين، يزفر الأنفاس حروفا مجمرة فوق رقبتي:
- أيتها المجنونة أعشقك حد الثمالة، فلا تتهربي من حبي.
.........................
نافذتي والليل
نافذتي والليل وتراتيل أمي , وحكاية لجدتي روتها لنا ألف مرة ونحن صغار نجتمع حول نار المدفأة بليالي الشتاء الباردة, فاغري الأفواه مشدوهين, نستمع لقصة الفارس الشجاع, الذي عشقته رغما عني, مذ سمعتها تحكي لنا قصته.
وأتخيل نفسي تلك الحبيبة التي يعشقها, وضفائري مازالت جدتي تضفرها بيديها المرتعشتين, وهو يمتطي صهوة جواده الأرقط , يجوب البراري والوديان سنين طويلة يبحث عن خاطفي حبيبته يأخذ بثأرها, ويحصد بجرأة وجسارة, رؤوسهم بسيفه.
هالني منظر الرؤوس المقطوعة, وأنا أتخيلها تتطاير عن أجسادها , تطيرعاليا ثم تتدحرج على الأرض, اعترتني قشعريرة من دماء قانية, تنتفض من أوردتها فوق الرقاب, وأجساد تمشي بلا رؤوس بضع خطوات، قبل الرجفة الأخيرة.
تركت الورقة والقلم بغضاضة, وشاغلت نفسي أرقب تراقص نيران شمعتي, ترسم على الجدار ظلالا مشوهة لجسمي, شمعتي التي أوقدتها منذ غياب السلم, وآخر وهج تلألأ بغرفتي بعد انقطاع النور, لتغرق المدن بظلام دامس, إلا من أضواء شحيحة تجود بها فوانيس شاحبة وشموع, تطل بنورها الخجل من بين شرفات ونوافذ المنازل الغارقة بالعتمة.
لم أدر من أين أتاني الشعور بالأمل يناغيني, بالرغم من الحرب وضراوتها بأن فارس قصة جدتي سيأتي يوما, يحمل حبه وأشواقه, وتوقا لم يفتر, فيطفئ مجيئه صقيع الخوف والظنون التي رافقتني مذ غاب الأمان, يوم دُكت حصون قلعة مدينتي, لتنعق أسراب الغربان بسمائها, وتغفو جدتي ذات يوم شديد الريح غفوتها الطويلة ولم تستيقظ, تحتضن عيناها وجع غزوة كونية أخرست قلبها, وحصدت من روحها ذاك العنفوان والإباء, الذي كانت تحكيه بحماسة لنا, عن الفوارس والشجعان, يغزو وجهها وجع غريب, ودمعة مكابرة أبت أن تنزل, تحجرت بمقلتيها حتى واريناها التراب.
الصباح لم يكن يحمل معه سوى روتين اعتدته غير عابئة بأصوات قصف الصواريخ, أستمع بشجن من جاراتي أخبار العائدين من الجحيم الذي تقذفه شياطين تطير بأجنحة سوداء, يحملون معهم حكايات مهولة, تشبه حكايات جدتي الخيالية و يسردون قصصا مرعبة, عن أيام قضوها في العراء, يأكلون من حشاش الأرض, ويختبئون بسذاجة من الشياطين السود, يكومون أجسادهم فوق بعضها بخنادق تشبه القبور, حفروها بأيديهم حين تُفتح بوابات الجحيم عليهم بحاويات تقذف الحمم التي تصهر الأجساد بلهيبها, لتبقى الملابس بلا مرتديها, يسيل بين شقوقها تكتلات اللحم والعظم المنصهرة, ويتسرب عصير الدماغ من الأذنين, سائلا أصفر داكنا, ولزجا!
وشمس آذار الفتية المتشحة بلون الدم عند الغروب, لاح لي من بعيد وأنا أنظر من خلف زجاج نافذة المطبخ, رجلٌ بملابس عسكرية يتوكأ على خشبة يتعكز عليها, فكان منظره محزنا والتراب يغطيه وكأنه خرج من قبره لتوه, يجر رجليه جرا, ويتمايل جسده كأنه سيغمى عليه.
اقترب أكثر بانت ملامحه المفعمة بأسراب الغم والخذلان, ودماء لم تزل ندية تغص فيها ملابسه.
يمعن النظر بين واجهات البيوت بدهشة وذهول, يدير رأسه خلفه كلما أحس بأنه أخطأ الطريق, فيقف هنيهة يمسح عينيه بيده التي اختلط فيها الدم بالتراب فغدا لونها طينيا محمرا, ويعيد الكرة بتصفح واجهات البيوت وهي تزخر بثقوب شظايا الصواريخ, فهدمت أسوار وفتحت ثغرات كبيرة بعدة بيوتٍ, وطوحت ببيتين على ساكنيهما فأصبحا ركاما, تظهر بعض آثار قطع أثاث و ملابس من كانوا يسكنوهما.
بدا اليأس عليه وذهول وحشي , فتهالك يفترش الأرض, وأجهش ببكاء مرير, ويائس.
بكيت بحرقة لبكائه على رجال وطني, الذين أحرقتهم مرة نيران يصبها المحتل عليهم, وأخرى وهم يحترقون لفراق الأهل والأحبة, حين أبادتهم أسلحة عمياء, لا تعرف الرحمة.
ابتلعني الغمُ, فناديت بجزع أخي جعفر أن يُغيث الشاب.
هرع إليه
أعانه على النهوض, لكنه سرعان ما سقط مغشيا عليه, حين أيقن إنه لم يخطئ الشارع , و بيت أهله أحد البيوت التي دكت.
غمرني الزهو وأنا أراقب أخي يحمل الشاب, كأنه يحمل طفلا صغيرا, بالرغم من جرحه الكبير الذي أصاب خاصرته, بآخر معركة دارت رحاها على الحدود الجنوبية للعاصمة العتيقة, ليعود بعدها مخضبا بدمه, مليئا بالأسرار والقهر, لأن الوطن لم يصمد طويلا, تحت دك القنابل والصواريخ التي انهمرت عليه, وتكنولوجيا الألفية الثالثة تفوقت على شجاعة رجالها الفوارس.
ويخرسني حين أسأله عما حدث:
- صه زبيدة لا تسأليني, قط.
فأصمت حيرى ملتاعة وعيناي تسألأنه:
- أما آن الآوان ان تشي لي بالسر, أخي!؟
أسند أخي الشاب على الأريكة, وشرعت أمسح بمنشفة مبللة وجهه
أشعل جعفر فتيل فانوس آخر, فالليل أضحى حالك الظلمة,
وضعه على الطاولة القريبة .
فشهقت شهقة حاولت أن أخفيها, حين أضاء النور وجه الشاب, وبانت ملامحه, بسحنته السمراء.
حملقت بوجهه
انتبه الشاب لي, بادلني نظرة متسائلة!
وعيناه التي غمرهما الحزن تتفرسان وجهي, بتعجب! كأنه يعرفني .
هلت الفرحة تغمر قلبي, وأنا أسمعه يجيب أخي بصوت رخيم, حين سأله عن اسمه:
- أنا فارس.
تهالكت على المقعد القريب مني
وضعت يدي على صدري أحمي قلبي لئلا يطفر من بين أضلعي.
همست لجدتي أسرها,سري:
- إيه جدتي، لقد التقيت اليوم بفارس قصتك.
.......................
رياح الخوف
الريح تعصف بقوة تضرب كل ما يقف أمامها، تقتلع بطريقها أشجارا يافعة لم تضرب جذورها الناعمة بعمق في الأرض، فتطير معها أعشاش العصافير الصغيرة، والحمائم تحوم حول المكان تبحث عن صغارها وتهدل بهديل مفعم بالوجع والحزن كأنها تبكيها, وربما تطمئنها أنها مازالت قريبة منها لتحميها.
أوجع قلبي منظر الأفراخ الصغيرة وأنا أتخيلها والريح تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال، لكني لم أقو على الخروج إلى الحديقة لألتقطها.
كان الخوف يتربص هناك جاثما، خلف سياج داري ينتظر الفرصة حين تسنح له!
تابعته بعينين أذبلها البكاء وأتعبها السهر، وهو يقبع في الظلمة يتربص بيَّ، يرمقني بنظرات حمراء بلون الدم، تومض بوميض ناري كلما أبرقت السماء وأرعدت.
أجفلت، حين صفقت الريح بابا لم يكن موصدا
استشعرت رهبة افترشت مساحات جسدي بقشعريرة، أخفقت وأنا أحاول جاهدة أن أتجاهلها وصورة الخوف تقف بصلفٍ أمامي، تضحك مني بوحشية مفجعةٍ!
صفعتني صورتي وأنا أراها بالمرآة تهتز، والخوف مازال يضحك مني ويهزأ بيّ.
غطيت وجهي كي لا أرى ملامح لست أعرفها، وهديل الحمائم يدوي في رأسي، يأبى مفارقتي
فهربت مني إلى غرفتي!
صارت الريح أشد وأعتى قوة تهز زجاج النوافذ والأبواب تئن صريرا، أرغمني أن أدير رأسي أتلفت حولي كمن أصيب بمس من الجنون
فتركت المكان وهرعت إلى النافذة أنظر منها إلى السماء التي تلبدت بغيوم سوداء كثيفة، ترسم وحوشا ورموزا مخيفة، و تجري بسرعة الريح خلف بعضها، تلتهم بعضها بشراهة وقسوة عجيبة فتكبر وتكبر، والريح العاصفة تدفع بها لتصطدم بينها، فتبرق السماء وترعد.
وضعت يدًّي الواهنة على أذنيّ َكي لا أسمع، وأغمضت عيني ببلادةٍ كي لا أرى، وحين فتحتهما
رأيت الخوف القابع خلف سياج الدار يتجه نحوي
يقترب مني
يلاصق ظلي الذي انعكس من ضياء الفانوس خلفي
أردت أن أصرخ بعلو صوتي
فتحت فمي على وسعه، فلم يخرج منه سوى حشرجة مبحوحة
اختنقت حنجرتي بصرخاتي المكتومة
أخرسني خوفي وأنا أراه أمامي، يواجهني
وذاتي تجلد ذاتي بسياط حقيقة مرة، إنني خائفة.
أحسست بالذل والمهانة تملأ نفسي التي أنكرتها لأنها ليست أنا، وأنا أختبئ خلف الكرسي أرتعش بوهن مخز، واستباحني شعور بالقهر ورغبة كبيرة بأن أتقيأ لأستفرغ جوفي وأخرج ما فيه.
رشقت وجهي مرارا وتكرارا بالماء كي أستعيد رشدي الذي فقدته، وتوجهت إلى غرفتي، بعد أن تمالكت نفسي وعاد ليّ ثباتي
و
حاولت أن أغفو وأنا أرمق سقف الغرفة بنظرات زائغة
للحظةٍ!
هيىء لي أني سمعت صوت دبيب أقدام تمشي في حذر، رغم شدة صفير الريح المخيف، لكن خوفي يحفز سمعي وحواسي
استنكرت على نفسي إحساسها السابق
تجلدت هذه المرة
مددت يدي داخل الدرج القريب من رأسي وسحبت بخفة منه مسدسي الذي اقتنيته مذ اقتحم الخوف بلدي، لتعصف فيه الرياح الهوجاء وتتلبد سماؤه بالغيوم الداكنةِ فهو يشعرني بالأمان لو حدث ما كنت أخشاه.
ارتعشت يدي وأنا أرفع حافة الستارة قليلا لأرى
أبرقت السماء لحظتها، ليظهر ظل خوفي جليا هذه المرة يقبع بسكون مستترا في الظلمة خلف نافذة غرفة نومي ، يجلس القرفصاء كوحش، آدمي!
ازدادت رعشة يدي ولحق بها جسدي، وتلاطمت أنفاسي يعلو بها ويهبط صدري، لكني لم أفقد ثباتي.
صوبت فوهة المسدس من خلف زجاج النافذة، وضغطت على الزناد.
دوى صوت الإطلاقة قويا مرعدا، والسماء مازالت تبرق والريح تهدر، وتزمجر!
خيل لي
أني سمعت صوت توجعٍ ٍيصدر من ظل خوفي
ثم سكت!
قبعت في مكاني أتنصت، متوفزة الأعصاب حتى انبلج الصبح، فشعرت بالأمان والطمأنينة، وصوت العصافير عادت تزقزق بعد أن هدأت الريح قليلا.
بحذر
توجهت صوب الحديقة ومسدسي مازال بيدي
كان منظر ضياء الصبح جميلا وآمناً
هكذا أحسسته، وأنا أرفع رأسي نحو السماء
ابتسمت بتهكم من نفسي، وأنا أتذكر خوفي العارم من خوفي بالأمس، وإطلاقي النار عليه!
أجلت نظري في حديقتي التي عمها الخراب، والريح العاصفة اقتلعت الكثير من زهوري الجميلة التي غرستها بيدي، فهمست لنفسي بلوعة وقهرٍ، ودموعي تترقرق بمقلتي:
- لا بأس، غدا سأزرع غيرها.
مشيت بضع خطوات بالحديقة، أبحث عن أفراخ الحمائم ، علني أجدها
تجمدت في مكاني، واتسعت عيناي على سعتهما، وأنا أرى قرب نافذة غرفة نومي، جسدا بشريا مكوما، يتشح بالسواد مقنع الرأس، تقبع بجانبه رشاشته، وبركة داكنة تحيط برأسه!
......................
أوسمة وذكريات عبقة, تموج بين أروقة محفظة الزمن, وأقاصيص
جميلة
أخاذة
حَكايةَ
وهي تداعب مخيلته, تسرد له عن العذارى الفاتنات وهن يقضين نحبهن, على يد الجلاد
وما شفعت لهن , أبدا عذريتهن!
وقفت إجلالا أمام بهاء طلته, وهي تقلب الصفحات بدفتر الجنايات، لعلها تجد في جريدة سيئاته, ما يسىء له.
سوى تلك الحكايا, السالفات.
عن فتيات ذبيحات وبصوت أجش متكبر، أمرته:
إنهض، وعرف عن نفسك، يا أنت؟
أجاب بجلد الملوك, وكبريائهم:
أسقط من يده، وظلال الإندهاش, تملكه.
بانت على قسمات وجهه بعض من خيبة الأمل, فاستدرك قائلا:
هلا شرحت لي مايحدث، مليكة؟!
استشاطت الملكة غضبا, واحمرت وجنتاها وهي ترد , ساخطة متسائلة:
ألا تعرف حقا شهريار، ماجنيت!؟
وبكل هاتيك العذارى, مافعلت؟
لقد قطعت الرؤوس
.................................
عاشقين
حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها.
أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم.
قالوا:
طاغية
تسطر تاريخ العشق, بأحرف من جمر
منحوتة
من نور
و نار
وحمم، تصطلي الأرواح فيها
فحذار، حذار ي منها!
فاتنة
فتاكة
ترمي بسهام سحرها
فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها، وقلوبهم واجفة خوفا عليها، لكنهم لا يشتكون منها!
ولم تنج, حتى النساء، من غوايتها!
ضحاياها شجعان
بواسل
جسورون
لا يهابون الخطوب، لكنها قاتلتهم
وهم لا يفتئون يغرمون بها، ويزدادون حبا لها، كلما ازدادت نأيا عنهم.
ويعودون مثخنين بالجراح، مثقلين بسلاسل تقيّدهم، وينقشون على الجدران تاريخ مرور الأسطورة من شوارعهم
وتنقش في مفكرتها، أسماءهم متباهية بأعدادهم!
تتماوج بغنج ودلال من بعيد ، تخطف الأنفاس بعبق رائحة عطرها، تسحر الأفئدة وتستحوذ على عقول أفذاذ الرجال, وأشدهم ذكاء.
وللساعة، لم ينالوها!
وهي كالحقيقة العارية, تتماثل أمامهم
كالشمس، تغريهم بنور حسنها ، تستعذب عذاباتهم وهم يصطلون هياما فيها، والرغبة الجامحة تتوهج في المقل، فيرسمونها
شمسا
قمرا
وآخرون
تطير الخيالات بعقولهم، فيرسمونها،
عارية، كما هي!
وأفئدة رائيها وقد صارت قريبة منهم تزيدهم تحرقا لنيلها، لكنها عصية عليهم تتسرب مثل الرمال من بين أكفهم، ليزدادوا تشبثا، وتعلقا فيها.
ومرة
تجمع كل عشاقها، ومُعذبيها
اتفقوا عليها
أن ينالوها
كانت قريبة منهم، ودنت أكثر.
صارت بمتناول أيديهم ، أحسوا بها رأوها بعيون تصطلي، برغبة محمومة تسري في أبدانهم تشعلها
وصار الرجال، والنساء, وقودا.
يحترقون بنار حبها, الذي سكن أرواحهم فباتوا معذبين يطحنهم صخر الأسى، لكنها أفلتت منهم.
تبخرت من أمام أعينهم ، بين ليلة وضحاها!
فاضطرمت أرواحهم بلهيب نيران إفلاتها، واستتارها وصار الشوق إليها براكين تستعر فيهم، لا ينامون
والليل يجمعهم
يتهامسون
يشكون منها الهوى, لبعضهم
يكتبون القصائد عشقا أبديا، يناغونها في صحائف تحترق رغبة ولهفة إليها، للإمساك فيهاواحتضانها، وأبياتهم الشعرية الملتهبة يخطونها بحروف نارية من الوجد ، وأخرى متلظية بجمر النوى يواسي بعضهم بعضا.
ويأملون أن يأتي اليوم الذي ستكون فيه الفاتنة بين أيديهم!
صاح الكثير منهم بصوت واحد مأسورين، وغضبة مجمرة في العيون
- سننالها، ستكون يوما بين أيدينا، وستكون لنا معها ليلة ليلاء وسنتقاسمها معا.
وفي ليلة باردة ظلماء، تساقطت، فيها الثلوج غزيرة، تتدثر بالأجساد الملتاعة فتنصهر، تنهمر على الصدور الفائرة.
تربصوا لها
ونشبت بين الرجال معركة ضارية حامية الوطيس كانت، كأمواج البحر العاتية، متلاطمة.
غارقون حتى الأذقان في عشقها، وكارهون لها
يتقاذفون التهم بينهم
هذا يريدها
وذاك لاعنا إياها!
والثلوج البيضاء، اكتست لون الدماء
وما من عقلاء في حرب, بين الحب والبغضاء ما من وسيط.
كثيرة هي الأجساد التي سقطت، وجماجم تهشمت والدماء اختلطت.
وهي ما تزال تتماوج بفتنتها بقلبها الغض تتوارى عنهم مرة
وأخرى تدنو، منتشية بينهم
ومازال عشاقها يقاتلون من أجل،نيلها.
........................
اليوم السابع!
تذكرني أمي دائما, أني ابنة السابع من كل شيء
متعجلة حتى
في لحظة ولادتي!
وأني أخرجت رأسي للحياة, معاندة كل القوانين أتحداها في الشهر السابع, من الحمل
في اليوم السابع, من الأسبوع
الساعة السابعة صباحا
في الشهر السابع من السنة!
عقدة
لا زمتني, أخذت مني الكثير من بهجة حياتي , وهذي سبعة جروح غائرات تفرقت على أنحاء جسمي, وتمحورت على ساقي جعلتني أخجل من ارتداء التنورة لأن بهما الكثير من الندوب.
تفاقم حنقي أكثر, حين أدرجت السابعة على صفي
من بين العشرة الأوائل.
في الصف السابع, تحديدا
وجل المحيطين بي, يتوقعون نجاحاتي الساحقة, في انطلاقاتي
عدت للبيت مزمجرة, أسألها:
- لم تركتني أنفلت منك قبل أن أنضج؟ لم تركتني والأهواء تركبني؟ ألم يكن لك أن تتأني بولادتي!! أن تتنشقي الهواء وتزفرينه كي أبقى محتجزة هناك, حتى اليوم الثامن، مثلا؟!
تنوء بحزنها عني قليلا, كأن الذكريات تأخذها مني, وتنفلت من فمها آهة, تسحقني.
لأركع بين يديها بعد ذاك أقبلها, أستميحهاعذرا أني تهورت
فتعود لقولتها:
- أنت ابنة السبعة وهذا قدرك, أن تكوني كذلك.
صرت أخاف الرقم, سبعة
أحسه, كلعنة تطاردني!
تطيح بأحلامي الوردية
رقم, أدري من اخترعه, ولست أعي, كيف؟
ربما كي يرعبني فقط, ويسلب مني سكينتي
وربما صنعتها أقداري المخطوطة, على جبهتي, كتبها الله كشاهدة, على لوح جبيني.
حقيقة
لا أدري
طارت بي الرهبات منفلتة, حتى أني صرت أذيع الأحداث بعد ذاك اليوم, متجاوزة هذا الرقم, أبغي محوه من مفكرتي, كي أجتاز عتبة اخفاقاتي, وتعجلي.
وأخبيء علامة ( + a) في الأسبوع الأخير من الشهر وكما اعتدت, لأعلن النتيجة في اليوم التالي من الأسبوع القادم لأهلي
فتبتسم أمي ابتسامة مازالت ترجفني رهبة وكأنها تعرف سري!
ألوذ بعدها, بأحضانها أتدثر أنشد الدفء وأنا أرتجف خيفة, أتوسلها أن تقيني, من نفسي!
حتى جاء يوم زفافي, على حبيبي الذي اخترته, دون كل الشبان
شاب ميسور, وذكي
بل وسيم أيضا, فيه ومضة الشباب, وحيوية ربيعه
أجبرت أهلي على القبول به
حين أطحت لهم بورقة زواجي منه, من فوق سور الدار, بعد أن رفضوه.
خاصة أمي.
وتعذبني أمزجته المتقلبة, وثوراته التي ما اعتدت عليها,, فمرة
سلس كخرير المياه وأخرى, صاخب معربد, وتالية ضعيف يتوسلني أن ألتمس العذر له, لأنه مازال غر, وأنه سيتعلم الدرس.
لكنه لم يفتأ يمارس لعبة الغضب الأبدي على كل الأوضاع, ويحتج يلومني حتى ونحن في أشد اللحظات حميمية, يختلق الأعذار والمسببات.
وصرت أنكئ جروحي وآثارها, التي حفرت بملامحي أخاديد لن تمحى, متمعنة بتعذيب ذاتي
لم أعد أطيق الحياة, معه
استنفذت, كل طاقاتي
وضاقت بي السبل
وهو لاه عني, بكل احتفالاته, ويتشدق أحيانا, أنه تزوج بفتاة طاوعته, عشقا
فتركت أهلها, من أجله!
وكثيرا ما كان ينساني
كوجود, آدمي
يستذكر نصره, فقط
ويتجاهلني
ففاضـت أوجاعي, وطفح كيلي
طلبت الإنفكاك منه, لأني, ما عاد بي صبر أتصبر فيه, على نزواته, وأهوائها المتباينة, ونحن نواجه أكبر أزماتنا, وأحلكها.
كانت أروقة المحكمة محتشدة, بأنواع وأجناس من البشر, تتوافد عليها, والهم طاغ على كل الوجوه, تتفرد بها سمة الحيث والإضطهاد, دون أسماء.
تتشابه الوجوه المتعبة, حد القهر من القهر.
أدرجت صحيفة أوراقي وأرقامها حسب طلب القاضي, أمام موظفة النفوس بطلب عن صورة القيد كي ينظر القضاء, بقضيتنا
تبسمت الموظفة, برقة صفراوية!
حين تصفحت, وريقاتنا
ورمت لي الرد كلطمة, تلقيتها على وجهي!
وأسماء الكثيرات, معي
في صحائفنا, معا
لأكتشف!
أني, لست الوحيدة بقيد, صفحته
وأني, الزوجة السابعة!
..............................
عاجي
ربيع نيسان نثر خضرته النضرة فوق الأرض الممتدة على مرمى البصر، وأزاهيره البرية نقشت ألوان قوس قزح الساحرة على طول السهل المترامي الأطراف، يعلن اشتعالَ الحياة وإعلان العصيان على بوابة الشتاء التي أوصدت مصراعيها بوجه الصقيع.. والبرد.
جذبه منظر الطبيعة الخلاب، وتل رملي يتوسط البقعة، فأبرقت برأسه رغبة عارمة بأن يتوقف هنيهة يمتع ناظريه بما خطت الخليقة من ألوان زاهية تنتفض بالحياة وزهوها، صف سيارته على جانب الطريق ومشى نحو التل الرملي الذي قبع وسط السهل وكأنه معلم أثري شاخص!
لم يكن التل يشبه المكان
ولا ينتمي إليه
كأنه انبثق من العدم فوقف الرجل مشدوها، يصارع أفكاره التي ما استطاعت اختزال المنظر، وعيناه المنبهرتان، تسبحان في تنقل شديد بين التلة ورمالها، واخضرار الأرض حوله وانبساطها
تملكت من الدهشة!
فكيف يمكن لتل رملي مثل هذا أن ينبع وسط أرض خصبة مثل هذه ؟!
أحس بخدر غريب يدغدغ جمجمته وثقل شديد أغرق جفنيه وأزاغ عينيه فأغمضهما، وأشعة الشمس تضرب بنورها على حبات الرمل فتبرق، كأنها خرزات ماسية صغيرة مشعة تتغلغل في داخله .
فجأة!
تحركت الرمال أمامه، وهو ينظر إليها بعينين شاخصتين، مشحونة بالتعجب والرهبة حين ارتفعت، تنساب حباتها الناعمة، تتسرب إلى الأسفل كأنها نبع ماء يترقرق
تراجع خطوتين إلى الوراء تحسبا تتلبسه فوضى عارمة، لكن عينيْه مازالتا تتابعان الفجوة وانبثاقها لتتراءى له أصابع يد بشرية بلورية، تمتد من وسط الفجوة تدفع بنفسها إلى الأعلى!
فانكمش متصلبا لا يستطيع حراكا، مأخوذا
بصعوبة حرك يديه
مسح وجهه كي يتأكد بأنه لا يحلم، وإن ما يراه أمامه حقيقة.
ظهرت له ملامح الوجه البشري الناصع، لإمرأة ما رأت عيناه بنصاعة لون بشرتها، ورقبتها العاجية الطويلة يطوقها عقد ذهبي ما عرف صائغا يصوغ مثله ولا شبيه، يتوج شعرها الأسود الطويل الذي غطى جسدها تاج مرصع بأحجار ملونة، تعتليه ثلاث وردات ذهبية تتوسطها أحجار كريمة، ما رأى رديفا لها، وجسدها الفارع يخرج من الفوهة، ويظهر أمامه يواجهه!
