يوم ناداها باسمها !
بقلم جمال الحنصالي
منذُ أن عجز جواده عن تخطي عقبة اختبار آخر السنة للمرّة الثالثة على التوالي، وأصبحت المسافة بينه وبين تحقيق رغبة والده البستاني عُمرُ أطول من نهر النيل، صار أصدقاؤه ينعتونه بواشل الحظ، واستمرّ الإحساس بالإخفاق يجوب زقاق تفكيره الفتي والذي صار مشلولا لا يجد للحراك سبيلا. أمّا أحلامه المصبوغة بنكهة الشباب الواعد الطامح إلى ما بعد الباكالوريا، فقد باتتْ كالنّبات النّميص نتفته أفواه ماشية الغضب والاندحار ... وهاجرت سنونوات الثقة بنفسه أوكارها إلى غير رجعة.
عاد إلى الكوخ المجاور لفيلا أسامة رجل الأعمال الذي تكلف بأسرته منذ أن رفضت المرحومة السعدية أن تتزوج به وهي خادمة بيته.. عاد يجرّ خيبة أمل ككيس رمل ثقيل.. عاد بمزاج عكر ووجه عبوس غابتْ عنه الابتسامة التي كانت تزينه، وزفّ إلى والده عمر الخبر التعيس. وما كان على البستانيّ ذي الجلباب الأبيض الفُقاعيّ إلا أن وضع القرآن الكريم جانبا وحرّر دمعة حارقة انفلتت بصعوبة من عينيه الغائرتين...
- " لا أريدكَ يا سعيد أن تكرر مأساتي، لا أريدك أن تسير في ذات الطريق الشائكة التي مررت عبرها حافي القديمين ذات يوم، لا أريدك أن تُقْلق نوم أمّك السعدية الأبدي في تربتها الطاهرة، وهي التي ربطتْ لأمرك جأشا مذ كنت صبيا تلعب الغميضة مع بنت الحاج أسامة، فتاقتْ إلى يومٍ تنتشلك الأقدار من براثن الفقر لتنقذنا معك.."
كان يستعد سعيد للرّد على كلام والده، لكن العبارات تمردت في خندق حنجرته وامتزجت بالعبرات والنظرات الحزينة المنفلوطية، وصنعتْ كومة شوك من الإحساس بالفشل، لا تحركه زفرات ريح الأمل ولا نسمات الأماني.. فانقض على يد البستاني الحرشاء وتوالت قبلاته الواحدة تلو الأخرى كطلقات مسدس المازر على خطوط يده المنعرجة من خط القلب إلى خط النصيب مرورا بخط أبولو.. علّه يروي عطشه الوجداني ويطفئ الهجير الذي اجتاح دواخله وخرّب أبراج البهجة وقلائع الآمال في جوفه..
أخرج سعيد قلم الرصاص، الذي تهشم رأسه من شدّة العضّ، من جيب سرواله المرقع، وفرش كرّاس الفلسفة المجعد غلافه، ثم جلس عليه ناظرا إلى صورة الوالدة المعلقة بمحاذاة سريره الخشبي. لم يتردد في قبول دعوة خفافيش فكره المنقبض وخاطره المنكسر، للسفر في ثوانٍ يتيمة إلى لحظات سقطتْ من تاريخه الشخصي، كأوراق الزيزفون في غزّ الخريف. تذكّر أمّه السعدية، كمْ ناضلت من أجله وجاعت رأفة به وعانت في سبيله وحنت عليه تارة وقست عليه أطوارا... وتذكر صياحاتها الحادة وهي تنصحه ألاّ يغيب عن المدرسة ..حتى كاد يحس من جديد بضرباتها الموجعة بالقبقاب وهي تبْشقه على ظهره.. كأنها البارحة فقط..
- "ما العمل إذن؟ وأنت فوتت على نفسك آخر فرصة لمتابعة دراستك، ألا ترى أنكّ لا تصلح لشيء الآن، لم تتعلم صنعة ولا حرفة.. ولا ترضى بمهنة والدك .. بل ولا تتقنها حتى... لقد كسرت آخر فرحة في جوفي يا سعيد !!"
والبستانيّ يعاتب ابنه الفاشل، مرّت بنت صاحب الفيلا بجانب الكوخ على غير العادة، أصدرت قدمها صوتا حسبهُ سعيد موسيقى بيتر إليتش تشايكوفسكي في عذوبتها وليونتها، وهي تخترق كومة خشخاش نمت متاخمةً لهذا الكوخ الهرم..
- " فيروز ... آنستي ... عفوا ... أريد أن ... اعذريني ... سيدتي"
- "أعد ما قلت يا سعيد على مسامعي.."
- "فيروز.."
- "لا تكمل.. تكفي هذه الكلمة."
- " سأعترف لك آنستي بــ....."
- "لا داعي للاعتراف ... " بصوت عال صاحت:
- " كسبت الرهان يا بنات..." وهي تلوح بيدها إليهن واقفات متسمرات في الشرفة التي تطل على الحديقة.
... وفي للية زفافهما .. دنتْ منه وهمستْ:
- لو لم تناديني باسمي يا سعيد .... !!!
