ميكي والحياة
فاجأ المخاض والدتي معلنا قدومنا وإخوتي، فقررت نقلنا إلى مكان آمن حيث تقيم عند أصحابها الجدد، بعدما حلوا مكان الأصليين الذين خلفوها وراءهم.
شفع لها جمال شكلها ودماثة طبعها، ورضخوا أمام إصرارها بالعودة كلما حاولوا طردها.
في ذلك اليوم استغرقت عملية النقل طوال النهار، وكانت شاقة عليها ومتعبة، حملتنا خلالها واحدا بعد الآخر على مراحل، حريصة على التأكد من سلامة الطريق في كل مرة.
هذا أتاح لكافة أفراد الأسرة فرصة المتابعة فرحين بمراقبتها، سعيدين بنا.
تحمل أحدنا بكل فخر بين فكيها، وتتهادى نحو خزانة قديمة بابها مخلوع في غرفة المراهقتين، تضعه هناك في درج يحتوي بعض الملابس المتروكة.. وتسمح له بأن يرضع وتقوم بلحسه حتى يطمئن ويهدأ. ثم تعود لجلب آخر، وهكذا دواليك حتى أتمت مهمتها بنجاح تام، ونقلتنا أطفالها الخمسة.
عرفت عن هذا، فلقد سمعتهم يروون الخبر مرارا وتكرارا للضيوف والأصدقاء...
ما أجمل الإحساس حين ترفعني إحداهما بيدها إلى أعلى، وأحلق بالفضاء. بعكس إحساسي حين كنت صغيرا مغمض العينين، لم أنقطع عن الصياح خوف السقوط وأطرافي تتحرك في الهواء. حين تعودت صرت أذوب بين أعطاف الصغيرة، وهي تحضنني بحنان إلى صدرها.
في ختام الشهر الأول من العمر، كانت قمة المتعة عندهم مراقبتنا نلعب معا .. لقد تعود رجل البيت أن يحرك عصا أعلا وأسفل، ونحن نتقافز عليها.
ذات يوم لم يأبه بصديقه حين حضر.. وكانا ينويان الخروج معا، فالتقط من يده العصا قائلا: هاتها أنا سأتولى عنك مسألة اللعب معهم.. أما أنت فعليك ارتداء ملابس الخروج.. لكي نذهب مشوار.
اعتدت دون إخوتي قضاء حاجتي على أرض الحمام، فأتسلل من خلال النافذة.. لكن كانت ربة الأسرة تستشيط غضبا مني.. تطاردني كي تضربني.. ما زلت لم أفهم لم كانت تغضب مني أليس الحمام معمولا لهذا الغرض؟!
أسموني "ميكي" لضآلة حجمي. وصار لقبي "المتخلف"، لأنهم اعتقدوا مخطئين بأنني -ودون إخواني- لا أعرف كيفية النزول عن الشجرة التي أمضي فوقها الساعات ولم يخطر ببالهم عشقي لرياضة
(اليوجا) التأملية..
بعمر الشهرين، كانوا لا زالوا مقتنعين بعدم قدرتي على البقاء وحيدا، فقرروا أن أنتقل معهم إلى دارهم الجديدة في العاصمة.
بالسيّارة.. حضنتني الصغيرة تطوقني بذراعيها في رحلة عذاب لي ولها ولحسن الحظ لم تزد عن النصف ساعة، مرت ألما وهلعا، فلقد أنشبتُ مخالبي في ساقها، لم أتركها إلا بعدما وصلنا وتوقفت السيارة تماما أمام المنزل الجديد في الضواحي على طرف المدينة.
الابن الشاب لم يطب له العيش هناك، بسبب البعد عن حبيبته في الحي القديم.. وانقلب مزاجه لصعوبة المواصلات فغدا عصبيا متجهما لا يضحك ولا لرغيف الخبز السخن..!
شممت رائحة شهية.. فقفزتُ فوق الطاولة وهممتُ بدجاجة عليها محشوة شهيّة، وإذ بالشاب يطيح بي برفسة قوية كالبغل في بطني. اللئيم طيرني عبر غرفة الجلوس من باب المطبخ إلى الحديقة، اللهم لطفك يا لطيف، لقد أفرغ كل كبته بي، ولم يدعني أهنأ مع الدجاجة..!
الحذاء يستطيع أن يصبح سلاحا فتاكا بالإضافة إلى شعور المهانة.. نفس شعور بوش الابن من حذاء منتظر الزيدي الطائر .. أنا متابع جيد للأخبار.
هذه الحادثة ربت عندي عقدة لفترة من الوقت.. لو سألتم أحد الأطباء النفسيين لقال بأنها:
(فوبيا الحذاء الرجالي)، كلما رأيت رجلا ينتعله أهرع ألوذ بمخبئي تحت السرير، وألبد هناك لا أتحرك إلا بعد ذهابه. لربما يجول بالأذهان الآن:
" ميكي جبان"، نعم بالتأكيد، يا روح ما بعدك روح.. مائة جبان ولا الله يرحمه.