طويلة، رفع رأسه عاليا كي يتمكن من رؤية وجهها، فأجفل وهو يرى عينيها الكحيلتين تحدقان فيه ترمقانه بنظرات مذهولة، كأنها ترى مخلوقا غريبا
أرعبته نظراتها
تقهقر
حاول أن يهرب
امتدت يدها المزينة بسوار ملكي، أمسكته بقوة من يده
سحبته إليها
فوقف أمام جلالها فاغرا فاه، يقلب في رأسه أوراق التاريخ عله يعرف من هي، وقد اتسعت عيناه في محجريهما وبرودة يدها تسري في بدنه, والصور تتلاحق في مخيلته، عمن تكون!
فتحت فمها اللوزي, فجاء صوتها كأنه من هوة الماضي السحيق يخترق أذنيه, أصابته بنشوة وشعور الرهبة مازال يلازمه.
بلهجة الملوك سألته واصبع سبابتها موجه إليه، يتوسده خاتم ملكي، نقشت عليه حروفا لم يستطع فك طلاسمها، ولا فهم حروفه الغريبة وكأنه ختم!
- من أي قوم أنت يا رجل؟!
وبدا له صوته كأنه يخرج من جوفه يخامره شعور أنه مسحور, وأن شفتيه لم تتحركا:
- أنا عربي
ردت, والغرابة تملأ ملامح وجهها:
- أعرف أنك عربي، ومن أين تظنني حسبتك؟!
أجابها، وابتسامة باهتة تعلو فمه:
- حسبتك تظنين أني غير ذلك!
عقدت مابين حاجبيها, سألته:
- وهل هناك غيرهم؟!
تحسر طويلا، قبل أن يجيبها, وقد زال البعض من رهبة روحه؛ ويدها لما تزل تمسك يده:
- أجل هناك غيرنا الكثير، و
شق عنان السماء صوت طائرة حربية، اخترقت حاجز الصوت تستخف بما حولها متباهية، مزق الأفق أزيزها، وعلى الإسفلت هدرت جنازير دبابة أميركية، تحتل الطريق وتهرس ما أمامها.
اختلطت الأصوات
ضاع صوته، وامرأة الرمل تنظر إلى السماء مرة، وصوب الدبابة أخرى، يتطاير الشرر من عينيها، فأفلتت يده، ثم عادت وتشبثت فيها، وهي تتلفت في حيرة حولها، يتلبسها خوف اجتاح مقلتيها!
أمسكت وجهه بيديها تفحصته ثم أفلتته، وأطلقت صيحة غاضبة.
زمجرت السماء على أثرها، وأرعدت ببريق نهض من قوة خفية، والغيوم الكثيفة غطت السماء بعباءة أرجوانية، أعتمت الدنيا، والبرق يضرب بشدة على إسفلت الشارع فيفور، والنيران اشتعلت في السماء لتهويَ الطائرة، تصطدم بالأرض محدثة دويا رهيبا، وجسم الدبابة يغطس إلى أسفل.
أجفل الرجل يهز رأسه مرارا، نظر حوله يبحث عنها، تلفت يمينا وشمالا، طفق يحوم حول التل غير عابئ بما يجري حوله، يدفعه جنون ماحق للّحاق بملكة الرمل، ويداه تحفران، تدفعان الرمل بقوة تزيحانه، فاصطدمت يده بحجر طيني، أمسكه ينظر إليه بشغف ملهوف، والحروف المكتوبة على اللوح الحجري تتراقص بغموضها، لا تسعفه، لم يستطع فهم لغتها ولا فك رموزها، وصدى الصرخة مازال يدوي بجمجمته.
رفع رأسه إلى السماء، صارخا بأعلى صوته يناديها، والحرقة تصطلي بفؤاده المأسور فيها، سحرا غامضا شجيا
وهناك، على سماء لم تطو صفحة التاريخ بعد لاحت له صورتها المبهرة، وهي مهمومة على الأفق الغاضب مرسومة.
1/7/ 2009
....................
قلادة تعريف
تحرك من مكمنه بعد أن لبس الليل عباءته السوداء، بحذر صار يقطع الطرقات الملتوية كي يصل إلى العاصمة التي لاحت له من بعيد أضواء بيوتها التي لم تنقطع الكهرباء عنها بعد.
أيام ثلاثة مضت, وهو يمشي ليلا بين شوارع عرفها جيدا, يختبئ نهارا من أولئك المسلحين الذين يقنصون كل رجل يرتدي بزة عسكرية، يأكل من رغيف خبز أعطته إياه امرأة عجوز, وجدته يختبئ في حضن ساقية جفت مياهها, تغطيها شجرة رمان سقطت بفعل قصف قذيفة وقعت بالقرب منها، وحين رأته شهقت وهي تتلفت خلفها, تضرب صدرها الواهن قائلة:
- ويلي بنيّ سيقتلونك لو رأوك هنا، إنهم يجوبون الشوارع مثل الضباع الجائعة، يقتلون بلا رحمة، لا تتحرك ، سآتيك برغيف خبز يسد رمقك.
قضم من رغيف الخبز قضمة صغيرة, ومشى بخطوات طويلة اعتاد عليها وأضواء العاصمة صارت أقرب, وشعور بالعطش لازمه مذ دفن أخاه أول أمس , بعد أن ضربت صدره شظية من ناقلة جند قصفتها طائرة أباتشي, فتناثرت الناقلة بمن فيها.
كان يختبئ وأخوه بين الأشجار, في مزرعة تبعد عن منطقة اليوسفية بضعة كيلو مترات, يمسك يده بقوة , حين أحس أن قبضة أخيه تراخت, وأنة مكتومة تصدر منه, تفحصه مثل المجنون وهو يحثه بصوت مبحوح, على النهوض, لكنه ظل ساكنا لم يتحرك.
العتمة شديدة, تحسس صدرأخيه , فغرقت يده في فجوة عميقة, أطارت صوابه, وضع كلتا يديه على الفجوة يمنع النزف, فضاعت يداه كلتاهما في الجرح الكبير الذي أحدثته الشظية الطائشة.
لطم وجهه بقهر, وضع رأس أخيه في حضنه, وصار يمسح وجهه كأنه نائم، و يمسح شعر رأسه بحنو ورقة.
بزغ الفجر, فبانت ملامح أخيه التي تشبهه تماما, بدا له وكأنه يغط في نوم عميق, والدماء تغطي جسده.
لاحت له قريبا منه فأس ومسحاة , فشرع يحفر في عجالة قبرا لأخيه و يبكيه بحرقة, والوجع يعتصر قلبه على والده , الشيخ الجليل الذي ينتظر رجوعهما معا, يتمتم محدثا أخاه::
- ماذا سأقول لأبي, قل لي ثامر؟ كيف سأخبره بأني لم أستطع حمايتك, كيف سأخبرهم، ويحي لمَ لمْ أكُ أنا؟
دون وعي منه تحسس قلادة التعريف الخاصة بأخيه, بعد أن نزعها من رقبته , قبل أن يواري جسده التراب, بصق لقمة الخبز التي كانت بفمه, لأنه لم يستطع بلعها, وتابع المسير.
دخل أطراف العاصمة بعد منتصف الليل, صار يقطع الشوارع وهو يجري بسرعة وقد بدت شوارع مدينته غريبة عنه, تقطع بين شارع وآخر جذوع أشجار نخيل قطعها الأهالي , مدوها, وجعلوا منها متاريس تفصل بين حي وآخر, خوفا من هجمات الأغراب عليهم!
وهاهو بيته أمام ناظريه, وثلة من شباب المنطقة تقف بالقرب منه, الجميع مدججون بالأسلحة, تراخت ساقاه وأبطأ سيره, اجتاحت كيانه رهبة, أيعقل أن يقتلوه, إنهم رفاق طفولته وصباه , وأخيه؟
لمحه أحدهم فصاح مبتهجا:
- لقد عاد ثامر، أو ثائر؟
أسرع الشبان إليه , تلقفوه بالأحضان, والشيخ الكبير الطاعن في السن, أسرع خطاه المتعثرة بذيل عباءته, يتوكأ على عصاه, يرتعش جسده الواهن, بلهفة متشحة بالخوف من سؤال لا يريد أن يسمع جوابه, ودمع غزيز ينهمر على وجهه المتغضن, يحتضن ولده, وعيناه تنظران خلف كتف ابنه، تبحث عن الإبن الآخر.
ومن عتبة الدار خرجت شابة, تتقدمها بطنها المنتفخة, وقد تهللت عيناها بدموع الفرح, وابتسامة خائفة تغطي ملامح وجهها الحزين, مدت ذراعيها, احتضنته, دفعها عنه بيسر, عادت إليه , احتضنته بقوة هذه المرة وهي تقبله وتبكي, وكلمات التهنئة بالعودة إليها سالما, تخرج من فمها متلعثمة, متعجلة غطت على كل الكلام.
فرحتها أفقدتها رشدها, والاستيعاب.
دفعها عنه بقوة هذه المرة, وتراجع إلى الوراء خطوتين, وهو يبكي, اتسعت عيناها خوفا, وإنكار, وهي تنظر إلى يده الممدودة أمامه, تقبع في وسطها, سلسة وميدالية، تحمل رقم تسلسل أخيه, ورقم وحدته العسكرية.
.................................................
لعنة
اقتحمت أسراب الجراد الأسود, عاصمة السلام ومدينة القباب الزرق المذهبة, فنخرت مآذنها, وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع, واتشحت باقي المحافظات بالقحط المكفهر, فبدت الضواحي على اتساع رقعتها, ملعبا للأشباح, لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع, تخالطه رائحة الجثث المتعفنة, وصفير الرياح الصفراء, لحظة انبلاج فجر يوم الفجيعة, التي نقشها التاريخ على صفحات الزمن القادم.
أمسك أبو الوليد بيد زوجته, يسندها, ودوامات الطلق المباغتة تأخذها منه حينا, ثم تعيدها, مقيدة بأسرار ديناميكية المخاض وعجائبيته, تضم ساقيها لحظات دهرية, تزفر الأنفاس متقطعة, وذاك الشيء المكور الذي يسمونه رأسا, ينزلق من بين فخذيها, تكاد تخنقه ضيق المسافة المرتجفة, ليتهاوى صرحها, قبل أن يصلا مشفى المدينة الغافي, بين العتمة والفراغ, تنزف حياتها لحظة تلو أخرى, تلهث الألم زفيرا, وتستنشق الموت مع كل شهقة.
تفجرهلعا, يحثها:
- تماسكي
فاجأه رأس الجنين, فكبلت يداه
وكالمجنون طفق يجري بين المشرق والمغرب مستغيثا, يبتلع الضباب صوته, وأزيز الجراد يدوي حوله, وعيونه البارزة تحدق فيه!
أومأت بيدها الواهنة
- أن اسحبه
مد يده
أرهبه الملمس الدهني, المدمى
فتراجع خاشعا
لينزلق الجسم الوردي الصغير على إسفلت الشارع, تختلط صرخته التي تضج بالحياة, بحشرجة الأم, وعينيه المرعوبتين تتلقفان هسيس الرياح, لعلهما تأتيانه بمعين, والوليدة تتعفر بالتراب, و ترتجف بردا.
لملم شتات روحه المبعثرة بين دهاليز المنية والنور, ينقب كل الأبجديات المحتجبة في ذاكرته, بسيل جارف من الأسئلة عن أحجية الحياة, وكينونتها!
فتراءت أمامه أسنانه العارية! ليكز بقواطعه على الحبل ينهشه بوحشية عفوية, يدفعه شغف محموم للإبقاء على حياة برعمه.
بصق الدم المر, حانقا
رفع الوليدة عاليا, كقربان, بين يديه
أطلق عواء ذئب جريح, يدمدم حروف الغضب, ويلعن لحظة الغفلة, ساخطا.
والجراد ينخر رئتيه, لتحط الوليدة على الجسد المشظى, تصرخ احتجاجا, و رغبة في الحياة!
وأم الجواد التي, غادرها زوجها بليلة ظلماء, ملثما, ومطاردا, يجوب الأزقة والشوارع ليلا, ينصب الشراك لأفواج الجراد الغريبة, يقنصها زرافات ووحدانا, وهي تنسل زاحفة, كي تنتشل الوليدة من براثن الموت, وأفخاخه.
حملتها كنز ثمينا, بين يديها, أرضعتها, فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب, يمتص فمها الحليب بقوة, فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام, ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته, بعد وشاية, من صاحب الدكان وامرأته العاقر, وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة, تطعمها كحمامة, ليجيء ذاك اليوم!
يوم زف أبى الجواد, مخضبا بحناء الدم, تحمله الريح على أكتاف الرفاق, يودعونه قلب الثريا.
ليبيت العسر زائرا ثقيلا على أم جواد, التي تقطعت فيها سبل العيش, فأضحت أفواه الصغار النهمة وإطعامها, مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة, والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة, نطاقا يحيط حياتها وأولادها, بكل وحشية ولا هوادة.
أشفقت على الوليدة, فاستصرخت رحمة الجيران, تنتخيهم دامعة:
- خذوها, فمعي سيلتهم الجوع لحمها, وسينخر حتى عظمها. أشفقوا عليها.
أخذها العطار لزوجته العاقر, يبتسم بمكر
- لنربها, ستكون خادمتنا حين تكبر, ربما أكثر امتنانا, من بعض الأبناء الحقيقيين!!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها, وحين تكبر, سأزاوجها برجل غني.
و يصطحبها العطار كل يوم معه, و يتشدق أنه من يرعاها, حتى تأتي امرأته ظهرا, لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى, تتلقفها الصغيرة بشغف, تمتصها وتتلمظ, وحين تنزلق الحلوى من بين يديها, تبكي, فينتاب امرأة العطار شعور غريب بالنشوة, لبكائها, تتلذذه!
جن جنون جنونهما
يوم أفاقا على صوت جلبة مريبة, تأتي من ناحية الدكان,
وقفا مذهولين على أعتابه, كأن الجراد التهمه!
أطلقا نداء
ملعونة هذي الفتاة
ملعون كل من يأويها.
دفعت العاقر بالوليدة خارج البيت, وأغلقت الباب بوجهها
تدحرج جسمها الصغير, وزوج العاقرة يركلها برجله قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة تقف أمام الباب, تطرقه بيدها الصغيرة, منتحبة, حيرى
والساعات تفترسها, بين غفوة تجفل منها, وسؤال أعمى استعصت عليها الإجابة عنه!
رق قلب أحد الجيران, وخفية وضع طبق فيه بعض الطعام, التهمته بنهم مفجع
وحن عليها, أحد الأولاد بكأس ماء باردة, قربها, دون أن يقترب منها!
حارقة شمس الظهيرة سفعت جلدها باللهب, فمشت نحو الشجيرات, تنتبذ ظل إحداها, واضعة يديها تحت خدها, فسالت دمعة من عينها على التراب, حين غفت, نمت على أثرها زهرة خفية.!
صحت مذعورة, والحمائم تدخل أعشاشها غروبا, بحفيف صاخب, فأسرعت خطاها تسير على غير هدى, تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة, وتقف عند الأبواب تطرقها, لعل أحدهم يرحمها, فيفتح بابه لها.
والليل خيوط عنكبية, تتكاثف, ألبس الكون عباءة حالكة, ورسم ضوء القمر ظلال الأشجار أشباحا تتطاير مرفرفة, وعينا الوليدة تتابعان الرعب, تركض خوفا, وصوت عويلها يملأ الأنحاء منتحبة بين الأبواب, تشهق مرتجفة, ينخرها الخواء والتعب.
أسندت جسدها المنهك على جذع شجرة, فارتجت الأغصان
تقافزت الحمائم هائمة ترفرف بأجنحتها محدثة جلبة أفزعتها, أرجفت عودها البرعمي, وارتعشت شفتاها, فأطلقت ساقيها بين الأحراش تخترقها هائمة, تصرخ مذعورة, حتى تاه صوتها بين الأشجار. في إحدى البساتين, ثم تلاشى!
عاد الصبح متثائبا من غفوته, وأهل المدينة يتساءلون بينهم
أين أضحى مصير وليدة اللعنة؟
والبعض منهم
بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون غافية تحت إحداها,
وآخرين فتشوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت, بينها!
وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!
وما من أثر لها
لملمت الشمس خيوطها المشعة خجلة, غفت مهمومة و صوت نحيب الوليدة, يطرق أسماع البعض بعيدا, متعبا, وبعضهم سمع طرق أصابعها الواهنة على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة
وصاحب الدكان مغلقة أبوابه, حتى اليوم السابع
تساءل الناس عن غيبته وامرأته, وظلال الشك تراود الجميع
استدعي المختار على عجل
قرر كسر باب منزلهما
لتتلقفهم رائحة عفن الأيام السبعة موتا, والجرذان تنهش جسديهما
وطبيب التشريح يصرح متلكئا, أنهما أصيبا بوباء غريب, لا يعرف مصدره!
وأعراض المرض, انتشرت, كنبات بري, فصارت الجثث تغرس شواهد , تؤطر الشوارع, يوما بعد آخر
لتعزل مدينة الطهر
وتعلن, أنها منطقة موبوءة!
سجنت الضواحي بالأسيجة الشائكة, وأحرقت الأشجار, منع الدخول أو الخروج منها
لا يدخلها سوى المعالجين, ولا تخرج منها إلا عربات نقل الموتى!!
وظل الناجين يقسمون أغلظ الأيمان, أن بكاء الوليدة يشق عنان السماء كل يوم, يهز طرق أناملها اليافعة الأبواب .. كلما ابتلعت الشمس نسيج نورها الذهبي مغصوبة، وجن جنون المساء!
..............................
المُدَمْدِمْ
جلس على الكرسي القريب من النافذة, يتطلع بعيون ثاقبة إلى الشارع يتفحصه بعين الرقيب، ويرسم مخططه النهائي.
نظر إلى السيارات المكتظة بزحام خانق, وهو يتمتم بينه وبين نفسه عن موقعه الثمين الذي يطل على التقاطع الرئيسي, والفرحة تملأ قلبه لأن الصيد سيكون سهلا، هكذا حدث نفسه، أخرج من حقيبة عدته التي يسميها (عدة صيدي الثمينة ) قناصته, وصار يتحسسها بعد أن أكمل تركيبها قطعة قطعه, وهو ينظر إليها بعين الإعجاب الشديد, ثم وضعها على صدره وكأنه يحتضنها, تنفس بعمق شديد وهو يقول:
- لنتوكل على الله حبيبتي، فاليوم سيكون مشهودا.
بقي في مكانه متربصا, ويده تحتضن قناصته التي أخرج فوهتها من خلال فتحة صغيرة من شباك الغرفة, وعيناه ملتصقتين بمنظارها, ينظر إلى الناس من خلال عدستها وهم يمرون عند عبور الشارع، وشعور عميق بالحزن يخالجه, ووجوههم المثقلة بالهموم تحكي ألف قصة عذاب, وأعينهم التي أذبلتها شدة الحياة ووطأتها, تعلن مدى معاناتهم تحت ظل الاحتلال.
لعن الاحتلال ومن جاء فيهِ, وهو يتمتم بكل ما تعلم من كلمات الشتيمة والسب, وكان هذا سببا لأن يكنيه رفاقه ( بالمُدمْدِم ).
مرت سيارة سوداء تخدش حياء الإسفلت, بقسوة وفظاظة, تحيط فيها الكثير من السيارات المظللة المليئة بالمسلحين, و رجال حمايتها يخرجون أجسادهم من نوافذها, وهم يصوبون فوهات غداراتهم صوب المارة, إمعانا في إرهابهم أطلق البعض منهم إ طلاقات نارية في الهواء, كي يبعدوا السيارات والمارة القريبين منهم, و موجة من الغضب الشديد اجتاحته, لمنظر الناس وهم يتطافرون هربا, من رصاصات طائشة قد تودي بحياتهم, في ظل الفوضى العارمة التي اجتاحت عاصمة أول مسلة للقانون في التأريخ، لتعلن أحكام الغابة شريعة للحكم، ويرثي حمورابي مسلته, وينشر خبر نعيها.
توسط قرص الشمس السماء المتخمة بأدخنة التفجيرات ,والغبار المتصاعد من الأبنية الكثيرة المنهارة, وعيناه مازالتا ملتصقتين بناظور القناصة, والعرق ينصب من جبينه, وينزل على عينيه فيمسحها, بطرف إصبعه كي لا تفته نظرة تفقده , طريدته الثمينة !
ساعتان مرت, وهو مازال مسمرا في مكانه، لم يتزحزح وحرارة الشمس لفحت وجهه من خلال زجاج النافذة, لتزداد سخونة الجو أكثر حتى ابتلت ملابسه بالعرق, وأصبعه على الزناد لم يحركه, وإحباط خفيف يعتريه حين شعر أن الوقت قد طال، وإن هذي العملية ربما ستفشل.
خفق قلبه بسرعة, يلامس شغافه بعض الفرح المشوب بالترقب والرهبة حين سمع هدير أصوات محركات ضخمة تقترب رويدا رويدا، فمسح عينه لآخر مرة،وانتظر.
أقبل رتل من المدرعات وتوقف عند ناصية الشارع كالمعتاد, ونزل الجند وهم يصوبون فوهات غداراتهم نحو السابلة تحسبا, من هجوم المقاومين وهم يظهرون فجأة ويختفون مثل لمح البصر، وبعد أن اطمئن الجند من خلو الشارع أنزلوا أسلحتهم, وصاروا يتبادلون الحديث قرب أحدى المدرعات، صوب المدمدم قناصته نحو أطول جندي فيهم, مسددا الفرضة والشعيرة على جبهته.
سحب نفسا طويلا, ثم قطع الأنفاس، وحين أراد أن يضغط على الزناد, انحنى الجندي, ليخرج شيئا من جعبته.
تمتم المُدَمْدِ مُ بغيض وحقد, والحيف يملأ صدره حنقا, لكنه تذكر إن عليه أن لا ينسى قدرة الله فتعوذ من الشيطان الرجيم، وصار يقرأ آية من القرآن الكريم.
رفع الجندي الطويل قامته مرة أخرى، فهمس, باسمك اللهم, اللهم سدد رميَّ، وقطع أنفاسه مرة أخرى ثم أطلق رصاصته.
سقط الجندي, بعد أن ترنح الجندي يمينا وشمالا,ثم تهاوى كثور، خار للحظة ثم سكت، ورفاقه الغارقين في الضحك, لم يفقهوا الأمر في البداية, إلا إن الدخان الذي تطاير من مؤخرة رأسه وسقوطه المفاجئ أرعبهم، فساد الهرج والمرج, وفوضى ملأت المكان, وهم يطلقون النار عشوائيا على البنايات والأسطح, ويتدافعون فيما بينهم، للاختباء.
ساد الرعب أجواء المنطقة, والناس يتطافرون هربا, وترك أصحاب السيارات سياراتهم وسط الشارع, يحتمون من الرميٍ العشوائي خلف الأعمدة وعلى حين غرة, ومن بين أحد الأزقة الضيقة في المنطقة, خرج أربعة مسلحين, صاروا يرشقون القوات بإطلاق نيران كثيفة, لتأمين انسحاب المُدَمْدِمْ، خاطفة, وخرج من الجهة الأخرى إلى الشارع, وكأنه عابر سبيل.
لوي رجله اليمنى, وسار بطريقة عرجاء، وعقف يده اليمنى, ثم ترك لفمه العنان كي يكمل الباقي, فبدا وكأنه معوق, مصاب بتخلف.
وقف قرب شرطي يسأله بصوت متلعثم, ولعابه يسيل من فمه ليتناثر على وجه الشرطي رذاذا.
- ممماذا يييجررري
نظر إليه الشرطي نظرة تقزز, وهو يرى اللعاب يسيل من فمه, ويتناثر في الهواء, فدفعه بيد, وفي الأخرى مسح اللعاب عن وجهه، يصيح بصوت ملول:
- اذهب أنت الآخر, ألا ترى الأمريكان وهم يطلقون النار على كل من هب ودب, اذهب واختبئ, أيها المعوق, هيا بسرعة, قبل أن تأتيك رصاصة طائشة تزيد إعاقتك.
مشى مشيته العرجاء, وعيناه تومض بوميض متألق, وقلبه يخفق فرحا, يغمره شعور بالسعادة القصوى, فهذا هو الجندي رقم مائة الذي ( قنصه ) إنه الرقم الماسي.
تنهد بعمق, واختفت فرحته, وهو يستذكر وجوه, مئات الضحايا الذين أزهقت أرواحهم بلا رحمة, وبدون ذنب اقترفوه، استباح القهر قلبه, واعتصرت الأحزان روحه, على أبناء جلدته والظلم يستبد بهم، فغلف وجهه الأسمر الوسيم، ظل غم عميق.
ابتعد عن المكان كثيرا, بعد أن دخل وخرج من شوارع فرعية كثيرة, فأدار رأسه للخلف يستطلع المكان، ثم اعتدل في مشيته.
تذكر رفاقه وهم يغطون انسحابه في هجومهم المباغت على القوات, وهو يسمع صوت تراشق النيران مازال مستمرا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، وهو يتخيل موقف جنود الاحتلال من عملية ( القنص) وهجوم رفاقه تمنى لو أنه كان هناك, يراهم بأم عينه وهم يختبئون داخل مدرعاتهم, خوفا ورعبا من المقاومين.
تمتم بوله عاشقٍ، إنشودته المفضلة التي قضى ثمانية أعوام, وهو ينشدها:
(( إحنه مشينه مشينه للحرب، عاشق يدافع من أجل محبوبته، وأحنه مشينه للحرب، هذا العراقي العراقي من يحب، يفنى ولا عايل يمس محبوبته ، واحنه مشينه للحرب )).
........................
محاولة اغتيال
غادر عيادته متأخراً, فهو الجراح الوحيد في المنطقة الذي لم يهاجْر, ولم يرضخ لتهديدات المهددين له!
مد يده نحو باب سيارته يفتحها
شعر بالقشعريرة تعتري بدنه, وجسما بارد وصلبا لامس مؤخرة رقبته, وخوف من نوع غريب داهمه.،أمرا يتوقع حدوثه لكن
ليس اليوم ولا بهذه اللحظة!
تسمرت يداه, وتصلب جسده كقطعة خشب, واتسعت حدقتا عينيه على سعتهما, تحجرت كل أفكاره, وتبلد ذهنه فلم يعد يفكر بشيء, وكإن الزمن قد توقف, سوى من نبضات قلبه المتلاحقةِ وأنفاسهِ التي يعلو ويهبط بها صدره.
أفاق من ذهوله على الصوت الصادر من خلف أذنيه , ينطق الكلمات بحقد متعمد، يحذره:
- قف .
لا تتحرك , وإلا أرديتك , حركة واحدة وسأضغط على الزناد، لأجعل من مخك نثارا .
تجمدت يده فوق أكرة باب السيارة , تسمر مكانه وكأن على رأسه الطير, ويده ما تزال تمسك مفتاح باب السيارة.
