شدَّ أحمدُ رأسه بكلتا يديه وهو يسمع الخبر الذي نزل عليه كالصّاعقة، كان جالسا القرفصاء قرب قبرها يتلو ما حفظه من آيات القرآن الكريم بكثير من الخشوع، وقد حاول الوقوف بشقالأنفس ليلتقط العبارات التي صنعتها شفتا صديقه زكريا ولسانه، الذي يحكي ما وقع بتلعثم يصارع عضلات اللسان وارتعاش يسيطر على جوارح هذا الإنسان.. تماما كصّحفي نجا للتو من قصف نيراني ساحق أو من خراطيم مياه مجنونة أو عبوات ناسفة لا ترحم. زحّل أحمد النظارات السوداء عن عيونه التي لم تألف عصياته استقبال أشعة الشمس، وكمّش العين اليسرى وفتح اليمنى بصعوبة، ثم روّض أعصابه الهائجة كما روّض الإسكندر المقدوني حصانه "بوسيفاليس" العنيد، وصاع السجادة صَوْعاً وعيونه تتسلق المكان الذي قرّر أن يزوره لأول مرة بعد مرور سنة عن وفاة والدته السيدة زينب. لم يتخيل أبدا أن نهاية البيت القديم والذي كان سبب خلافهما قبل أن تسرقها المنية إلى الأبد، سينهار في لحظة حاسمة. لقد ترعرعتْ أشواك الحقد في حديقة الأسرة الكريمة ذات يوم، واستثار همز الشيطان واستعمرها، وسمقتْ أغصان الكره سُموقاً، وذبّ غدير الحنان.. واتسعت المسافة بين الابن والأم، وكانت رغبةُ أحمد جامحةً في الاستيلاء على البيت، أطلق العنان لفرس شهواته تعدو كاسرة بحوافرها زنابق الياقوت وزهرة عصفور الجنة التي اعتنت بها الأم سنوات طوال تسقيها بعرقها وعشقها لرائحة التراب.. حتى نَفِهَتْ نفسها وأسكت الله نأمتها إلى الأبد. كان قلبها لا يكف عن النَّوالُ والوجْد وحبّ الناس وأولهم أحمد قرّة العين. عاهد أمه أن يحافظ على ممتلكات البيت القديم، أن يعطي لكل ذي حق حقه، لأخوته الصغار ولو لم يكونوا إخوة أشقاء، أن يعامل الكل معاملة حسنة بما يرضي الله.. هكذا كانت أجزاء من قطع وصاياها الذهبية، وهي تمسد براحة يدها مؤخرة رأسه عندما يستلقي كعادته على ركبتيها المشلولتين. أفكار السيدة زينب أشبه بأفكار الفيلسوف الإغريقي "يودجين"؛ فهي تقول: -" إن كل ما نملك وكل ما نعتقد أننا بحاجة إليه يعمل فقط على تشويشنا ويقف بيننا وبين التمتع البسيط بحياتنا". لكنه حال عن العهد بمجرد أن ابتلعت التربة جثمانها وقُرأت الفاتحة على روحها. فقرر أن يستولي على كل شيء في البيت القديم حتى رائحته التي تجوب أرجاء البهو الفسيح المطلة نوافذه على الحديقة، قرّر بعجرفة مخيفة أن يستحوذ على هذه الممتلكات التي تشوش على عباد الله لكي يتمتع بالحياة كما يراها هو، وليس على هدي أمه الطيبة. وهجّ من كلّ تلوينات الحياة وملذاتها، ليصبح ملكا على شعب وهمي يسكن البيت القديم.. وضع قوانين كتلك التي صنعها حمورابي لكنها كانت صورية.. بقي حبيس هذه المملكة لا يغادرها سنة كاملة، يستقبل فقط صديقه زكرياء ليمدّه بالطعام والشراب ... لأنه مازال يؤمن بالحياة الأخرى لكنه سَمَدَ عن شيء اسمه الكنانُ. اليوم صباحا، أشرقت الشمس باكرا مستعدة لفضح النوايا النائمة آمرةً أشعتها أن تتسلل برقة لتلجَ قلب البيت القديم، وتطل من شقق وتصدّعات شرعت في النمو بخبث على جدرانه الترابية. نجحت الأنوار الشمسية في إيقاظ أحمد، وتوسل إلى الله وسيلة بأن يُحجم عن أفكاره الشيطانية، ويدعو يمامات رشده كي تحط على شرفات بيته الداخلي المبعثر. وأخيرا، قرّر أن يزور القبر. جَلَسَ ذات يوم عَلَى شَرَفِ الطَّرِيقِ وهو يراقب أطفالا عادوا للتو من المدرسة، لوح بيده إليهم وصاح: وبالوالدين إحسانا.