بقلم جمال الحنصالي
منذُ أن عجز جواده عن تخطي عقبة اختبار آخر السنة للمرّة الثالثة على التوالي، وأصبحت المسافة بينه وبين تحقيق رغبة والده البستاني عُمرُ أطول من نهر النيل، صار أصدقاؤه ينعتونه بواشل الحظ، واستمرّ الإحساس بالإخفاق يجوب زقاق تفكيره الفتي والذي صار مشلولا لا يجد للحراك سبيلا. أمّا أحلامه المصبوغة بنكهة الشباب الواعد الطامح إلى ما بعد الباكالوريا، فقد باتتْ كالنّبات النّميص نتفته أفواه ماشية الغضب والاندحار ... وهاجرت سنونوات الثقة بنفسه أوكارها إلى غير رجعة.
عاد إلى الكوخ المجاور لفيلا أسامة رجل الأعمال الذي تكلف بأسرته منذ أن رفضت المرحومة السعدية أن تتزوج به وهي خادمة بيته.. عاد يجرّ خيبة أمل ككيس رمل ثقيل.. عاد بمزاج عكر ووجه عبوس غابتْ عنه الابتسامة التي كانت تزينه، وزفّ إلى والده عمر الخبر التعيس. وما كان على البستانيّ ذي الجلباب الأبيض الفُقاعيّ إلا أن وضع القرآن الكريم جانبا وحرّر دمعة حارقة انفلتت بصعوبة من عينيه الغائرتين...
- " لا أريدكَ يا سعيد أن تكرر مأساتي، لا أريدك أن تسير في ذات الطريق الشائكة التي مررت عبرها حافي القديمين ذات يوم، لا أريدك أن تُقْلق نوم أمّك السعدية الأبدي في تربتها الطاهرة، وهي التي ربطتْ لأمرك جأشا مذ كنت صبيا تلعب الغميضة مع بنت الحاج أسامة، فتاقتْ إلى يومٍ تنتشلك الأقدار من براثن الفقر لتنقذنا معك.."
كان يستعد سعيد للرّد على كلام والده، لكن العبارات تمردت في خندق حنجرته وامتزجت بالعبرات والنظرات الحزينة المنفلوطية، وصنعتْ كومة شوك من الإحساس بالفشل، لا تحركه زفرات ريح الأمل ولا نسمات الأماني.. فانقض على يد البستاني الحرشاء وتوالت قبلاته الواحدة تلو الأخرى كطلقات مسدس المازر على خطوط يده المنعرجة من خط القلب إلى خط النصيب مرورا بخط أبولو.. علّه يروي عطشه الوجداني ويطفئ الهجير الذي اجتاح دواخله وخرّب أبراج البهجة وقلائع الآمال في جوفه..
أخرج سعيد قلم الرصاص، الذي تهشم رأسه من شدّة العضّ، من جيب سرواله المرقع، وفرش كرّاس الفلسفة المجعد غلافه، ثم جلس عليه ناظرا إلى صورة الوالدة المعلقة بمحاذاة سريره الخشبي. لم يتردد في قبول دعوة خفافيش فكره المنقبض وخاطره المنكسر، للسفر في ثوانٍ يتيمة إلى لحظات سقطتْ من تاريخه الشخصي، كأوراق الزيزفون في غزّ الخريف. تذكّر أمّه السعدية، كمْ ناضلت من أجله وجاعت رأفة به وعانت في سبيله وحنت عليه تارة وقست عليه أطوارا... وتذكر صياحاتها الحادة وهي تنصحه ألاّ يغيب عن المدرسة ..حتى كاد يحس من جديد بضرباتها الموجعة بالقبقاب وهي تبْشقه على ظهره.. كأنها البارحة فقط..
- "ما العمل إذن؟ وأنت فوتت على نفسك آخر فرصة لمتابعة دراستك، ألا ترى أنكّ لا تصلح لشيء الآن، لم تتعلم صنعة ولا حرفة.. ولا ترضى بمهنة والدك .. بل ولا تتقنها حتى... لقد كسرت آخر فرحة في جوفي يا سعيد !!"
والبستانيّ يعاتب ابنه الفاشل، مرّت بنت صاحب الفيلا بجانب الكوخ على غير العادة، أصدرت قدمها صوتا حسبهُ سعيد موسيقى بيتر إليتش تشايكوفسكي في عذوبتها وليونتها، وهي تخترق كومة خشخاش نمت متاخمةً لهذا الكوخ الهرم..
- " فيروز ... آنستي ... عفوا ... أريد أن ... اعذريني ... سيدتي"
- "أعد ما قلت يا سعيد على مسامعي.."
- "فيروز.."
- "لا تكمل.. تكفي هذه الكلمة."
- " سأعترف لك آنستي بــ....."
- "لا داعي للاعتراف ... " بصوت عال صاحت:
- " كسبت الرهان يا بنات..." وهي تلوح بيدها إليهن واقفات متسمرات في الشرفة التي تطل على الحديقة.
... وفي للية زفافهما .. دنتْ منه وهمستْ:
- لو لم تناديني باسمي يا سعيد .... !!!
تعليق