تساءل بصوت مستسلم لقدره غير خانع أو متخاذل:
- نعم لن أفعل ولكن، هل بإمكاني سحب يدي من باب السيارة, فقط؟
لكزه صاحب الصوت الأجش بالمسدس, وبتهكم قال:
- هيا افعل لكن, دون أن تقوم بحركة واحدة أخرى, أنزل يدك فقط, لأراها.
سحب يده وأنزلها, وعيناه تحاولان استيعاب ما تريانه, وظل غشاوة رمادية تحيط فيهما، لأربعة رجال يحيطونه من كل جانب, مدججين بالأسلحة ملثمين, يخفون ملامحهم بأقنعة سوداء , لا تظهر منهم سوى أعينهم المليئة بالحقد والضغينة, وقسوة سمع الكثير عنها, من قصص الذين اختطفوا واغتيلوا قبله.
رفرف قلبه بين جنبيه بهلعٍ, وهو يتذكر قصص العذاب التي قاساها الناجين بإعجوبة من زنازين الموت وآثار ( التثقيب) بأجسادهم, تشهد على حجم وحشية وبربرية, لا تعرف الرحمة.
تعثر لسانه بالكثير من آيات القرآن وهو يرددها, لفرط توتر أعصابه, تخدر جسده,
شعر بجيوش من النمل تغزوا جسمه, وإن نهايته قد اقتربت، فغمره احساس بأنه سيغمى عليه, وبالكاد استطاع أن يقول بصوت حاول جاهدا أن يبدو متماسكا وعينيه تتفرسان المكان حوله لعله يجد من يعينه أو ينقذه:
- هل بإمكاني أن أعرف ماذا تريدون؟
بصوته الخشن رد قائدهم :
- صهْ , ولا حرْف , ولا كلمْه.
ثم ضربه بأخمص المسدس على أم رأسه, فسقط على الأرض بقوةٍ,
لم يفقد الوعي, لكن جسده لم يستطع الإتيان بحركة, ولم يستطع حتى التأوه.
تطوع اثنان من الملثمين بسحبه من كلتا يديه, وتوجها بهِ إلى سيارة سوداء مظللة, بعد أن عصبوا عينيه برباطٍ أسودٍ.
أحدث حذائه على الإسفلتِ أثر خطوطٍ متعرجة وهما يسحبانه كذبيحة تساق إلى المذبح.
أوجعه بحرقة احتكاك ركبتيه بإسفلت الشارع الخشن, لكنه فضل أن يبقى محتملا الألم على أن يبوح
اضطرب قلبه حين اقتربوا من السيارة
وفي لحظات الهول تلك, تذكر والدته وهي تنتظره بكل ذاك الخوف الذي يملأ عينيها ودموعها, كلما تأخر في العودة ولو قليلا, من شوارع يسكنها الموت, ووحوش تلتهب رغبة للقتل والتعذيب, وسلخ جلود بني البشر بلذة الحقد, تذكر زوجته الحبيبة وطفليه وهما يلعبان بشاربيه لعبتهما المفضلة؛ كلما أجلسهما على رجليه, تذكر يدي أبيه وهما تمسكان بكتفه و يحثه أن يبقى شامخا, يرفع اسم وطنه عاليا بعلمه, وأن يخدم أبناء جلدته دون التفكير بغاية أخرى, تذكر أرواح الناس البسطاء الذين أنقذهم, بمبضعه الفذ, وهو يقوم بواجبه كطبيب جراح , وألسنتهم تلج بالدعاء له, بأن يحفظه الله ويبعد عنه كل مكروه,
فناجى الله:
- ساعدني إلهي.
هنا
أحس بأن حواسه كلها قد عادت إليه, وإن شيئا ما يدفعه النهوض, فنهض واقفا على قدميه، ومشى.
فتح أحدهم باب السيارة المظللة, وحاول آخر دفعه إليها, بهذه اللحظة, دوت اطلاقات نارية كثيفة حوله, جعلته يخفض رأسه بحركة عفوية لا إراديه, دون أن يعرف من أطلق النار على من, أو لماذا !؟
صار الصخب شديدا حوله, وعم الشارع الهرج والمرج, والصرخات تملأ المكان رعبا.
انبطح على الأرض دون أن يعارضه أحد، وأزيز الرصاصات تحيطه, تدوي برأسه وتصم أذنيه.
سقط جسد أحدهم فوقه، فأحس بالهلع يعتريه، لكنه لم يبد حراكا.
غطت الدماء رأسه , وثقل الجسد الجاثم على ظهره أثقل عليه أنفاسه، حتى لم يعد يطيق السكوت، فانتفض.
دفع الجثة بكل ما أوتي من قوة, ونهض واقفا
توقف إطلاق النار لحظتها
أحس باقتراب أحدهم منه,
كر عليه الخوف مجددا
انتزع العصابة السوداء من عينيه بسرعة، ليجد نفسه أمام رجل يحمل غدارة سوداء، وثلاثة آخرين مدججين بالسلاح يحيطونه.
صعق, غزاهُ الشعور بالغبن، أحس بالغضب يكتسح كيانه والحنق الشديد يملأ صدره.
مزق قميصه المغطى بالدم يعرض صدره أمام الرجال يتحداهم، وزمجر بصوت هادرٍ يعلن العصيان:
- هيا اقتلوني، ماذا تنتظرون ؟ فقد سئمت هذه اللعبة القذرة.
نظر الرجل إليه،وظل ابتسامة تعلو محياه، وهو يقول:
- المعذرة دكتور، جئتك ورفاقي منقذين لسنا قتلة أو مجرمين، حمدا لله على سلامتك.
28/10/2008
...............................................
يد القاتل
لقبه أصدقاؤه أبو المشاوير، وهو الذي لا يتواني لحظه عن حمل سلة صغيرة, تحملها عجوز عائدة من السوق, فيلهج لسانها بالدعاء له، ولم يتكاسل عن دفع سيارة سائق أجرة تعطلت سيارته, مقدما يد العون لكل من يحتاجها، وهاجس والدته أن تظل قلقة عليه وعيناها ترقبان باب الدار بقلق وخوف حتى يعود، ويكتم أبوه حسرته عن زوجته , وأفكار مرعبة تتلبسه , حتى يسمع صوت ابنه يملأ البيت ضجيجا ومرحا, وضحكات الأم تملأ البيت سرورا بعودة ابنهما الوحيد من شوارع موتٍ ، الخارج إليها أغلب الظن لن يعود.
وصباح الجمعة كان دائما مميزا, فيذهب وصديقه عمر لشراء إفطار الجمعة المختلف, وهما يتمازحان وصوت ضحكاتهما الصافية النابعة من القلب تضج بالحياة، فيعودان إلى البيت وهما يحملان صحني (القيمر والكاهي ).
كان ذاك الصباح يحمل نسمات الشتاء الباردة المبللة بندى الليل, والشارع يكاد أن يكون خاليا إلا من أناس قليلين وأحمد وعمر يتمايل جسميهما مع دعاباتهما التي بعثت روح المرح والحياة فيه بعد أن سكنها الموت والظلام ، وجثث مجهولة الهوية تملأ المزابل، تنهش لحمها الكلاب السائبة ليلا، دون أن تتقاتل بينها لكثرتها.
مرت بقربهما سيارة مظللة مسرعة, استدار سائقها على عجل وتوقف قربهما، فتح ركابها الأبواب بوقت واحد, وترجل منها رجال مسلحون ملثمون بأقنعة سوداء.
خفق قلباهما بعنف , وهما يريان الملثمين يتوجهون نحوهما مباشرة وأسلحتهم مصوبة عليهما, وتسمر جسداهما في المكان.
وبلمح البصر, طوق الرجال الملثمون الشابين , قيدوهما بقيود بلاستيكية محكمة , وعصبوا أعينهما بعصابات سوداء , ورموهما بداخل السيارة بقسوة كخراف تساق إلى السلخ .
أعلن جسداهما الخوف العارم بارتجافهما , خفق قلباهما بتسارع شديد وكأنهما سينخلعان من صدريهما، وتلاحقت أنفاسهما.
لمحَ أحمد وشما على يد أحد الملثمين , قبل أن تعصب عينيه , كان الوشم غريبا لم ير مثله سابقا، عقرب تلدغ فمٌ بشري.
ألجمت الفاجعة لسان عمر, وأحمد يسأله عدة مرات:
- من هؤلاء, ولم اختطفونا نحن الاثنين؟ أتراهم مختطفين عاديين يأخذون فدية فقط , أم أنهم من المتطرفين، نحن من طائفتين مختلفتين، فكيف يحدث أن نختطف من قبل هؤلاء نحن الاثنين, عمر رد ما بك , هل أنت بخير! ؟
مرّ وقت أحسه أحمد دهرا طويلا , قبل أن يرد عمر بصوت واهن يائس .
- لا أدري , لكني أتصور بأن هذا آخر يوم بعمرينا , قلبي يحدثني بأن اليوم مشئوم، لن يمر بسلام .
توقفت السيارة أمام أحد البيوت, وفتح أحدهم صندوقها, أنزلوهما, يدفعونهما دفعا إلى غرفة واسعة فارغة , ساد اللغط الكثير بين المختطفين , يتبارون فيما بينهم من يبدأ الحفلة ، مثلما أسماها صاحب الوشم، وقرروا أن تبدأ حفلتهم ، بعمر.
ازدادت ضربات قلب عمر, أحسه سينخلع من بين ضلوعه , حين تلقى أول ركلة على بطنه , بعدها لم يعرف من أين تأتيه الضربات واللكمات , حتى انتفخت ملامحه ولم تعد تشبه ملامح البشر.
سالت الدماء غزيرة من أنفه وشفتيه, و شـُجَ رأسه بفتحةٍ كبيرة, وصدى صراخه المتألمة , يملأ الغرفة يدوي دويا مخيفا، وأحمد يستغيث الله أن يلهم صاحبه الصبر على التحمل .
ضحك المختطفون, ضحكات هستيرية مخيفة، وهو يتوسلهم ترك عمر جعلته يشعر بقشعريرة تسري في بدنه , كجيوش من النمل , تزحف على جسده , ثم سمع صوت آلة كهربائية تشبه صوت آلة المثقاب , دوت بعدها صرخات ألم عارمة, تصدر من عمر.
وعم سكون , لم يقطعه سوى صوت صاحب الوشم , الذي صرخ بصوت, أجش مليء باللؤم يقول:
-أ فيقوه, هيا بكل الطرق والوسائل، ليرى ويسمع صوت رفيقه، يتألم مثلما صرخ هو و تألم، عجلوا قبل أن يغمى عليه.
كان أحمد يسمع صوت لهاث عمر, من شدة الألم الذي يعتريه, حين أحس بأن هناك من يمسك بجسمه, يثبته على الأرض , بعد أن فكوا قيده.
عاد صوت المثقاب مرة أخرى, فأيقن أن دوره قد حان.
استعان بالله بصوت مرتفع
مرّ بذاكرته وجه أمه الحنون وابتسامة أبيه, وحزنهما حين يعرفان ما سيحدث له، فبكاهما.
خفق قلبه بقوة شديدة وتلاحقت أنفاسه , وهو يحس بقرب الآلة منه , والمختطفون يسخرون من بكائه، صرخ بصوت مدوٍ حين اخترق المثقاب كتفه اليمنى , صرخ بصوت متحشرج وهو يدعو الله أن يقبض روحه والمثقاب يدخل صدره ويخرج، ازرقت سحنته من فرط الألم, وارتعش جسده بردا من شدة النزف , وأوردته تنفض الدماء نفضا, وازرقت شفتيه وأزبد فمه والمثقاب يدخل مكانا ويخرج من آخر, فأخرس العذاب صوته , ولم يعد يقوى على التنفس.
تسمرت عيناه بسقف الغرفة , بعد أن خرج المثقاب من الطرف الآخر لجمجمته, وصورة صاحب الوشم مرسومة، بعينيه.
شعر عمر إن جسده تبلل بمادة لزجة, خمن إنها دماؤه ودماء أحمد وقد امتزجتا، خرج صوته مبحوحا واهنا وهو ينادي على أحمد, يريد الاطمئنان عليه، فهوى صاحب الوشم بالمثقاب عليه, فتناثر مخه على الأرض, والجدران.
تجمع أهل عمر وأهل أحمد , ينتظرون أخبارا تأتيهم من الخاطفين , بعد أن سمعوا من المارة حادثة اختطاف شابين من الشارع، طال الانتظار, وساد القلق والخوف على كل الوجوه حين عم الظلام, وعينا أم أحمد ترقب باب الدار برعب , تنظر بين الفينة والأخرى إلى زوجها الذي لم يستطع النطق بحرف واحد , خوفا على وحيده.
صارت الساعات جحيما, وهي تمرُ دون خبر.
مرّ الليل بطوله وعينيها لم تفارقا الباب، تحجرت الدموع بمقلتيها, وتسمر جسدها النحيل ولم تعد تستوعب شيء,
أذن المؤذن آذان الفجر.. فخرج الرجال للصلاة جماعة، بكى الرجال وهم يدعون الله أن يعيد أبنائهم، بسلام.
خرج المصلون من الجامع , سمعوا صوت كلاب مسعورة تنبح بقوة ,
أجفل أبو أحمد وأبو عمر، نظر أحدهما للآخر نظرة جزعة تفصح عن مخاوف متشابهة , هرول الجمع إلى مزبلة يعرفها أهل المنطقة , ويعون معناها , أسموها المقبرة، فكم من جثة ألقيت بليل هناك.
كانت الكلاب تملأ المزبلة, عشرات منها تتسابق, وهي تنبح بعواء محموم تحتشد مجتمعة، تنهش بلحم جثتين مازالت الدماء تقطر من جسديها.
..........................................
طائر يخترق الشمس
لم يكن ذاك النهار الربيعي الأول للقائهما وشمس أول نيسان الذهبية تنشر ضياءها، لتتسلل أشعتها شَعر حسناء الطويل، فتبرق خصلاته بتموج عسليّ لامع يبهر الأنظار، تتجول مع رفيقاتها في سوق البصرة الشعبي وأصوات مزاحهن تملأ المكان روحا شفافة، تضج بالحياة لتلتقي مخلد، الضابط الطيار ورفاقه كما المرات السابقة وهم يتبضعون الهدايا لأهاليهم وضحكاتهم ملأ الأشداق، تظهر مدى فرحهم لقرب إجازتهم الدورية، والعودة إلى بغداد بعد أيام مضنية من الهجمات.
دس بيدها بخفة حاو قصاصة ورقية، أخذتها منه، خبأتها دون أن تعي، وهي مذهولة غير مصدقة بأنها فعلت ذلك، ورفيقاتها يسحبنها من يدها لحثها على المسير.
المساءُ على الأبواب وعيناها ترقب حقيبتها في تساؤل ملحٍ، لا تجرؤ على البوح به عما خط بتلك الورقة الصغيرة تتوسم قدوم الليل، وغفوة الأهل، لتسرع للورقة التي خطت بيد فارس أحلامها وفيها كلمات قليلة، رقم هاتف واسم، طالما شاغلت نفسها باستنتاجه ليال طويلة.!
أدارت قرص الهاتف بقلب ينبض لهفة، وصوت مرتعش بالخجل المشحون تطلبه، ليفاجئها بأنه هو مخلد، وفرحة غامرة تعتلي صهوة صوته الدافئ، وهو يبثها شوقه العارم لرؤيتها، مذ لمحها قبل أشهر مع رفيقاتها.
حدثها عن طفولته، عن صباه، عن حبه لطائرته، وهو يحلق فيها عاليا في الفضاء كطائر حر، عن أمه الحنون وهي تتمنى أن تراه، زوجا وأبا، عن أحلامه الوردية التي حلم فيها وهي تتأبط ذراعه تفاخر بزوجها الذي يجوب السماء دفاعا عنها، طال الحديث بينهما ولم يقطعه سوى نداء للطيارين التأهب لطلعة جوية، وموعد للقاء بينهما مساء الغد.
تعلقت عيناها الواسعتان، بساعة الحائط تستعجلها المضي، تعد الدقائق وتحلم باللقاء، تحضر نفسها فتخلع قميصا لتلبس آخر، والوقت لم يزف بعد، وهاتف المنزل يرن بإلحاح.
تململت متأففة قبل أن ترد والدهشة تغزو وجهها الخمري لتسمع صوته الرخيم، يدعوها أن تصعد إلى السطح بعد دقائق كي تراه، محلقا في سمائه!
سألته بتعجب! وابتسامة متعجبة تعلو محياها:
- وكيف سأعرف طائرتك مخلد!؟
- حسناء، سأهز جناحي طائرتي يمينا وشمالا عدة مرات، ستعرفينها صدقيني.
أطلقت ساقيها تسابق السلالم بقلب ملهوف، تراقب السماء بعينين حائرتين، وأسراب الطائرات تروح وتغدو حتى بانت طلائع طائرة، تهز الجناحين بإلحاح!
تقافزت حسناء على سطح الدار فرحا، وهي ترى طائرها الحر يغازل عينيها في الفضاء، والغبطة تتناثر على قسمات وجهها حتى غابت طائرته، مخترقة جوف الشمس، لتهمس بوله العاشقة:
- مجنون حبيبي، كم أحبك أيها المجنون.
أزف وقت الموعد، وجدته يجلس على كرسي بمحاذاة النهر يدخن سيجارته و ينظر بقلق إلى ساعة يده الكبيرة، ولما رآها تهللت أساريره بابتسامة ساحرة، وفرحة الشباب تكاد تنطق بحب الحياة، وروعة الحب واللقاء بين حبيبين.
صارت ترقب السماء, يخالجها خوف من نوع غريب لم تعرفه من قبل، وهي تراه كل يوم يخترق قرص الشمس ذاهبا يهز جناحا طائرته، ونيران تأكل قلبها هلعا عليه حتى تراه وطائرته تخرج من عنق الشمس، عائدا، فتشعر براحة تعيشها سويعات، لتعود لقلقها مرة أخرى.
أسراب الطائرات كانت اليوم مختلفة، فهاهو سرب كامل يهز أجنحة طائراته يمينا وشمالا، وحسناء تراقبها بذهول وتساؤل، وابتسامة أقرب للبلاهة تغمرها، فقد اتفق رفاقه أن ينفذوا مقلبا يمازحونه فيه وحبيبته البصرية.
حين ترجل ورفاقه من طائراتهم، تفرقوا يتراكضون، يفردون أيديهم ويتمايلون مقلدين حركة طائرته، هاربين ومخلد يلاحقهم بخوذته ليضربهم بها، لأنهم أفسدوا على حبيبته متعة مشاهدته وهو في أعالي الجو، وضحكاتهم المجلجلة تصدح بمرح الشباب وحيويته، بالرغم من الحرب، وشبح الموت الذي يطل عليهم، في كل طلعة جوية.
لقاؤهما القادم كان مغمورا بالآمال، وهو يقص عليها ما حدث من اتفاق بين رفاقه عليه، وقطعهم لوعد له بأن لا يكرروها مجددا، سكت حين انتبه لها تراقبه، أحست بالخجل، احمرت وجنتاها وارتبكت. بلهفة تفحص وجهها، وعيناه تترجم النظرات كلمات حب، ثم قال:
- حسناء.
- نعم.
- غدا آخر يوم أطير فيه، سأذهب إلى بغداد بعد غد في إجازتي الدورية، وسأفاتح والدتي كي نأتي لخطبتك رسميا، فما رأيك؟
بان الفرح على قسمات وجهها، ترقرقت في عينيها دمعة صغيرة لم تستطع أن تمنعها من النزول على خدها وهي تجبيه، بصوت أقرب للهلع:
- كيف سأحتمل غيابك؟
- إنها سبعة أيام حبيبتي, سرعان ما ستنقضي.
- ستكون أطول سبعة أيام، صدقني.
- حسناء، عديني حبيبتي بأنك ستنتظرينني، عديني بأنك ستعلقين أشرطة خضراء على غصن أعلى شجرة في حديقة بيتكم كي أراها حين أعود، وأعلم أنك مازلت تنتظرين عودتي.
بكت بحرقة وهي تعده إنها ستفعل منذ ليلة الغد، وإنها ستبقى تعد الدقائق حتى يعود، خنقتها عبراتها وسالت على خديها دمعات اختلطت بكحل عينيها فأخذ منديله يمسح وجهها فيه، أخذته منه قبلته ثم وضعته في حقيبة يدها.
لم تستطع أن تغفو وهي تفكر في عودته لبغداد وبقائه سبعة أيام بلياليها، ومن أين يأتيها النوم وهي تتصور الجميلات في بغداد، فربما سيتعرف على إحداهن وينساها، ابتلتْ وسادتها بدموعها وارتجف قلبها الصغيرغيرة عليه من فاتنات مُغيبات، ولسانها يلهج بدعاء أن يعيده الله لها، بعد إجازته.
بعد العاشرة صباحا، هاتفها كي تصعد إلى السطح لتراه محلقا، كان سربه في السماء وطائرته تهز الجناحين وتتقلب في الهواء كإنشوطة، ثم اخترق السرب جوف الشمس المتوهج، وكأنها ابتلعته.
انتظرت ساعة، وعادت إلى سطح الدار ترتقب عودته كما المرات السابقة وأسراب الطائرات تروح وتغدو دون أن تهز أي منها، جناحيها!
أصابها دوار وعيناها معلقتين في السماء، حتى الغروب
أحست بالوحشة والخوف والأفكار المرعبة توسوس في صدرها، شعرت بأن أنفاسها لم تعد تكفيها، أنها تكاد تختنق، ولم تعد تدري ما تفعل والليل أطرق أبوابه، فصارت اللحظات عليها جحيما ولجة عميقة من كوابيس اليقظة تسلطت على روحها، وهي تتنصت لهسهسات أهلها عندما هجعوا لمخادعهم، لتتصل هاتفيا بالقاعدة الجوية.
الهاتف يرن دون مجيب، والهواجس المخيفة تتلاعب برأسها تعتصره، تذيبها حد الاحتراق هلعا عليه، بكت بصمت تكتم حرقتها, وهي تتخيل أنواع الصور عنه، وسؤال يلح برأسها.. هل (كَبتْ طائرته)؟
- يا إلهي كيف لم أفكر بذاك، ما العمل الآن، وكيف سأعرف؟!
هرعت بسرعة إلى الراديو تستمع لنشرة الأخبار، وهاهو صوت المذيع يعلن بأسف، بأن طائرة قد كَبتْ.!
أدارت الموجة إلى الإذاعة الأخرى تتنصت، الكثير من الجنود يعلنون عن أسمائهم، وهاهو المذيع يتفاخر بأسر ضابط طيار عراقيّ سيقدم نفسه للتعريف.
تلاحقت أنفاسها وانقبض بسرعة قلبها وهي تسمعه،
جاءها صوته متهدجا، يعلن بحزن عن اسمه، يهدي السلام أهله، وأنه لم يصب، وأنهى كلماته:
- سأعود يوما ما، سأعود بإذن الله.
في الصباح الباكر
فتحت والدتها شباك نافذة المطبخ التي تطل على الحديقة
فغرت فمها الدهشة وهي ترى
أغصان أشجار الحديقة تعج بالأشرطة الخضراء، تلاعبها النسمات ،فترفرف.
16/12/2008
.....................................
همس!
همس في أذنها بصوته الدافئ الحنون وهو يحتضنها:
- كم أحبكٍ حبيبتي، آه لو تعلمين .
بتذمرٍ تكاد أن تبكي ويداها تعبثان بأزرار قميصه, تحاول أن تثنيه عن سفره, تستخدم سلاح إنوثتها التي ما خيبت آمالها سابقا قالت:
- هل لابد أن تسافر حبيبي , ألا يمكن أن تؤجل سفرك أياما أخرى ؟ فلم يمض على عودتك إلا اسبوعان فقط .
أمسك رأسها بين يديه يصب الكلمات رشيقة:
- أتمنى لو كان الأمر بيدي حبيبتي , لبقيت العمر كله لا أفارقك لكن ,لا تحزني غاليتي هي أيام ، وأعود.
بان الحزن على وجهها, وظلال الشك علت محياها، لكنها تماسكت متشبثة بأمل أن تجدي محاولاتها.
اقتربت منه تكاد شفتاها تلامس جلده، همست الكلمات بوحا مليئا بالدفء، تشعره بحرارة أنفاسها تصبها لهفة في روحه, فأغمض عينيه وتلاحقت أنفاسه رغبة فيها.
اغتبطت لما أحست أن محاولتها نجحت وهي تشعر برجولته تتأجج لهيبا، تملكت الفرحة منها وهمهمت بغنج:
- حبيبي, خذني معك إذن ولا تتركني لوحدتي, فحياتي بعدك جحيم لا أطيقهُ, ولا أحتملهْ والوحدة تقتلني هنا.
أجفل وكأنه صحا من حلم حريري , ابتعد عنها قليلا, طأطأ رأسه يتحاشى النظر إلى عينيها , تغلب على صوته نبرة حزن , كأنه يحدث نفسه:
- أتمنى لو أني أستطيع ذلك , لكنك تعرفين مكان عملي الصحراء حبيبتي , وما من مهندس أخذ عائلته معه .
أسقط من يدها واليأس داهمها فتهالكت جالسة على السرير , وأجهشت ببكاءٍ مرير.
نظر إلى وجهها الخمري الذي أغرقته دمعاتها الغزيرة, بعينين حائرتين , وعلامات حزن خفيف طغت على ملامحه , وتساؤل جعله يعقد ما بين حاجبيه, ينصت لثورة ردها وهي تمسح دموعها عن خديها والتوتر اجتاح كيانها الرقيق فجعلها ترتعش وهي تقول بصوت متهدج:
- أخبرني إذن , كيف سأقضي أيامي بعدك , قل لي بربك ماذا سأفعل وأنا هنا وحيدة.
لا تقل لي أن أذهب إلى بيت أهلك أو أهلي , فهناك أيضا سأشعر بالوحدة والغربة بدونك, وكل ماحولي سيذكرني بك, ثم قل لي أين سأدفن أشواقي وحنيني إليك, وهي تقض مضجعي وتعذبني بفراقك، إني أحترق بعدك ،ألا تفهم ؟
جلس على السرير قربها، أمسك يدها محاولاً تهدئتها, مسح شعرها بيده بكل إلفة:
- أرجوك حبيبتي، سأقول إليك ما تفعلين
ظلي طوال اليوم وأنت تتذكرين حبي إليك ,
ظلي وأنت مشتاقة لي لحين عودتي
ولتكن ذكرياتنا معا سلوتك بعدي
ولا تنسي بأني مثلك سأعاني
وأني سأشتاق لكل ما فيك ومنك , وسأعد الأيام بل الساعات حتى أعود ونجتمع معا , فهوني عليك حبيبتي , هوني عليك , والآن
هيا عزيزتي أعدي لي حقيبتي قبل أن أتأخر .