تعلّمت درسي جيدا، وامتنعت بعدها عن القفز فوق الموائد.
فقط أسمح لنفسي بتناول ما أتمكن من الوصول إليه أرضا. وبهذا
أصبحت (الرجل المطاطي).
الأرائك الفخمة كانت تغويني لمعانقتها الوثيرة ليلا وهم نيام، لكن هذا ممنوع، وتعودت أقفز مسرعا إلى القديمة، كلما تحرك أحد منهم.. لكن انكشف أمري أمام ربة البيت في ليلة ما ومن حسن حظي لم تغضب، لربما لكوني لست مخربا، لا أخدشها.. وأشحذ مخالبي فقط على أشجار الحديقة. وأنظف نفسي جيدا على مقاعد الشرفة قبل ولوج المنزل...
اعتدت أن أرافق الأم كلما ذهبت لزيارة إحدى الجارات، أوصلها عند الباب وأقفل عائدا.. ثم أذهب إلى رأس الشارع أنتظر عودة صديقتي الصغيرة من المدرسة، فأستقبلها مرحبا عند نزولها من الحافلة، ونعود معا إلى البيت.
حبي الأول لن أنساه، تلك الزائرة المكتنزة السمينة، قريبتهم التي أقامت بضعة أيام عندهم..
- ميكي .. ميكي لمَ أنت جالس بعيدا عني؟ تعال هنا يا صديقي،
تناديني بصوتها الموسيقي الرخيم.. تسحرني،
فأتجاوب فورا وأنط في حضنها الواسع، مستمتعا بلمسات أناملها الرقيقة تداعب شعري الطويل، أغفو آمنا في دفئها.
هنا.. أستغرب صراخ أحدهم مني رعب،ا خصوصا الإناث، أنا وديع لا أعض ولا أخمش إلا دفاعا عن نفسي.
لما حان موعد سفر القريبة مشيت بجوارها أرافقها إلى موقف السفريات، صعدت معها في الحافلة أبادلها نظرات الوداع الأخيرة، وعندما اشتغل محركها قفزت مغادرا حزينا. وأدعُو الله أن يجمع المحبين معا ولا يفرقهم عن بعض.
كنت بين فترة وأخرى أحضر قطع اللحم المشوية وأقوم بالتهامها متلذذاعند قدمي الأم في الشرفة، تحت نظراتها المتسائلة عن المكان الذي أحضرتها منه.. لكن إن عرف السبب بطل العجب، عرفت السر حين شكت الجارة عن اختفاء اللحم الغامض.. في كل حفل شواء عندهم. كنت ماهرا ولم يرني أحد أثناء تسللي هناك.
صارت قضية اختفاء اللحم مصدر تندر وتفكه العائلة.. ولم يعودوا ينعتوني بالمتخلف، بل بصموا لي بالعشرة على مهارتي وذكائي..
مع تغذيتي الجيدة الوافرة، نَمَوْتُ كالخروف الصغير.. وازدادت محبتهم لي وشعبيتي عندهم، ودرجوا على معاملتي كفرد من العائلة، لدرجة أن الصغيرة خين تستلطف طفلا من أبناء الأقارب، تقول لوالدته:
- ما أجمل طفلك، إنه يشبه ميكي بالضبط...
فيصفر وجه الأم ويخضرّ. لكن لا وبكل تواضع، أنا أجمل بكثير...
لما نضجت وصرت بحاجة إلى زوجة لم أجد حولي إلا جارتنا الدميمة، الوحيدة المتوفرة في المنطقة، فكان الزواج - ما أفظعها - تنجب بالسنة الواحدة ثلاث مرات، ماكينة تفريخ مثالية، وفي كل مرة ستة أبناء..
في يوم قامت ورشة عمل، وحفروا الجبل القريب، بهدف بناء مشروع إسكان ضخم.
مما هيج الحشرات والزواحف من عقارب وأفاعي وجرذان، فقامت تزحف وتسعسع، وجبة دسمة ولذيذة بالنسبة لي أنصح بتذوقها، وأنا أطارد الأفاعي كنت حريصا على أن لا تلدغ رأسي، فلعابي بمثابة ترياق من سمومهم.
وإذ بأجيال ترافقني في مطاردتهم من جميع الأعمار.. معظمهم نسخة مني... شددت ظهري، ومشيت بينهم رافعا رأسي، مفتخرا بفحولتي:
- كل هؤلاء أولادي... !
"أوه، أرى عقرب سوداء قاتلة تتسلل نحو فراش صديقتي النائمة. لن أسمح لها، سأتخلص منها". انقضضت عليها ونجحت لقد ماتت، لكن..
"آه استطاعت لدغي في رأسي."
- تمت -
ملاحظة: معظم الوقائع حدثت فعلا....
إهداء ... إلى ميكي تخليدا لذكراه.
تعليق