الوسيلة
تقليص
X
-
الوسيلة
شدَّ أحمدُ رأسه بكلتا يديه وهو يسمع الخبر الذي نزل عليه كالصّاعقة، كان جالسا القرفصاء قرب قبرها يتلو ما حفظه من آيات القرآن الكريم بكثير من الخشوع، وقد حاول الوقوف بشقالأنفس ليلتقط العبارات التي صنعتها شفتا صديقه زكريا ولسانه، الذي يحكي ما وقع بتلعثم يصارع عضلات اللسان وارتعاش يسيطر على جوارح هذا الإنسان.. تماما كصّحفي نجا للتو من قصف نيراني ساحق أو من خراطيم مياه مجنونة أو عبوات ناسفة لا ترحم. زحّل أحمد النظارات السوداء عن عيونه التي لم تألف عصياته استقبال أشعة الشمس، وكمّش العين اليسرى وفتح اليمنى بصعوبة، ثم روّض أعصابه الهائجة كما روّض الإسكندر المقدوني حصانه "بوسيفاليس" العنيد، وصاع السجادة صَوْعاً وعيونه تتسلق المكان الذي قرّر أن يزوره لأول مرة بعد مرور سنة عن وفاة والدته السيدة زينب. لم يتخيل أبدا أن نهاية البيت القديم والذي كان سبب خلافهما قبل أن تسرقها المنية إلى الأبد، سينهار في لحظة حاسمة. لقد ترعرعتْ أشواك الحقد في حديقة الأسرة الكريمة ذات يوم، واستثار همز الشيطان واستعمرها، وسمقتْ أغصان الكره سُموقاً، وذبّ غدير الحنان.. واتسعت المسافة بين الابن والأم، وكانت رغبةُ أحمد جامحةً في الاستيلاء على البيت، أطلق العنان لفرس شهواته تعدو كاسرة بحوافرها زنابق الياقوت وزهرة عصفور الجنة التي اعتنت بها الأم سنوات طوال تسقيها بعرقها وعشقها لرائحة التراب.. حتى نَفِهَتْ نفسها وأسكت الله نأمتها إلى الأبد. كان قلبها لا يكف عن النَّوالُ والوجْد وحبّ الناس وأولهم أحمد قرّة العين. عاهد أمه أن يحافظ على ممتلكات البيت القديم، أن يعطي لكل ذي حق حقه، لأخوته الصغار ولو لم يكونوا إخوة أشقاء، أن يعامل الكل معاملة حسنة بما يرضي الله.. هكذا كانت أجزاء من قطع وصاياها الذهبية، وهي تمسد براحة يدها مؤخرة رأسه عندما يستلقي كعادته على ركبتيها المشلولتين. أفكار السيدة زينب أشبه بأفكار الفيلسوف الإغريقي "يودجين"؛ فهي تقول: -" إن كل ما نملك وكل ما نعتقد أننا بحاجة إليه يعمل فقط على تشويشنا ويقف بيننا وبين التمتع البسيط بحياتنا". لكنه حال عن العهد بمجرد أن ابتلعت التربة جثمانها وقُرأت الفاتحة على روحها. فقرر أن يستولي على كل شيء في البيت القديم حتى رائحته التي تجوب أرجاء البهو الفسيح المطلة نوافذه على الحديقة، قرّر بعجرفة مخيفة أن يستحوذ على هذه الممتلكات التي تشوش على عباد الله لكي يتمتع بالحياة كما يراها هو، وليس على هدي أمه الطيبة. وهجّ من كلّ تلوينات الحياة وملذاتها، ليصبح ملكا على شعب وهمي يسكن البيت القديم.. وضع قوانين كتلك التي صنعها حمورابي لكنها كانت صورية.. بقي حبيس هذه المملكة لا يغادرها سنة كاملة، يستقبل فقط صديقه زكرياء ليمدّه بالطعام والشراب ... لأنه مازال يؤمن بالحياة الأخرى لكنه سَمَدَ عن شيء اسمه الكنانُ. اليوم صباحا، أشرقت الشمس باكرا مستعدة لفضح النوايا النائمة آمرةً أشعتها أن تتسلل برقة لتلجَ قلب البيت القديم، وتطل من شقق وتصدّعات شرعت في النمو بخبث على جدرانه الترابية. نجحت الأنوار الشمسية في إيقاظ أحمد، وتوسل إلى الله وسيلة بأن يُحجم عن أفكاره الشيطانية، ويدعو يمامات رشده كي تحط على شرفات بيته الداخلي المبعثر. وأخيرا، قرّر أن يزور القبر. جَلَسَ ذات يوم عَلَى شَرَفِ الطَّرِيقِ وهو يراقب أطفالا عادوا للتو من المدرسة، لوح بيده إليهم وصاح: وبالوالدين إحسانا.الكلمات الدلالية (Tags): لا يوجد
-
ما الذي يحدث
تقليص
الأعضاء المتواجدون الآن 211731. الأعضاء 4 والزوار 211727.
أكبر تواجد بالمنتدى كان 409,257, 10-12-2024 الساعة 06:12.
تعليق