نهضت بتثاقل يطفو القنوط على ملامحها الناعمة فامتقع لون بشرتها وهي تجمع بعض ملابسهِ، غمرها شعور غامض يتشرب داخلها, بأن هناك مايجب أن تخاف منه, وهي تصف حاجياته بعناية في حقيبة سفرهِ الجديدةِ, التي اشتراها قبل اسبوعين.
شعرت بأنها تركت قلبها داخل الحقيبة وهي تغلقها، وتناثرت حبات دمع على سطحها،فمسحتها.
استحم على عجل, ولم ينس أن يضع الكثير من عطرها المفضل وصفف شعره.
قبلها قبلات سريعة وهو يعبث بخصلات شعرها المتموج الطويل, وعيناها الواسعتان تتفرسان وجهه بنظرة حزينة قلقة، تحاول سبر غوره ، والشك في داخلها من سفره بهذه السرعة, يحرق الإنسانة داخلها،ثم حمل حقيبته وسار مغادرا.
لوح لها بيده مودعا وانطلق بسيارته، وعيناها تتابعان ابتعاده بخوف غريب يتغلغل داخلها, يشوبه الظن والريبة, من وجود امرأة أخرى تشاركها إياه, لكنها سرعان ما نفضت رأسها كأنها ترمي الفكر الجهنمية من رأسها.
كان يقود سيارته و يدندن بأغنيةٍ مرحةٍ، اجتاز شوارع كثيرة حتى وصل إلى بيت كبير, بابه الخارجي مفتوح على مصراعيه .
أدخل سيارته المرآب وترجل .
أخرج من جيبه مفتاحا, فتح باب المدخل
كانت الهدوء والسكينة تعمان أرجاء المنزل , كأن البيت فارغا لا يسكنه أحد، توجه إلى غرفة النوم مباشرة!
على السرير ترقد امرأة تغفو ملئ جفنيها, زينت وجهها بزينة صارخة، كأنها عروس بليلة عرسها، تجاوز عمرها الثلاثين بسنين كثيرة, لكنها تبدو فاتنة وقد تدلت خصلات شعرها الأشقر على الوسادة المخملية, فبدت وكأنها لوحة تزخر بالألوان.
نظر إليها بعينين شغوفتين تتراقصان فرحا، وإشراقة غريبة
اندس في الفراش على السرير بهدوء , مد يده تحت رأسها احتضنها ،
تململت بين يديه حين شعرت بوجوده
تنفست الصعداء
همس في أذنها بصوته الدافئ الحنون:
- كم أحبك حبيبتي ، آه لو تعلمين!
............................
ساعة الصفر 2003
داعب الوسن جفنيها, وهي تنظر إلى عقارب الساعة معلنة الرابعة والنصف فجرا.
قفزت من فراشها كأن عقارب الساعة لسعتها, أجالت نظرها في أرجاء منزلها الجميل وهي تتفقده وقلبها يحدثها بأن القادم صعب وقاس, تذكرت أنها لم تحتضن ولديها قبل أن تأوي إلى فراشها لفرط توفز أعصابها من الآتي وتوترها.
قبل أن تبدأ تباشير الصباح دكت الصواريخ مناطق كثيرة من بغداد, وهي تتساقط عليها كحمم بركانية ملتهبة, بعد أن دوت صفارات الإنذار معلنة انتهاء السلم, وبدء ( ساعة الصفر ).
فتحت شباك غرفتها المطل على ضفاف دجلة المهموم, فلفعت وجهها الجميل المفعم بالحزن نسمات باردة, استنشقتها بعمق, وأصابعها الرقيقة تنقر على الزجاج المنهك من كثر الاهتزاز.
أبهرها منظر النهر وهو ينساب يجري غير عابئ بما يجري، فأحست بأمواجه المهتزة تهز مشاعرها ووجدانها وعاصمة الرشيد تعلن الحداد على نفسها, ومخالب الصواريخ تقطع أوصالها.
اهتز البيت مرارا وتكرارا مع كل صاروخ نزل على أرضها التي ربت عليها وهي صغيرة غضة بعد، داهمتها أصوات ضحكاتها وأقرانها ممزقة ذاكرتها وبسذاجة وضعت يديها على أذنيها كي لا تسمع تساؤلها، ربما ماتوا الآن!؟
انقبض قلبها وهي ترى النيران تشتعل بمبان قريبة من بيتها فبكت، أحرقت أجفانها جمرات الدمع المنهمر من مقلتيها مستحضرة الماضي ودفئه, وحلاوة الأيام حتى المؤلمة منها .
تذكرت، حين طبع زوجها على جبينها ذات يوم مرح قبلة سريعة وهو يحثها كي تعجل وتنهي ارتداء ملابسها, ليأخذها والصغار بنزهة مسائية على ضفاف دجلة, أصر أن ينزل إلى جرف النهر ليبلل رجليه وضحكات الصغار تملأ المكان ضجيجا لذيذا, وعيناها ترقبانه بابتسامة هادئة وهو ينحدر إلى ضفة مياه دجلة الرقراقة حين انزلقت قدمه فانقلب على ظهره, و ضحكاته المجلجلة فتحت شهية صغاره للفرح يضحكون معه.
غاص بالوحل فاستحال إلى كائن طيني يثير منظره الضحك والسخرية وبالكاد استطاع الخروج, بعد أن أصبحت الأرض الطينية زلقة جدا فجلس على الحشائش وهو يمسح يديه ووجهه.
أعجب منظره الصغار, فغمسوا أصابعهم الصغيرة الرقيقة بالطين ممرغين أنفه به غارقين بضحك طفوليّ بريء .
أجفلت من ذكرياتها مع دوي انفجار صاروخ آخر فاستغرقت بتخيل أنات المصابين المرتعبة ويدي طفليها المرتعشتين خوفا تمسكان ذيل ثوبها فاحتضنتهما, و تقول بصوت خائف متهدج :
- لا تجزعا ولداي، دقائق معدودات وينتهي الأمر ، ثقا بيّ .
كان الخوف يأكلها فيما النيران تتلمظ بأكل المباني المحترقة، وعيناها الواسعتان تفترشان الأرجاء لتسع طوق الأفق المحمر لتحتويه .
أرعبها منظر الحرائق وهي تلتهم بغداد, وصور النيران تنعكس على المياه كأنها تخرج من عمق النهر لهيبا مستعرا.
زمجر صوت بداخلها يحثها الخروج من البيت لتنجو بولديها, فهي لم تعد تقوى على البقاء بانتظار الموت.
أحست ببرد شديد يسري بأصابع يديها، والشباك مازال مواربا يتلمس الدفء من نيران بغداد المستعرة واحتراقاتها، نظرت إلى صغيريها وهما يجلسان في زاوية الغرفة ملتحفين دثار سميك كما أوصتهما, ليحميا جسديهما من شظايا الزجاج الذي قد يتناثر بفعل القذائف التي بدأت بالتساقط منذ إعلان ساعة الصفر.
تذكرت أبيهما الذي غادر ملتحقا بوحدته العسكرية منذ خمس وعشرين يوما، ولم يعد حتى اللحظة، غزاها الحنين إليه لصدره وهي تدفن رأسها بين حناياه، لهمساته ليديه حين تحتضناها .
بعينيها الذابلتين كانت تتابع انبلاج الصباح, متصنتة أبواق سيارات الإسعاف يشق أذنيها بزعقه المخيف عازفا، سيمفونية الموت، فتلبسها الحزن وهي ترى الدخان المتصاعد من المباني الجميلة التي كانت تعمر فيها الحبيبة.
سرت بجسدها قشعريرة شديدة بينما تراخت عيناها المفعمتان بالخوف, كأنها بكت الدهر كله.
تمنت لو أن الباب يفتح الآن ويدخل زوجها منه لتحتضنه, و تبكي على صدره, فتستريح ولو قليلا .
عادت الصواريخ تدك المدللة دكا عنيفا ومع كل ارتجاجة حائط ، كانت أوصالها ترتجف معلنة عن خوفها العارم، فهرعت واندست بين ولديها وأغمضت عينيها.
أحست بدفء حميم اجتاح كيانها وبيد تحتضنها, وأنفاس اشتاقت روحها لملاقاتها وصوت حنون يهمس بأذنيها بكل حب مازال يأسرها .
- حبيبتي, لقد عدت فلا, تخافي .
شهقت بحرقة, وهي تكتشف وهمها بمجيئه الذي عاشته ملهوفة لتحتضنه, بكل لوعة ساعات الرعب المحرقة, التي بدأت مع بداية ساعة الصفر وحتى دوي انفجار، آخر لم تسمعه.
...........................................
جلس يستريح
بوجوده غير المرئي
جال بفضاء السوق المكتظ بالناس، ينظر بشفقة إلى وجوه البشر المتعبة، يتصبب العرق منها لشدة القيظ، وحرارة الجو تزداد سخونة كلما ارتفعت شمس الظهيرة، لتتوسط السماء المتخمة بدخان التفجيرات، معلنة انتصاف نهار صيفي لاهب آخر.
أمعن النظر بوجه شاب وسيم، لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يمسح بيده عرقا تفصد على جبينه؛ وينظر إلى بطن زوجته المنتفخ بتساؤل يشوبه القلق، وهي تقلب ملابس صغيرة تشبه ملابس الدمى، وظل ابتسامة خفيفة تلوح على وجهها؛ كلما وجدت قطعة تلاءم وليدها المنتظر، غير عابئة بالحر الشديد ولا بنظرات زوجها القلقة.
خطف نفسه من أمامهما، ليطوف فوق رأس شابين يعملان بالتحميل، يكومان الكثير من الرزم فوق كتفيهما وقد ابتلت ملابسهما بعرقهما، يتسابقان بالوصول أولا للحصول على بقشيش، يعينهما على قوت يومهما، وإطعام أفواه كثيرة جائعة تنتظرهما، فتركهما وطفق يحوم حول فضاء السوق مرة أخرى، يتابع عن علو أكوام البشر وهي تروح وتجيء، وقد بدا له الكثير منهم، يحمل هموم وأعباء حياة سقيمة لا تطاق تكاد تنطق ملامحهم بما يعانون من بؤس وشقاء، بينما بدا له البعض الآخر غير عابئ تبدو اللامبالاة على محياهم، وهنالك ثلة قليلة منهم بدت ملامحهم المترفة توحي له بأنهم سعداء، بالرغم من تذمرهم من زحمة السوق وحرارة الجو لحد الاختناق بلفحات الهواء الساخنة المشربة برائحة العرق والأنفاس.
من بعيد، لمح رجل زائغ النظرات دميم الوجه، عرفه على الفور، يحمل بين طيات جنبه ميقات الموت، ولحظة الآذان فيه.
تحرك بسرعة خاطفة باتجاهه، يطوف فوق رأسه والرجل يمشي مطرق الرأس مشية سكرا، وهو يلازمه ملتصقا به، لا يفارقه!
مد الرجل يده بداخل جيبه، وهو يسرع خطاه المترنحة، ينظر إلى وجوه الناس الذين أبدى البعض منهم علامات الاشمئزاز والتقزز عند رؤية وجهه الدميم، يرمقهم بنظرات الغضب والحقد ثم توقف فجأة!
توسط السوق، وضغط على زر الموت بقوة.
دوى الانفجار سريعا قويا، فتقطع جسده إلى أشلاء صغيرة، وتناثرت معه أجساد كثيرة متطايرة إلى الفضاء، يتطافر الدم منها وكأنه انهمار مطري ثقيل، وغير المرئي يتلقف الأرواح بسرعة البرق، و بلمح البصر يرفعها إلى السماء عاليا فتطير أرواحا كنسمات خفيفة ، وتبقى أرواحا أخرى، تصارع الموت من أجل الحياة.
مئات الأرواح التي قبضها اليوم، وشدة النيران والدخان الكثيف والأبنية المنهارة وحدوث هذا الانفجار الذي يحمل الرقم ثمانية منذ بدء النهار، وحتى انتصافه، جعله يشعر بالتعب الشديد والإنهاك، فترك بعض الأرواح تنازع، وجلس على حافة الرصيف ، يستريح! تتفحص عيناه أعداد الجثث المتناثرة، بنظرةٍ مذهولةٍ!
تناهى لسمعه، صوت بشري يئن أنينا خافتا يائسا
التفت ناحية مصدر الأنين، فرأى جسد شاب مسجى على قارعة الطريق، مقطع الأطراف تنزف كل أوردته، مع كل نبضة من نبضات قلبه، ترقد بجانبه امرأة بلا رأس، مقطعة الأوصال وقد تدلى جنينها من بطنها التي انفلقت من شدة عصف الانفجار، فبدا الجنين وكأنه لعبة صغيرة ممزقة، تقبع إحدى يديه المقطوعتين على صدر أبيه، كأنه يستجير فيه إبوته، يستغيث حمايتها، تفترش أحشائه الصغيرة الرفيعة إسفلت الشارع، وشرايينه الرقيقة تضخ الدماء على الأرض التي اغتسلت بدماء والديه ودمائه .
أدار رأسه إلى الناحية الأخرى مشيحا النظر عن ذاك الجسد الممزق، يتحاشى رؤية وجهه وسماع أنينه، فالتعب أخذ منه مأخذه، ولم يعد يطيق قبض روح أخرى!
طأطأ رأسه وصوت أنين الشاب يدوي بأذنيه، ووجهه المألوف يحوم حوله يأبى أن يفارقه، وهو يتوسل بصوت خافت ملهوف أن يسرع بقبض روحه، ويخلصه من عذاب وألم لم يعد يحتملهما .
أدار رأسه مرة أخرى ينظر إلى وجه الشاب فوجده يحدق، بوجوده، بعينين تملؤهما نظرة متوسلة، تطلب الرحمة والخلاص، يؤشر إلى السماء بإصبعه الوحيد المتبقي من يده يستغيث، بصوت واهن، يستعطفه:
- أستحلفك الله أن تعجل.
خشع
أحس بالشفقة والرحمة تملأ روحه.
نهض بسرعة
قبض روح الشاب
يصرخ بلوعة مستغيثا:
- رحماك إلهي، ألا ينتهي الموت في هذا البلد أبدا، ألا ينتهي ؟!
............................
بائع النسيان
ومعك ، كنت أنسى حظي العاثر.
أنسى أني فتاة خلقت كي تشقى فقط!
عسيرة كنت بكل شيء فحتى يدي عسراء!
وكل شيء يناقض رغباتي، وكثيرا ما كنت أكاد أفقد الدفة حين أود فعل شيء ما فيعاكسني الحظ ليكون ضدي!
أذكر جيدا يوم حدثت صويحباتي:
- أنا لن أجد الحب يوما!
ساذجة حقا كنت يومها، لم أك أدري أنه ينتظرني خلف باب عمري الغض ، يطرقه بإصرار ليسكن بين نوافذ قلبي ويستقر على جدرانه، يقبع كلطخة على طاولة أيامي، متحديا إياي.
اوه .. هل مر وقت طويل مذ استغنيت عن فنجان قهوتي ، لأقضيه مع شخص ما!؟
أناغيه وأفرغ في جعبته كل احلامي الصغيرة المستحيلات!
هه،, أنا لم أحدثكم عن جنوني بقهوتي الصباحية، وكونها تشكل بداية عالمي، مذاقا يريح طوايا قلبي المتعبة طوال سنين عمري الفتية التي أظنها لم تستوف شروط الإطلاق المسموح به عالميا، أرشفها لتسترخي تجاعيد عقلي المشدودة فرط التفكير، وتطير روحي بين أروقة الخيال.
كل شيئ تغير عكس عقارب ساعة أمنياتي، كأني فرس فك عقال لجامها، فجمحت!
تخليت عن قهوتي، وعن متابعة زهوري، وهجرت كتبي، ولعبة كرة الطائرة التي أعشقها، لأقضي الوقت معه، أرتشف خمر العشق، فأجلس منتشية بملامحه الشرقية.
مممم،, أأقول أني بدل أن أحبه ،همت فيه، ليخذلني!
وكأنه يعاقبني لهجراني فنجان قهوتي.
أبحث عنه في تواريخ الأيام، بين ملامح الطرقات ومفترقاتها.
واحترت كيف أبدأ يومي بدونه!؟
كيف أقضي النهارات، دون أن يكون على قائمة أولوياتي، وأين سأركن ذكرياتي معه ؟
هل أعيرها لإحدى صديقاتي؟
أم أحرقها؟!
كيف أحرق ذاكرتي؟
وتاريخ أول لقاء بيننا أثناء لعبة في النادي الرياضي، حين ضربت الكرة لتخرج طائرة على جناح السرعة تضرب وجهه، فينزف أنفه الجميل بغزارة ، ويملأ صراخي الهستيري الملعب ضجيجا، فأوقف الحكم المبارة بوقت مستقطع حتى أسترد وعي الذي كدت أفقده.
وقفت أمامه بعد نهاية المباراة، التي انتهت بخسارة فريقي دقائق طويلات خجلة اعتذر منه، وهو يبتسم تلك الإبتسامة الساحرة التي أطاحت بآخر صرح من صروحي ، ورفرف قلبي معلنا بداية لحظة الحب.
صارت حياتي كجناحي فراشة تطير وتحط حوله, واختزلت العالم بوجوده، وكأن الحظ ابتسم لي أخيرا.
ليعاندني قدري بحادثا لا يد لي فيه، وتلك الرسائل الحميمة والإتصالات الملحة التي تردني من مجهول، أحدثت شرخا كبيرا.
تركني جالسة على كرسي الإعتراف، وخرج غاضبا، وسيل الإتهامات تصلني محملة بكل الغيوم ورعودها، ليختفي عن أنظاري.
قاصصني بذنب لم أقترفه!
تركني مهجورة، كناسكة في شرفة تعصف بها رياح شباط الصقيعية.
وفي ذاتي أطارد بائع النسيان، بعد أن سمعت صديقاتي يتحدثن عنه وهو يبسط النسيان على وسائد وشراشف نقش على نسيجها طلاسم فقدان الذاكرة في آخر شارع مظلم، يبيعه مقابل ثمن بخس!
بحثت عنه بين الدروب المعتمة كالمحمومة علني أجده بعد خيبتي، بإيجاد من جنى علي!
ركضت متخبطة بين ذكريات الماضي ودموع الحاضر، أنظر بعيني التي غلفتهما غشاوة قتامة الدمع، لأجده يجلس بمكانه يتربع بقعته خاويا لا شيء أمامه سوى الفراغ، ونظرة هائمة نحو المجهول ترتسم على محياه!
تساءلت:
- أيعقل أن يعتزل بائع النسيان مهنته، أم أن حظي العسير يتلاعب بي الآن !؟
اقتربت منه أطالبه بجرعة نسياني, مددت يدي بالثمن، ليجيبني بفمه الأدرد المجعد، مطرق الرأس كأنه ارتكب معصية:
- أعتذر منك بنيتي، فقد نسيت عدة النسيان، اليوم.
أي ريح صرصر عصفت اليوم
الشمس مبتورة الخيوط, وشبح القادم ينسل خفية, يغطي وجهه غروب أصهب.
لم أكد أعرفه, لولا وشم أنزله على كفه في ليلة دهماء غاب عنها القمر, أريق فيها الكثير من دمه, وحبرا صبه فوق الجرح, يدمغ يده فيه ويئن مبتلعا وجعه.
لم تك ملامحه تشبه ذاك الشاب الجسور الذي ملأ حيطان الشارع برسومه, وأنا صبي ألاحقه مثل ظله مفتونا بما تخط أنامله العجائبية على الجدران, لتلك الصبية التي عشقها, فصارت داءه الذي ضرب أوتار فؤاده, فأعطبها ليوصم بالممسوس, ويهجر البلدة بعد أن عصفت بجسمه ركلات الرجال وهراواتهم, وهرس أحدهم بحنق يده اليمنى بقدمه.
شقوق باب حجرته, تتيح لي فسحة ضيقة كي أرقبه وهو يناجيها دامعا, تنفلت منه الآهة حرى, وهو يبثها لوعته وحرقة قلبه على غيابها! وفرشاته, كفراشة تنتقل بين الألوان ودمعه بسرعة عجيبة, ترسم عينين كحيلتين, وفما مكتنزا يكاد ينطق, لتصيبني لوثته بفضول غريب لم أفهمه حد اللحظة.!
وتطاردني تينك العينان كأني أعرفهما.!
رنا إلي كأنه مغيب حين اقتربت منه أحييه, وعيناه المحمرتان كالجمر أرعدتني وأنا أستشعر خيفة منهما, ثم أشاح وجهه عني متمتما, بلهجة معاتبة:
- أهذا أنت!؟ أ بعد كل تلك.!
لم تٌعنّي بسمتي البلهاء الحذرة, وخانني صوتي يتعثر بحنجرتي, فأطرقت رأسي خجلا.
دس يده الموشومة بين كومة أوراقه ورمى بإحداها أمامي, لأجدني أمام صورة الفتاة ذي العينين الكحيلتين, والفم المكتنز!
زاحمتني الملامح, تصارعت أمامي, وتكومت كل الصور في لحظة بهذا الوجه, والريح تتلاعب بالورقة وأنا أركض خلفها لاهثا, يدفعني شغفي القديم, أن أعرف صاحبة الصورة.!
ذات صباح شقشقي العصافير, كان يقف قرب شجرة التفاح المزهرة يحادثها, يبثها عشقه الموسوم بالمس, يغرف من جمرات الشوق, ويعاتبها أنها تتأخر كل مرة عليه, فيغلي دمه ليتفجر ينابيع من أوردته, ويكشف لها عن رسغه الذي ينزف بدفق وشدة, لتمتد يدها البيضاء الناصعة نحوه, تجمع الدماء المنتفضة في كفها, تذروها إلى السماء, وتمسح كفه بكمها وتقبل الجرح, فهربت مذعورا أصرخ:
- الممسوس قطع رسغه, الممسوس شربها من دمه.
تلقفتني أمي من أول الشارع, وأقسمت أغلظ الإيمان أن الممسوس لن يبقى بيننا بعد اليوم, فقد بات خطرا على الأبناء.
توسلتها أن لا تفعل لأنه مسكين, لم يؤذ أحدا غير رسغه, لكن إصرار أمي كان أقوى, وحيرة عينيها وهي تبحث في أرجاء المنزل تفتح بابا, وتغلق آخر, لتعود وتلطمني صفعة على وجهي, أخرستني.
رسمها ذاك اليوم على جدران المدرسة, فمًا وعينين, وشجرة تفاح مزهرة, تغفو مبتسمة قرب الساقية, وقمرا ثلجيا يتراقص دوائر مهتزة, قربها.
نسجت الحكايات عنه, وعن مس الشيطان الذي تلبسه, فأغلقت أبواب الدور على بناتها, والممسوس يرسمها بغلالة شفافة, تظهر جسدها الضبابي متوهجا بالنور المتسرب من مسامات القماش, وألبسها النجوم تيجان فضية, كأنها شعاع يبهر العيون, وعلق اللوحة على غصن شجرة التفاح الموردة!
تبعت أبي ليلتها والرجال معه, محملين بوقود الغضب الجحيمي, تقدح العيون شررا يتطاير , ومشاعل النار تضيء وجهه القانع وهم يواجهونه, أنه لطخ سمعة الفتيات!
تمتم بيتم, راكعا:
- ليس بيدي, عشقي لها يدفعني, زوجوني إياها.
انهالت الأيدي, تصب جام الجحيم عليه, تمزق الجسد والرسوم, وهو يحتضن إحداها فوق صدره يحميها منهم غير عابيء بسواها, حتى أغمى عليه فغادروه, وورقة مكتوبة بدمه ألصقوها على الجدار مواجهته, غادر وإلا...!
لم أتزحزح من مخبأي, أتابعه بشغف محموم, وهو يزحف واللوحة بيده, يصب فوق كفه المهروس حبرا, يدمغها.
بعدها, لم يره أحد, حتى اليوم
ولم تعرف البلدة سره وصاحبة العينين والفم, وأجنحة الريح مازالت تدفع بالرسمة أمامي تطير وتحط, وقلبي يكاد ينخلع خوفا من رذاذ المطر المنهمر, أن يمحو الأثر.
دفعت جسمي بأقصى ما أستطيع كي ألتقطها, وأكتشف الوجه الذي طال زمن سره.
غيرت الريح وجهتها تدفع بالصورة نحوي, لتطعنني ألف سكين عمياء, وصورة أختي التي أغمضت عينيها منذ سنين, تتشبث يدها البيضاء المتخشبة, فرشاة بلون الزهر, تحت شجرة التفاح
قبل أن تثمر!
............................
أكره ربيع
فاجأني ربيع حين كنت ساهمة بملامح وجهه
يرمقني عميقا
أحسست بالجليد يقتحم جسدي, فارتعشت مذعورة، وعيناه الثاقبتان تخترقان قفصي الصدري المحموم كتنور مسجور، وأنا أتفحص تلك القسمات الحادة، التي..... !!
كم كان عمري حين أنجبته خالتي
خمسة سنين؟
غضة طرية كورقة فل لم تتفتح أوردتها بعد!
أذكر أني كنت في المرحلة التمهيدية
لا
ربما الأولى
حقيقة لا أدري
زهري الجلد ناعما،
يقولب عيناه جلد ثخين ومتهطل كجرو صغير، أدهشني مرآه، ولسانه ما فتئ يتلولب خارج شفتيه، كأفعى صغيرة تتلوى!
أكره الأفاعي، حد العمى
أكرهها
ابتسمت رغما عني وأنا أتذكر إولى لحظات ولوجه عالمنا المجنون، يصرخ وجهه العابس المنتفخ كبالونة صغيرة، ونلتف حوله جميعا، كمهرجين, نفتعل الحركات والأصوات، عساه يصمت!
وليته يفعلها، ويخرس إلى الأبد!
كم كرهته
بغضت صوته المجلجل، والكل يسرع لتلبية طلباته
حقدت عليه، وهو يستحوذ على اهتمام الجميع
وحب خالتي له الذي جعلني في دائرة الظلمة
ألقمه زجاجة الرضاعة، أدفعها لفمه الممطوط دفعا، يغص فيها أحيانا، يتقيأ جوفه، لبنا متخثرا
ضحكت بصوتي المبحوح العالي وأنا لم أزل أنظر له، متفحصة
صدمتني نظراته التي اخترقت وريقات عمري المطوية، بلمحة، وهي تلتقي بنظرة عيني كأنه أحس بما يعتمل داخلي
فارتبكت محتارة
ربما احمر وجهي
وشعور من هذيان انتابني، أضناني سنين طويلة
سألت نفسي ألومها!
هل فضحتني ملامحي الساذجة، حد البلاهة!؟
ويحي
هل أنا حمقاء ؟!
استطاع رجل بكل سهولة، أن يفك طلاسمها المخبأة بين الأفئدة!؟
كيف سأواجهه، وأواجه خالتي التي احتضنتني منذ صغري بعد الفجيعة التي أصابتني بفقدان والدي، وأختي الأصغر.
بمَ سأبرر موقفي لهذه المرأة التي أخذت بيدي يوما بعد آخر، حتى أصبحت تلك الفتاة التي يشير الجميع أنها، الإبنة المثالية!
وهاهي صورتي المعلقة على جدران الصالة، تحدجني بقرف، وأنا أبتسم لخالتي وزوجها بكل حب، يوم تخرجي
وبحماسة تحكي للجميع عن ذكائي، وكفاحي المستميت أن أكون المتميزة، تسفعني بسياط محفوفة بالغموض!
مسكينة خالتي
يالها من امرأة مخدوعة!
لم تدر أني، في يوم غافلت الزمن
وتركت ربيع حين كان بعمر زهرة ندية، تحت صنبور الماء في حديقة الدار، يشهق بأنفاسه، وحين باغتني وجودها، حملته من بين براثن الموت مرتعشة، أرفعه بين يدي عاليا،
فأصبحت البطلة بنظرها، ونظر زوجها، والآخرين.
وغفوت أنشج متحسرة، تلك الليلة الغبراء على ما فعلته، نادمة على غفلتي المقصودة.
حاصرتني نظرات ربيع، وأنا أدير وجهي عنه، لعلني أتفادى رماحا أدمتني أعواما، بعدد سنين عمري وعمره.
تقدم نحوي بخطى ثابتة، يخترق جموع المهنئين بخطبة أخته، يرد عليهم بكلمات مقتضبة، يقتلع الابتسامة من بين أسنانه اقتلاعا، ومقلتاه المحمرتان أرعبتني، حد الشعور بالتلاشي.
صار قاب قوسين أو أدنى
كأن المكان خلا، إلا مني ومنه!
وحدسي ينبئني أنه ينوي شيئا
يريد انتزاع اعتراف مني
ينوي تعريتي بحقائق دامغة
لا أقوى عليها
وصورة واضحة لسر دفين، لا أستطيع البوح فيه!
هربت ملتحفة برؤوس الحاضرين، أتخفى بينها, أحشرني كلص مبتديء أهوج
أدفن رأسي كنعامة مرة، وكنورسة مبللة أخرى، يغرقها المطر بمد بحري لا حدود له، أبتعد عن مرماه،
لكني مازلت أحسه قربي!
يلاصقني
يتغلغل مساماتي
بل أكاد أجزم أني سمعت طرق طبول نبضات فؤاده، تلامس رجفات قلبي المشنوق، هلعا!
خذلتني أنفاسي، وأطاح الدوار بجمسي يتهاوى سحيقا
امتدت يده
انتشلتني قبل أن أحط مرتطمة
دافئة وحنونة كانت
وعيناه النديتان تترقرقان بالدمع، حين احتواني بين ساعديه
همس بما يشبه الأنين، يزفر الأنفاس حروفا مجمرة فوق رقبتي:
- أيتها المجنونة أعشقك حد الثمالة، فلا تتهربي من حبي.
.........................
نافذتي والليل
نافذتي والليل وتراتيل أمي , وحكاية لجدتي روتها لنا ألف مرة ونحن صغار نجتمع حول نار المدفأة بليالي الشتاء الباردة, فاغري الأفواه مشدوهين, نستمع لقصة الفارس الشجاع, الذي عشقته رغما عني, مذ سمعتها تحكي لنا قصته.
وأتخيل نفسي تلك الحبيبة التي يعشقها, وضفائري مازالت جدتي تضفرها بيديها المرتعشتين, وهو يمتطي صهوة جواده الأرقط , يجوب البراري والوديان سنين طويلة يبحث عن خاطفي حبيبته يأخذ بثأرها, ويحصد بجرأة وجسارة, رؤوسهم بسيفه.
هالني منظر الرؤوس المقطوعة, وأنا أتخيلها تتطاير عن أجسادها , تطيرعاليا ثم تتدحرج على الأرض, اعترتني قشعريرة من دماء قانية, تنتفض من أوردتها فوق الرقاب, وأجساد تمشي بلا رؤوس بضع خطوات، قبل الرجفة الأخيرة.
تركت الورقة والقلم بغضاضة, وشاغلت نفسي أرقب تراقص نيران شمعتي, ترسم على الجدار ظلالا مشوهة لجسمي, شمعتي التي أوقدتها منذ غياب السلم, وآخر وهج تلألأ بغرفتي بعد انقطاع النور, لتغرق المدن بظلام دامس, إلا من أضواء شحيحة تجود بها فوانيس شاحبة وشموع, تطل بنورها الخجل من بين شرفات ونوافذ المنازل الغارقة بالعتمة.
لم أدر من أين أتاني الشعور بالأمل يناغيني, بالرغم من الحرب وضراوتها بأن فارس قصة جدتي سيأتي يوما, يحمل حبه وأشواقه, وتوقا لم يفتر, فيطفئ مجيئه صقيع الخوف والظنون التي رافقتني مذ غاب الأمان, يوم دُكت حصون قلعة مدينتي, لتنعق أسراب الغربان بسمائها, وتغفو جدتي ذات يوم شديد الريح غفوتها الطويلة ولم تستيقظ, تحتضن عيناها وجع غزوة كونية أخرست قلبها, وحصدت من روحها ذاك العنفوان والإباء, الذي كانت تحكيه بحماسة لنا, عن الفوارس والشجعان, يغزو وجهها وجع غريب, ودمعة مكابرة أبت أن تنزل, تحجرت بمقلتيها حتى واريناها التراب.
الصباح لم يكن يحمل معه سوى روتين اعتدته غير عابئة بأصوات قصف الصواريخ, أستمع بشجن من جاراتي أخبار العائدين من الجحيم الذي تقذفه شياطين تطير بأجنحة سوداء, يحملون معهم حكايات مهولة, تشبه حكايات جدتي الخيالية و يسردون قصصا مرعبة, عن أيام قضوها في العراء, يأكلون من حشاش الأرض, ويختبئون بسذاجة من الشياطين السود, يكومون أجسادهم فوق بعضها بخنادق تشبه القبور, حفروها بأيديهم حين تُفتح بوابات الجحيم عليهم بحاويات تقذف الحمم التي تصهر الأجساد بلهيبها, لتبقى الملابس بلا مرتديها, يسيل بين شقوقها تكتلات اللحم والعظم المنصهرة, ويتسرب عصير الدماغ من الأذنين, سائلا أصفر داكنا, ولزجا!
وشمس آذار الفتية المتشحة بلون الدم عند الغروب, لاح لي من بعيد وأنا أنظر من خلف زجاج نافذة المطبخ, رجلٌ بملابس عسكرية يتوكأ على خشبة يتعكز عليها, فكان منظره محزنا والتراب يغطيه وكأنه خرج من قبره لتوه, يجر رجليه جرا, ويتمايل جسده كأنه سيغمى عليه.
اقترب أكثر بانت ملامحه المفعمة بأسراب الغم والخذلان, ودماء لم تزل ندية تغص فيها ملابسه.
يمعن النظر بين واجهات البيوت بدهشة وذهول, يدير رأسه خلفه كلما أحس بأنه أخطأ الطريق, فيقف هنيهة يمسح عينيه بيده التي اختلط فيها الدم بالتراب فغدا لونها طينيا محمرا, ويعيد الكرة بتصفح واجهات البيوت وهي تزخر بثقوب شظايا الصواريخ, فهدمت أسوار وفتحت ثغرات كبيرة بعدة بيوتٍ, وطوحت ببيتين على ساكنيهما فأصبحا ركاما, تظهر بعض آثار قطع أثاث و ملابس من كانوا يسكنوهما.
بدا اليأس عليه وذهول وحشي , فتهالك يفترش الأرض, وأجهش ببكاء مرير, ويائس.
بكيت بحرقة لبكائه على رجال وطني, الذين أحرقتهم مرة نيران يصبها المحتل عليهم, وأخرى وهم يحترقون لفراق الأهل والأحبة, حين أبادتهم أسلحة عمياء, لا تعرف الرحمة.
ابتلعني الغمُ, فناديت بجزع أخي جعفر أن يُغيث الشاب.
هرع إليه
أعانه على النهوض, لكنه سرعان ما سقط مغشيا عليه, حين أيقن إنه لم يخطئ الشارع , و بيت أهله أحد البيوت التي دكت.
غمرني الزهو وأنا أراقب أخي يحمل الشاب, كأنه يحمل طفلا صغيرا, بالرغم من جرحه الكبير الذي أصاب خاصرته, بآخر معركة دارت رحاها على الحدود الجنوبية للعاصمة العتيقة, ليعود بعدها مخضبا بدمه, مليئا بالأسرار والقهر, لأن الوطن لم يصمد طويلا, تحت دك القنابل والصواريخ التي انهمرت عليه, وتكنولوجيا الألفية الثالثة تفوقت على شجاعة رجالها الفوارس.
ويخرسني حين أسأله عما حدث:
- صه زبيدة لا تسأليني, قط.
فأصمت حيرى ملتاعة وعيناي تسألأنه:
- أما آن الآوان ان تشي لي بالسر, أخي!؟
أسند أخي الشاب على الأريكة, وشرعت أمسح بمنشفة مبللة وجهه
أشعل جعفر فتيل فانوس آخر, فالليل أضحى حالك الظلمة,
وضعه على الطاولة القريبة .
فشهقت شهقة حاولت أن أخفيها, حين أضاء النور وجه الشاب, وبانت ملامحه, بسحنته السمراء.
حملقت بوجهه
انتبه الشاب لي, بادلني نظرة متسائلة!
وعيناه التي غمرهما الحزن تتفرسان وجهي, بتعجب! كأنه يعرفني .
هلت الفرحة تغمر قلبي, وأنا أسمعه يجيب أخي بصوت رخيم, حين سأله عن اسمه:
- أنا فارس.
تهالكت على المقعد القريب مني
وضعت يدي على صدري أحمي قلبي لئلا يطفر من بين أضلعي.
همست لجدتي أسرها,سري:
- إيه جدتي، لقد التقيت اليوم بفارس قصتك.
.......................
رياح الخوف
الريح تعصف بقوة تضرب كل ما يقف أمامها، تقتلع بطريقها أشجارا يافعة لم تضرب جذورها الناعمة بعمق في الأرض، فتطير معها أعشاش العصافير الصغيرة، والحمائم تحوم حول المكان تبحث عن صغارها وتهدل بهديل مفعم بالوجع والحزن كأنها تبكيها, وربما تطمئنها أنها مازالت قريبة منها لتحميها.
أوجع قلبي منظر الأفراخ الصغيرة وأنا أتخيلها والريح تتقاذفها ذات اليمين وذات الشمال، لكني لم أقو على الخروج إلى الحديقة لألتقطها.
كان الخوف يتربص هناك جاثما، خلف سياج داري ينتظر الفرصة حين تسنح له!
تابعته بعينين أذبلها البكاء وأتعبها السهر، وهو يقبع في الظلمة يتربص بيَّ، يرمقني بنظرات حمراء بلون الدم، تومض بوميض ناري كلما أبرقت السماء وأرعدت.
أجفلت، حين صفقت الريح بابا لم يكن موصدا
استشعرت رهبة افترشت مساحات جسدي بقشعريرة، أخفقت وأنا أحاول جاهدة أن أتجاهلها وصورة الخوف تقف بصلفٍ أمامي، تضحك مني بوحشية مفجعةٍ!
صفعتني صورتي وأنا أراها بالمرآة تهتز، والخوف مازال يضحك مني ويهزأ بيّ.
غطيت وجهي كي لا أرى ملامح لست أعرفها، وهديل الحمائم يدوي في رأسي، يأبى مفارقتي
فهربت مني إلى غرفتي!
صارت الريح أشد وأعتى قوة تهز زجاج النوافذ والأبواب تئن صريرا، أرغمني أن أدير رأسي أتلفت حولي كمن أصيب بمس من الجنون
فتركت المكان وهرعت إلى النافذة أنظر منها إلى السماء التي تلبدت بغيوم سوداء كثيفة، ترسم وحوشا ورموزا مخيفة، و تجري بسرعة الريح خلف بعضها، تلتهم بعضها بشراهة وقسوة عجيبة فتكبر وتكبر، والريح العاصفة تدفع بها لتصطدم بينها، فتبرق السماء وترعد.
وضعت يدًّي الواهنة على أذنيّ َكي لا أسمع، وأغمضت عيني ببلادةٍ كي لا أرى، وحين فتحتهما
رأيت الخوف القابع خلف سياج الدار يتجه نحوي
يقترب مني
يلاصق ظلي الذي انعكس من ضياء الفانوس خلفي
أردت أن أصرخ بعلو صوتي
فتحت فمي على وسعه، فلم يخرج منه سوى حشرجة مبحوحة
اختنقت حنجرتي بصرخاتي المكتومة
أخرسني خوفي وأنا أراه أمامي، يواجهني
وذاتي تجلد ذاتي بسياط حقيقة مرة، إنني خائفة.
أحسست بالذل والمهانة تملأ نفسي التي أنكرتها لأنها ليست أنا، وأنا أختبئ خلف الكرسي أرتعش بوهن مخز، واستباحني شعور بالقهر ورغبة كبيرة بأن أتقيأ لأستفرغ جوفي وأخرج ما فيه.
رشقت وجهي مرارا وتكرارا بالماء كي أستعيد رشدي الذي فقدته، وتوجهت إلى غرفتي، بعد أن تمالكت نفسي وعاد ليّ ثباتي
و
حاولت أن أغفو وأنا أرمق سقف الغرفة بنظرات زائغة
للحظةٍ!
هيىء لي أني سمعت صوت دبيب أقدام تمشي في حذر، رغم شدة صفير الريح المخيف، لكن خوفي يحفز سمعي وحواسي
استنكرت على نفسي إحساسها السابق
تجلدت هذه المرة
مددت يدي داخل الدرج القريب من رأسي وسحبت بخفة منه مسدسي الذي اقتنيته مذ اقتحم الخوف بلدي، لتعصف فيه الرياح الهوجاء وتتلبد سماؤه بالغيوم الداكنةِ فهو يشعرني بالأمان لو حدث ما كنت أخشاه.
ارتعشت يدي وأنا أرفع حافة الستارة قليلا لأرى
أبرقت السماء لحظتها، ليظهر ظل خوفي جليا هذه المرة يقبع بسكون مستترا في الظلمة خلف نافذة غرفة نومي ، يجلس القرفصاء كوحش، آدمي!
ازدادت رعشة يدي ولحق بها جسدي، وتلاطمت أنفاسي يعلو بها ويهبط صدري، لكني لم أفقد ثباتي.
صوبت فوهة المسدس من خلف زجاج النافذة، وضغطت على الزناد.
دوى صوت الإطلاقة قويا مرعدا، والسماء مازالت تبرق والريح تهدر، وتزمجر!
خيل لي
أني سمعت صوت توجعٍ ٍيصدر من ظل خوفي
ثم سكت!
قبعت في مكاني أتنصت، متوفزة الأعصاب حتى انبلج الصبح، فشعرت بالأمان والطمأنينة، وصوت العصافير عادت تزقزق بعد أن هدأت الريح قليلا.
بحذر
توجهت صوب الحديقة ومسدسي مازال بيدي
كان منظر ضياء الصبح جميلا وآمناً
هكذا أحسسته، وأنا أرفع رأسي نحو السماء
ابتسمت بتهكم من نفسي، وأنا أتذكر خوفي العارم من خوفي بالأمس، وإطلاقي النار عليه!
أجلت نظري في حديقتي التي عمها الخراب، والريح العاصفة اقتلعت الكثير من زهوري الجميلة التي غرستها بيدي، فهمست لنفسي بلوعة وقهرٍ، ودموعي تترقرق بمقلتي:
- لا بأس، غدا سأزرع غيرها.
مشيت بضع خطوات بالحديقة، أبحث عن أفراخ الحمائم ، علني أجدها
تجمدت في مكاني، واتسعت عيناي على سعتهما، وأنا أرى قرب نافذة غرفة نومي، جسدا بشريا مكوما، يتشح بالسواد مقنع الرأس، تقبع بجانبه رشاشته، وبركة داكنة تحيط برأسه!
......................
ولشهريار،حكاية أخرى!
جلست على مقعدها الوثير , تنظر إلى حاشيتها الكثيرة, بعينين ثاقبتين.
أجالت النظر بين مرافقيها، تترقبهم!
طرقعت أصابعها, تأمر حاشيتها.
وبالسجين أن تأتيها!
أجالت النظر بين مرافقيها، تترقبهم!
طرقعت أصابعها, تأمر حاشيتها.
وبالسجين أن تأتيها!
فجاءها الحُجْابِ برجل, لم يكن يظهر منه سوى أصابع قدميه, ويديه المقيدتين, بسلاسل ثقيلة!
أشارت إليهم
أن ارفعوا النقاب عنه!
فبان للعباد
فاتنا
ساحرا
يخلب الألباب
رجلا، يعرف التاريخ عنه الكثير
من ملامح وجهه
وآثار نُحتت على ضفاف دجلة, وهو يتسورها, ونيسان الخالد كتب على البرادي, آثارها.
تجلس قبالته امرأة, خلدها التاريخ
أشارت إليهم
أن ارفعوا النقاب عنه!
فبان للعباد
فاتنا
ساحرا
يخلب الألباب
رجلا، يعرف التاريخ عنه الكثير
من ملامح وجهه
وآثار نُحتت على ضفاف دجلة, وهو يتسورها, ونيسان الخالد كتب على البرادي, آثارها.
تجلس قبالته امرأة, خلدها التاريخ
أوسمة وذكريات عبقة, تموج بين أروقة محفظة الزمن, وأقاصيص
جميلة
أخاذة
حَكايةَ
وهي تداعب مخيلته, تسرد له عن العذارى الفاتنات وهن يقضين نحبهن, على يد الجلاد
وما شفعت لهن , أبدا عذريتهن!
وقفت إجلالا أمام بهاء طلته, وهي تقلب الصفحات بدفتر الجنايات، لعلها تجد في جريدة سيئاته, ما يسىء له.
سوى تلك الحكايا, السالفات.
عن فتيات ذبيحات
إنهض، وعرف عن نفسك، يا أنت؟
أجاب بجلد الملوك, وكبريائهم:
أنا، شهريار الملك، صاحب دجلة والفرات وبغداد، حكت عنها البلاد دهر طويلا، والعباد.
وأنت, من أنت؟!
جلجلت ضحكتها عاليا, وهي تمد ساعدها أمامها, وبسبابتها تشير عليه:
أتظن أنك هنا لتسأل، أنت ياهذا هنا، لتُسأل!!؟
أدار رأسه يتبين ماحوله, تفحص في الوجوه كثيرا, فما عرف أحدا
وأنت, من أنت؟!
جلجلت ضحكتها عاليا, وهي تمد ساعدها أمامها, وبسبابتها تشير عليه:
أتظن أنك هنا لتسأل، أنت ياهذا هنا، لتُسأل!!؟
أدار رأسه يتبين ماحوله, تفحص في الوجوه كثيرا, فما عرف أحدا
أسقط من يده، وظلال الإندهاش, تملكه.
بانت على قسمات وجهه بعض من خيبة الأمل, فاستدرك قائلا:
هلا شرحت لي مايحدث، مليكة؟!
استشاطت الملكة غضبا, واحمرت وجنتاها وهي ترد , ساخطة متسائلة:
ألا تعرف حقا شهريار، ماجنيت!؟
وبكل هاتيك العذارى, مافعلت؟
لقد قطعت الرؤوس
والدم البريء سفكت
فبأي عذر ستتعذر.
وعن جريرتك, كيف ستكفر؟!
بهت شهريار
ومد أصابع يده يفرك رأسه عله يتذكر, والحيرة تغمر ملامحه.
أحست الملكة ما أصابه, فانتابها شعور بالرقة نحوه.
فبأي عذر ستتعذر.
وعن جريرتك, كيف ستكفر؟!
بهت شهريار
ومد أصابع يده يفرك رأسه عله يتذكر, والحيرة تغمر ملامحه.
أحست الملكة ما أصابه, فانتابها شعور بالرقة نحوه.
أشارت له
أن يتقدم
وعلى يمينها أن يجلس
امتثل شهريار
وعلى الكرسي الملاصق لكرسيها, اتكأ, واستراح
وهنا
علا صوت الديك, وصاح
معلنا, قد أزف الصباح
فاستعاد, شهريار وعيه.
وفي لحظة.
رجعت له ذاكرته!
مد يده
ونشرعلى الحاضرين سحره.
فامتثل الجميع لأمره.
أشار للحارس بكل حزم, بسبابته.
وبصوته الجهوري, أطلق حكمه.
أيها السياف
- اقطع رأس هذه المرأة، بسيفك.
أن يتقدم
وعلى يمينها أن يجلس
امتثل شهريار
وعلى الكرسي الملاصق لكرسيها, اتكأ, واستراح
وهنا
علا صوت الديك, وصاح
معلنا, قد أزف الصباح
فاستعاد, شهريار وعيه.
وفي لحظة.
رجعت له ذاكرته!
مد يده
ونشرعلى الحاضرين سحره.
فامتثل الجميع لأمره.
أشار للحارس بكل حزم, بسبابته.
وبصوته الجهوري, أطلق حكمه.
أيها السياف
- اقطع رأس هذه المرأة، بسيفك.
.................................
عاشقين
حكايات ملتهبة نسبت إليها، كتبت عنها.
أساطير، تداولها الأبناء عن آبائهم.
قالوا:
طاغية
تسطر تاريخ العشق, بأحرف من جمر
منحوتة
من نور
و نار
وحمم، تصطلي الأرواح فيها
فحذار، حذار ي منها!
فاتنة
فتاكة
ترمي بسهام سحرها
فتغوي الرجال بفتنتها وبهاء طلتها، يهيمون فيها يشرئبون بأعناقهم نحوها، وقلوبهم واجفة خوفا عليها، لكنهم لا يشتكون منها!
ولم تنج, حتى النساء، من غوايتها!
ضحاياها شجعان
بواسل
جسورون
لا يهابون الخطوب، لكنها قاتلتهم
وهم لا يفتئون يغرمون بها، ويزدادون حبا لها، كلما ازدادت نأيا عنهم.
ويعودون مثخنين بالجراح، مثقلين بسلاسل تقيّدهم، وينقشون على الجدران تاريخ مرور الأسطورة من شوارعهم
وتنقش في مفكرتها، أسماءهم متباهية بأعدادهم!
تتماوج بغنج ودلال من بعيد ، تخطف الأنفاس بعبق رائحة عطرها، تسحر الأفئدة وتستحوذ على عقول أفذاذ الرجال, وأشدهم ذكاء.
وللساعة، لم ينالوها!
وهي كالحقيقة العارية, تتماثل أمامهم
كالشمس، تغريهم بنور حسنها ، تستعذب عذاباتهم وهم يصطلون هياما فيها، والرغبة الجامحة تتوهج في المقل، فيرسمونها
شمسا
قمرا
وآخرون
تطير الخيالات بعقولهم، فيرسمونها،
عارية، كما هي!
وأفئدة رائيها وقد صارت قريبة منهم تزيدهم تحرقا لنيلها، لكنها عصية عليهم تتسرب مثل الرمال من بين أكفهم، ليزدادوا تشبثا، وتعلقا فيها.
ومرة
تجمع كل عشاقها، ومُعذبيها
اتفقوا عليها
أن ينالوها
كانت قريبة منهم، ودنت أكثر.
صارت بمتناول أيديهم ، أحسوا بها رأوها بعيون تصطلي، برغبة محمومة تسري في أبدانهم تشعلها
وصار الرجال، والنساء, وقودا.
يحترقون بنار حبها, الذي سكن أرواحهم فباتوا معذبين يطحنهم صخر الأسى، لكنها أفلتت منهم.
تبخرت من أمام أعينهم ، بين ليلة وضحاها!
فاضطرمت أرواحهم بلهيب نيران إفلاتها، واستتارها وصار الشوق إليها براكين تستعر فيهم، لا ينامون
والليل يجمعهم
يتهامسون
يشكون منها الهوى, لبعضهم
يكتبون القصائد عشقا أبديا، يناغونها في صحائف تحترق رغبة ولهفة إليها، للإمساك فيهاواحتضانها، وأبياتهم الشعرية الملتهبة يخطونها بحروف نارية من الوجد ، وأخرى متلظية بجمر النوى يواسي بعضهم بعضا.
ويأملون أن يأتي اليوم الذي ستكون فيه الفاتنة بين أيديهم!
صاح الكثير منهم بصوت واحد مأسورين، وغضبة مجمرة في العيون
- سننالها، ستكون يوما بين أيدينا، وستكون لنا معها ليلة ليلاء وسنتقاسمها معا.
وفي ليلة باردة ظلماء، تساقطت، فيها الثلوج غزيرة، تتدثر بالأجساد الملتاعة فتنصهر، تنهمر على الصدور الفائرة.
تربصوا لها
ونشبت بين الرجال معركة ضارية حامية الوطيس كانت، كأمواج البحر العاتية، متلاطمة.
غارقون حتى الأذقان في عشقها، وكارهون لها
يتقاذفون التهم بينهم
هذا يريدها
وذاك لاعنا إياها!
والثلوج البيضاء، اكتست لون الدماء
وما من عقلاء في حرب, بين الحب والبغضاء ما من وسيط.
كثيرة هي الأجساد التي سقطت، وجماجم تهشمت والدماء اختلطت.
وهي ما تزال تتماوج بفتنتها بقلبها الغض تتوارى عنهم مرة
وأخرى تدنو، منتشية بينهم
ومازال عشاقها يقاتلون من أجل،نيلها.
........................
اليوم السابع!
تذكرني أمي دائما, أني ابنة السابع من كل شيء
متعجلة حتى
في لحظة ولادتي!
وأني أخرجت رأسي للحياة, معاندة كل القوانين أتحداها في الشهر السابع, من الحمل
في اليوم السابع, من الأسبوع
الساعة السابعة صباحا
في الشهر السابع من السنة!
عقدة
لا زمتني, أخذت مني الكثير من بهجة حياتي , وهذي سبعة جروح غائرات تفرقت على أنحاء جسمي, وتمحورت على ساقي جعلتني أخجل من ارتداء التنورة لأن بهما الكثير من الندوب.
تفاقم حنقي أكثر, حين أدرجت السابعة على صفي
من بين العشرة الأوائل.
في الصف السابع, تحديدا
وجل المحيطين بي, يتوقعون نجاحاتي الساحقة, في انطلاقاتي
عدت للبيت مزمجرة, أسألها:
- لم تركتني أنفلت منك قبل أن أنضج؟ لم تركتني والأهواء تركبني؟ ألم يكن لك أن تتأني بولادتي!! أن تتنشقي الهواء وتزفرينه كي أبقى محتجزة هناك, حتى اليوم الثامن، مثلا؟!
تنوء بحزنها عني قليلا, كأن الذكريات تأخذها مني, وتنفلت من فمها آهة, تسحقني.
لأركع بين يديها بعد ذاك أقبلها, أستميحهاعذرا أني تهورت
فتعود لقولتها:
- أنت ابنة السبعة وهذا قدرك, أن تكوني كذلك.
صرت أخاف الرقم, سبعة
أحسه, كلعنة تطاردني!
تطيح بأحلامي الوردية
رقم, أدري من اخترعه, ولست أعي, كيف؟
ربما كي يرعبني فقط, ويسلب مني سكينتي
وربما صنعتها أقداري المخطوطة, على جبهتي, كتبها الله كشاهدة, على لوح جبيني.
حقيقة
لا أدري
طارت بي الرهبات منفلتة, حتى أني صرت أذيع الأحداث بعد ذاك اليوم, متجاوزة هذا الرقم, أبغي محوه من مفكرتي, كي أجتاز عتبة اخفاقاتي, وتعجلي.
وأخبيء علامة ( + a) في الأسبوع الأخير من الشهر وكما اعتدت, لأعلن النتيجة في اليوم التالي من الأسبوع القادم لأهلي
فتبتسم أمي ابتسامة مازالت ترجفني رهبة وكأنها تعرف سري!
ألوذ بعدها, بأحضانها أتدثر أنشد الدفء وأنا أرتجف خيفة, أتوسلها أن تقيني, من نفسي!
حتى جاء يوم زفافي, على حبيبي الذي اخترته, دون كل الشبان
شاب ميسور, وذكي
بل وسيم أيضا, فيه ومضة الشباب, وحيوية ربيعه
أجبرت أهلي على القبول به
حين أطحت لهم بورقة زواجي منه, من فوق سور الدار, بعد أن رفضوه.
خاصة أمي.
وتعذبني أمزجته المتقلبة, وثوراته التي ما اعتدت عليها,, فمرة
سلس كخرير المياه وأخرى, صاخب معربد, وتالية ضعيف يتوسلني أن ألتمس العذر له, لأنه مازال غر, وأنه سيتعلم الدرس.
لكنه لم يفتأ يمارس لعبة الغضب الأبدي على كل الأوضاع, ويحتج يلومني حتى ونحن في أشد اللحظات حميمية, يختلق الأعذار والمسببات.
وصرت أنكئ جروحي وآثارها, التي حفرت بملامحي أخاديد لن تمحى, متمعنة بتعذيب ذاتي
لم أعد أطيق الحياة, معه
استنفذت, كل طاقاتي
وضاقت بي السبل
وهو لاه عني, بكل احتفالاته, ويتشدق أحيانا, أنه تزوج بفتاة طاوعته, عشقا
فتركت أهلها, من أجله!
وكثيرا ما كان ينساني
كوجود, آدمي
يستذكر نصره, فقط
ويتجاهلني
ففاضـت أوجاعي, وطفح كيلي
طلبت الإنفكاك منه, لأني, ما عاد بي صبر أتصبر فيه, على نزواته, وأهوائها المتباينة, ونحن نواجه أكبر أزماتنا, وأحلكها.
كانت أروقة المحكمة محتشدة, بأنواع وأجناس من البشر, تتوافد عليها, والهم طاغ على كل الوجوه, تتفرد بها سمة الحيث والإضطهاد, دون أسماء.
تتشابه الوجوه المتعبة, حد القهر من القهر.
أدرجت صحيفة أوراقي وأرقامها حسب طلب القاضي, أمام موظفة النفوس بطلب عن صورة القيد كي ينظر القضاء, بقضيتنا
تبسمت الموظفة, برقة صفراوية!
حين تصفحت, وريقاتنا
ورمت لي الرد كلطمة, تلقيتها على وجهي!
وأسماء الكثيرات, معي
في صحائفنا, معا
لأكتشف!
أني, لست الوحيدة بقيد, صفحته
وأني, الزوجة السابعة!
..............................
عاجي
ربيع نيسان نثر خضرته النضرة فوق الأرض الممتدة على مرمى البصر، وأزاهيره البرية نقشت ألوان قوس قزح الساحرة على طول السهل المترامي الأطراف، يعلن اشتعالَ الحياة وإعلان العصيان على بوابة الشتاء التي أوصدت مصراعيها بوجه الصقيع.. والبرد.
جذبه منظر الطبيعة الخلاب، وتل رملي يتوسط البقعة، فأبرقت برأسه رغبة عارمة بأن يتوقف هنيهة يمتع ناظريه بما خطت الخليقة من ألوان زاهية تنتفض بالحياة وزهوها، صف سيارته على جانب الطريق ومشى نحو التل الرملي الذي قبع وسط السهل وكأنه معلم أثري شاخص!
لم يكن التل يشبه المكان
ولا ينتمي إليه
كأنه انبثق من العدم فوقف الرجل مشدوها، يصارع أفكاره التي ما استطاعت اختزال المنظر، وعيناه المنبهرتان، تسبحان في تنقل شديد بين التلة ورمالها، واخضرار الأرض حوله وانبساطها
تملكت من الدهشة!
فكيف يمكن لتل رملي مثل هذا أن ينبع وسط أرض خصبة مثل هذه ؟!
أحس بخدر غريب يدغدغ جمجمته وثقل شديد أغرق جفنيه وأزاغ عينيه فأغمضهما، وأشعة الشمس تضرب بنورها على حبات الرمل فتبرق، كأنها خرزات ماسية صغيرة مشعة تتغلغل في داخله .
فجأة!
تحركت الرمال أمامه، وهو ينظر إليها بعينين شاخصتين، مشحونة بالتعجب والرهبة حين ارتفعت، تنساب حباتها الناعمة، تتسرب إلى الأسفل كأنها نبع ماء يترقرق
تراجع خطوتين إلى الوراء تحسبا تتلبسه فوضى عارمة، لكن عينيْه مازالتا تتابعان الفجوة وانبثاقها لتتراءى له أصابع يد بشرية بلورية، تمتد من وسط الفجوة تدفع بنفسها إلى الأعلى!
فانكمش متصلبا لا يستطيع حراكا، مأخوذا
بصعوبة حرك يديه
مسح وجهه كي يتأكد بأنه لا يحلم، وإن ما يراه أمامه حقيقة.
ظهرت له ملامح الوجه البشري الناصع، لإمرأة ما رأت عيناه بنصاعة لون بشرتها، ورقبتها العاجية الطويلة يطوقها عقد ذهبي ما عرف صائغا يصوغ مثله ولا شبيه، يتوج شعرها الأسود الطويل الذي غطى جسدها تاج مرصع بأحجار ملونة، تعتليه ثلاث وردات ذهبية تتوسطها أحجار كريمة، ما رأى رديفا لها، وجسدها الفارع يخرج من الفوهة، ويظهر أمامه يواجهه!
طويلة، رفع رأسه عاليا كي يتمكن من رؤية وجهها، فأجفل وهو يرى عينيها الكحيلتين تحدقان فيه ترمقانه بنظرات مذهولة، كأنها ترى مخلوقا غريبا
أرعبته نظراتها
تقهقر
حاول أن يهرب
امتدت يدها المزينة بسوار ملكي، أمسكته بقوة من يده
سحبته إليها
فوقف أمام جلالها فاغرا فاه، يقلب في رأسه أوراق التاريخ عله يعرف من هي، وقد اتسعت عيناه في محجريهما وبرودة يدها تسري في بدنه, والصور تتلاحق في مخيلته، عمن تكون!
فتحت فمها اللوزي, فجاء صوتها كأنه من هوة الماضي السحيق يخترق أذنيه, أصابته بنشوة وشعور الرهبة مازال يلازمه.
بلهجة الملوك سألته واصبع سبابتها موجه إليه، يتوسده خاتم ملكي، نقشت عليه حروفا لم يستطع فك طلاسمها، ولا فهم حروفه الغريبة وكأنه ختم!
- من أي قوم أنت يا رجل؟!
وبدا له صوته كأنه يخرج من جوفه يخامره شعور أنه مسحور, وأن شفتيه لم تتحركا:
- أنا عربي
ردت, والغرابة تملأ ملامح وجهها:
- أعرف أنك عربي، ومن أين تظنني حسبتك؟!
أجابها، وابتسامة باهتة تعلو فمه:
- حسبتك تظنين أني غير ذلك!
عقدت مابين حاجبيها, سألته:
- وهل هناك غيرهم؟!
تحسر طويلا، قبل أن يجيبها, وقد زال البعض من رهبة روحه؛ ويدها لما تزل تمسك يده:
- أجل هناك غيرنا الكثير، و
شق عنان السماء صوت طائرة حربية، اخترقت حاجز الصوت تستخف بما حولها متباهية، مزق الأفق أزيزها، وعلى الإسفلت هدرت جنازير دبابة أميركية، تحتل الطريق وتهرس ما أمامها.
اختلطت الأصوات
ضاع صوته، وامرأة الرمل تنظر إلى السماء مرة، وصوب الدبابة أخرى، يتطاير الشرر من عينيها، فأفلتت يده، ثم عادت وتشبثت فيها، وهي تتلفت في حيرة حولها، يتلبسها خوف اجتاح مقلتيها!
أمسكت وجهه بيديها تفحصته ثم أفلتته، وأطلقت صيحة غاضبة.
زمجرت السماء على أثرها، وأرعدت ببريق نهض من قوة خفية، والغيوم الكثيفة غطت السماء بعباءة أرجوانية، أعتمت الدنيا، والبرق يضرب بشدة على إسفلت الشارع فيفور، والنيران اشتعلت في السماء لتهويَ الطائرة، تصطدم بالأرض محدثة دويا رهيبا، وجسم الدبابة يغطس إلى أسفل.
أجفل الرجل يهز رأسه مرارا، نظر حوله يبحث عنها، تلفت يمينا وشمالا، طفق يحوم حول التل غير عابئ بما يجري حوله، يدفعه جنون ماحق للّحاق بملكة الرمل، ويداه تحفران، تدفعان الرمل بقوة تزيحانه، فاصطدمت يده بحجر طيني، أمسكه ينظر إليه بشغف ملهوف، والحروف المكتوبة على اللوح الحجري تتراقص بغموضها، لا تسعفه، لم يستطع فهم لغتها ولا فك رموزها، وصدى الصرخة مازال يدوي بجمجمته.
رفع رأسه إلى السماء، صارخا بأعلى صوته يناديها، والحرقة تصطلي بفؤاده المأسور فيها، سحرا غامضا شجيا
وهناك، على سماء لم تطو صفحة التاريخ بعد لاحت له صورتها المبهرة، وهي مهمومة على الأفق الغاضب مرسومة.
1/7/ 2009
....................
قلادة تعريف
تحرك من مكمنه بعد أن لبس الليل عباءته السوداء، بحذر صار يقطع الطرقات الملتوية كي يصل إلى العاصمة التي لاحت له من بعيد أضواء بيوتها التي لم تنقطع الكهرباء عنها بعد.
أيام ثلاثة مضت, وهو يمشي ليلا بين شوارع عرفها جيدا, يختبئ نهارا من أولئك المسلحين الذين يقنصون كل رجل يرتدي بزة عسكرية، يأكل من رغيف خبز أعطته إياه امرأة عجوز, وجدته يختبئ في حضن ساقية جفت مياهها, تغطيها شجرة رمان سقطت بفعل قصف قذيفة وقعت بالقرب منها، وحين رأته شهقت وهي تتلفت خلفها, تضرب صدرها الواهن قائلة:
- ويلي بنيّ سيقتلونك لو رأوك هنا، إنهم يجوبون الشوارع مثل الضباع الجائعة، يقتلون بلا رحمة، لا تتحرك ، سآتيك برغيف خبز يسد رمقك.
قضم من رغيف الخبز قضمة صغيرة, ومشى بخطوات طويلة اعتاد عليها وأضواء العاصمة صارت أقرب, وشعور بالعطش لازمه مذ دفن أخاه أول أمس , بعد أن ضربت صدره شظية من ناقلة جند قصفتها طائرة أباتشي, فتناثرت الناقلة بمن فيها.
كان يختبئ وأخوه بين الأشجار, في مزرعة تبعد عن منطقة اليوسفية بضعة كيلو مترات, يمسك يده بقوة , حين أحس أن قبضة أخيه تراخت, وأنة مكتومة تصدر منه, تفحصه مثل المجنون وهو يحثه بصوت مبحوح, على النهوض, لكنه ظل ساكنا لم يتحرك.
العتمة شديدة, تحسس صدرأخيه , فغرقت يده في فجوة عميقة, أطارت صوابه, وضع كلتا يديه على الفجوة يمنع النزف, فضاعت يداه كلتاهما في الجرح الكبير الذي أحدثته الشظية الطائشة.
لطم وجهه بقهر, وضع رأس أخيه في حضنه, وصار يمسح وجهه كأنه نائم، و يمسح شعر رأسه بحنو ورقة.
بزغ الفجر, فبانت ملامح أخيه التي تشبهه تماما, بدا له وكأنه يغط في نوم عميق, والدماء تغطي جسده.
لاحت له قريبا منه فأس ومسحاة , فشرع يحفر في عجالة قبرا لأخيه و يبكيه بحرقة, والوجع يعتصر قلبه على والده , الشيخ الجليل الذي ينتظر رجوعهما معا, يتمتم محدثا أخاه::
- ماذا سأقول لأبي, قل لي ثامر؟ كيف سأخبره بأني لم أستطع حمايتك, كيف سأخبرهم، ويحي لمَ لمْ أكُ أنا؟
دون وعي منه تحسس قلادة التعريف الخاصة بأخيه, بعد أن نزعها من رقبته , قبل أن يواري جسده التراب, بصق لقمة الخبز التي كانت بفمه, لأنه لم يستطع بلعها, وتابع المسير.
دخل أطراف العاصمة بعد منتصف الليل, صار يقطع الشوارع وهو يجري بسرعة وقد بدت شوارع مدينته غريبة عنه, تقطع بين شارع وآخر جذوع أشجار نخيل قطعها الأهالي , مدوها, وجعلوا منها متاريس تفصل بين حي وآخر, خوفا من هجمات الأغراب عليهم!
وهاهو بيته أمام ناظريه, وثلة من شباب المنطقة تقف بالقرب منه, الجميع مدججون بالأسلحة, تراخت ساقاه وأبطأ سيره, اجتاحت كيانه رهبة, أيعقل أن يقتلوه, إنهم رفاق طفولته وصباه , وأخيه؟
لمحه أحدهم فصاح مبتهجا:
- لقد عاد ثامر، أو ثائر؟
أسرع الشبان إليه , تلقفوه بالأحضان, والشيخ الكبير الطاعن في السن, أسرع خطاه المتعثرة بذيل عباءته, يتوكأ على عصاه, يرتعش جسده الواهن, بلهفة متشحة بالخوف من سؤال لا يريد أن يسمع جوابه, ودمع غزيز ينهمر على وجهه المتغضن, يحتضن ولده, وعيناه تنظران خلف كتف ابنه، تبحث عن الإبن الآخر.
ومن عتبة الدار خرجت شابة, تتقدمها بطنها المنتفخة, وقد تهللت عيناها بدموع الفرح, وابتسامة خائفة تغطي ملامح وجهها الحزين, مدت ذراعيها, احتضنته, دفعها عنه بيسر, عادت إليه , احتضنته بقوة هذه المرة وهي تقبله وتبكي, وكلمات التهنئة بالعودة إليها سالما, تخرج من فمها متلعثمة, متعجلة غطت على كل الكلام.
فرحتها أفقدتها رشدها, والاستيعاب.
دفعها عنه بقوة هذه المرة, وتراجع إلى الوراء خطوتين, وهو يبكي, اتسعت عيناها خوفا, وإنكار, وهي تنظر إلى يده الممدودة أمامه, تقبع في وسطها, سلسة وميدالية، تحمل رقم تسلسل أخيه, ورقم وحدته العسكرية.
.................................................
لعنة
اقتحمت أسراب الجراد الأسود, عاصمة السلام ومدينة القباب الزرق المذهبة, فنخرت مآذنها, وتناثرت بعض فسيفسائها بين الأصقاع, واتشحت باقي المحافظات بالقحط المكفهر, فبدت الضواحي على اتساع رقعتها, ملعبا للأشباح, لا يسمع فيها سوى أنين الوجع الغائر بين الضلوع, تخالطه رائحة الجثث المتعفنة, وصفير الرياح الصفراء, لحظة انبلاج فجر يوم الفجيعة, التي نقشها التاريخ على صفحات الزمن القادم.
أمسك أبو الوليد بيد زوجته, يسندها, ودوامات الطلق المباغتة تأخذها منه حينا, ثم تعيدها, مقيدة بأسرار ديناميكية المخاض وعجائبيته, تضم ساقيها لحظات دهرية, تزفر الأنفاس متقطعة, وذاك الشيء المكور الذي يسمونه رأسا, ينزلق من بين فخذيها, تكاد تخنقه ضيق المسافة المرتجفة, ليتهاوى صرحها, قبل أن يصلا مشفى المدينة الغافي, بين العتمة والفراغ, تنزف حياتها لحظة تلو أخرى, تلهث الألم زفيرا, وتستنشق الموت مع كل شهقة.
تفجرهلعا, يحثها:
- تماسكي
فاجأه رأس الجنين, فكبلت يداه
وكالمجنون طفق يجري بين المشرق والمغرب مستغيثا, يبتلع الضباب صوته, وأزيز الجراد يدوي حوله, وعيونه البارزة تحدق فيه!
أومأت بيدها الواهنة
- أن اسحبه
مد يده
أرهبه الملمس الدهني, المدمى
فتراجع خاشعا
لينزلق الجسم الوردي الصغير على إسفلت الشارع, تختلط صرخته التي تضج بالحياة, بحشرجة الأم, وعينيه المرعوبتين تتلقفان هسيس الرياح, لعلهما تأتيانه بمعين, والوليدة تتعفر بالتراب, و ترتجف بردا.
لملم شتات روحه المبعثرة بين دهاليز المنية والنور, ينقب كل الأبجديات المحتجبة في ذاكرته, بسيل جارف من الأسئلة عن أحجية الحياة, وكينونتها!
فتراءت أمامه أسنانه العارية! ليكز بقواطعه على الحبل ينهشه بوحشية عفوية, يدفعه شغف محموم للإبقاء على حياة برعمه.
بصق الدم المر, حانقا
رفع الوليدة عاليا, كقربان, بين يديه
أطلق عواء ذئب جريح, يدمدم حروف الغضب, ويلعن لحظة الغفلة, ساخطا.
والجراد ينخر رئتيه, لتحط الوليدة على الجسد المشظى, تصرخ احتجاجا, و رغبة في الحياة!
وأم الجواد التي, غادرها زوجها بليلة ظلماء, ملثما, ومطاردا, يجوب الأزقة والشوارع ليلا, ينصب الشراك لأفواج الجراد الغريبة, يقنصها زرافات ووحدانا, وهي تنسل زاحفة, كي تنتشل الوليدة من براثن الموت, وأفخاخه.
حملتها كنز ثمينا, بين يديها, أرضعتها, فالتهمت الصغيرة الثدي بنهم غريب, يمتص فمها الحليب بقوة, فيفرغ الجيب أحيانا.
ثلاثة أعوام, ابتعدت خلالها زيارات أبى جواد لبيته, بعد وشاية, من صاحب الدكان وامرأته العاقر, وأم جواد لم تزل تجود على الوليدة, تطعمها كحمامة, ليجيء ذاك اليوم!
يوم زف أبى الجواد, مخضبا بحناء الدم, تحمله الريح على أكتاف الرفاق, يودعونه قلب الثريا.
ليبيت العسر زائرا ثقيلا على أم جواد, التي تقطعت فيها سبل العيش, فأضحت أفواه الصغار النهمة وإطعامها, مهمة تكاد تكون شبه مستحيلة, والقحط والجفاف يزرعان أذرعهما المخيفة, نطاقا يحيط حياتها وأولادها, بكل وحشية ولا هوادة.
أشفقت على الوليدة, فاستصرخت رحمة الجيران, تنتخيهم دامعة:
- خذوها, فمعي سيلتهم الجوع لحمها, وسينخر حتى عظمها. أشفقوا عليها.
أخذها العطار لزوجته العاقر, يبتسم بمكر
- لنربها, ستكون خادمتنا حين تكبر, ربما أكثر امتنانا, من بعض الأبناء الحقيقيين!!
- أو لعلها تعيد الحياة لبيتنا المقفر بضحكاتها, وحين تكبر, سأزاوجها برجل غني.
و يصطحبها العطار كل يوم معه, و يتشدق أنه من يرعاها, حتى تأتي امرأته ظهرا, لتعيدها بعد أن تضع بيدها قطعة حلوى, تتلقفها الصغيرة بشغف, تمتصها وتتلمظ, وحين تنزلق الحلوى من بين يديها, تبكي, فينتاب امرأة العطار شعور غريب بالنشوة, لبكائها, تتلذذه!
جن جنون جنونهما
يوم أفاقا على صوت جلبة مريبة, تأتي من ناحية الدكان,
وقفا مذهولين على أعتابه, كأن الجراد التهمه!
أطلقا نداء
ملعونة هذي الفتاة
ملعون كل من يأويها.
دفعت العاقر بالوليدة خارج البيت, وأغلقت الباب بوجهها
تدحرج جسمها الصغير, وزوج العاقرة يركلها برجله قبل أن يدلف إلى الداخل
والوليدة تقف أمام الباب, تطرقه بيدها الصغيرة, منتحبة, حيرى
والساعات تفترسها, بين غفوة تجفل منها, وسؤال أعمى استعصت عليها الإجابة عنه!
رق قلب أحد الجيران, وخفية وضع طبق فيه بعض الطعام, التهمته بنهم مفجع
وحن عليها, أحد الأولاد بكأس ماء باردة, قربها, دون أن يقترب منها!
حارقة شمس الظهيرة سفعت جلدها باللهب, فمشت نحو الشجيرات, تنتبذ ظل إحداها, واضعة يديها تحت خدها, فسالت دمعة من عينها على التراب, حين غفت, نمت على أثرها زهرة خفية.!
صحت مذعورة, والحمائم تدخل أعشاشها غروبا, بحفيف صاخب, فأسرعت خطاها تسير على غير هدى, تنفض ما علق بجسمها من أوراق شجر متكسرة, وتقف عند الأبواب تطرقها, لعل أحدهم يرحمها, فيفتح بابه لها.
والليل خيوط عنكبية, تتكاثف, ألبس الكون عباءة حالكة, ورسم ضوء القمر ظلال الأشجار أشباحا تتطاير مرفرفة, وعينا الوليدة تتابعان الرعب, تركض خوفا, وصوت عويلها يملأ الأنحاء منتحبة بين الأبواب, تشهق مرتجفة, ينخرها الخواء والتعب.
أسندت جسدها المنهك على جذع شجرة, فارتجت الأغصان
تقافزت الحمائم هائمة ترفرف بأجنحتها محدثة جلبة أفزعتها, أرجفت عودها البرعمي, وارتعشت شفتاها, فأطلقت ساقيها بين الأحراش تخترقها هائمة, تصرخ مذعورة, حتى تاه صوتها بين الأشجار. في إحدى البساتين, ثم تلاشى!
عاد الصبح متثائبا من غفوته, وأهل المدينة يتساءلون بينهم
أين أضحى مصير وليدة اللعنة؟
والبعض منهم
بحث بين الشجيرات الممتدة لعلها تكون غافية تحت إحداها,
وآخرين فتشوا عنها في حدائقهم وسواقيها فربما اختبأت, بينها!
وكأن حمى غريبة قد انتابتهم!
وما من أثر لها
لملمت الشمس خيوطها المشعة خجلة, غفت مهمومة و صوت نحيب الوليدة, يطرق أسماع البعض بعيدا, متعبا, وبعضهم سمع طرق أصابعها الواهنة على الأبواب الباردة.
تكرر الأمر أياما ستة
وصاحب الدكان مغلقة أبوابه, حتى اليوم السابع
تساءل الناس عن غيبته وامرأته, وظلال الشك تراود الجميع
استدعي المختار على عجل
قرر كسر باب منزلهما
لتتلقفهم رائحة عفن الأيام السبعة موتا, والجرذان تنهش جسديهما
وطبيب التشريح يصرح متلكئا, أنهما أصيبا بوباء غريب, لا يعرف مصدره!
وأعراض المرض, انتشرت, كنبات بري, فصارت الجثث تغرس شواهد , تؤطر الشوارع, يوما بعد آخر
لتعزل مدينة الطهر
وتعلن, أنها منطقة موبوءة!
سجنت الضواحي بالأسيجة الشائكة, وأحرقت الأشجار, منع الدخول أو الخروج منها
لا يدخلها سوى المعالجين, ولا تخرج منها إلا عربات نقل الموتى!!
وظل الناجين يقسمون أغلظ الأيمان, أن بكاء الوليدة يشق عنان السماء كل يوم, يهز طرق أناملها اليافعة الأبواب .. كلما ابتلعت الشمس نسيج نورها الذهبي مغصوبة، وجن جنون المساء!
..............................
المُدَمْدِمْ
جلس على الكرسي القريب من النافذة, يتطلع بعيون ثاقبة إلى الشارع يتفحصه بعين الرقيب، ويرسم مخططه النهائي.
نظر إلى السيارات المكتظة بزحام خانق, وهو يتمتم بينه وبين نفسه عن موقعه الثمين الذي يطل على التقاطع الرئيسي, والفرحة تملأ قلبه لأن الصيد سيكون سهلا، هكذا حدث نفسه، أخرج من حقيبة عدته التي يسميها (عدة صيدي الثمينة ) قناصته, وصار يتحسسها بعد أن أكمل تركيبها قطعة قطعه, وهو ينظر إليها بعين الإعجاب الشديد, ثم وضعها على صدره وكأنه يحتضنها, تنفس بعمق شديد وهو يقول:
- لنتوكل على الله حبيبتي، فاليوم سيكون مشهودا.
بقي في مكانه متربصا, ويده تحتضن قناصته التي أخرج فوهتها من خلال فتحة صغيرة من شباك الغرفة, وعيناه ملتصقتين بمنظارها, ينظر إلى الناس من خلال عدستها وهم يمرون عند عبور الشارع، وشعور عميق بالحزن يخالجه, ووجوههم المثقلة بالهموم تحكي ألف قصة عذاب, وأعينهم التي أذبلتها شدة الحياة ووطأتها, تعلن مدى معاناتهم تحت ظل الاحتلال.
لعن الاحتلال ومن جاء فيهِ, وهو يتمتم بكل ما تعلم من كلمات الشتيمة والسب, وكان هذا سببا لأن يكنيه رفاقه ( بالمُدمْدِم ).
مرت سيارة سوداء تخدش حياء الإسفلت, بقسوة وفظاظة, تحيط فيها الكثير من السيارات المظللة المليئة بالمسلحين, و رجال حمايتها يخرجون أجسادهم من نوافذها, وهم يصوبون فوهات غداراتهم صوب المارة, إمعانا في إرهابهم أطلق البعض منهم إ طلاقات نارية في الهواء, كي يبعدوا السيارات والمارة القريبين منهم, و موجة من الغضب الشديد اجتاحته, لمنظر الناس وهم يتطافرون هربا, من رصاصات طائشة قد تودي بحياتهم, في ظل الفوضى العارمة التي اجتاحت عاصمة أول مسلة للقانون في التأريخ، لتعلن أحكام الغابة شريعة للحكم، ويرثي حمورابي مسلته, وينشر خبر نعيها.
توسط قرص الشمس السماء المتخمة بأدخنة التفجيرات ,والغبار المتصاعد من الأبنية الكثيرة المنهارة, وعيناه مازالتا ملتصقتين بناظور القناصة, والعرق ينصب من جبينه, وينزل على عينيه فيمسحها, بطرف إصبعه كي لا تفته نظرة تفقده , طريدته الثمينة !
ساعتان مرت, وهو مازال مسمرا في مكانه، لم يتزحزح وحرارة الشمس لفحت وجهه من خلال زجاج النافذة, لتزداد سخونة الجو أكثر حتى ابتلت ملابسه بالعرق, وأصبعه على الزناد لم يحركه, وإحباط خفيف يعتريه حين شعر أن الوقت قد طال، وإن هذي العملية ربما ستفشل.
خفق قلبه بسرعة, يلامس شغافه بعض الفرح المشوب بالترقب والرهبة حين سمع هدير أصوات محركات ضخمة تقترب رويدا رويدا، فمسح عينه لآخر مرة،وانتظر.
أقبل رتل من المدرعات وتوقف عند ناصية الشارع كالمعتاد, ونزل الجند وهم يصوبون فوهات غداراتهم نحو السابلة تحسبا, من هجوم المقاومين وهم يظهرون فجأة ويختفون مثل لمح البصر، وبعد أن اطمئن الجند من خلو الشارع أنزلوا أسلحتهم, وصاروا يتبادلون الحديث قرب أحدى المدرعات، صوب المدمدم قناصته نحو أطول جندي فيهم, مسددا الفرضة والشعيرة على جبهته.
سحب نفسا طويلا, ثم قطع الأنفاس، وحين أراد أن يضغط على الزناد, انحنى الجندي, ليخرج شيئا من جعبته.
تمتم المُدَمْدِ مُ بغيض وحقد, والحيف يملأ صدره حنقا, لكنه تذكر إن عليه أن لا ينسى قدرة الله فتعوذ من الشيطان الرجيم، وصار يقرأ آية من القرآن الكريم.
رفع الجندي الطويل قامته مرة أخرى، فهمس, باسمك اللهم, اللهم سدد رميَّ، وقطع أنفاسه مرة أخرى ثم أطلق رصاصته.
سقط الجندي, بعد أن ترنح الجندي يمينا وشمالا,ثم تهاوى كثور، خار للحظة ثم سكت، ورفاقه الغارقين في الضحك, لم يفقهوا الأمر في البداية, إلا إن الدخان الذي تطاير من مؤخرة رأسه وسقوطه المفاجئ أرعبهم، فساد الهرج والمرج, وفوضى ملأت المكان, وهم يطلقون النار عشوائيا على البنايات والأسطح, ويتدافعون فيما بينهم، للاختباء.
ساد الرعب أجواء المنطقة, والناس يتطافرون هربا, وترك أصحاب السيارات سياراتهم وسط الشارع, يحتمون من الرميٍ العشوائي خلف الأعمدة وعلى حين غرة, ومن بين أحد الأزقة الضيقة في المنطقة, خرج أربعة مسلحين, صاروا يرشقون القوات بإطلاق نيران كثيفة, لتأمين انسحاب المُدَمْدِمْ، خاطفة, وخرج من الجهة الأخرى إلى الشارع, وكأنه عابر سبيل.
لوي رجله اليمنى, وسار بطريقة عرجاء، وعقف يده اليمنى, ثم ترك لفمه العنان كي يكمل الباقي, فبدا وكأنه معوق, مصاب بتخلف.
وقف قرب شرطي يسأله بصوت متلعثم, ولعابه يسيل من فمه ليتناثر على وجه الشرطي رذاذا.
- ممماذا يييجررري
نظر إليه الشرطي نظرة تقزز, وهو يرى اللعاب يسيل من فمه, ويتناثر في الهواء, فدفعه بيد, وفي الأخرى مسح اللعاب عن وجهه، يصيح بصوت ملول:
- اذهب أنت الآخر, ألا ترى الأمريكان وهم يطلقون النار على كل من هب ودب, اذهب واختبئ, أيها المعوق, هيا بسرعة, قبل أن تأتيك رصاصة طائشة تزيد إعاقتك.
مشى مشيته العرجاء, وعيناه تومض بوميض متألق, وقلبه يخفق فرحا, يغمره شعور بالسعادة القصوى, فهذا هو الجندي رقم مائة الذي ( قنصه ) إنه الرقم الماسي.
تنهد بعمق, واختفت فرحته, وهو يستذكر وجوه, مئات الضحايا الذين أزهقت أرواحهم بلا رحمة, وبدون ذنب اقترفوه، استباح القهر قلبه, واعتصرت الأحزان روحه, على أبناء جلدته والظلم يستبد بهم، فغلف وجهه الأسمر الوسيم، ظل غم عميق.
ابتعد عن المكان كثيرا, بعد أن دخل وخرج من شوارع فرعية كثيرة, فأدار رأسه للخلف يستطلع المكان، ثم اعتدل في مشيته.
تذكر رفاقه وهم يغطون انسحابه في هجومهم المباغت على القوات, وهو يسمع صوت تراشق النيران مازال مستمرا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، وهو يتخيل موقف جنود الاحتلال من عملية ( القنص) وهجوم رفاقه تمنى لو أنه كان هناك, يراهم بأم عينه وهم يختبئون داخل مدرعاتهم, خوفا ورعبا من المقاومين.
تمتم بوله عاشقٍ، إنشودته المفضلة التي قضى ثمانية أعوام, وهو ينشدها:
(( إحنه مشينه مشينه للحرب، عاشق يدافع من أجل محبوبته، وأحنه مشينه للحرب، هذا العراقي العراقي من يحب، يفنى ولا عايل يمس محبوبته ، واحنه مشينه للحرب )).
........................
محاولة اغتيال
غادر عيادته متأخراً, فهو الجراح الوحيد في المنطقة الذي لم يهاجْر, ولم يرضخ لتهديدات المهددين له!
مد يده نحو باب سيارته يفتحها
شعر بالقشعريرة تعتري بدنه, وجسما بارد وصلبا لامس مؤخرة رقبته, وخوف من نوع غريب داهمه.،أمرا يتوقع حدوثه لكن
ليس اليوم ولا بهذه اللحظة!
تسمرت يداه, وتصلب جسده كقطعة خشب, واتسعت حدقتا عينيه على سعتهما, تحجرت كل أفكاره, وتبلد ذهنه فلم يعد يفكر بشيء, وكإن الزمن قد توقف, سوى من نبضات قلبه المتلاحقةِ وأنفاسهِ التي يعلو ويهبط بها صدره.
أفاق من ذهوله على الصوت الصادر من خلف أذنيه , ينطق الكلمات بحقد متعمد، يحذره:
- قف .
لا تتحرك , وإلا أرديتك , حركة واحدة وسأضغط على الزناد، لأجعل من مخك نثارا .
تجمدت يده فوق أكرة باب السيارة , تسمر مكانه وكأن على رأسه الطير, ويده ما تزال تمسك مفتاح باب السيارة.
تساءل بصوت مستسلم لقدره غير خانع أو متخاذل:
- نعم لن أفعل ولكن، هل بإمكاني سحب يدي من باب السيارة, فقط؟
لكزه صاحب الصوت الأجش بالمسدس, وبتهكم قال:
- هيا افعل لكن, دون أن تقوم بحركة واحدة أخرى, أنزل يدك فقط, لأراها.
سحب يده وأنزلها, وعيناه تحاولان استيعاب ما تريانه, وظل غشاوة رمادية تحيط فيهما، لأربعة رجال يحيطونه من كل جانب, مدججين بالأسلحة ملثمين, يخفون ملامحهم بأقنعة سوداء , لا تظهر منهم سوى أعينهم المليئة بالحقد والضغينة, وقسوة سمع الكثير عنها, من قصص الذين اختطفوا واغتيلوا قبله.
رفرف قلبه بين جنبيه بهلعٍ, وهو يتذكر قصص العذاب التي قاساها الناجين بإعجوبة من زنازين الموت وآثار ( التثقيب) بأجسادهم, تشهد على حجم وحشية وبربرية, لا تعرف الرحمة.
تعثر لسانه بالكثير من آيات القرآن وهو يرددها, لفرط توتر أعصابه, تخدر جسده,
شعر بجيوش من النمل تغزوا جسمه, وإن نهايته قد اقتربت، فغمره احساس بأنه سيغمى عليه, وبالكاد استطاع أن يقول بصوت حاول جاهدا أن يبدو متماسكا وعينيه تتفرسان المكان حوله لعله يجد من يعينه أو ينقذه:
- هل بإمكاني أن أعرف ماذا تريدون؟
بصوته الخشن رد قائدهم :
- صهْ , ولا حرْف , ولا كلمْه.
ثم ضربه بأخمص المسدس على أم رأسه, فسقط على الأرض بقوةٍ,
لم يفقد الوعي, لكن جسده لم يستطع الإتيان بحركة, ولم يستطع حتى التأوه.
تطوع اثنان من الملثمين بسحبه من كلتا يديه, وتوجها بهِ إلى سيارة سوداء مظللة, بعد أن عصبوا عينيه برباطٍ أسودٍ.
أحدث حذائه على الإسفلتِ أثر خطوطٍ متعرجة وهما يسحبانه كذبيحة تساق إلى المذبح.
أوجعه بحرقة احتكاك ركبتيه بإسفلت الشارع الخشن, لكنه فضل أن يبقى محتملا الألم على أن يبوح
اضطرب قلبه حين اقتربوا من السيارة
وفي لحظات الهول تلك, تذكر والدته وهي تنتظره بكل ذاك الخوف الذي يملأ عينيها ودموعها, كلما تأخر في العودة ولو قليلا, من شوارع يسكنها الموت, ووحوش تلتهب رغبة للقتل والتعذيب, وسلخ جلود بني البشر بلذة الحقد, تذكر زوجته الحبيبة وطفليه وهما يلعبان بشاربيه لعبتهما المفضلة؛ كلما أجلسهما على رجليه, تذكر يدي أبيه وهما تمسكان بكتفه و يحثه أن يبقى شامخا, يرفع اسم وطنه عاليا بعلمه, وأن يخدم أبناء جلدته دون التفكير بغاية أخرى, تذكر أرواح الناس البسطاء الذين أنقذهم, بمبضعه الفذ, وهو يقوم بواجبه كطبيب جراح , وألسنتهم تلج بالدعاء له, بأن يحفظه الله ويبعد عنه كل مكروه,
فناجى الله:
- ساعدني إلهي.
هنا
أحس بأن حواسه كلها قد عادت إليه, وإن شيئا ما يدفعه النهوض, فنهض واقفا على قدميه، ومشى.
فتح أحدهم باب السيارة المظللة, وحاول آخر دفعه إليها, بهذه اللحظة, دوت اطلاقات نارية كثيفة حوله, جعلته يخفض رأسه بحركة عفوية لا إراديه, دون أن يعرف من أطلق النار على من, أو لماذا !؟
صار الصخب شديدا حوله, وعم الشارع الهرج والمرج, والصرخات تملأ المكان رعبا.
انبطح على الأرض دون أن يعارضه أحد، وأزيز الرصاصات تحيطه, تدوي برأسه وتصم أذنيه.
سقط جسد أحدهم فوقه، فأحس بالهلع يعتريه، لكنه لم يبد حراكا.
غطت الدماء رأسه , وثقل الجسد الجاثم على ظهره أثقل عليه أنفاسه، حتى لم يعد يطيق السكوت، فانتفض.
دفع الجثة بكل ما أوتي من قوة, ونهض واقفا
توقف إطلاق النار لحظتها
أحس باقتراب أحدهم منه,
كر عليه الخوف مجددا
انتزع العصابة السوداء من عينيه بسرعة، ليجد نفسه أمام رجل يحمل غدارة سوداء، وثلاثة آخرين مدججين بالسلاح يحيطونه.
صعق, غزاهُ الشعور بالغبن، أحس بالغضب يكتسح كيانه والحنق الشديد يملأ صدره.
مزق قميصه المغطى بالدم يعرض صدره أمام الرجال يتحداهم، وزمجر بصوت هادرٍ يعلن العصيان:
- هيا اقتلوني، ماذا تنتظرون ؟ فقد سئمت هذه اللعبة القذرة.
نظر الرجل إليه،وظل ابتسامة تعلو محياه، وهو يقول:
- المعذرة دكتور، جئتك ورفاقي منقذين لسنا قتلة أو مجرمين، حمدا لله على سلامتك.
28/10/2008
...............................................
يد القاتل
لقبه أصدقاؤه أبو المشاوير، وهو الذي لا يتواني لحظه عن حمل سلة صغيرة, تحملها عجوز عائدة من السوق, فيلهج لسانها بالدعاء له، ولم يتكاسل عن دفع سيارة سائق أجرة تعطلت سيارته, مقدما يد العون لكل من يحتاجها، وهاجس والدته أن تظل قلقة عليه وعيناها ترقبان باب الدار بقلق وخوف حتى يعود، ويكتم أبوه حسرته عن زوجته , وأفكار مرعبة تتلبسه , حتى يسمع صوت ابنه يملأ البيت ضجيجا ومرحا, وضحكات الأم تملأ البيت سرورا بعودة ابنهما الوحيد من شوارع موتٍ ، الخارج إليها أغلب الظن لن يعود.
وصباح الجمعة كان دائما مميزا, فيذهب وصديقه عمر لشراء إفطار الجمعة المختلف, وهما يتمازحان وصوت ضحكاتهما الصافية النابعة من القلب تضج بالحياة، فيعودان إلى البيت وهما يحملان صحني (القيمر والكاهي ).
كان ذاك الصباح يحمل نسمات الشتاء الباردة المبللة بندى الليل, والشارع يكاد أن يكون خاليا إلا من أناس قليلين وأحمد وعمر يتمايل جسميهما مع دعاباتهما التي بعثت روح المرح والحياة فيه بعد أن سكنها الموت والظلام ، وجثث مجهولة الهوية تملأ المزابل، تنهش لحمها الكلاب السائبة ليلا، دون أن تتقاتل بينها لكثرتها.
مرت بقربهما سيارة مظللة مسرعة, استدار سائقها على عجل وتوقف قربهما، فتح ركابها الأبواب بوقت واحد, وترجل منها رجال مسلحون ملثمون بأقنعة سوداء.
خفق قلباهما بعنف , وهما يريان الملثمين يتوجهون نحوهما مباشرة وأسلحتهم مصوبة عليهما, وتسمر جسداهما في المكان.
وبلمح البصر, طوق الرجال الملثمون الشابين , قيدوهما بقيود بلاستيكية محكمة , وعصبوا أعينهما بعصابات سوداء , ورموهما بداخل السيارة بقسوة كخراف تساق إلى السلخ .
أعلن جسداهما الخوف العارم بارتجافهما , خفق قلباهما بتسارع شديد وكأنهما سينخلعان من صدريهما، وتلاحقت أنفاسهما.
لمحَ أحمد وشما على يد أحد الملثمين , قبل أن تعصب عينيه , كان الوشم غريبا لم ير مثله سابقا، عقرب تلدغ فمٌ بشري.
ألجمت الفاجعة لسان عمر, وأحمد يسأله عدة مرات:
- من هؤلاء, ولم اختطفونا نحن الاثنين؟ أتراهم مختطفين عاديين يأخذون فدية فقط , أم أنهم من المتطرفين، نحن من طائفتين مختلفتين، فكيف يحدث أن نختطف من قبل هؤلاء نحن الاثنين, عمر رد ما بك , هل أنت بخير! ؟
مرّ وقت أحسه أحمد دهرا طويلا , قبل أن يرد عمر بصوت واهن يائس .
- لا أدري , لكني أتصور بأن هذا آخر يوم بعمرينا , قلبي يحدثني بأن اليوم مشئوم، لن يمر بسلام .
توقفت السيارة أمام أحد البيوت, وفتح أحدهم صندوقها, أنزلوهما, يدفعونهما دفعا إلى غرفة واسعة فارغة , ساد اللغط الكثير بين المختطفين , يتبارون فيما بينهم من يبدأ الحفلة ، مثلما أسماها صاحب الوشم، وقرروا أن تبدأ حفلتهم ، بعمر.
ازدادت ضربات قلب عمر, أحسه سينخلع من بين ضلوعه , حين تلقى أول ركلة على بطنه , بعدها لم يعرف من أين تأتيه الضربات واللكمات , حتى انتفخت ملامحه ولم تعد تشبه ملامح البشر.
سالت الدماء غزيرة من أنفه وشفتيه, و شـُجَ رأسه بفتحةٍ كبيرة, وصدى صراخه المتألمة , يملأ الغرفة يدوي دويا مخيفا، وأحمد يستغيث الله أن يلهم صاحبه الصبر على التحمل .
ضحك المختطفون, ضحكات هستيرية مخيفة، وهو يتوسلهم ترك عمر جعلته يشعر بقشعريرة تسري في بدنه , كجيوش من النمل , تزحف على جسده , ثم سمع صوت آلة كهربائية تشبه صوت آلة المثقاب , دوت بعدها صرخات ألم عارمة, تصدر من عمر.
وعم سكون , لم يقطعه سوى صوت صاحب الوشم , الذي صرخ بصوت, أجش مليء باللؤم يقول:
-أ فيقوه, هيا بكل الطرق والوسائل، ليرى ويسمع صوت رفيقه، يتألم مثلما صرخ هو و تألم، عجلوا قبل أن يغمى عليه.
كان أحمد يسمع صوت لهاث عمر, من شدة الألم الذي يعتريه, حين أحس بأن هناك من يمسك بجسمه, يثبته على الأرض , بعد أن فكوا قيده.
عاد صوت المثقاب مرة أخرى, فأيقن أن دوره قد حان.
استعان بالله بصوت مرتفع
مرّ بذاكرته وجه أمه الحنون وابتسامة أبيه, وحزنهما حين يعرفان ما سيحدث له، فبكاهما.
خفق قلبه بقوة شديدة وتلاحقت أنفاسه , وهو يحس بقرب الآلة منه , والمختطفون يسخرون من بكائه، صرخ بصوت مدوٍ حين اخترق المثقاب كتفه اليمنى , صرخ بصوت متحشرج وهو يدعو الله أن يقبض روحه والمثقاب يدخل صدره ويخرج، ازرقت سحنته من فرط الألم, وارتعش جسده بردا من شدة النزف , وأوردته تنفض الدماء نفضا, وازرقت شفتيه وأزبد فمه والمثقاب يدخل مكانا ويخرج من آخر, فأخرس العذاب صوته , ولم يعد يقوى على التنفس.
تسمرت عيناه بسقف الغرفة , بعد أن خرج المثقاب من الطرف الآخر لجمجمته, وصورة صاحب الوشم مرسومة، بعينيه.
شعر عمر إن جسده تبلل بمادة لزجة, خمن إنها دماؤه ودماء أحمد وقد امتزجتا، خرج صوته مبحوحا واهنا وهو ينادي على أحمد, يريد الاطمئنان عليه، فهوى صاحب الوشم بالمثقاب عليه, فتناثر مخه على الأرض, والجدران.
تجمع أهل عمر وأهل أحمد , ينتظرون أخبارا تأتيهم من الخاطفين , بعد أن سمعوا من المارة حادثة اختطاف شابين من الشارع، طال الانتظار, وساد القلق والخوف على كل الوجوه حين عم الظلام, وعينا أم أحمد ترقب باب الدار برعب , تنظر بين الفينة والأخرى إلى زوجها الذي لم يستطع النطق بحرف واحد , خوفا على وحيده.
صارت الساعات جحيما, وهي تمرُ دون خبر.
مرّ الليل بطوله وعينيها لم تفارقا الباب، تحجرت الدموع بمقلتيها, وتسمر جسدها النحيل ولم تعد تستوعب شيء,
أذن المؤذن آذان الفجر.. فخرج الرجال للصلاة جماعة، بكى الرجال وهم يدعون الله أن يعيد أبنائهم، بسلام.
خرج المصلون من الجامع , سمعوا صوت كلاب مسعورة تنبح بقوة ,
أجفل أبو أحمد وأبو عمر، نظر أحدهما للآخر نظرة جزعة تفصح عن مخاوف متشابهة , هرول الجمع إلى مزبلة يعرفها أهل المنطقة , ويعون معناها , أسموها المقبرة، فكم من جثة ألقيت بليل هناك.
كانت الكلاب تملأ المزبلة, عشرات منها تتسابق, وهي تنبح بعواء محموم تحتشد مجتمعة، تنهش بلحم جثتين مازالت الدماء تقطر من جسديها.
..........................................
طائر يخترق الشمس
لم يكن ذاك النهار الربيعي الأول للقائهما وشمس أول نيسان الذهبية تنشر ضياءها، لتتسلل أشعتها شَعر حسناء الطويل، فتبرق خصلاته بتموج عسليّ لامع يبهر الأنظار، تتجول مع رفيقاتها في سوق البصرة الشعبي وأصوات مزاحهن تملأ المكان روحا شفافة، تضج بالحياة لتلتقي مخلد، الضابط الطيار ورفاقه كما المرات السابقة وهم يتبضعون الهدايا لأهاليهم وضحكاتهم ملأ الأشداق، تظهر مدى فرحهم لقرب إجازتهم الدورية، والعودة إلى بغداد بعد أيام مضنية من الهجمات.
دس بيدها بخفة حاو قصاصة ورقية، أخذتها منه، خبأتها دون أن تعي، وهي مذهولة غير مصدقة بأنها فعلت ذلك، ورفيقاتها يسحبنها من يدها لحثها على المسير.
المساءُ على الأبواب وعيناها ترقب حقيبتها في تساؤل ملحٍ، لا تجرؤ على البوح به عما خط بتلك الورقة الصغيرة تتوسم قدوم الليل، وغفوة الأهل، لتسرع للورقة التي خطت بيد فارس أحلامها وفيها كلمات قليلة، رقم هاتف واسم، طالما شاغلت نفسها باستنتاجه ليال طويلة.!
أدارت قرص الهاتف بقلب ينبض لهفة، وصوت مرتعش بالخجل المشحون تطلبه، ليفاجئها بأنه هو مخلد، وفرحة غامرة تعتلي صهوة صوته الدافئ، وهو يبثها شوقه العارم لرؤيتها، مذ لمحها قبل أشهر مع رفيقاتها.
حدثها عن طفولته، عن صباه، عن حبه لطائرته، وهو يحلق فيها عاليا في الفضاء كطائر حر، عن أمه الحنون وهي تتمنى أن تراه، زوجا وأبا، عن أحلامه الوردية التي حلم فيها وهي تتأبط ذراعه تفاخر بزوجها الذي يجوب السماء دفاعا عنها، طال الحديث بينهما ولم يقطعه سوى نداء للطيارين التأهب لطلعة جوية، وموعد للقاء بينهما مساء الغد.
تعلقت عيناها الواسعتان، بساعة الحائط تستعجلها المضي، تعد الدقائق وتحلم باللقاء، تحضر نفسها فتخلع قميصا لتلبس آخر، والوقت لم يزف بعد، وهاتف المنزل يرن بإلحاح.
تململت متأففة قبل أن ترد والدهشة تغزو وجهها الخمري لتسمع صوته الرخيم، يدعوها أن تصعد إلى السطح بعد دقائق كي تراه، محلقا في سمائه!
سألته بتعجب! وابتسامة متعجبة تعلو محياها:
- وكيف سأعرف طائرتك مخلد!؟
- حسناء، سأهز جناحي طائرتي يمينا وشمالا عدة مرات، ستعرفينها صدقيني.
أطلقت ساقيها تسابق السلالم بقلب ملهوف، تراقب السماء بعينين حائرتين، وأسراب الطائرات تروح وتغدو حتى بانت طلائع طائرة، تهز الجناحين بإلحاح!
تقافزت حسناء على سطح الدار فرحا، وهي ترى طائرها الحر يغازل عينيها في الفضاء، والغبطة تتناثر على قسمات وجهها حتى غابت طائرته، مخترقة جوف الشمس، لتهمس بوله العاشقة:
- مجنون حبيبي، كم أحبك أيها المجنون.
أزف وقت الموعد، وجدته يجلس على كرسي بمحاذاة النهر يدخن سيجارته و ينظر بقلق إلى ساعة يده الكبيرة، ولما رآها تهللت أساريره بابتسامة ساحرة، وفرحة الشباب تكاد تنطق بحب الحياة، وروعة الحب واللقاء بين حبيبين.
صارت ترقب السماء, يخالجها خوف من نوع غريب لم تعرفه من قبل، وهي تراه كل يوم يخترق قرص الشمس ذاهبا يهز جناحا طائرته، ونيران تأكل قلبها هلعا عليه حتى تراه وطائرته تخرج من عنق الشمس، عائدا، فتشعر براحة تعيشها سويعات، لتعود لقلقها مرة أخرى.
أسراب الطائرات كانت اليوم مختلفة، فهاهو سرب كامل يهز أجنحة طائراته يمينا وشمالا، وحسناء تراقبها بذهول وتساؤل، وابتسامة أقرب للبلاهة تغمرها، فقد اتفق رفاقه أن ينفذوا مقلبا يمازحونه فيه وحبيبته البصرية.
حين ترجل ورفاقه من طائراتهم، تفرقوا يتراكضون، يفردون أيديهم ويتمايلون مقلدين حركة طائرته، هاربين ومخلد يلاحقهم بخوذته ليضربهم بها، لأنهم أفسدوا على حبيبته متعة مشاهدته وهو في أعالي الجو، وضحكاتهم المجلجلة تصدح بمرح الشباب وحيويته، بالرغم من الحرب، وشبح الموت الذي يطل عليهم، في كل طلعة جوية.
لقاؤهما القادم كان مغمورا بالآمال، وهو يقص عليها ما حدث من اتفاق بين رفاقه عليه، وقطعهم لوعد له بأن لا يكرروها مجددا، سكت حين انتبه لها تراقبه، أحست بالخجل، احمرت وجنتاها وارتبكت. بلهفة تفحص وجهها، وعيناه تترجم النظرات كلمات حب، ثم قال:
- حسناء.
- نعم.
- غدا آخر يوم أطير فيه، سأذهب إلى بغداد بعد غد في إجازتي الدورية، وسأفاتح والدتي كي نأتي لخطبتك رسميا، فما رأيك؟
بان الفرح على قسمات وجهها، ترقرقت في عينيها دمعة صغيرة لم تستطع أن تمنعها من النزول على خدها وهي تجبيه، بصوت أقرب للهلع:
- كيف سأحتمل غيابك؟
- إنها سبعة أيام حبيبتي, سرعان ما ستنقضي.
- ستكون أطول سبعة أيام، صدقني.
- حسناء، عديني حبيبتي بأنك ستنتظرينني، عديني بأنك ستعلقين أشرطة خضراء على غصن أعلى شجرة في حديقة بيتكم كي أراها حين أعود، وأعلم أنك مازلت تنتظرين عودتي.
بكت بحرقة وهي تعده إنها ستفعل منذ ليلة الغد، وإنها ستبقى تعد الدقائق حتى يعود، خنقتها عبراتها وسالت على خديها دمعات اختلطت بكحل عينيها فأخذ منديله يمسح وجهها فيه، أخذته منه قبلته ثم وضعته في حقيبة يدها.
لم تستطع أن تغفو وهي تفكر في عودته لبغداد وبقائه سبعة أيام بلياليها، ومن أين يأتيها النوم وهي تتصور الجميلات في بغداد، فربما سيتعرف على إحداهن وينساها، ابتلتْ وسادتها بدموعها وارتجف قلبها الصغيرغيرة عليه من فاتنات مُغيبات، ولسانها يلهج بدعاء أن يعيده الله لها، بعد إجازته.
بعد العاشرة صباحا، هاتفها كي تصعد إلى السطح لتراه محلقا، كان سربه في السماء وطائرته تهز الجناحين وتتقلب في الهواء كإنشوطة، ثم اخترق السرب جوف الشمس المتوهج، وكأنها ابتلعته.
انتظرت ساعة، وعادت إلى سطح الدار ترتقب عودته كما المرات السابقة وأسراب الطائرات تروح وتغدو دون أن تهز أي منها، جناحيها!
أصابها دوار وعيناها معلقتين في السماء، حتى الغروب
أحست بالوحشة والخوف والأفكار المرعبة توسوس في صدرها، شعرت بأن أنفاسها لم تعد تكفيها، أنها تكاد تختنق، ولم تعد تدري ما تفعل والليل أطرق أبوابه، فصارت اللحظات عليها جحيما ولجة عميقة من كوابيس اليقظة تسلطت على روحها، وهي تتنصت لهسهسات أهلها عندما هجعوا لمخادعهم، لتتصل هاتفيا بالقاعدة الجوية.
الهاتف يرن دون مجيب، والهواجس المخيفة تتلاعب برأسها تعتصره، تذيبها حد الاحتراق هلعا عليه، بكت بصمت تكتم حرقتها, وهي تتخيل أنواع الصور عنه، وسؤال يلح برأسها.. هل (كَبتْ طائرته)؟
- يا إلهي كيف لم أفكر بذاك، ما العمل الآن، وكيف سأعرف؟!
هرعت بسرعة إلى الراديو تستمع لنشرة الأخبار، وهاهو صوت المذيع يعلن بأسف، بأن طائرة قد كَبتْ.!
أدارت الموجة إلى الإذاعة الأخرى تتنصت، الكثير من الجنود يعلنون عن أسمائهم، وهاهو المذيع يتفاخر بأسر ضابط طيار عراقيّ سيقدم نفسه للتعريف.
تلاحقت أنفاسها وانقبض بسرعة قلبها وهي تسمعه،
جاءها صوته متهدجا، يعلن بحزن عن اسمه، يهدي السلام أهله، وأنه لم يصب، وأنهى كلماته:
- سأعود يوما ما، سأعود بإذن الله.
في الصباح الباكر
فتحت والدتها شباك نافذة المطبخ التي تطل على الحديقة
فغرت فمها الدهشة وهي ترى
أغصان أشجار الحديقة تعج بالأشرطة الخضراء، تلاعبها النسمات ،فترفرف.
16/12/2008
.....................................
همس!
همس في أذنها بصوته الدافئ الحنون وهو يحتضنها:
- كم أحبكٍ حبيبتي، آه لو تعلمين .
بتذمرٍ تكاد أن تبكي ويداها تعبثان بأزرار قميصه, تحاول أن تثنيه عن سفره, تستخدم سلاح إنوثتها التي ما خيبت آمالها سابقا قالت:
- هل لابد أن تسافر حبيبي , ألا يمكن أن تؤجل سفرك أياما أخرى ؟ فلم يمض على عودتك إلا اسبوعان فقط .
أمسك رأسها بين يديه يصب الكلمات رشيقة:
- أتمنى لو كان الأمر بيدي حبيبتي , لبقيت العمر كله لا أفارقك لكن ,لا تحزني غاليتي هي أيام ، وأعود.
بان الحزن على وجهها, وظلال الشك علت محياها، لكنها تماسكت متشبثة بأمل أن تجدي محاولاتها.
اقتربت منه تكاد شفتاها تلامس جلده، همست الكلمات بوحا مليئا بالدفء، تشعره بحرارة أنفاسها تصبها لهفة في روحه, فأغمض عينيه وتلاحقت أنفاسه رغبة فيها.
اغتبطت لما أحست أن محاولتها نجحت وهي تشعر برجولته تتأجج لهيبا، تملكت الفرحة منها وهمهمت بغنج:
- حبيبي, خذني معك إذن ولا تتركني لوحدتي, فحياتي بعدك جحيم لا أطيقهُ, ولا أحتملهْ والوحدة تقتلني هنا.
أجفل وكأنه صحا من حلم حريري , ابتعد عنها قليلا, طأطأ رأسه يتحاشى النظر إلى عينيها , تغلب على صوته نبرة حزن , كأنه يحدث نفسه:
- أتمنى لو أني أستطيع ذلك , لكنك تعرفين مكان عملي الصحراء حبيبتي , وما من مهندس أخذ عائلته معه .
أسقط من يدها واليأس داهمها فتهالكت جالسة على السرير , وأجهشت ببكاءٍ مرير.
نظر إلى وجهها الخمري الذي أغرقته دمعاتها الغزيرة, بعينين حائرتين , وعلامات حزن خفيف طغت على ملامحه , وتساؤل جعله يعقد ما بين حاجبيه, ينصت لثورة ردها وهي تمسح دموعها عن خديها والتوتر اجتاح كيانها الرقيق فجعلها ترتعش وهي تقول بصوت متهدج:
- أخبرني إذن , كيف سأقضي أيامي بعدك , قل لي بربك ماذا سأفعل وأنا هنا وحيدة.
لا تقل لي أن أذهب إلى بيت أهلك أو أهلي , فهناك أيضا سأشعر بالوحدة والغربة بدونك, وكل ماحولي سيذكرني بك, ثم قل لي أين سأدفن أشواقي وحنيني إليك, وهي تقض مضجعي وتعذبني بفراقك، إني أحترق بعدك ،ألا تفهم ؟
جلس على السرير قربها، أمسك يدها محاولاً تهدئتها, مسح شعرها بيده بكل إلفة:
- أرجوك حبيبتي، سأقول إليك ما تفعلين
ظلي طوال اليوم وأنت تتذكرين حبي إليك ,
ظلي وأنت مشتاقة لي لحين عودتي
ولتكن ذكرياتنا معا سلوتك بعدي
ولا تنسي بأني مثلك سأعاني
وأني سأشتاق لكل ما فيك ومنك , وسأعد الأيام بل الساعات حتى أعود ونجتمع معا , فهوني عليك حبيبتي , هوني عليك , والآن
هيا عزيزتي أعدي لي حقيبتي قبل أن أتأخر .
نهضت بتثاقل يطفو القنوط على ملامحها الناعمة فامتقع لون بشرتها وهي تجمع بعض ملابسهِ، غمرها شعور غامض يتشرب داخلها, بأن هناك مايجب أن تخاف منه, وهي تصف حاجياته بعناية في حقيبة سفرهِ الجديدةِ, التي اشتراها قبل اسبوعين.
شعرت بأنها تركت قلبها داخل الحقيبة وهي تغلقها، وتناثرت حبات دمع على سطحها،فمسحتها.
استحم على عجل, ولم ينس أن يضع الكثير من عطرها المفضل وصفف شعره.
قبلها قبلات سريعة وهو يعبث بخصلات شعرها المتموج الطويل, وعيناها الواسعتان تتفرسان وجهه بنظرة حزينة قلقة، تحاول سبر غوره ، والشك في داخلها من سفره بهذه السرعة, يحرق الإنسانة داخلها،ثم حمل حقيبته وسار مغادرا.
لوح لها بيده مودعا وانطلق بسيارته، وعيناها تتابعان ابتعاده بخوف غريب يتغلغل داخلها, يشوبه الظن والريبة, من وجود امرأة أخرى تشاركها إياه, لكنها سرعان ما نفضت رأسها كأنها ترمي الفكر الجهنمية من رأسها.
كان يقود سيارته و يدندن بأغنيةٍ مرحةٍ، اجتاز شوارع كثيرة حتى وصل إلى بيت كبير, بابه الخارجي مفتوح على مصراعيه .
أدخل سيارته المرآب وترجل .
أخرج من جيبه مفتاحا, فتح باب المدخل
كانت الهدوء والسكينة تعمان أرجاء المنزل , كأن البيت فارغا لا يسكنه أحد، توجه إلى غرفة النوم مباشرة!
على السرير ترقد امرأة تغفو ملئ جفنيها, زينت وجهها بزينة صارخة، كأنها عروس بليلة عرسها، تجاوز عمرها الثلاثين بسنين كثيرة, لكنها تبدو فاتنة وقد تدلت خصلات شعرها الأشقر على الوسادة المخملية, فبدت وكأنها لوحة تزخر بالألوان.
نظر إليها بعينين شغوفتين تتراقصان فرحا، وإشراقة غريبة
اندس في الفراش على السرير بهدوء , مد يده تحت رأسها احتضنها ،
تململت بين يديه حين شعرت بوجوده
تنفست الصعداء
همس في أذنها بصوته الدافئ الحنون:
- كم أحبك حبيبتي ، آه لو تعلمين!
............................
ساعة الصفر 2003
داعب الوسن جفنيها, وهي تنظر إلى عقارب الساعة معلنة الرابعة والنصف فجرا.
قفزت من فراشها كأن عقارب الساعة لسعتها, أجالت نظرها في أرجاء منزلها الجميل وهي تتفقده وقلبها يحدثها بأن القادم صعب وقاس, تذكرت أنها لم تحتضن ولديها قبل أن تأوي إلى فراشها لفرط توفز أعصابها من الآتي وتوترها.
قبل أن تبدأ تباشير الصباح دكت الصواريخ مناطق كثيرة من بغداد, وهي تتساقط عليها كحمم بركانية ملتهبة, بعد أن دوت صفارات الإنذار معلنة انتهاء السلم, وبدء ( ساعة الصفر ).
فتحت شباك غرفتها المطل على ضفاف دجلة المهموم, فلفعت وجهها الجميل المفعم بالحزن نسمات باردة, استنشقتها بعمق, وأصابعها الرقيقة تنقر على الزجاج المنهك من كثر الاهتزاز.
أبهرها منظر النهر وهو ينساب يجري غير عابئ بما يجري، فأحست بأمواجه المهتزة تهز مشاعرها ووجدانها وعاصمة الرشيد تعلن الحداد على نفسها, ومخالب الصواريخ تقطع أوصالها.
اهتز البيت مرارا وتكرارا مع كل صاروخ نزل على أرضها التي ربت عليها وهي صغيرة غضة بعد، داهمتها أصوات ضحكاتها وأقرانها ممزقة ذاكرتها وبسذاجة وضعت يديها على أذنيها كي لا تسمع تساؤلها، ربما ماتوا الآن!؟
انقبض قلبها وهي ترى النيران تشتعل بمبان قريبة من بيتها فبكت، أحرقت أجفانها جمرات الدمع المنهمر من مقلتيها مستحضرة الماضي ودفئه, وحلاوة الأيام حتى المؤلمة منها .
تذكرت، حين طبع زوجها على جبينها ذات يوم مرح قبلة سريعة وهو يحثها كي تعجل وتنهي ارتداء ملابسها, ليأخذها والصغار بنزهة مسائية على ضفاف دجلة, أصر أن ينزل إلى جرف النهر ليبلل رجليه وضحكات الصغار تملأ المكان ضجيجا لذيذا, وعيناها ترقبانه بابتسامة هادئة وهو ينحدر إلى ضفة مياه دجلة الرقراقة حين انزلقت قدمه فانقلب على ظهره, و ضحكاته المجلجلة فتحت شهية صغاره للفرح يضحكون معه.
غاص بالوحل فاستحال إلى كائن طيني يثير منظره الضحك والسخرية وبالكاد استطاع الخروج, بعد أن أصبحت الأرض الطينية زلقة جدا فجلس على الحشائش وهو يمسح يديه ووجهه.
أعجب منظره الصغار, فغمسوا أصابعهم الصغيرة الرقيقة بالطين ممرغين أنفه به غارقين بضحك طفوليّ بريء .
أجفلت من ذكرياتها مع دوي انفجار صاروخ آخر فاستغرقت بتخيل أنات المصابين المرتعبة ويدي طفليها المرتعشتين خوفا تمسكان ذيل ثوبها فاحتضنتهما, و تقول بصوت خائف متهدج :
- لا تجزعا ولداي، دقائق معدودات وينتهي الأمر ، ثقا بيّ .
كان الخوف يأكلها فيما النيران تتلمظ بأكل المباني المحترقة، وعيناها الواسعتان تفترشان الأرجاء لتسع طوق الأفق المحمر لتحتويه .
أرعبها منظر الحرائق وهي تلتهم بغداد, وصور النيران تنعكس على المياه كأنها تخرج من عمق النهر لهيبا مستعرا.
زمجر صوت بداخلها يحثها الخروج من البيت لتنجو بولديها, فهي لم تعد تقوى على البقاء بانتظار الموت.
أحست ببرد شديد يسري بأصابع يديها، والشباك مازال مواربا يتلمس الدفء من نيران بغداد المستعرة واحتراقاتها، نظرت إلى صغيريها وهما يجلسان في زاوية الغرفة ملتحفين دثار سميك كما أوصتهما, ليحميا جسديهما من شظايا الزجاج الذي قد يتناثر بفعل القذائف التي بدأت بالتساقط منذ إعلان ساعة الصفر.
تذكرت أبيهما الذي غادر ملتحقا بوحدته العسكرية منذ خمس وعشرين يوما، ولم يعد حتى اللحظة، غزاها الحنين إليه لصدره وهي تدفن رأسها بين حناياه، لهمساته ليديه حين تحتضناها .
بعينيها الذابلتين كانت تتابع انبلاج الصباح, متصنتة أبواق سيارات الإسعاف يشق أذنيها بزعقه المخيف عازفا، سيمفونية الموت، فتلبسها الحزن وهي ترى الدخان المتصاعد من المباني الجميلة التي كانت تعمر فيها الحبيبة.
سرت بجسدها قشعريرة شديدة بينما تراخت عيناها المفعمتان بالخوف, كأنها بكت الدهر كله.
تمنت لو أن الباب يفتح الآن ويدخل زوجها منه لتحتضنه, و تبكي على صدره, فتستريح ولو قليلا .
عادت الصواريخ تدك المدللة دكا عنيفا ومع كل ارتجاجة حائط ، كانت أوصالها ترتجف معلنة عن خوفها العارم، فهرعت واندست بين ولديها وأغمضت عينيها.
أحست بدفء حميم اجتاح كيانها وبيد تحتضنها, وأنفاس اشتاقت روحها لملاقاتها وصوت حنون يهمس بأذنيها بكل حب مازال يأسرها .
- حبيبتي, لقد عدت فلا, تخافي .
شهقت بحرقة, وهي تكتشف وهمها بمجيئه الذي عاشته ملهوفة لتحتضنه, بكل لوعة ساعات الرعب المحرقة, التي بدأت مع بداية ساعة الصفر وحتى دوي انفجار، آخر لم تسمعه.
...........................................
جلس يستريح
بوجوده غير المرئي
جال بفضاء السوق المكتظ بالناس، ينظر بشفقة إلى وجوه البشر المتعبة، يتصبب العرق منها لشدة القيظ، وحرارة الجو تزداد سخونة كلما ارتفعت شمس الظهيرة، لتتوسط السماء المتخمة بدخان التفجيرات، معلنة انتصاف نهار صيفي لاهب آخر.
أمعن النظر بوجه شاب وسيم، لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يمسح بيده عرقا تفصد على جبينه؛ وينظر إلى بطن زوجته المنتفخ بتساؤل يشوبه القلق، وهي تقلب ملابس صغيرة تشبه ملابس الدمى، وظل ابتسامة خفيفة تلوح على وجهها؛ كلما وجدت قطعة تلاءم وليدها المنتظر، غير عابئة بالحر الشديد ولا بنظرات زوجها القلقة.
خطف نفسه من أمامهما، ليطوف فوق رأس شابين يعملان بالتحميل، يكومان الكثير من الرزم فوق كتفيهما وقد ابتلت ملابسهما بعرقهما، يتسابقان بالوصول أولا للحصول على بقشيش، يعينهما على قوت يومهما، وإطعام أفواه كثيرة جائعة تنتظرهما، فتركهما وطفق يحوم حول فضاء السوق مرة أخرى، يتابع عن علو أكوام البشر وهي تروح وتجيء، وقد بدا له الكثير منهم، يحمل هموم وأعباء حياة سقيمة لا تطاق تكاد تنطق ملامحهم بما يعانون من بؤس وشقاء، بينما بدا له البعض الآخر غير عابئ تبدو اللامبالاة على محياهم، وهنالك ثلة قليلة منهم بدت ملامحهم المترفة توحي له بأنهم سعداء، بالرغم من تذمرهم من زحمة السوق وحرارة الجو لحد الاختناق بلفحات الهواء الساخنة المشربة برائحة العرق والأنفاس.
من بعيد، لمح رجل زائغ النظرات دميم الوجه، عرفه على الفور، يحمل بين طيات جنبه ميقات الموت، ولحظة الآذان فيه.
تحرك بسرعة خاطفة باتجاهه، يطوف فوق رأسه والرجل يمشي مطرق الرأس مشية سكرا، وهو يلازمه ملتصقا به، لا يفارقه!
مد الرجل يده بداخل جيبه، وهو يسرع خطاه المترنحة، ينظر إلى وجوه الناس الذين أبدى البعض منهم علامات الاشمئزاز والتقزز عند رؤية وجهه الدميم، يرمقهم بنظرات الغضب والحقد ثم توقف فجأة!
توسط السوق، وضغط على زر الموت بقوة.
دوى الانفجار سريعا قويا، فتقطع جسده إلى أشلاء صغيرة، وتناثرت معه أجساد كثيرة متطايرة إلى الفضاء، يتطافر الدم منها وكأنه انهمار مطري ثقيل، وغير المرئي يتلقف الأرواح بسرعة البرق، و بلمح البصر يرفعها إلى السماء عاليا فتطير أرواحا كنسمات خفيفة ، وتبقى أرواحا أخرى، تصارع الموت من أجل الحياة.
مئات الأرواح التي قبضها اليوم، وشدة النيران والدخان الكثيف والأبنية المنهارة وحدوث هذا الانفجار الذي يحمل الرقم ثمانية منذ بدء النهار، وحتى انتصافه، جعله يشعر بالتعب الشديد والإنهاك، فترك بعض الأرواح تنازع، وجلس على حافة الرصيف ، يستريح! تتفحص عيناه أعداد الجثث المتناثرة، بنظرةٍ مذهولةٍ!
تناهى لسمعه، صوت بشري يئن أنينا خافتا يائسا
التفت ناحية مصدر الأنين، فرأى جسد شاب مسجى على قارعة الطريق، مقطع الأطراف تنزف كل أوردته، مع كل نبضة من نبضات قلبه، ترقد بجانبه امرأة بلا رأس، مقطعة الأوصال وقد تدلى جنينها من بطنها التي انفلقت من شدة عصف الانفجار، فبدا الجنين وكأنه لعبة صغيرة ممزقة، تقبع إحدى يديه المقطوعتين على صدر أبيه، كأنه يستجير فيه إبوته، يستغيث حمايتها، تفترش أحشائه الصغيرة الرفيعة إسفلت الشارع، وشرايينه الرقيقة تضخ الدماء على الأرض التي اغتسلت بدماء والديه ودمائه .
أدار رأسه إلى الناحية الأخرى مشيحا النظر عن ذاك الجسد الممزق، يتحاشى رؤية وجهه وسماع أنينه، فالتعب أخذ منه مأخذه، ولم يعد يطيق قبض روح أخرى!
طأطأ رأسه وصوت أنين الشاب يدوي بأذنيه، ووجهه المألوف يحوم حوله يأبى أن يفارقه، وهو يتوسل بصوت خافت ملهوف أن يسرع بقبض روحه، ويخلصه من عذاب وألم لم يعد يحتملهما .
أدار رأسه مرة أخرى ينظر إلى وجه الشاب فوجده يحدق، بوجوده، بعينين تملؤهما نظرة متوسلة، تطلب الرحمة والخلاص، يؤشر إلى السماء بإصبعه الوحيد المتبقي من يده يستغيث، بصوت واهن، يستعطفه:
- أستحلفك الله أن تعجل.
خشع
أحس بالشفقة والرحمة تملأ روحه.
نهض بسرعة
قبض روح الشاب
يصرخ بلوعة مستغيثا:
- رحماك إلهي، ألا ينتهي الموت في هذا البلد أبدا، ألا ينتهي ؟!
............................
بائع النسيان
ومعك ، كنت أنسى حظي العاثر.
أنسى أني فتاة خلقت كي تشقى فقط!
عسيرة كنت بكل شيء فحتى يدي عسراء!
وكل شيء يناقض رغباتي، وكثيرا ما كنت أكاد أفقد الدفة حين أود فعل شيء ما فيعاكسني الحظ ليكون ضدي!
أذكر جيدا يوم حدثت صويحباتي:
- أنا لن أجد الحب يوما!
ساذجة حقا كنت يومها، لم أك أدري أنه ينتظرني خلف باب عمري الغض ، يطرقه بإصرار ليسكن بين نوافذ قلبي ويستقر على جدرانه، يقبع كلطخة على طاولة أيامي، متحديا إياي.
اوه .. هل مر وقت طويل مذ استغنيت عن فنجان قهوتي ، لأقضيه مع شخص ما!؟
أناغيه وأفرغ في جعبته كل احلامي الصغيرة المستحيلات!
هه،, أنا لم أحدثكم عن جنوني بقهوتي الصباحية، وكونها تشكل بداية عالمي، مذاقا يريح طوايا قلبي المتعبة طوال سنين عمري الفتية التي أظنها لم تستوف شروط الإطلاق المسموح به عالميا، أرشفها لتسترخي تجاعيد عقلي المشدودة فرط التفكير، وتطير روحي بين أروقة الخيال.
كل شيئ تغير عكس عقارب ساعة أمنياتي، كأني فرس فك عقال لجامها، فجمحت!
تخليت عن قهوتي، وعن متابعة زهوري، وهجرت كتبي، ولعبة كرة الطائرة التي أعشقها، لأقضي الوقت معه، أرتشف خمر العشق، فأجلس منتشية بملامحه الشرقية.
مممم،, أأقول أني بدل أن أحبه ،همت فيه، ليخذلني!
وكأنه يعاقبني لهجراني فنجان قهوتي.
أبحث عنه في تواريخ الأيام، بين ملامح الطرقات ومفترقاتها.
واحترت كيف أبدأ يومي بدونه!؟
كيف أقضي النهارات، دون أن يكون على قائمة أولوياتي، وأين سأركن ذكرياتي معه ؟
هل أعيرها لإحدى صديقاتي؟
أم أحرقها؟!
كيف أحرق ذاكرتي؟
وتاريخ أول لقاء بيننا أثناء لعبة في النادي الرياضي، حين ضربت الكرة لتخرج طائرة على جناح السرعة تضرب وجهه، فينزف أنفه الجميل بغزارة ، ويملأ صراخي الهستيري الملعب ضجيجا، فأوقف الحكم المبارة بوقت مستقطع حتى أسترد وعي الذي كدت أفقده.
وقفت أمامه بعد نهاية المباراة، التي انتهت بخسارة فريقي دقائق طويلات خجلة اعتذر منه، وهو يبتسم تلك الإبتسامة الساحرة التي أطاحت بآخر صرح من صروحي ، ورفرف قلبي معلنا بداية لحظة الحب.
صارت حياتي كجناحي فراشة تطير وتحط حوله, واختزلت العالم بوجوده، وكأن الحظ ابتسم لي أخيرا.
ليعاندني قدري بحادثا لا يد لي فيه، وتلك الرسائل الحميمة والإتصالات الملحة التي تردني من مجهول، أحدثت شرخا كبيرا.
تركني جالسة على كرسي الإعتراف، وخرج غاضبا، وسيل الإتهامات تصلني محملة بكل الغيوم ورعودها، ليختفي عن أنظاري.
قاصصني بذنب لم أقترفه!
تركني مهجورة، كناسكة في شرفة تعصف بها رياح شباط الصقيعية.
وفي ذاتي أطارد بائع النسيان، بعد أن سمعت صديقاتي يتحدثن عنه وهو يبسط النسيان على وسائد وشراشف نقش على نسيجها طلاسم فقدان الذاكرة في آخر شارع مظلم، يبيعه مقابل ثمن بخس!
بحثت عنه بين الدروب المعتمة كالمحمومة علني أجده بعد خيبتي، بإيجاد من جنى علي!
ركضت متخبطة بين ذكريات الماضي ودموع الحاضر، أنظر بعيني التي غلفتهما غشاوة قتامة الدمع، لأجده يجلس بمكانه يتربع بقعته خاويا لا شيء أمامه سوى الفراغ، ونظرة هائمة نحو المجهول ترتسم على محياه!
تساءلت:
- أيعقل أن يعتزل بائع النسيان مهنته، أم أن حظي العسير يتلاعب بي الآن !؟
اقتربت منه أطالبه بجرعة نسياني, مددت يدي بالثمن، ليجيبني بفمه الأدرد المجعد، مطرق الرأس كأنه ارتكب معصية:
- أعتذر منك بنيتي، فقد نسيت عدة النسيان، اليوم.
تعليق